الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الأئمة فقال: فظهر أن القول ما قاله محمد وباقي الأئمة الثلاثة، ولقد صدق قول صاحب الأسرار: ومسألة يخالف فيها كبار الصحابة يعوز فقهها، ويصعب الخروج منها (1)، والله أعلم.
(1) ابن الهمام: فتح القدير جـ4 ص185.
(ب)
اجتماع القطع والضمان على السارق:
يقول الله عز وجل: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (1).
ويقول صلى الله عليه وسلم: «لا يغرم صاحب سرقة إذا أقيم عليه الحد (2)» . فالآية الكريمة أظهرت جزاء السارق، وأنه القطع، دون التعرض للمسروق، هل يرد إلى المسروق منه أو لا يرد؟ ولكن الحديث بين أن السارق غير ضامن، بعد إقامة الحد عليه، فما هو موقف العلماء من هذه المسألة، على ضوء الآية الكريمة والحديث الشريف؟
من المتفق عليه بين العلماء أن الواجب في حق السارق القطع، من حيث هو جناية، والغرم إذا لم يجب القطع، واتفقوا أيضا على رد المسروق بعد إقامة الحد، إذا كان باقيا غير مستهلك.
ولكنهم اختلفوا في حكم اجتماع القطع والضمان إذا كان المسروق تالفا، بهلاك أو استهلاك.
فذهب أبو حنيفة إلى أنه لا يجتمع قطع وغرم، في حد السرقة إذا لم تكن العين المسروقة قائمة عنده، وهو قول الثوري وابن أبي ليلى وعطاء
(1) سورة المائدة الآية 38
(2)
أخرجه النسائي في كتاب قطع السارق، باب تعليق يد السارق في عنقه، جـ8 ص93، وقال: هذا مرسل وليس بثابت. والبيهقي في الحدود جـ8 ص277 وقال: هذا حديث مختلف فيه، وقال: فهو منقطع.
والشعبي ومكحول وابن شبرمة وابن سيرين.
وذهب الشافعي وأحمد إلى أنه يجب على السارق القطع والغرم، وهو قول الحسن والنخعي والليث والبتي وإسحاق وحماد.
أما مالك فقد فرق بين الموسر والمعسر، فأخذ بقول أبي حنيفة في المعسر، فلم يضمنه بعد القطع، بخلاف الموسر فقد ضمنه، ووافق قوله قول الشافعي وأحمد في ذلك.
احتج من جمع بين الأمرين بما يلي:
(أ) عموم قوله تعالى: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} (1).
(ب) قوله صلى الله عليه وسلم: «على اليد ما أخذت حتى تؤديه (2)» وجه الدلالة أن السارق قد أخذ المسروق، فيلزمه ضمانه حتى يرده إلى صاحبه.
(ج) إن المسروق عين يجب ضمانها وردها إجماعا إن كانت باقية، فيجب ضمانها إذا كانت تالفة، كما لو لم يقطع، قياسا على سائر الأموال الواجبة (3).
(د) إن جريمة السرقة قد اجتمع فيها حقان: حق لله، وحق للآدمي، فاقتضى كل حق موجبه، وذلك كاستهلاك صيد مملوك في الحرم، يجب الجزاء حقا لله تعالى، ويضمنه حقا للعبد، ومثله السرقة
(1) سورة البقرة الآية 194
(2)
أخرجه أبو داود في الإجارة، باب تضمين العارية جـ2 ص265، والترمذي، باب ما جاء في العارية مؤداة، وصححه جـ2 ص369، وابن ماجه في الصدقات، باب العارية، جـ2 ص802، والدارمي، باب العارية مؤداة، وأحمد جـ5 ص8، 13.
(3)
ابن رشد: بداية المجتهد جـ2 ص413، العقبي: تكملة مجموع النووي جـ18 ص339.
فيقطع لحق الله، ويضمن لحق العبد (1).
وعمدة من منع وقال: لا يغرم السارق بعد القطع ما يلي:
ما ورد عن المفضل بن فضالة عن يونس بن يزيد قال: سمعت سعد بن إبراهيم يحدث عن المسور بن إبراهيم عن عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يغرم صاحب سرقة إذا أقيم عليه الحد (2)» .
ونوقش هذا الدليل بما يلي:
(أ) إن هذا الحديث مختلف فيه من حيث الرواة، إذ أن سعد بن إبراهيم - الراوي عن المسور بن إبراهيم - مجهول، قاله ابن المنذر، ونقل عن ابن عبد البر قوله: الحديث ليس بالقوي، وقال البيهقي: لا يثبت للمسور الذي ينسب إليه سعد بن محمد بن إبراهيم سماع من جده عبد الرحمن بن عوف، فهو منقطع، وقال ابن أبي حاتم نقلا عن أبيه قوله: هذا حديث منكر، ومسور لم يلق عبد الرحمن، هو مرسل أيضا.
وأجاب في فتح القدير: بأن الإرسال غير قادح بعد ثقة الراوي وأمانته، وذلك الساقط إن كان قد ظهر أنه الزهري فقد عرف، وبطل القدح (3).
وذلك مردود، لأنه قيل: إن سعد بن إبراهيم هو الزهري، وقيل: إن الذي روى عن سعد بن إبراهيم هو الزهري، حسب رواية إسحاق بن الفرات عن المفضل بن فضالة.
على أنه تبقى الجهالة تحيط بسعد بن إبراهيم، زيادة على الانقطاع بين
(1) ابن قدامة: المغني جـ 8 ص 271، ابن الهمام: فتح القدير جـ 6 ص 413.
(2)
أخرجه النسائي في باب تعليق يد السارق في عنقه وقال: مرسل وليس بثابت جـ 8 ص 93 والبيهقي في الحدود جـ 8 ص 277 وقال: هذا حديث مختلف فيه وقال: فهو منقطع.
(3)
ابن الهمام: شرح فتح القدير جـ 6 ص 414.
سعد بن إبراهيم ويزيد بن يونس، علما بأن الشبهة تبقى مكتنفة الاستدلال بهذا الحديث، فلا يكون الاحتجاج به سليما.
ومما يقتضي النظر، ما قاله الرهاوي في حاشيته على شرح المنار، مقررا تمسكه بمذهبه، دون التفات إلى آراء الخصوم، ولا إلى آراء علماء الحديث، فقال:
ويجاب بأن أئمتنا قد عملوا بهذا الحديث، واستدلوا به، فدل ذلك على صحته، لأن القاعدة عندنا، أن المجتهد إذا عمل بدليل من السنة، وطعن الخصم، لا يلتفت إلى قوله؛ لأن المجتهد بذل وسعه في ذلك، وكذا لا يلتفت إلى قول المحدثين من أنه ضعيف، أو غير صحيح؛ لأن ذلك اصطلاح حادث، نشأ من طول الطريق (1).
(ب) الاستدلال بهذا الحديث خروج عن القاعدة التي تقولون بها، من أن الزيادة على النص نسخ، وخبر الواحد لا يقوى على النسخ كما هو مقرر، فخرجتم عن قاعدتكم بالاستدلال بهذا الحديث.
وأجابوا عن هذه المناقشة:
بأن حكم عدم الضمان ثابت بإشارة قوله تعالى: جزاء المقرونة بالقطع، وهو قوله تعالى:{فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا} (2).
وتوجيه ذلك أن فعل السرقة قد حصل من العبد، والله قد قرر القطع جزاء كاملا للفاعل، وكمال الجزاء يستدعي كمال الجناية، وإنما تكتمل الجناية إذا كانت حقا لله تعالى، إذ الجزاء مأخوذ من مصدر جزى بمعنى كفى، فلو وجب غرم لم يكف الجزاء، لذا فإن فعل السارق تمحض حقا لله تعالى، وبناء عليه فالجزاء الذي هو القطع يكفي لحق الله (3).
(1) الرهاوي: حاشية الرهاوي على ابن ملك ص 91.
(2)
سورة المائدة الآية 38
(3)
ابن ملك: شرح المنار وحواشيه ص 90 فما بعد، ابن نجيم: فتح الغفار جـ 1 ص 23.