المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌بعض أقوال أهل العلم: - مجلة البحوث الإسلامية - جـ ٢٧

[مجموعة من المؤلفين]

فهرس الكتاب

- ‌المحتويات

- ‌وجهة رأي بشأن المواشي السائبةعلى جوانب الطرق العامة

- ‌الفتاوى

- ‌ الصلاة في المساجد التي يوجد بها قبور ومقامات

- ‌ تلاوة سورة الإخلاص والمعوذتين والفاتحة للاستشفاء

- ‌ قراءة القرآن لمريض لوجه الله تعالى أو بأجرة

- ‌ الرقية بالقرآن وبالأذكار

- ‌ العلاج الشرعي للذي مسه الجن

- ‌ تأثير عين الحاسد في المحسود

- ‌ حقيقة العين

- ‌ علاج الإصابة بالعين

- ‌ تمليك الجن سلطانا على البشر

- ‌ الذهاب إلى الكنيسة لعلاج الصرع

- ‌من فتاوىسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز

- ‌وجوب العدل بين العامل المسلم وغيره

- ‌حكم السكن مع العوائل في الخارج

- ‌حكم تغيير الاسم بعد الإسلام

- ‌ الاحتيال لأخذ قرض أو مساعدة

- ‌ما هو المثل الأعلى

- ‌حكم الطواف وختم القرآن للأموات

- ‌مم خلق الله الملائكة وإبليس

- ‌حكم النكت في الإسلام

- ‌ مصافحة الطالب لزميلته

- ‌ التهرب من العمل في القضاء

- ‌حكم المقارنة بين الشريعة والقانون

- ‌ صبغ اللحية بالسواد

- ‌الأحكام المتعلقةبالهلال

- ‌بعض أقوال أهل العلم:

- ‌مصادرالنظم الإسلامية

- ‌أولا: القرآن الكريم

- ‌تعريف القرآن وجمعه:

- ‌أنواع الأحكام التي اشتمل عليها القرآن:

- ‌دلالة آيات القرآن:

- ‌خصائص أحكام القرآن الكريم:

- ‌ المرونة والصلاحية لكل زمان ومكان

- ‌اليسر ورفع الحرج:

- ‌السنة النبوية

- ‌ تعريف السنة في اللغة والاصطلاح

- ‌تدوين السنة وثبوتها:

- ‌حجية السنة:

- ‌منزلة السنة من القرآن من جهة ما ورد فيها من أحكام:

- ‌الاجتهاد

- ‌أقسام الاجتهاد

- ‌مراجع البحث

- ‌الوجوه والنظائرفي القرآن الكريم

- ‌الوجوه والنظائر لغة:

- ‌الوجوه والنظائر اصطلاحا:

- ‌الفرق بين الوجوه والنظائر في القرآن الكريم وبين تفسير المفردات:

- ‌أهمية هذا العلم والتدوين فيه:

- ‌منزلة علم الوجوه والنظائر بين العلوم الشرعية بعامة وعلوم القرآن بخاصة:

- ‌أولا: منزلته بين العلوم الشرعية بعامة:

- ‌ثانيا: في علوم القرآن بخاصة:

- ‌نشأته:

- ‌قائمة المراجع والمصادر

- ‌جعفر بن أبي طالبأول سفير في الإسلام

- ‌نسبه وأيامه الأولى

- ‌المهاجر السفير:

- ‌في سرية مؤتة:

- ‌السفير

- ‌جعفر في التاريخ

- ‌مشكلات التعليم في أفريقيا غير العربية

- ‌المسلمون في إفريقيا غير العربية:

- ‌الواقع اللغوي والثقافي في إفريقيا جنوب الصحراء:

- ‌إفريقية والصراع العقائدي:

- ‌المعاهد العليا والجامعات الإسلامية في إفريقية جنوب الصحراء:

- ‌من أهم الجامعات في إفريقية جنوب الصحراء

- ‌مشكلات الجامعات الإسلامية في البلاد الإفريقية جنوب الصحراء:

- ‌الجامعات الإسلامية الإفريقية. . الحلول والطريق:

- ‌مخطوطةتفسير سورة الفلق

- ‌التعريف بالمؤلف:

- ‌التعريف بالتفسير:

- ‌أصول الكتاب:

- ‌المراجع

- ‌مناهج العلماءفي إثبات الأحكام بخبر الواحدزيادة على ما ثبت منها بالقرآن

- ‌مقدمة:

- ‌المشكلة المراد حلها وخطة البحث:

- ‌ مبنى الخلاف في هذه المسألة:

- ‌ فائدة الخلاف وثمرته:

- ‌ استدلال كل فريق على رأيه:

- ‌ بيان ابن القيم لمقصود الحنفية ورده عليهم:

- ‌ بعض الآثار التي ترتبت على الاختلاف في قاعدة الزيادة على النص

- ‌ فرضية النية للوضوء والغسل:

- ‌ تعيين قراءة الفاتحة في الصلاة:

- ‌ الطمأنينة في الركوع والسجود:

- ‌ اشتراط الطهارة في الطواف:

- ‌ تغريب الزاني البكر:

- ‌ القضاء بشاهد ويمين:

- ‌ اصطدام عند التطبيق:

- ‌ انهدام ما دون الطلقات الثلاث بالزوج الثاني:

- ‌ اجتماع القطع والضمان على السارق:

- ‌خاتمة توضح بعض نتائج البحث

- ‌المراجع

- ‌منقرارات المجمع الفقهي

- ‌القرار الأولحول (الوجودية)

- ‌القرار الرابعحكم البهائية والانتماء إليها

- ‌ حكم جمعيات الموظفين وغيرهم

- ‌حديث شريف

الفصل: ‌بعض أقوال أهل العلم:

ومع ذلك أيترك الله أمرا في منتهى الخطورة فلا يرشدنا إليه بكتاب ولا سنة إن هذا الظن بالله وبرسوله غير لائق ومن كتب عن الهلال لا شك أنه لم يرد لذهنه هذا الظن لكن كتابته تؤدي إليه فهل يرضى لنفسه ذلك؟ ثم تعال معي لنقرأ بعض كلام أهل العلم حول هذا الموضوع لتزداد طمأنينة بأن علماءنا الأجلاء بحثوا هذا الأمر بعلم وتقعيد وأرسوا لنا فيه قواعد متينة وليس ذلك قول طائفة واحدة منهم بل هو قول عامة علماء الأمة خلفا عن سلف.

ص: 102

‌بعض أقوال أهل العلم:

ونبدأ بشيخ الإسلام ابن تيمية لأن بعض من كتب عن الهلال ورد الشهادة لمخالفة الحساب قد شوش على الناس بالنقل عنه فأحببت البدء به ولو كان من سبقه من أئمة الإسلام ردوا على من قال بالحساب وسفهوا رأيه وعدوه خالف الإجماع، قال- رحمه الله بعد مقدمة عظيمة في كمال الدين ووجوب اتباع صراط الله المستقيم وأن الله أمرنا أن لا نكون كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءتهم البينات وأن الله أمرنا بالاعتصام بالدين وأنه يقع المتنازع في تفصيله، فتارة يكون بين العلماء المعتبرين في مسائل الاجتهاد، وتارة يتنازع فيه قوم جهال بالدين أو منافقون أو سماعون للمنافقين يقبلون منهم. . إلخ. وبسط الكلام في ذلك بمعان رائعة وألفاظ شائقة. ثم قال وكان مقتضى تقدم هذه المقدمة أني رأيت الناس في صومهم وفي غيره أيضا منهم من يصغي إلى ما يقوله بعض جهال أهل الحساب من أن الهلال يرى أو لا يرى ويبني على ذلك إما في باطنه وإما في باطنه وظاهره حتى بلغني أن من القضاة من كان يرد شهادة العدد من العدول لقول الحاسب الجاهل الكاذب أنه يرى

ص: 102

أو لا يرى فيكون ممن كذب بالحق لما جاءه. ثم قال وفيهم يعني القضاة من لا يقبل قول المنجم لا في الباطن ولا في الظاهر لكن في قلبه حسيكة من ذلك وشبهة قوية من جهة أن الشريعة لم تلتفت إلى ذلك لا سيما إن كان قد عرف شيئا من حساب النيرين واجتماع القرصين ومفارقة أحدهما الآخر بعدد درجات وسبب الإهلال والإبدار والاستسرار والكسوف والخسوف.

ثم قال: فإنا نعلم بالاضطرار من دين الإسلام أن العمل في رؤية هلال الصوم أو الحج أو العدة أو الإيلاء أو غير ذلك من الأحكام المعلقة بالهلال بخبر الحاسب أنه يرى أو لا يرى لا يجوز والنصوص المستفيضة عن النبي صلى الله عليه وسلم بذلك كثيرة وقد أجمع المسلمون عليه ولا يعرف فيه خلاف قديم أصلا ولا خلاف حديث إلا أن بعض المتأخرين من المتفقهة الحادثين بعد المائة الثالثة زعم أنه إذا غم الهلال جاز للحاسب أن يعمل في حق نفسه بالحساب. . وهذا القول وإن كان مقيدا بالإغمام ومختصا بالحاسب فهو شاذ مسبوق بالإجماع على خلافه، فأما اتباع ذلك في الصحو أو تعليق عموم الحكم العام به فما قاله مسلم وقد يقارب هذا قول من يقول من الإسماعيلية بالعدد دون الهلال وبعضهم يروي عن جعفر الصادق جدولا يعمل عليه وهو الذي افتراه عليه عبد الله بن معاوية وهذه الأقوال خارجة عن دين الإسلام وقد برأ الله جعفرا منها ثم قال: وأنا إن شاء الله أبين ذلك وأوضح ما جاءت به الشريعة دليلا وتعليلا شرعا وعقلا. ثم سرد- رحمه الله أحاديث كثيرة وقال: فهذه الأحاديث المستفيضة المتلقاة بالقبول دلت على أمور: أحدها أن قوله صلى الله عليه وسلم «إنا أمة

ص: 103

أمية لا نكتب ولا نحسب (1)» هو خبر تضمن نهيا فإنه أخبر أن الأمة التي اتبعته هي الأمة الوسط أمة لا تكتب ولا تحسب فمن كتب أو حسب لم يكن من هذه الأمة في هذا الحكم بل يكون قد اتبع غير سبيل المؤمنين الذين هم هذه الأمة فيكون قد فعل ما ليس من دينها والخروج عنها محرم منهي عنه فيكون الكتاب والحساب المذكوران منهيا عنهما.

وقال رحمه الله: فبين النبي صلى الله عليه وسلم أنا أيتها الأمة الأمية لا نكتب هذا الكتاب ولا نحسب هذا الحساب فعاد كلامه عليه السلام إلى نفي الحساب والكتاب فيما يتعلق بأيام الشهر الذي يستدل به على استسرار الهلال أو طلوعه ثم قال: لا نحتاج في أمر الهلال إلى كتاب ولا حساب إذ هو تارة كذلك وتارة كذلك - يعني تسعة وعشرين وثلاثين- والفارق بينهما الرؤية فقط ليس بينهما فرق آخر من كتاب ولا حساب كما سنبينه فإن أرباب الكتاب والحساب لا يقدرون على أن يضبطوا الرؤية بضبط مستمر وإنما يقربون ذلك فيصيبون تارة ويخطئون أخرى. وظهر بذلك أن الأمية المذكورة صفة مدح وكمال من وجوه: فمن جهة الاستغناء عن الكتاب والحساب بما هو أبين منه وأظهر وهو الهلال ومن جهة أن الكتاب والحساب هنا يدخلهما الغلط، وبعد كلام حول الحساب والجداول والتقويم والتعديل قال: ولهذا ما زال العلماء يعدون من خرج إلى ذلك قد أدخل في دين الإسلام ما ليس منه، إلى أن قال وما جاءت به الشريعة هو أكمل الأمور وأحسنها وأبينها وأصحها وأبعدها عن الاضطراب وذلك أن الهلال أمر مشهود مرئي بالإبصار. . ومن أصح المعلومات ما شوهد بالإبصار. . ثم ذكر أن الطريق لمعرفة الهلال الذي تتعلق به الأحكام مثل صيام رمضان الرؤية فقط بالسمع والعقل وسرد الأدلة على ذلك. أما أهل الحساب فقال عنهم- رحمه الله بأن العقل يؤكد عدم انضباط حسابهم فذكر ما نصه: وأما العقل فاعلم أن المحققين من

(1) صحيح البخاري الصوم (1913)، صحيح مسلم الصيام (1080)، سنن النسائي الصيام (2140)، سنن أبو داود الصوم (2319)، مسند أحمد بن حنبل (2/ 43).

ص: 104

أهل الحساب كلهم متفقون على أنه لا يمكن ضبط الرؤية بحساب بحيث يحكم بأنه يرى لا محالة أو لا يرى البتة على وجه مطرد وإنما قد يتفق ذلك. قال ولهذا كان المعنيون بهذا الفن من الأمم الروم والهند والفرس إلى أن قال: ومثل بطليموس الذي هو مقدم هؤلاء ومن بعدهم قبل الإسلام وبعده لم ينسبوا إليه في الرؤية حرفا واحدا.

ثم قال فتبين أن قولهم في رؤية الهلال وفي الأحكام من باب واحد ويعلم بأدلة العقل امتناع ضبط ذلك. ويعلم بأدلة الشريعة تحريم ذلك والاستغناء عما نظن منفعته بما بعث الله به محمدا صلى الله عليه وسلم من الكتاب والحكمة وقال: والمعتمد على الحساب في الهلال كما أنه ضال في الشريعة مبتدع في الدين، فهو مخطئ في العقل وعلم الحساب، إلى أن قال عن الهلال: وقد يراه بعض الناس لثمان درجات وآخر لا يراه لاثنتي عشرة درجة. ولهذا تنازع أهل الحساب في قوس الرؤية تنازعا مضطربا وأئمتهم كبطليموس لم يتكلموا بذلك بحرف لأن ذلك لا يقوم عليه دليل حسابي. أ. هـ.

ص: 105

أخي القارئ الكريم. .

لقد لخصت لك ونقلت من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ما بسطه في أكثر من مائة صفحة من كتاب الصيام (1) لنفاسته وليكف اندفاع بعض الكتاب الذين ذكروا أنهم اعتمدوا على بعض كلام شيخ الإسلام رحمه الله ومع تكريري إحسان الظن بهم إلا أني أقول لهم "ما هكذا يا سعد تورد الإبل" احرصوا على الانكفاف عما يثير ويشوش على الناس في عباداتهم وحسبكم سنة نبيكم المعصوم وهبوا أن شيخ الإسلام أو تلميذه ابن القيم أو خلافهما قال: إذا أكد الحساب عدم الرؤية

(1) فتاوى ابن تيمية، جـ25، كتاب الصيام، ط حكومة المملكة العربية السعودية

ص: 105

أو حصل كسوف ترد الشهادة لذلك فهل قال ذلك من لا يرد قوله المسدد بالوحي النازل عليه من السماء صباح مساء ومع ذلك فإن الشيخين- رحمهما الله- لم يقولا ترد الشهادة لذلك وقد برأهما الله من الإقدام على رد الشهادة الصحيحة لمجرد الحساب الذي حكى عنه الإمام شيخ الإسلام ما قربت لك بعضه ونقلت لك خلاصته وقد بين أن القول بالحساب قول الطائفة الإسماعيلية ومن نحا نحوها من الفرق التي هي على شاكلتها وإليك بعض كلام الأئمة الأعلام من سائر المذاهب وسوف ألحق ذلك ببعض كلام علماء الفلك المعاصرين إن شاء الله ليعلم أن قدماء الفلكيين ومتأخريهم لم يدعوا قطعية حسابهم فكانوا بذلك منصفين.

قال الحافظ العراقي (1) على حديث فإن غم عليكم فاقدروا له وذهبت فرقة ثالثة إلى أن معنى الحديث قدروه بحساب المنازل ونسب ذلك لمطرف بن عبد الله بن الشخير وابن سريج ورد ذلك الحافظ بن عبد البر وأنه لا يصح عن مطرف وأن من حكاه عن الشافعي فقد غلط، ونفى نسبته إليه وقال البغوي (2) على قوله صلى الله عليه وسلم:«فإن غم عليكم فاقدروا له (3)» معناه التقدير بإكمال العدد ثلاثين يقال قدرت الشيء أقدره قدرا بمعنى قدرته تقديرا ومنه قوله تعالى: {فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ} (4).

وذكر قول أهل الحساب ورده ثم قال وذهب عامة أهل العلم إلى أنه لا يصوم ولا يفطر إلا برؤية الهلال أو إكمال العدة ثلاثين. . ا. هـ.

ومثل (5) ذلك أي استنكار العمل بالحساب في عامة كتب فقه الشافعية والمالكية والأحناف والحنابلة قال ابن عابدين: لا عبرة بقول المؤقتين في وجوب الصوم ولا يعتبر قولهم بالإجماع ولا يجوز للمنجم

(1) الحافظ العراقي، طرح التثريب، جـ4 ص112

(2)

البغوي في شرح السنة، جـ6 ص231

(3)

صحيح البخاري الصوم (1900)، صحيح مسلم الصيام (1080)، سنن النسائي الصيام (2121)، سنن أبو داود الصوم (2320)، مسند أحمد بن حنبل (2/ 5)، موطأ مالك الصيام (634)، سنن الدارمي الصوم (1684).

(4)

سورة المرسلات الآية 23

(5)

البغوي في شرح السنة، جـ6 ص233

ص: 106

أن يعمل بحساب نفسه ثم ذكر كلام السبكي في الحساب وهجنه وأن متأخري أصحابه ردوه عليه كابن حجر والرملي وغيرهم ونقل عن ابن دقيق العيد أن الحساب لا يجوز الاعتماد عليه. وفي شرح مسلم للأبي، والسنوسي على قوله صلى الله عليه وسلم «فاقدروا له (1)» قال لا يصح أن يكون المراد حساب المنجمين لأنه حدس وتخمين.

وروى (2) ابن نافع عن مالك في الإمام الذي يعتمد الحساب أنه لا يقتدى به ولا يتابع ونقل في شرح المرشد عن القرافي أنه لو كان إمام يرى الحساب فأثبت به الهلال لم يتبع لإجماع السلف على خلافه ونقل عن ابن عرفة إنكاره وعن ابن العربي أيضا.

وفي شرح رسالة ابن أبي زيد (3) على قوله فإن غم الهلال فيعد ثلاثون يوما من غرة الشهر الذي قبله ثم يصام وكذلك في الفطر. ظاهر كلامه أنه لا يلتفت إلى كلام المنجمين وهو كذلك ثم قال: وقال ابن الحاجب ولا يلتفت إلى قول المنجمين اتفاقا وسئل عليش عن رجل في زمانه اعتمد على حسابه في ثبوت رمضان وشوال ولم يعتبر رؤية الهلال بالبصر أهو ضلال فقال- رحمه الله نعم هو ضلال تحرم موافقتهم فيه ويجب إنكاره والنهي عنه حسب الإمكان إذ هو هدم للدين ومصادم لحديث سيد المرسلين ثم نقل الإجماع على أنه لا يجوز لأحد أن يعول في صومه وفطره على الحساب ونقل عن ابن رشد الجد الإجماع على ذلك. . اهـ (4).

وفي شرح الزرقاني والشرح الصغير أيضا أنه لا يثبت دخول الشهر بقول الحاسب وأن نفيه من باب أولى لا بحق نفسه ولا بحق غيره وقال قبله الأبي في شرح مسلم (5) على قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنا أمة أمية (6)» . . إلخ.

(1) صحيح البخاري الصوم (1900)، صحيح مسلم الصيام (1080)، سنن النسائي الصيام (2121)، سنن أبو داود الصوم (2320)، مسند أحمد بن حنبل (2/ 5)، موطأ مالك الصيام (634)، سنن الدارمي الصوم (1684).

(2)

حاشية الرهوني، جـ2 ص342.

(3)

شرح رسالة ابن أبي زيد، جـ1 ص291

(4)

من فتح العلي المالك، كتاب الصيام

(5)

شرح مسلم، جـ3 ص222

(6)

صحيح البخاري الصوم (1913)، صحيح مسلم الصيام (1080)، سنن النسائي الصيام (2140)، سنن أبو داود الصوم (2319)، مسند أحمد بن حنبل (2/ 43).

ص: 107

لم يصنع ذلك لأجل أنهم لا يكتبون ولا يحسبون لأنهم لا يجهلون الثلاثين والتسع والعشرين وإنما وصفهم بذلك سدا لباب الاعتداد بحساب المنجمين الذي تعتمده العجم في صومها وفطرها وفصولها ومثل ذلك قال السنوسي في شرح مسلم أيضا. . ا. هـ.

وقال العلامة سليمان الجمل (1) الشافعي عند قول زكريا: يجب صوم رمضان بإكمال شعبان ثلاثين يوما، فهم من كلامه عدم وجوبه بقول المنجم بل لا يجوز. قال ولو دل الحساب القطعي على عدم الرؤية ففيه اضطراب للمتأخرين، والراجح العمل بشهادة البينة، وقال لو دل الحساب على عدم الرؤية وانضم إلى ذلك أن القمر غاب الليلة الثالثة على مقتضى تلك الرؤية قبل دخول وقت العشاء- يعني لم يعمل بالحساب- لأن الشارع لم يعتمد الحساب بل ألغاه بالكلية وهو كذلك. . أ. هـ. وقال أيضا لأن الشارع إنما أوجب علينا الصيام بوجود الرؤية لا بوجود الشهر وقال (2) على قول زكريا أو ثبوتها في حق من لم يره. . الخ. شمل كلامه ما لو دل الحساب على عدم إمكان الرؤية وانضم إلى ذلك أن القمر غاب الليلة الثالثة على مقتضى تلك الرؤية قبل دخول وقت العشاء لأن الشارع لم يعتمد الحساب بل ألغاه بالكلية وهو كذلك كما أفتى به الوالد رحمه الله.

وقال أيضا: ولا يجوز اعتماد قول منجم وهو من يرى أن أول الشهر طلوع النجم الفلاني ولا قول حاسب وهو من يعتمد منازل القمر وتقدير سيره وفي فتاوى الرملي قريب من ذلك.

وقال ابن مفلح الحنبلي في الفروع في كتاب الصوم ومن صام بنجوم أو حساب لم يجزئه وإن أصاب ولا يحكم بطلوع الهلال بهما ولو كثرت

(1) سليمان الجمل في حاشيته على شرح منهج الطلاب لزكريا الأنصاري، جـ2 ص304

(2)

سليمان الجمل في حاشيته على شرح منهج الطلاب لزكريا الأنصاري، جـ2 ص306

ص: 108

إصابتهما ومثله في غير هذا الكتاب من كتب المذهب وما بسطه شيخ الإسلام ابن تيمية فيه كفاية عن بقية كتب المذهب الحنبلي.

ومن المتأخرين الإمام الصنعاني قال رحمه الله (1): أما حديث: «الفطر يوم يفطر الناس (2)» فما هو إلا إخبار بأنه يتحزب الناس أحزابا ويخالفون الهدي النبوي فطائفة تعمل بالحساب- يعني الباطنية - حتى دخل عالم من العلماء في ذلك. . إلخ.

وقال (3): إن النص اشترط في لزوم الصوم أحد أمرين: إما الرؤية أو إكمال العدة إلى أن قال على قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنا أمة أمية (4)» . . إلخ. إنما وصفهم بذلك طرحا للاعتداد بالمنازل وطرق الحساب الذي تعول عليه الأعاجم في صومها وفطرها وفصلها. انتهى نقلا عن القاضي عياض ثم قال وأغرب ابن السبكي ثم نقل كلامه في الاعتداد بالحساب وأنه قطعي ورد عليه بقوله:

قلت هذه القطعية المدعاة إن أراد أنها قطعية عند الحاسب وسلمنا له ذلك فهو رجوع إلى قول بعض أكابر الشافعية أنه يختص بالحاسب وإن أراد أنه قطعي عند الحاسب وغيره فهذا باطل: ثم قال وما هذا وأشباهه إلا من شؤم علم الهيئة والنجوم الذي لم يأت عن الشارع حرف بصحته.

والشارع قد أوضح أوقات العبادة وأناطها بأظهر الواضحات أفترد الشهادة التي أمر الشارع بقبولها بقول الحاسب. . إلخ. أ. هـ.

وقال أبو الطيب صديق خان (5) على قوله صلى الله عليه وسلم: «فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين (6)» قال: ولم يقل فاسألوا أهل الحساب، والحكمة كون العدد عند الإغماء يستوي فيه المكلفون وقد ذهب قوم إلى الرجوع

(1) الصنعاني، منحة الغفار على ضوء النهار، جـ1 ص423

(2)

سنن الترمذي الصوم (802).

(3)

حاشية العدة على شرح عمدة الأحكام، جـ3 ص328 وما بعدها

(4)

صحيح البخاري الصوم (1913)، صحيح مسلم الصيام (1080)، سنن النسائي الصيام (2140)، سنن أبو داود الصوم (2319)، مسند أحمد بن حنبل (2/ 43).

(5)

أبو الطيب صديق خان، عون الباري شرح صحيح البخاري، كتاب الصوم

(6)

صحيح البخاري الصوم (1907).

ص: 109

إلى أهل التسيير وهم من الفرق الضالة. . إلخ. . أ. هـ.

وقال صاحب مرعات المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (1) بعد أن ذكر أن المعول على الرؤية: وذهب قوم إلى الرجوع إلى أهل التسيير في ذلك. . الخ. فرد كلامهم قال: وقال الباجي وإجماع السلف الصالح حجة عليهم وقال ابن بزيزة: هو مذهب باطل فقد نهت الشريعة عن الخوض في علم النجوم لأنه حدس وتخمين ليس فيه قطع ولا ظن غالب. . أ. هـ. أقول: لقد أوضحت بما فيه الكفاية إن شاء الله.

ولو ذهبنا ننقل كلام فقهاء مذاهب علماء الأمصار في القديم لوجدنا أن القول برد الشهادة لقول الحاسب قول مردود كفانا السلف الصالح مؤنة معاناة رده وحكوا لنا الإجماع على ذلك وما وجد من شذوذ بعد الإجماع فهو مردود لا يعول عليه ويكفي أنه قول طائفة باطنية عدوة للإسلام والمسلمين وتسعى لهدم الملة الحنيفية فلا يليق بطالب علم أن يغتر بها أو بقول من انخدع بالحساب لمصادمة ذلك للسنة الصحيحة وإجماع السلف الصالح- رضي الله عنهم والواجب أن يسعنا ما وسعهم وأن لا نبتدع في ديننا ما لم يأذن به الله سبحانه ولا رسوله صلى الله عليه وسلم ولم يؤثر عن الصحابة الكرام- رضي الله عنهم.

(1) مرقات المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، جـ2 ص209.

ص: 110

أخي القارئ الكريم. .

هذه جمل من النقول أحببت تقريبها لك لتزداد اطمئنانا بهدي سلفك الصالح وأنهم ما كانوا غافلين ولكن منزلة سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت عالية لا يمكن أن تزاحم في نفوسهم أو تعارض بأقوال أهل الحساب والتسيير والتعديل وثقتهم بها وبقائلها الذي لا يرد قوله ولا يزاحم بآراء الآخرين جعلت لهم ذلك الفهم وتلك المنزلة عند الله وعند عباده المؤمنين وقد حرصت أن أنقل لك خلاصة الموضوع وإلا فإن بسط ذلك

ص: 110

يستدعي مني ومنك وقتا كثيرا ولكن حسبك من النور ما يضيء لك الطريق ويقيك العثار إن شاء الله. وإليك باختصار قول بعض الفلكيين المعاصرين وقد ألقيت نظرة على أكثر من عشرة مباحث في أكثر من عشرة كتب منها المترجم ومنها من ألفه عرب مسلمون ونحن بحمد الله مكتفون بما اكتفى به سلفنا الصالح من عهد النبي صلى الله عليه وسلم إلى عهدنا الحاضر وفي ظل دولتنا السعودية الباقية ولله الحمد على منهج السلف ولكن ننقل لك من كلام المختصين بعلم الفلك المعاصرين ما يبين أن دعوى القطعية في الحساب كما لم تكن مسلما بها عند حساب الأولين. فكذلك الحال عند المتأخرين. يقول الأمين محمد أحمد كعورة (1): بعض العوامل المؤثرة في حركة القمر:

1 -

التغيير في المدار الإهليجي للقمر دوريا أي حوالي 31. 8 يوما.

2 -

التفاوت وهو تأثير يعجل بظهور الهلال والبدر قبل ميعادهم ويؤخر نصف القمر.

3 -

التغير في بعد الأرض عن الشمس وبالتالي في بعد القمر عن الشمس ولذا تتأثر قوة جاذبية الشمس المؤثرة على القمر.

4 -

التغير في تلاقي مدار القمر مع مدار الشمس.

5 -

التغير في زاوية ميل القمر.

ونتيجة لهذه العوامل والتأثيرات تصبح حركة القمر والأرض والشمس معقدة للغاية لدرجة أن مواقع هذه الأجرام بالنسبة لبعضها البعض لا تتكرر أبدا. ولذا كان من المستحيل وضع تقويم مضبوط للسنة القمرية لأن الشهور القمرية تختلف من سنة لأخرى.

إن متوسط مدة الشهر القمري هي تسعة وعشرون يوما ونصف اليوم ولكن نتيجة لما ذكرنا عن عوامل التأثيرات فإن زمن الدورة قد يزيد

(1) الأمين محمد أحمد كعورة، مبادئ الكونيات

ص: 111

أو ينقص 13 ساعة. وبناء عليه يختلف مولد الأهلة من شهر لآخر فقد يظهر الهلال بعد 29 يوما أو بعد 30 يوما. وكما ذكرت فلا أعتقد أن هناك قاعدة يرتكز أو يعتمد عليها في معرفة عدد أيام الشهور القمرية وإن الاعتماد الأساسي لهو على الرؤية.

إن الشهور القمرية تلعب دورا كبيرا في حياة المسلمين. فشهر رمضان المكرم والحج والأعياد تعتمد على مولد القمر وأعتقد أنه من واجب المسلمين أن يهتموا أكثر بدراسة حركة القمر ورصد الأهلة بالطرق الحديثة أي رؤيتها بالمنظار أو المجهر الحديث.

رؤية الهلال: كثيرا ما اختلفت الدول الإسلامية في بداية ونهاية شهر رمضان بل إن رؤية هلال شهر رمضان أصبحت من المشاكل المزمنة التي لم يجد لها العالم الإسلامي حلا بعد، والسبب الأساسي في ذلك هو ما سبق أن ذكرت من أن حركة القمر معقدة للغاية ويكاد يكون في حكم المستحيل وضع تقويم مضبوط للشهور العربية لأن موقع الأرض والقمر والشمس لا يتكرر في فترات منتظمة. ثم قال:

إن الحل في رأيي لهذه المشكلة التي أساء الاختلاف فيها إلى سمعة العالم الإسلامي هو كالآتي:

أن يعتمد المسلمون على الرؤية وذلك يتمشى مع الدين كما جاء في الحديث الشريف. . إلخ. وهذا بعض كلام الكاتبين عن القمر وحالة إبداره وإسراره وإهلاله في العصر الحديث بعد تطور هذا العلم واختراع المراصد الدقيقة والأجهزة الفائقة والكواكب الدوارة في محيط الأرض أو خارج محيطها وهو يتوافق مع كلام حذاق الحساب المتقدمين. كما مر بك في ثنايا كلام شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره وبهذا وأمثاله من مواقف علماء الشريعة وعلماء الحساب تعلم أيها القارئ المصنف عظيم لطف الله بنا

ص: 112

وسابغ فضله علينا إذ لم يجعل أمر ركنين من أركان ديننا مربوطا بحساب فيه لدى أهله من الاضطراب ما مر بك مع الجزم باستحالة وضع تقويم دقيق ثابت لحصول التغيرات الفلكية في أماكن القمر مما سبقت الإشارة إليه وما لم أذكره أكثر من ذلك.

ص: 113

أخي القارئ الكريم

إن الكتابات باستحالة الرؤية أو بحتميتها أو احتمالها للقطع بوجود القمر في الأفق بناء على نتائج الحساب أو عدم وجوده قد ظهر أنه أمر تخرص تخميني. وأما الوجود القطعي فهو ما أخبر به الشارع في كتابه أو على لسان رسوله أو شاهده الناس مشاهدة تنفي الشك. ولقد مررت على كلام كثيرين من أهل العلم فوجدته لا يشير إلى القطعية بحال إلا من شذ وقد رد عليه علماء مذهبه وغيرهم قديما وحديثا والله يعفو عنا وعنه ولقد اطلعت أيضا على نتائج مجالس فقهية في مؤتمرات وجامعات وكنت شاركت في بعضها ولم يكن لدي أحد من هذه المجالس أي اعتبار لقطعية الحساب وأن الشهادة ترد لأجله. وقد مر بك أسماء علماء وتركت كثيرين جدا وحسبك أن أعدادا من فحول أهل العلم كابن المنذر وابن عبد البر وابن رشد الجد والباجي وابن تيمية وسواهم حكوا الإجماع على عدم اعتبار الحساب في إثبات الأهلة وحكموا بشذوذ من خالف في ذلك. إن محاولة حمل السنة على الحساب محاولة تعسفية وجور في الشريعة وخروج عن هدي المسلمين كما أن العزم على عدم الأخذ بالشهادة إذا خالفها الحساب أمر له خطورته على دين الشخص فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالاعتماد على الرؤية ونهى عن الاعتماد على غيرها بقوله: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته (1)» . وقوله عليه السلام: «لا تصوموا حتى تروه ولا تفطروا حتى تروه (2)» أيليق بنا أن نقول بلسان الحال أو المقال "لا" وقد قال ربنا محذرا من مخالفة أوامر رسوله صلى الله عليه وسلم: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (3).

(1) صحيح البخاري الصوم (1909)، صحيح مسلم الصيام (1081)، سنن الترمذي الصوم (684)، سنن النسائي الصيام (2117)، مسند أحمد بن حنبل (2/ 497)، سنن الدارمي الصوم (1685).

(2)

صحيح البخاري الصوم (1906)، صحيح مسلم الصيام (1080)، سنن النسائي الصيام (2121)، سنن أبو داود الصوم (2320)، مسند أحمد بن حنبل (2/ 5)، موطأ مالك الصيام (634)، سنن الدارمي الصوم (1684).

(3)

سورة النور الآية 63

ص: 114

أليس الله أعلم بمصالح عباده؟ أليس رسوله عليه السلام بين للناس ما نزل إليهم من ربهم أكمل بيان ولم يترك أمرا دون ذلك إلا وأعطى عنه علما حتى جعل الناس في جلية من أمرهم فكيف يعقل أن يترك أمرا يتعلق بركنين من أركان الدين ويجعله في حال غير ثابتة: تارة بالهلال، وتارة بالحساب إذا علموا. ثم إن قل علمهم عادوا لأمر الرؤية لأن هذا لازم هذا القول فيكون المسلمون في تخبط مستمر في دينهم. وشرع الله يتنزه عن مثل ذلك ويجب على حملته تنزيهه وأخيرا أوجه القول لمن كتبوا معترضين على إثبات الرؤية وقد بلغني ولم أتحقق أن بعضهم كان في عام مضى صائما يوم أفطرنا ومفطرا يوم صمنا بناء على ظنه أن القمر لن يطلع في الأفق والله أعلم بذلك لكنها إن صحت زلته وأي زلة لما فيها من المشاقة التي قال الله عنها:{وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى} (1).

إذ أن رفض الأخذ بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم مشاقة ولو كان الشخص يرى أنه على حق إذ لو كان يشاق مع علمه بأنه على خطأ لكان ذلك كفرا والعياذ بالله وحاشاهم أن يكونوا فيما كتبوا كذلك. لكنها الثقة بأهل الحساب والاغترار بهم والانخداع ببعض ما يدركه أحدهم من علم الحساب وعدم الخبرة بمسالك البحث ومقاصد الشريعة أو لأمر آخر والله أعلم بالنيات ولكن سرعان ما تنكشف الأمور وتتجلي الحقائق ليبدو الشخص على حقيقته. ثم إني أقول عاتبا على الكاتبين والصحافة والمسؤولين عنها هلا إذا كان الحديث يتعلق بعامة المسلمين في الداخل والخارج هلا تفاهمتم مع أهل الشأن؟ هل صددتم عن ذلك؟ أو رفض طلبكم أو امتنع طالب العلم المسؤول عن الإيضاح عما كان أشكل؟

(1) سورة النساء الآية 115

ص: 115

أم تصورتم بعلمائكم أو بنا يا إخوانكم تبلدا وعدم غيرة على شعائر الدين؟ أظننتم أنكم بمثل هذه الكتابات أو بإفساح الصدور لها في صحفكم قد ساعدتم على التمسك بالشريعة والعقيدة وجمعتم قلوب الناس على أمر واحد وموالاة حميدة تدفع عن بلادكم كل دخيل وتجمع القلوب على التعاون على البر والتقوى وتجعل العمل في حدود منهج السلف. لقد كان الجدير بكم وبالمسؤولين عن الصحافة التروي قبل الولوج من باب فيه ضيق وحرج وبلبلة، وصراطه مزلة قدم، وكان من حق إخوانكم عليكم أن لا تنسبوهم إلى الجهل أو الاستهتار بشعائر الدين لأن هذا من لازم تلك الكتابات سواء منها ما كان هذا العام وما كان منها في أعوام مضت. إن طلبة العلم ما سكتوا عن الرد لعدم وجوده عندهم ولا لأن الموضوع ليس من الأهمية بمكان ولكن كان الظن أن يستدرك الكاتب على نفسه ويتراجع عن النزول إلى هوة سحيقة فيعدل إلى الاكتفاء بمن لهم في هذا الأمر مجال الاختصاص وإن رأى أن عنده ما ليس عندهم أرشدهم إليه وتعاون معهم على البر والإصلاح أو أن تتراجع الصحيفة نفسها وتمتنع من فتح صفحاتها للتشكيك وزرع الريبة في نفوس العامة. لأن لذلك آثاره الضارة على المجتمع كما كان الظن أن يتنبه لذلك من لهم النظر في أمر الصحافة. . أقول:

إني أعتب على أولئك وهؤلاء قديما قيل- ويبقى الود ما بقي العتاب- إن الدخول في أمر عام يتعلق بالعبادة التي يخاطب بها عموم الأمة في كل مكان وعلى مختلف مستوياتهم في العلم بمثل ذلك التشكيك والإقدام على الجزم بخطأ الناس في عملهم يثير استفهامات كثيرة ويبدي في الأذهان ويعيد ويحمل على البحث عن المقاصد وما وراء هذه الكتابات ورحم الله امرأ أعان على خير أو كف نفسه عما لا يعنيها. إن الإثارة والتعلق ببعض العلوم والفرح بها يرتب أخطارا كبيرة وبلاء عظيما وربما

ص: 116

أثر على نفس الإنسان وعلى موقفه من عبادته فلا بد من اتهام الرأي أو مراجعته والتشاور وسؤال من له علم أو عليه مسؤولية قبل تجشم الموضوع بما يثير توجسات نحو من أثار تلك الزوبعات وهل وراءه من يدفعه؟ إذ إن تلك المواقف تدعو لذلك وتحمل على التساؤل عن الكاتب وأفكاره والصحيفة ومنهجها ودوافعها. ومع ذلك فإننا نحسن بهم الظن ونتمنى لهم التبصر والبصيرة ولنا كذلك، إذ الفقه في الدين والبصيرة فيه أعظم حصيلة يدركها المرء في هذه الحياة لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الحديث المتفق عليه:«من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين (1)» ، ومن أراد الله به الخير فماذا يفوته بعد ذلك إذ الفقه في الدين كنز عظيم ونور يهتدي به المرء عند اختلاط الآراء واختلاف الأفهام نسأل الله أن يجعلنا وإخواننا من هؤلاء.

بقي أن أشير إلى أن العلماء لا يرون أي مانع من الأخذ بالرؤية عن طريق المرصد أو بالآلات الخاصة مع الأفراد أو الجماعات وبأي طريقة وإنما المهم أن تتحقق هذه الرؤية البصرية ومع ذلك فلا يجب التكلف والتمحل مادام أن رسولنا صلى الله عليه وسلم ندبنا إلى التيسير وحذرنا من التعسير والتنفير فقال في الحديث الصحيح: «إنما بعثتم ميسرين (2)» وقال لمعاذ وأبي موسى رضي الله عنهما: «يسرا ولا تعسرا (3)» وحذر من الاختلاف وبين أن الفطر يوم يفطر الناس والصوم يوم يصومون والأضحى يوم يضحون ومن هذا التوجيه العظيم أخذ أهل العلم- رحمهم الله كثيرا من أحكام التيسر وفرعوا على ذلك صورا عديدة ليس المقام مقام ذكرها ولاشك أنه قد لا يرضى هذا الموقف من أهل العلم- رضي الله عنهم بعض المتعالين ولكن عذرهم قائم كما قال الخليل:

جهلت مقالتي فعذلتني

وعلمت أنك جاهل فعذرتك

أو ما في معناه.

(1) صحيح البخاري العلم (71)، صحيح مسلم الإمارة (1037)، سنن ابن ماجه المقدمة (221)، مسند أحمد بن حنبل (4/ 93)، موطأ مالك كتاب الجامع (1667)، سنن الدارمي المقدمة (226).

(2)

صحيح البخاري الوضوء (220)، سنن الترمذي الطهارة (147)، سنن النسائي الطهارة (56)، سنن أبو داود الطهارة (380)، مسند أحمد بن حنبل (2/ 239).

(3)

صحيح البخاري المغازي (4342)، صحيح مسلم الأشربة (1733)، مسند أحمد بن حنبل (4/ 417).

ص: 117

وأخيرا. . أرجو أن أكون قدمت للقارئ الكريم نبذا مفيدة ونصبت له منارا وعلامات يهتدي بها وأرجو من الله أن نكون جميعا من أهل الحق والإنصاف الذين يفرحون إذا أرشدوا لطريق الصواب:

{وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ} (1).

وفي الختام. . فإن اتخاذ نتائج الحاسبين وحصول الكسوف والخسوف مفيدا علما قطعيا في إثبات الأهلة أو نفيها وبناء الأحكام الشرعية عليها تقول على الله وعلى رسوله والمؤمنين بغير علم وما هو إلا محاولة الظهور بمظهر التنور وعدم الجمود على ما قاله الأسلاف فهلا كان الظهور بما يقدم للأمة من حلول المشاكل الاقتصادية أو التقدم في ميادين طبية أو في مخترعات ترفع من شأن الأمة علميا كالذي فعل الغرب والشرق المتقدمان في هذا المجال مما يعود على أمتنا بالعز والسؤدد ويغنيها في مجال التصنيع عن الأمم الغربية والشرقية فهذا أجدى. . والله المستعان وهو الهادي إلى سواء السبيل. . وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

(1) سورة الحج الآية 24

ص: 118