الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المحتويات
فضل العلم وشرف أهله سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز 7
موضوع العدد:
المواشي السائبة على جوانب الطرق العامة اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء 17
الفتاوى:
فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء 33
من فتاوى سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز 83
البحوث:
الأحكام المتعلقة بالهلال الشيخ صالح بن محمد اللحيدان 91
مصادر النظم الإسلامية د. / حسين مطاوع الترتوري 119
الوجوه والنظائر في القرآن الكريم د. / سليمان بن صالح القرعاوي 165
جعفر بن أبي طالب اللواء الركن / محمود شيت خطاب 191
مشكلات التعليم في أفريقيا غير العربية د. / عبد الحليم عويس 223
مخطوطة "تفسير سورة الفلق" تأليف شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب تحقيق د. فهد بن عبد الرحمن الرومي 253
مناهج العلماء في إثبات الأحكام بخبر الواحد زيادة على ما ثبت فيها بالقرآن د. عبد الرؤوف مفضي خرابشة 287
من قرارات المجمع الفقهي 341
تأييد هيئة كبار العلماء لولي الأمر في تنفيذ حكم الله في الذين حاربوا الله ورسوله 347
قرار هيئة كبار العلماء في حكم جمعيات الموظفين وغيرهم 349
صفحة فارغة
الافتتاحية
فضل العلم وشرف أهله
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، والصلاة والسلام على عبده ورسوله وخيرته من خلقه وأمينه على وحيه، نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وأصحابه، ومن سلك سبيله، واهتدى بهداه إلى يوم الدين. . أما بعد:
فهذه كلمة موجزة في فضل العلم، وشرف أهله: لقد دلت الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة على فضل العلم والتفقه في الدين، وما يترتب على ذلك من الخير العظيم، والأجر الجزيل، والذكر الجميل، والعاقبة الحميدة لمن أصلح الله نيته، ومن عليه بالتوفيق.
والنصوص في هذا كثيرة معلومة، ويكفي في شرف العلم وأهله أن الله عز وجل استشهدهم على وحدانيته، وأخبر أنهم هم الذين يخشونه على الحقيقة والكمال. قال تعالى:{شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} (1).
فاستشهد الملائكة وأولي العلم على وحدانيته سبحانه، وهم العلماء بالله، العلماء بدينه الذين يخشونه سبحانه ويراقبونه، ويقفون عند حدوده، كما قال الله عز وجل:{إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} (2).
(1) سورة آل عمران الآية 18
(2)
سورة فاطر الآية 28
ومعلوم أن كل مسلم يخشى الله، ولكن الخشية الكاملة إنما هي لأهل العلم، وعلى رأسهم الرسل - عليهم الصلاة والسلام -، ثم من يليهم من العلماء على طبقاتهم. فالعلماء هم ورثة الأنبياء، فالخشية لله حق، والخشية الكاملة إنما هي من أهل العلم بالله والبصيرة به وبأسمائه وصفاته، وعظيم حقه سبحانه وتعالى، وأرفع الناس في ذلك هم الرسل والأنبياء - عليهم الصلاة والسلام -، ثم يليهم أهل العلم على اختلاف طبقاتهم في عملهم بالله ودينه.
والجدير بالعالم أينما كان، وبطالب العلم، أن يعنى بهذا الأمر، وأن يخشى الله، وأن يراقبه في كل أموره، في طلبه للعلم، وفي عمله بالعلم، وفي نشره للعلم، وفي كل ما يلزمه من حق الله، وحق عباده.
وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم في الصحيحين في حديث معاوية رضي الله عنه، أنه صلى الله عليه وسلم قال:«من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين (1)» .
وهذا الحديث العظيم له شواهد أخرى، عن عدة من الصحابة رضي الله عنهم، وهو يدل على أن من علامات الخير ودلائل السعادة، أن يفقه العبد في دين الله، وكل طالب مخلص في أي جامعة أو معهد علمي أو غيرهما، إنما يريد هذا الفقه ويطلبه، وينشده. . . فنسأل الله لهم في ذلك التوفيق والهداية وبلوغ الغاية.
ومن أعرض عن الفقه في الدين، فذلك من العلامات على أن الله ما أراد به الخير، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
يقول صلى الله عليه وسلم فيما رواه الشيخان عن أبي موسى رضي الله عنه: «مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضا، فكانت منها طائفة طيبة، قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس، فشربوا منها وسقوا وزرعوا، وأصاب طائفة منها أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء، ولا تنبت كلأ، فذلك مثل
(1) صحيح البخاري العلم (71)، صحيح مسلم الإمارة (1037)، سنن ابن ماجه المقدمة (221)، مسند أحمد بن حنبل (4/ 93)، موطأ مالك كتاب الجامع (1667)، سنن الدارمي المقدمة (226).
من فقه في دين الله، ونفعه ما بعثني الله به، فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به (1)».
فالعلماء الذين وفقوا لحمل هذا العلم طبقتان: إحداهما حصلت العلم ووفقت للعمل به، والتفقه فيه، واستنبطت منه الأحكام، فصاروا حفاظا وفقهاء، نقلوا العلم وعلموه الناس وفقهوهم فيه، وبصروهم ونفعوهم، فهم ما بين معلم ومقرئ، وما بين داع إلى الله عز وجل، ومدرس للعلم، إلى غير ذلك من وجوه التعليم والتفقيه.
أما الطبقة الثانية فهم الذين حفظوه ونقلوه لمن فجر ينابيعه، واستنبط منه الأحكام، فصار للطائفتين الأجر العظيم، والثواب الجزيل، والنفع العميم للأمة.
وأما أكثر الخلق فهم كالقيعان التي لا تمسك ماء، ولا تنبت كلأ لإعراضهم وغفلتهم، وعدم عنايتهم بالعلم.
فالعلماء وطلبة العلم في دور العلم الشرعي، على خير عظيم، وعلى طريق بحمد الله مستقيم، لمن وفقه الله لإخلاص النية، والصدق في الطلب.
وهنيئا لطلبة العلم الشرعي أن يتفقهوا في دين الله، وأن يتصبروا فيما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الهدى والعلم، وأن ينافسوا في ذلك، وأن يصبروا على ما في ذلك من التعب والمشقة، فإن العلم لا ينال براحة الجسم، بل لا بد من الجد والصبر والتعب، وهذا الإمام مسلم رحمه الله في صحيحه في أبواب المواقيت من كتاب الصلاة لما ساق عدة أسانيد ذكر فيها عن يحيى بن أبي كثير رحمه الله، أنه قال:"لا ينال العلم براحة الجسم"، ومقصوده رحمه الله من هذا التنبيه على أن تحصيل العلم والتفقه في الدين يحتاج إلى صبر ومثابرة، وعناية وحفظ للوقت، مع الإخلاص لله، وإرادة وجهه سبحانه وتعالى.
والدور العلمية التي يدرس فيها العلم الشرعي. وهكذا المساجد التي
(1) صحيح البخاري العلم (79)، صحيح مسلم الفضائل (2282)، مسند أحمد بن حنبل (4/ 399).
تقام فيها الحلقات العلمية الشرعية، شأنها عظيم، وفائدتها كبيرة؛ لأنها مهيأة لنفع الناس وحل مشاكلهم.
فالمتخرجون فيها يرجى لهم الخير العظيم، والفائدة الكبيرة، والنفع العام، فلا ينبغي لمن من الله عليه بالعلم أن ينزوي عن نفع الناس وتفقيههم وتذكيرهم بالله، وبحقه وحق عباده، سواء كان ذلك من طريق التدريس أو القضاء أو الوعظ والتذكير، أو المذاكرة بين الزملاء والإخوان في المجالس العامة والخاصة، كما ينبغي لأهل العلم أن يشاركوا في نشر العلم عن طريق وسائل الإعلام، لعظم الفائدة في ذلك، ووصول العلم إلى ما شاء الله من أنحاء الأرض.
ومعلوم ما في ذلك من الخير العظيم، والنفع العام للمسلمين، وشدة الحاجة إلى ذلك في هذا العصر، بل في كل عصر، ولكن في هذا العصر أشد لقلة العلم. وكثرة دعاة الباطل.
فالواجب على من رزق العلم، أن يتحمل المشقة في نفع الناس به: قضاء وتدريسا، ودعوة إلى الله عز وجل، وفي غير هذا من شئون المسلمين، حتى تحصل الفائدة الكبيرة، والثمرة العظيمة من هذا الطلب.
وطالب العلم يطلب العلم لينفع نفسه، ويخلصها من الجهالة ويتقرب إلى ربه عز وجل، بما يرضيه، على بصيرة وحسن دارية، ولينفع الناس أيضا، ويخرجهم من الظلمات إلى النور، ويقضي بينهم في مشاكلهم، ويصلح بينهم، ويعلم جاهلهم، ويرشد ضالهم، ويأمرهم بالمعروف، وينهاهم عن المنكر إلى غير ذلك.
فطالب العلم تدخل مهمته في أشياء كثيرة، ولا تنحصر في أبواب معدودة، ولا سيما القاضي. فإن القاضي إن وفقه الله وصبر تدخل وظيفته في أشياء كثيرة، فهو مع العلم محسوب، ومع القضاة محسوب، ومع المدرسين محسوب، ومع أهل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر محسوب،
ومع الدعاة إلى الله عز وجل، ومع الصالحين، إلى غير ذلك من شئون المسلمين. فينبغي له أن يهيئ نفسه لذلك، ويوطنها على تحمل الشدائد، في سبيل الله، وأن تكون همته عالية، كما كان سلفنا الصالح وأئمتنا رحمهم الله جميعا - ينفعون الناس بكل ما يستطيعون.
وإن وصيتي لأهل العلم وطلبته، ولكل مسلم ومسلمة، أن يصبروا في هذا الأمر، وأن يواصلوا الجهود في سبيل الحق، وأن يحفظوا الوقت، وأن يكثروا من المذاكرة بينهم فيما قد يشكل على بعضهم، حتى يتوافر لديهم من المعلومات ما يحصل به الخير لهم، وللمسلمين إن شاء الله، مع الحرص على إصلاح النية والإخلاص في كل ما يتقرب به العبد إلى ربه، وفي كل ما ينفع الناس.
ومن الأمور التي تنفع الناس، وتحل بها المشاكل، وينتشر بها العدل توجه أهل العلم والبصيرة والخشية لله سبحانه، للقضاء بين الناس وتعليمهم.
ومعلوم أن القضاء مما يعظم الله به الأجور، ويرفع به الدرجات، لمن أصلح الله نيته، ومنحه العلم النافع، وقصد به الخير للمسلمين.
وهو وإن كان خطيرا كان سلفنا الصالح يهابونه، ويخافونه، ولكن الأحوال تختلف، والزمان يتفاوت، والناس اليوم في أشد الضرورة إلى العالم، الذي يقضي بين الناس على بصيرة، ويخاف الله ويراقبه في حل مشاكلهم.
فلا ينبغي لمن أهله الله للقضاء بين الناس، ومنحه العلم والبصيرة، واشتدت إليه الحاجة أن يمتنع عن قبول القضاء، بل يجب عليه أن يقبله وأن يوطن نفسه على العمل بعلمه، وأن ينفذ ما أريد منه، وأن ينفع الناس بعلمه، ويسأل ربه التوفيق والإعانة، فإن عجز بعد ذلك، ورأى من نفسه أنه لا يستطيع، أمكنه بعد ذلك أن يعتذر وأن يستقيل.
أما من أول وهلة فلا ينبغي له ذلك، وهذا باب لا ينبغي لأهل العلم والإيمان والقدرة على نفع الناس، أن يفتحوه، بل ينبغي لأهل العلم أن تكون عندهم الهمة العالية والقصد الصالح، والرغبة في نفع المسلمين، وحل المشاكل التي تعترض لهم، حتى لا يتولى ذلك الجهلة.
فإنه إذا ذهب أهل العلم، تولى الجهلة، ولا شك. . . إما هذا وإما هذا، فلا بد للناس من قضاة يحلون مشاكلهم، ويحكمون بينهم بالحق، فإن تولى ذلك الأخيار وإلا تولاه غيرهم.
فالواجب على أهل العلم، وعلى كل من يخشى الله، أن يقدر هذا الوضع، وأن يحتسب الأجر عند الله، وأن يصبر ويتحمل ويرجو ما عند الله عز وجل من المثوبة، وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:«إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من صدور الرجال، ولكن يقبض العلم بموت العلماء، حتى إذا لم يبق عالم، اتخذ الناس رؤوسا جهالا، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا (1)» خرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما.
وبذا يعلم أهل العلم والإيمان عظم الخطر، وسوء العاقبة، إذا فقد علماء الحق، أو تركوا الميدان لغيرهم.
ولا يخفى أن العالم سواء كان قاضيا أو غيره إذا اجتهد فأصاب، فله أجران، وإن اجتهد فأخطأ فله أجر واحد، كما صح بذلك الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلا خطر عليه مع الصدق والإخلاص والتحري للحق، وإنما الخوف والخطر العظيم، على من يتهجم على القضاء أو الفتوى بالجهل، أو يقضي بالجور، كما في حديث بريدة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:«القضاة ثلاثة: قاضيان في النار وقاض في الجنة، فأما الذي في الجنة، فرجل عرف الحق وقضى به، ورجل عرف الحق فجار فهو في النار، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار (2)» أخرجه أبو داود
(1) صحيح البخاري العلم (100)، صحيح مسلم العلم (2673)، سنن الترمذي العلم (2652)، سنن ابن ماجه المقدمة (52)، مسند أحمد بن حنبل (2/ 162)، سنن الدارمي المقدمة (239).
(2)
سنن الترمذي الأحكام (1322)، سنن أبو داود الأقضية (3573)، سنن ابن ماجه الأحكام (2315).
والترمذي والنسائي وابن ماجه وصححه الحاكم.
أما من يتحرى الحق، ويجتهد في العمل به، ويتحرى النفع للمسلمين فهو بين أمرين، بين أجر وأجرين كما تقدم بذلك الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثم إني أوصي جميع إخواني المسلمين عامة، وأهل العلم وطلبته بصفة خاصة، ونفسي بتقوى الله عز وجل، في كل الأمور والعمل بالعلم بأداء فرائض الله، والبعد عن محارمه، لأن طالب العلم قدوة لغيره فيما يأتي ويذر، في جميع الأحوال في حال القضاء وغير القضاء، في طريقه وفي بيته، وفي اجتماعه بالناس وفي سيارته، وفي طائرته وفي جميع الأحوال.
فهو قدوة في الخير، عليه أن يراقب الله ويعمل بما علمه سبحانه، ويدعو الناس إلى الخير بقوله وعمله جميعا، حتى يتميز بين الناس ويعرف بعلمه وفضله، وهديه الصالح، وسيره على المنهج النبوي الذي سار عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام، رضي الله عنهم، مع العناية بالتواضع، وعدم التكبر.
فالعالم وغيره على خطر عظيم، تارة من جهة الرياء، وتارة من جهة الكبر، وتارة من جهات أخرى، ومقاصد متعددة، فعليه أن يتقي الله، ويخلص له العمل، ويراقب الله سبحانه وتعالى، في جميع شئونه، ويتواضع لعباد الله، ولا يتكبر عليهم بما أعطاه الله من العلم، وحرمه كثيرا من الناس، فليشكر الله، ومن شكر الله التواضع، وعدم التكبر، ومن شكر الله نشر العلم في المساجد وفي غير المساجد.
فالقاضي يخطب الناس، إذا احتيج إليه، ويدرس طلبة العلم، ويدعو إلى الله، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويجتهد في إصلاح أحوال المسلمين، ويتصل بولاة الأمور ويرفع إليهم ما يرى أنه من نصحهم.
فيكون دائما في مصالح المسلمين، وفي كل ما ينفعهم، وفي كل ما
يبرئ ذمته، ويرفع شأن الإسلام وأهله.
وأيضا أوصي إخواني جميعا وعلى رأسهم أهل العلم وطلبته بالقرآن الكريم، فإنه أعظم كتاب، وأشرف كتاب، وقد حوى خير العلوم كلها وأنفعها كما لا يخفى، وهو أعظم عون الله عز وجل، على الفقه في الدين، والتبصر فيه، والخشية لله عز وجل، وهو المعين في التأسي بالأخيار، فأوصي الجميع ونفسي بهذا الكتاب العظيم، تدبرا وتعقلا وإكثارا من تلاوته ليلا ونهارا، والرجوع إليه في كل شيء، ومراجعة كلام أهل التفسير فيما أشكل، فهو خير معين على فهم كتاب الله جل وعلا؛ لأن هذا الكتاب هو خير كتاب، وأفضل كتاب وأصدق كتاب يقول الله سبحانه:{إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} (1).
ويقول عز وجل: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} (2).
ويقول جل وعلا: {قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ} (3).
ويقول سبحانه: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} (4).
فجدير بالمؤمنين والمؤمنات عامة، وبأهل العلم خاصة أن يولوه العناية العظيمة، وأن يعضوا عليه بالنواجذ، وأن يجتهدوا في تدبره وتعقله والعمل به ومراجعة كلام أهل العلم فيما أشكل، كما قال الله سبحانه وتعالى:{كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} (5).
(1) سورة الإسراء الآية 9
(2)
سورة النحل الآية 89
(3)
سورة فصلت الآية 44
(4)
سورة الأنعام الآية 38
(5)
سورة ص الآية 29
وقال سبحانه: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} (1).
ثم سنة الرسول صلى الله عليه وسلم والعناية بها وحفظ ما تيسر منها، مع إكثار المذاكرة فيها، ولا سيما ما يتعلق بالعقيدة، وما يجب على المكلف فعله، وما يتعلق بعمل الإنسان الخاص به، فإنه به ألصق، وعنايته أوجب، وقد قال الله سبحانه وتعالى:
ولا سبيل إلى اتباعه صلى الله عليه وسلم على الكمال، إلا بدراسة سنته، والعناية بها مع العناية بكتاب الله عز وجل.
وأوصي أهل العلم وطلبته بالعناية بكتب الحديث والإكثار من قراءتها وتدريسها والمذاكرة فيها، وأهمها الصحيحان، ثم بقية الكتب الستة مع موطأ الإمام مالك ومسند الإمام أحمد، وسنن الدارمي وغيرها من كتب الحديث المعروفة، ضاعف الله الأجر لمؤلفيها، وجزاهم عن المسلمين خير الجزاء.
ثم مؤلفات أهل العلم المعروفين بحسن العقيدة، وسعة العلم بالأدلة الشرعية، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذاه: العلامة ابن القيم، والحافظ بن كثير - رحمة الله عليهم جميعا -. وقد برزوا في ذلك، ونشروا بين المسلمين العلم الكثير، وبينوا للناس عقيدة أهل السنة والجماعة بأدلتها من الكتاب والسنة.
ومن أهم كتب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: منهاج السنة، ومجموع الفتاوى، ومطابقة صريح المعقول لصحيح المنقول، والجواب الصحيح في الرد على من بدل دين المسيح، وغيرها من الكتب المفيدة النافعة، والمشتملة على بيان العقيدة الصحيحة والأحكام والرد على خصوم
(1) سورة محمد الآية 24
(2)
سورة آل عمران الآية 31
الإسلام.
ومن أفضل كتب ابن القيم رحمه الله: الطرق الحكيمة وأعلام الموقعين، وزاد المعاد، فهذه الكتب لها شأن عظيم، ولا سيما في حق القضاة والمفتين.
وهكذا فتاوى أئمة الدعوة: المسماة الدرر السنية، فقد جمعت رسائل كثيرة، وأجوبة مفيدة لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، وتلاميذه وأتباعه رحمهم الله جميعا - وهكذا فتاوى شيخنا العلامة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله، فقد اشتملت على علم عظيم، وفوائده جمة.
فأوصى بهذه الكتب بعد كتاب الله عز وجل، وسنة رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم. لما فيها من العلم العظيم، والعون على كل خير.
وهكذا ما أشبهها من الكتب المفيدة النافعة التي تعتني بالدليل مثل المغني وشرح المذهب، والمحلى وغيرها من الكتب التي تعني بالدليل ونقل أقوال أهل العلم فهي من أهم الكتب لأهل العلم وطلبته من القضاة وغيرهم.
وأسأل الله بأسمائه الحسنى، وصفاته العلى أن يوفقنا وجميع المسلمين للعلم النافع، والعمل الصالح، وأن يمنحنا جميعا النية الخالصة، والصبر والفقه في الدين، والفوز بالعاقبة الحميدة في الدنيا والآخرة، إنه تعالى جواد كريم، كما أسأله سبحانه وتعالى أن يوفق ولاة أمرنا وجميع ولاة أمر المسلمين، ويصلح بطانتهم، وأن يعينهم على كل خير، وأن ينصر بهم الحق، ويخذل بهم الباطل، وأن يعينهم على تحكيم كتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم في كل شيء، وأن يعيذنا وإياهم وسائر المسلمين من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، إنه سميع قريب، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
عبد العزيز بن باز
الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد
المواشي السائبة على الطرق العامة
إعداد: اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
الحمد لله وحده وبعد:
فبالإشارة إلى ما جاء في المحضر رقم (1) وتاريخ 11/ 8 / 1396هـ من محاضر جلسات هيئة كبار العلماء في دورتها التاسعة المنعقدة في شهر شعبان ابتداء من 11/ 8 / 1396هـ بخصوص رغبة المجلس من اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء إعداد بحث مختصر لموضوع المواشي السائبة المهملة من قبل أهلها. بالإشارة إلى ذلك أعدت اللجنة الدائمة في ذلك البحث التالي مستمدة من الله العون والتوفيق.
لعل موضوع المواشي السائبة لا يخرج عن الصور الآتية:
الأولى: مواش ذات قيمة مالية ولها سوق نافقة ويغلب على الظن أن لها ملاكا.
الثانية: مواش لا قيمة لها ويغلب على الظن تخلي ملاكها عنها، وهذه إما تكون مما يباح أكله فالغالب أن أصحابها قد تخلوا عنها لعدم الاستفادة منها إما لمرضها أو لكبرها أو نحو ذلك.
الثالثة: أن تكون مما يباح أكله كالحمير وقد تخلى عنها ملاكها ويمكن الانتفاع بها ركوبا ونقلا ونحو ذلك.
الرابعة: أن تكون من الصورة الثالثة إلا أنه لا يمكن الانتفاع بها لمرضها أو كبرها أو عرجها أو نحو ذلك.
فهذه أربع صور. أما الصورة الأولى فنظرا إلى أن تركها سائبة على
جانبي الطرق العامة مهددة أمن الطريق يعتبر ضررا بالغا وخطرا على الأموال والأنفس وحيث إن الشريعة الإسلامية تعني بتحقيق مصالح العباد ودرء المفاسد عنهم وتتخذ في سبيلي هذا الوسائل الكفيلة بتحقيق ذلك فترتكب أدنى المفسدتين لتفويت كبراهما وتؤثر مصلحة الجماعة على مصلحة الفرد في حال التعارض وتؤثر درء المفاسد على جلب المصالح لذلك كله فإن لولي الأمر أن يأمر باحتجاز هذه المواشي وبيعها في المزاد العلني بعد التعرف على صفاتها فإن جاء أصحابها أعطى ما يبقى من قيمتها بعد خصم مصاريف الاحتجاز والعلف والنقل والبيع إلا أن يرى ولي الأمر معاقبته على إهمالها وتركها مهددة أمن الطريق فله أن يصادر قيمتها عليه عقوبة له. وإن لم يتقدم لها مالك أدخلت قيمتها في بيت المال وهذا كله بعد إعلام المواطنين بضرورة حماية جوانب الطرق من مواشيهم وإخطارهم بعواقب المخالفة وذلك في وسائل الإعلام المختلفة من إذاعة وصحافة وتلفزة.
الصورة الثانية: حيث إن مثل هذه المواشي المباح ذبحها للأكل يغلب على الظن الرغبة عن أكلها لمرضها أو كبرها أو نحو ذلك من أسباب التخلي عنها وبالتالي انتفاء قيمتها المالية أو تفاهتها، وحيث إن تركها سائبة على جوانب الطرق العامة فيه تعريض لأمن الطريق وخطر على الأنفس والأموال، فإن لولي الأمر أن يأمر بذبحها وإطعامها من يرغب في أكلها من الفقراء أو حيوانات أخرى.
الصورة الثالثة: حيوانات لا تؤكل ويمكن الانتفاع بها ركوبا ونقلا ونحو ذلك. فهذا النوع من الحيوان إن وجد من يأخذه للتملك على شرط إبعادها عن جوانب الطرق بحيث يؤمن شرها ويتفادى خطرها أعطيها وبذلك ينتهي إشكالها. وإن أمكن نقلها إلى جهات أهلها بحاجة إليها فكذلك، وإن لم يتيسر شيء من ذلك وبقي إشكالها على حالة مهددة
أمن الطريق موفرة أسباب الدعس والصدم والحوادث وما يتبع ذلك في الغالب من إتلاف الأنفس والأموال وبذل جهات الاختصاص جهودا مكثفة في الإسعاف والتحقيق وفصل الخصومات فهذه الصورة قد يكون النظر في حكمها متفقا مع النظر في حكم الصورة الرابعة. ويتلخص النظر فيهما فيما يلي:
أن النظر في مآل هذه الحيوانات السائبة على جوانب الطرق العامة قد لا يتجاوز أمرين أحدهما: القول بذبحها وإطعامها حيوانات أخرى ويعلل ذلك بما يلي:
الأول: انتفاء ماليتها بانتفاء الانتفاع بها وحرمة أكلها على الناس.
الثاني: ثبوت أذيتها والضرر اللاحق من توافرها في الطرق وعلى جوانبها بما تسببه من الصدم والدهس والحوادث وتلف ما يتلف من ذلك من الأموال والأنفس. وقد جاءت الشريعة الإسلامية بتحصيل المصالح وتكثيرها ودرء المفاسد وتقليلها وارتكاب أدنى المفسدتين لتفادي أشدهما ولا شك أن مفسدة ذبحها إن وجدت فهي قليلة مغمورة في جنب مصالح الخلاص منها ودرء مفاسدها.
الثالث: إن جمعها والإبقاء عليها فيه تحميل لبيت المال للإنفاق عليها وفي ذلك مضرة حيث إن النفقة عليها من بيت المال أو غيره خسارة محضة وجهود ضائعة ليس لها مقابل في تحقيق أي مصلحة حاضرة ولا منتظرة، ومما لا شك فيه أن بيت المال مرصود لمصالح المسلمين في الحاضر والمستقبل، وأنه لا يجوز الصرف منه فيما لا فائدة للمسلمين منه.
الرابع: جواز ذبح المأكول لحمه مما تعافه الأنفس في الغالب لمرضه أو كبره أو نحو ذلك لإراحته أو للخلاص من مشقة النفقة عليه
ورعايته. فإذا جاز ذبح ذلك لغير الأكل فقد لا يكون فارق مؤثر بينه وبين ما لا يؤكل لحمه مما لا فائدة في بقائه إذا كان في ذبحه جلب مصلحة أو دفع مضرة.
الخامس: ما جاءت به النصوص وقال به أهل العلم من جواز قتل ما منه الأذى كالخمس الفواسق والهر المؤذي وغير ذلك من الحيوانات والحشرات المؤذية، قال العلامة ابن مفلح رحمه الله ما نصه:
ويكره قتل النمل إلا من أذية شديدة فإنه يجوز قتلهن وقتل القمل بغير النار ويكره قتلهما بالنار، ويكره قتل الضفادع، ذكر ذلك في المستوعب، قال في الغنية كذلك، وأنه لا يجوز سقي حيوان مؤذ - إلى أن قال - وقال صاحب النظم إلى أنه يحرم إحراق كل ذي روح وأنه يجوز إحراق ما يؤذي بلا كراهة إذا لم يزل ضرره دون مشقة غالبة إلا بالنار.
وقال: إنه سئل عما ترجح عند الشيخ شمس الدين صاحب الشرح فقال: ما هو ببعيد واستدل صاحب الشرح بالخبر الذي في الصحيحين أو في صحيح البخاري «أن نبيا من الأنبياء نزل على قرية نمل فآذته نملة فأحرق القرية فأوحى الله تعالى إليه: فهلا نملة واحدة (1)» - إلى أن قال - وقال في المستوعب في محظورات الإحرام: فأما النمل وكل ما لا يضر ولا ينفع كالخنافس والجعلان والديدان والذباب والنمل غير التي تلسع. فقال أحمد رحمه الله: إذا آذته - يعني هذه الأشياء - قتلها ويكره قتلها من غير أذية فإن فعل فلا شيء عليه. - إلى أن قال- عن إبراهيم النخعي قال: إذا آذاك النمل فاقتله. ورأى أبو العالية نملا على بساط فقتلهن. وعن طاووس قال: إنا لنفرق النمل بالماء، يعني إذا آذتنا روى ذلك ابن أبي شيبة في مصنفه وسئل الشيخ تقي الدين هل يجوز إحراق بيوت النمل
(1) صحيح البخاري بدء الخلق (3319)، صحيح مسلم السلام (2241)، سنن النسائي كتاب الصيد والذبائح (4359)، سنن أبو داود الأدب (5265)، سنن ابن ماجه الصيد (3225)، مسند أحمد بن حنبل (2/ 449).
بالنار فقال: يدفع ضرره بغير التحريق. وذكر في المغني في مسألة قتل الكلب أن ما لا مضرة فيه لا يباح قتله واستدل بالنهي عن قتل الكلاب فدل كلامه هذا على التسوية وأنه إن أبيح قتل ما ملا مضرة فيه من غير الكلاب أبيح قتل الكلاب وهو ظاهر كلام جماعة وهو متجه. وعلى هذا يحمل تخصيص جواز قتل الكلب العقور والأسود البهيم لأنه لم يبح قتل ما لا مضرة فيه - إلى أن قال - وعلى قولنا يمنع قتلها، أنها إذا آذت بكثرة نجاستها وأكلها ما غفل عنه الناس جاز قتلها على ما يأتي:
نص أحمد في النمل بقتله إذا آذاه مع أن الشارع نهى عن قتلها فما جاز في أحدهما جاز في الآخر. - إلى أن قال - فأما ما فيه منفعة من وجه ومضرة من وجه كالبازي والصقر والشاهين والباشق فإنه يخير في قتلها على ما ذكره في المستوعب وكذا في الفصول لما استوت حالتاه استوى الحال في قتله وتركه فمرضته في اصطياده لطيور الناس ومنفعته كونه يصطاد للناس قال: وكذا الفهد وكل كلب معلم للصيد - إلى أن قال - ويحرم قتل الهر وجزم بعضهم يكره. وإن ملكت حرم. وكذا جزم به صاحب النظم وإن كره فقط فقتل الكلب أولى ويجوز قتلها بأكلها لحما أو غيره نحوه قال صاحب النظم (بلا كراهة) وفي الفصول (حين أكله) لأنه لا يردعه إلا الدفع في حال صياله والقتل شرع في حق الآدمي وإن فارق الفصل ليرتدع الجنس. وفي الترغيب لا يجوز إلا إذا لم يندفع إلا به. وقال صاحب النظم وكذا لو كان يتبول على الأمتعة أو يكسر الآنية ويخطف الأشياء غالبا لا قليلا لمضرته. . . اهـ (1).
الأمر الثاني: القول بعدم إباحة ذبحها على أي حال كانت ولو ميؤوسا منها واستدل لذلك بما يلي:
روى مسلم في صحيحه: عن جابر بن عبد الله قال: «أمرنا رسول الله
(1) الآداب الشرعية الجزء الثالث ص 369/ 374
- صلى الله عليه وسلم بقتل الكلاب حتى إن المرأة تقدم من البادية بكلبها لتقتله، ثم نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتلها وقال: عليكم بالأسود البهيم ذي النقطتين فإنه شيطان (1)». وروى مسلم أيضا عن عبد الله بن المغفل قال: «أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل الكلاب ثم قال: ما بالهم وبال الكلاب ثم رخص في كلب الصيد وكلب الغنم (2)» فإذا كان هذا في الكلاب التي لا ينتفع بها بل قد يكون ضررها محققا كتنجيسها للشوارع ونحوها. . فكيف بالحمر بحجة أنه لا ينتفع بها؟
وعن ابن عمر رضي الله عنه قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى أن تصبر بهيمة أو غيرها للقتل (3)» متفق عليه. وعنه أن النبي صلى الله عليه وسلم «لعن من اتخذ شيئا فيه الروح غرضا (4)» متفق عليه. وعن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تتخذوا شيئا فيه الروح غرضا (5)» . . رواه مسلم. وقال النووي قال العلماء: صبر البهائم أن تحبس وهي حية لتقتل بالرمي ونحوه - وهو معنى لا تتخذوا شيئا فيه الروح غرضا - أي لا تتخذوا الحيوان الحي غرضا ترمون إليه كالغرض من الجلود وغيرها وهذا النهي للتحريم. . ولهذا قال صلى الله عليه وسلم في رواية ابن عمر التي بعد هذه: «لعن الله من فعل هذا (6)» . ولأنه تعذيب للحيوان وإتلاف لنفسه وتضييع لماليته وتفويت لذكائه إن كان مذكى ولمنفعته إن لم يكن مذكى. وعن جابر «أن النبي صلى الله عليه وسلم مر عليه حمار وقد وسم في وجهه قال: لعن الله الذي وسمه (7)» . . رواه مسلم.
فهذه الأحاديث ونظائرها دالة على - تحريم قتل كل ذي روح - لاتخاذها غرضا. . فكيف بقتل الحمر بدون غرض لذلك؟ ودعوى إيذائها وعدم الانتفاع بها ليس مبررا في قتلها كالكلاب حيث لا ينتفع بها والميؤوس منه لمرضه وعجزه لا أذى فيه. عن أبي هريرة رضي الله عنه «أن نملة قرصت نبيا من الأنبياء فأمر بقرية النمل فأحرقت فأوحى الله إليه أفي إن قرصتك نملة أهلكت أمة من الأمم تسبح (8)» . وفي بعض الأحاديث:
(1) صحيح مسلم المساقاة (1572)، سنن أبو داود الصيد (2846)، مسند أحمد بن حنبل (3/ 333).
(2)
صحيح مسلم الطهارة (280)، سنن النسائي الطهارة (67)، سنن أبو داود الطهارة (74)، سنن ابن ماجه الصيد (3201)، مسند أحمد بن حنبل (4/ 86).
(3)
صحيح البخاري الذبائح والصيد (5514)، مسند أحمد بن حنبل (2/ 94).
(4)
صحيح مسلم الصيد والذبائح وما يؤكل من الحيوان (1958)، سنن النسائي الضحايا (4441)، مسند أحمد بن حنبل (2/ 141).
(5)
صحيح مسلم الصيد والذبائح وما يؤكل من الحيوان (1957)، سنن الترمذي الأطعمة (1475)، سنن النسائي الضحايا (4443)، سنن ابن ماجه الذبائح (3187)، مسند أحمد بن حنبل (1/ 297).
(6)
صحيح مسلم الصيد والذبائح وما يؤكل من الحيوان (1958)، مسند أحمد بن حنبل (2/ 141).
(7)
صحيح مسلم اللباس والزينة (2117)، سنن أبو داود الجهاد (2564).
(8)
صحيح البخاري الجهاد والسير (3019)، صحيح مسلم السلام (2241)، سنن النسائي الصيد والذبائح (4358)، سنن أبو داود الأدب (5266)، سنن ابن ماجه الصيد (3225)، مسند أحمد بن حنبل (2/ 403).
«فهلا نملة واحدة، (1)» أخرجه مسلم وأخرج أيضا عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «عذبت امرأة في هرة سجنتها حتى ماتت فدخلت فيها النار لا هي أطعمتها وسقتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض (2)» . . قال النووي فيه وجوب نفقة الحيوان على مالكه وفي الحديث دليل لتحريم قتل الهرة وتحريم حبسها بغير طعام أو شراب. قال الشيخ أحمد بن محمد الصاوي المالكي في حاشيته على الشرح الصغير: ودخل في الدابة الواجبة نفقتها هرة عمياء فتجب نفقتها على من انقطعت عنده حيث لم تقدر على الانصراف فإن قدرت عليه لم تجب لأن له طردها.
وخرج الإمام مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن امرأة بغيا رأت كلبا في يوم حار يطيف ببئر قد اندلع لسانه من العطش فنزعت له بموقها فغفر لها (3)» .
قال النووي في الكلام على هذا الحديث معناه: في الإحسان إلى كل حيوان حي يسقيه ونحوه أجر وسمي الحي ذا كبد رطبة لأن الميت يجف جسمه وكبده.
ففي هذا الحديث الحث على الإحسان إلى الحيوان المحترم وهو ما لا يؤمر بقتله فأما المأمور بقتله فيتمثل أمر الشرع في قتله والمأمور بقتله كالكافر والحربي والمرتد والكلب العقور والفواسق الخمس المذكورات في الحديث وما في معناهن.
وأما المحترم: فيحصل الثواب بسقيه والإحسان إليه أيضا بإطعامه وغيره سواء كان مملوكا أو لا، وسواء كان مملوكا له أو لغيره. . والله أعلم.
قال في كشاف القناع: ولا يجوز قتلها أي البهيمة ولا ذبحها للإراحة لأنها مال ما دامت حية وذبحها إتلاف لها وقد نهي عن إتلاف المال كالآدمي المتألم بالأمراض الصعبة أو المصلوب بنحو حديد لأنه معصوم ما دام حيا. . ومعنى هذا كثير في كتب الحنابلة ولا نطيل بذكره مما يدل
(1) صحيح البخاري بدء الخلق (3319)، صحيح مسلم السلام (2241)، سنن النسائي كتاب الصيد والذبائح (4359)، سنن أبو داود الأدب (5265)، مسند أحمد بن حنبل (2/ 449).
(2)
صحيح البخاري أحاديث الأنبياء (3482)، صحيح مسلم البر والصلة والآداب (2242)، سنن الدارمي الرقاق (2814).
(3)
صحيح البخاري بدء الخلق (3321)، صحيح مسلم السلام (2245)، مسند أحمد بن حنبل (2/ 510).
على تحريم قتل ما لا يؤكل لحمه كالحمر ونحوها حتى لقصد راحتها أو كانت في النزع مثلا فيحرم قتلها. لذلك كما قرره (شيخ الإسلام ابن تيمية) وغيره. . فبهذا يتضح أن ما قيل من جواز قتل ما كان ميؤوسا منه من الحمر الأهلية غير مسلم. . وقد صرح أيضا الإمام النووي بتحريم قتل الحمر والبغل لدبغ جلده أو لاصطياد النسور والعقبان على لحمه وسواء في هذا الحمار الزمن والبغل المكسر.
وذكر الإمام النووي أيضا ما معناه إذا كان مع الإنسان دابة من حمار وغيره لزمه أن يحصل لها الماء لعطشها حتى لو لم يجد ماء إلا مع شخص آخر لا حاجة له به وامتنع من سقي الحمار أو الكلب جاز لصاحب الدابة أن يكابره عليه إذا امتنع من بيعه فيأخذه منه قهرا لكلبه ودابته كما يأخذه لنفسه فإن كابره فأتى الدفع على نفس صاحب الماء كان دمه هدرا وإن أتى على صاحب الكلب كان مضمونا. . أهـ.
ولم يفصل النووي في هذا بين ما إذا كان الحمار أو الكلب ميؤوسا منه أو غير ميؤوس أو يمكن الانتفاع بها أولا كما صرح به من قبل. . أهـ.
قال الشيخ الشبراملي الشافعي: (ويحرم ذبح الحيوان غير المأكول ولو لإراحته كالحمار الزمن مثلا).
قال في مغني المحتاج: وعليه علف دوابه وسقيها فإن امتنع أجبر في الحيوان المأكول على بيع أو علف أو ذبح وفي غيره على بيع أو علف ويحرم ذبحه للنهي عن ذبح الحيوان إلا لأكله. . أهـ.
هذا ما تيسر إيراده، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة العلمية للبحوث والإفتاء
عضو
…
عضو
…
نائب الرئيس
…
الرئيس
عبد الله بن سليمان بن منيع
…
عبد الله بن عبد الرحمن بن غديان
…
عبد الرزاق عفيفي
…
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
قرار رقم (48) وتاريخ 20/ 8 / 1396هـ
الحمد لله وحده وصلى الله وسلم على من لا نبي بعده محمد وعلى آله وصحبه وبعد:
ففي الدورة التاسعة لمجلس هيئة كبار العلماء المنعقدة في مدينة الطائف في شهر شعبان 1396هـ جرى من المجلس الاطلاع على خطاب سمو وزير الشؤون البلدية والقروية رقم "987/ 3 / ق" وتاريخ 17/ 2 / 1396هـ بخصوص المواشي السائبة على جوانب الطرق العامة. كما جرى الاطلاع على الفتوى الصادرة في ذلك من اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء. برقم "1075" وتاريخ 2/ 9 / 1395هـ وعلى الفتوى الصادرة من عضو المجلس سماحة الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد بموجب خطابه رقم "305/ 1" وتاريخ 12/ 1 / 1396هـ الموجه إلى سمو وزير الشؤون البلدية والقروية بخصوص ما ذكر وعلى البحث المعد من قبل اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء.
وبعد دراسة ما ذكر وتداول الرأي والمناقشة قرر بالأكثرية ما يلي:
إن سائبة المواشي لا تخلو إما أن تكون مما يؤكل لحمها أو لا، فإن كانت مما يؤكل لحمها فإن لولي الأمر أن يأمر باحتجازها وبيع ما يمكن بيعه منها في المزاد العلني بعد التعرف على صفاتها فإن جاء صاحبها أعطي ما يبقى من قيمتها بعد خصم مصاريف الاحتجاز والعلف والنقل والبيع وإن كانت مما لا يمكن بيعه لمرضه أو كبره أو نحو ذلك فلولي الأمر أن ينظر في شأنها بما يراه محققا للمصلحة العامة ودافعا للضرر. وهذا كله بعد إعلام المواطنين بضرورة حماية جوانب الطرق العامة من مواشيهم وإخطارهم بعواقب المخالفة وذلك بوسائل الإعلام المختلفة من إذاعة وصحافة وتلفزة. وإن كانت مما لا يؤكل لحمه كالحمير فنظرا إلى ثبوت
الضرر من توافرها على جوانب الطرق العامة وحيث تبين أنه ليس لها ملاك ولا سوق نافقة لبيعها فإن إزالة ضررها متعينة بأي طريق يضمن ذلك فإن وجد من يأخذها للتملك على شرط إبعادها عن جوانب الطرق العامة بحيث يؤمن شرها ويتفادى خطرها أعطيها، وبذلك ينتهي إشكالها وإن أمكن نقلها إلى جهات أهلها بحاجة إليها فكذلك وإن لم يتيسر شيء من ذلك وبقي إشكالها على حالة مهددة أمن الطريق موفرة أسباب الدهس والصدم والحوادث وما يتبع ذلك في الغالب من إتلاف الأنفس والأموال وبذل جهات الاختصاص جهودا كبيرة في الإسعاف والتحقيق وفصل الخصومات فإن لولي الأمر أن يتخذ ما يراه مناسبا للقضاء على ما توافر وجوده في الطرق العامة وعلى جوانبها بذبحها والإحسان إليها في ذلك وإطعامها حيوانات أخرى وذلك لأمور:
الأول: انتفاء ماليتها بانتفاء الانتفاع بها وحرمة أكلها على الناس.
الثاني: ثبوت أذيتها والضرر اللاحق من توفرها في الطرق وعلى جوانبها بما تسببه من الصدم والدهس والحوادث وتلف ما يتلف من ذلك من الأموال والأنفس وقد جاءت الشريعة الإسلامية بتحصيل المصالح وتكثيرها ودرء المفاسد وتقليلها وارتكاب أدنى المفسدتين لتفادي أشدهما، ولا شك أن مفسدة ذبحها إن وجدت فهي قليلة مغمورة في جنب مصالح الخلاص منها ودرء مفاسدها.
الثالث: أن جمعها والإبقاء عليها والحال ما ذكر، فيه تحميل لبيت المال للإنفاق عليها وتوظيف عمال يقومون بذلك وفي ذلك مضرة حيث إن النفقة عليها من بيت المال أو غيره خسارة محضة وجهود ضائعة ليس لها مقابل في تحقيق أي مصلحة حاضرة ولا منتظرة ومما لا شك فيه أن بيت المال مرصود لمصالح
المسلمين في الحاضر والمستقبل وأنه لا يجوز الصرف منه فيما لا فائدة للمسلمين منه.
الرابع: جواز ذبح المأكول مما تعافه الأنفس في الغالب لمرضه أو كبره أو نحو ذلك لإراحته أو الخلاص من مشقة النفقة عليه ورعايته فإذا جاز ذبح ذلك لغير الأكل فقد لا يكون فارق مؤثر بينه وبين ما لا يؤكل لحمه مما لا فائدة في بقائه إذا كان في ذبحه جلب مصلحة أو دفع مضرة.
الخامس: ما جاءت به النصوص وقال به أهل العلم من جواز قتل ما منه الأذى كالفواسق الخمس والهر المؤذي وغير ذلك من الحيوانات والحشرات المؤذية ومن ذلك ما ذكره العلامة ابن مفلح في كتابه "الآداب الشرعية" حول حكم قتل الكلاب المؤذية حيث قال: على قولنا يمنع قتلها أنها إذا آذت بكثرة نجاستها وأكلها ما غفل عنه الناس جاز قتلها. اهـ. وما ورد من النهي عن قتل الكلاب والثناء على من يسقيها إذا عطشت وذم من يحبسها أو يؤذيها فذلك فيما لا يؤذي من الحيوانات. وما ورد أيضا من النهي عن اتخاذ الحيوانات غرضا فذلك من أجل قتلها صبرا وهو في غير الحيوانات المؤذية بدليل الأمر بقتل ما يؤذي منها كالخمس الفواسق وغيرها.
وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
هيئة كبار العلماء
رئيس الدورة التاسعة
محمد بن علي بن حركان
الأعضاء
عبد الله بن محمد بن حميد
…
عبد الله خياط
…
عبد الرزاق عفيفي
عبد المجيد حسن
…
عبد العزيز بن صالح
…
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
صالح بن غصون
…
إبراهيم بن محمد آل الشيخ
…
سليمان بن عبيد
محمد بن جبير
…
عبد الله بن غديان
…
راشد بن خنين
…
صالح بن لحيدان
…
عبد الله بن منيع