الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قوله عز وجل: {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} (1)
وعبر بالقراءة عن الصلاة كما قال تعالى في سورة الإسراء:
{وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا} (2) أي بقراءتك، وقد استدل أصحاب أبي حنيفة رحمه الله بهذه الآية وهي قوله:{فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} (3)
على أنه لا يجب تعيين قراءة الفاتحة في الصلاة، بل لو قرأ بها أو بغيرها من القرآن ولو بآية أجزأه واعتضدوا بحديث المسيء صلاته في الصحيحين «ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن (4)» وقد أجابهم الجمهور بحديث عبادة بن الصامت، وهو في الصحيحين أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:«لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب (5)» وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كل صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج فهي خداج (6)» «لا تجزئ صلاة من لم يقرأ بأم القرآن (7)»
(1) سورة المزمل الآية 20
(2)
سورة الإسراء الآية 110
(3)
سورة المزمل الآية 20
(4)
صحيح البخاري الأذان (757)، صحيح مسلم الصلاة (397)، سنن الترمذي الصلاة (303)، سنن النسائي الافتتاح (884)، سنن أبو داود الصلاة (856)، سنن ابن ماجه إقامة الصلاة والسنة فيها (1060)، مسند أحمد بن حنبل (2/ 437).
(5)
صحيح البخاري الأذان (756)، صحيح مسلم الصلاة (394)، سنن الترمذي الصلاة (247)، سنن النسائي الافتتاح (911)، سنن أبو داود الصلاة (822)، سنن ابن ماجه إقامة الصلاة والسنة فيها (837)، سنن الدارمي الصلاة (1242).
(6)
أخرجه مسلم في الصلاة باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة رقم 395 جـ1 ص297. وفي صحيح ابن خزيمة عن أبي هريرة مرفوعا
(7)
ابن كثير: تفسير القرآن العظيم جـ4 ص439 نشر مكتبة الدعوة الإسلامية شباب الأزهر.
(ج)
الطمأنينة في الركوع والسجود:
جاء في الصحيحين: «أن أعرابيا دخل المسجد فصلى ركعتين، ثم جاء فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ارجع فصل فإنك لم تصل، فرجع فصلى كما صلى، ثم جاء فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: ارجع فصل فإنك لم تصل فقال له في الثالثة: والذي بعثك بالحق ما أحسن غيره فعلمني، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعا، ثم ارفع حتى تعتدل قائما، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسا، ثم
افعل ذلك في صلاتك كلها (1)».
فقد وقع الخلاف بين العلماء في هذه المسألة، بناء على الاختلاف في قاعدة الزيادة على النص على مذهبين:
المذهب الأول: مذهب الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة، فعندهم أن الطمأنينة فرض في الصلاة، تبطل الصلاة بتركها، وبقولهم أخذ أبو يوسف من الحنفية.
المذهب الثاني: وهو ما ذهب إليه أبو حنيفة ومحمد بن الحسن - رحمهما الله -، من أنها ليست بفرض في الصلاة، بل هي واجب على تخريج الكرخي وسنة على تخريج الجرجاني وإنما الفرض هو الركوع والسجود (2).
دليل المذهب الأول: لقد استدل أصحاب هذا المذهب بما يلي:
(أ) قوله صلى الله عليه وسلم آمرا الأعرابي في الحديث السابق الذكر: «ثم اركع حتى تطمئن راكعا، ثم ارفع حتى تعتدل قائما، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا (3)» .
(1) أخرجه البخاري في الصلاة، باب وجود القراءة للإمام والمأموم جـ1 ص192 ومسلم في الصلاة، باب وجوب قراءة الفاتحة جـ1 ص298. والترمذي باب ما جاء في وصف الصلاة جـ1 ص185 - 186، وأحمد جـ2 ص437. وابن ماجه باب إتمام الصلاة جـ1 ص336، والبيهقي باب ما يدخل به في الصلاة من التكبير، والنسائي في الافتتاح باب فرض التكبيرة الأولى، جـ2 ص124.
(2)
ابن الهمام: شرح فتح القدير جـ1 ص300، الكاساني: بدائع الصنائع جـ1 ص439.
(3)
صحيح البخاري الأذان (793)، صحيح مسلم الصلاة (397)، سنن الترمذي الصلاة (303)، سنن النسائي الافتتاح (884)، سنن أبو داود الصلاة (856)، سنن ابن ماجه إقامة الصلاة والسنة فيها (1060)، مسند أحمد بن حنبل (2/ 437).
فمن هذا الحديث يظهر أن الطمأنينة هي أقل ما هو مطلوب بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: «ارجع فصل فإنك لم تصل (1)» والأمر بالإعادة دليل على فساد الصلاة بفساد ركن منها.
ثمة إنه نفى كون المؤدى صلاة، وكذا فقد أمره بالطمأنينة، والأمر المطلق للوجوب الذي هو الفرضية (2).
(ب) قوله صلى الله عليه وسلم: «لا تجزئ صلاة لا يقيم الرجل صلبه فيها في الركوع والسجود (3)» .
(ج) قوله تعالى: {ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} (4).
مطلق بينه الرسول صلى الله عليه وسلم، وفسره فيجب الرجوع إلى بيانه صلى الله عليه وسلم (5).
أما دليل المذهب الثاني القائل بأن الطمأنينة ليست فرضا، فأمور منها:
(أ) إن المأمور في قوله تعالى: {ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} (6).
هو مطلق الركوع والسجود فقط، والركوع هو الانحناء والميل، يقال ركعت النخلة إذا مالت إلى الأرض، والسجود هو التطأطؤ والخفض، وذلك يحصل دون الإتيان بالطمأنينة، فتتعلق الركنية بالأدنى فيهما.
ثم في جعل الطمأنينة فرضا، زيادة على النص القرآن بخبر الواحد، والزيادة عندهم نسخ، وخبر الواحد لا يصلح ناسخا للقرآن.
(ب) إن نفي النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون قد صلى، ليس نفيا لأصل الصلاة
(1) صحيح البخاري الأذان (757)، صحيح مسلم الصلاة (397)، سنن الترمذي الصلاة (303)، سنن النسائي الافتتاح (884)، سنن أبو داود الصلاة (856)، سنن ابن ماجه إقامة الصلاة والسنة فيها (1060)، مسند أحمد بن حنبل (2/ 437).
(2)
الكاساني: بدائع الصنائع جـ1 ص438.
(3)
أخرجه أبو داود بلفظ "ظهره" بدل صلبه في الصلاة، باب صلاة من لا يقيم صلبه في الركوع والسجود جـ1 ص197. والترمذي في الصلاة، باب ما جاء فيمن لا يقيم صلبه في الركوع والسجود، جـ1 ص165 وقال: حديث حسن صحيح، وأخرجه أحمد جـ4 ص119.
(4)
سورة الحج الآية 77
(5)
ابن قدامة: المغني جـ1 ص500، النووي: المجموع جـ3 ص378، 407.
(6)
سورة الحج الآية 77
وإنما هو نفي للكمال، ودفع للنقص، بدليل أنه ورد في إحدى روايات حديث المسيء صلاته «فإذا فعلت هذا فقد تمت صلاتك، وما انتقصت من هذا فقد انتقصت من صلاتك (1)»
ووجه الدلالة في هذه الرواية من جهتين:
الأولى: لقد سمى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الأعرابي صلاة، فلو كان ترك الطمأنينة مفسدا للصلاة لما سماها صلاة، كما لو ترك الركوع أو السجود.
الثانية: ترك الرسول صلى الله عليه وسلم المسيء صلاته حتى أتمها، ولو كان عدم الاطمئنان مفسدا، لفسدت الصلاة من أول ركعة، ولما حل له الاستمرار فيها بعد الفساد. فإقرار الرسول صلى الله عليه وسلم له على ذلك دليل على عدم البطلان، وإقراره من السنة ثاني الأدلة الشرعية (2).
بعد ذكر آراء العلماء في هذه المسألة، واستدلالاتهم، فالذي أميل إليه وأدين الله به هو ما عليه جمهور العلماء، من أن الطمأنينة فرض في الصلاة لا تصح الصلاة بدونها، وذلك لأن أدلة الجمهور أقوى من أدلة الفريق الآخر، حيث إن حديث المسيء صلاته نص في هذا المقام، والآية مطلقة في الركوع والسجود، وأمر بيانها موكول إلى رسول الله بقوله عز وجل:{وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} (3).
ثم إن حديث المسيء صلاته أصح من الحديث الذي وردت به زيادة وما انتقصت من هذا فقد انتقصت صلاتك.
أضف إلى ذلك أنه قد أخرج الحاكم حديثا على شرط الشيخين وهو قوله صلى الله عليه وسلم: «أسوأ الناس سرقة، الذي يسرق من صلاته، قيل: وكيف
(1) أخرجه أبو داود في الصلاة، باب صلاة من لا يقيم صلبه وسكت عنه، جـ1 ص197.
(2)
الكاساني: بدائع الصنائع جـ1 ص438 - 439.
(3)
سورة النحل الآية 44