الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ومن جاء بعدهم من أمة الإسلام ليعتبر من أقوى الأدلة على صدق نبوته صلى الله عليه وسلم وما ذكرناه من هذه الكرامات ما هو إلا غيض من فيض إذ المقام لا يتسع لذكر أكثر من ذلك.
سابعا: بشارات الكتب السابقة به صلى الله عليه وسلم:
أثناء الحديث عن بشارات الكتب السابقة بمحمد صلى الله عليه وسلم لا بد من الإشارة إلى بعض الأدلة التي تفيد أن محمدا صلى الله عليه وسلم قد بشر به في كتب أهل الكتاب. فمن هذه الأدلة:
1 -
إشارة القرآن الكريم إلى ما جاء في كتبهم من البشارة عليه الصلاة والسلام.
فقد أخبر سبحانه في مواضع من كتابه - الذي ثبت بالدليل أنه من عند الله تعالى - أن الأنبياء السابقين بشروا بمجيئه صلى الله عليه وسلم ذاكرين لأممهم اسمه وصفاته، وصفات أصحابه، كما أخبرنا أن أهل الكتاب يعلمون ذلك حق العلم، وأخبرنا أيضا أنه سبحانه قد أخذ الميثاق من الأنبياء جميعا على الإيمان به.
قال تعالى حاكيا بشارة عيسى عليه الصلاة والسلام بمحمد صلى الله عليه وسلم: {وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ} (1).
وقال سبحانه مبينا صفاته وصفات أصحابه كما وردت في كتبهم: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} (2) -.
(1) سورة الصف الآية 6
(2)
سورة الأعراف الآية 157
(3)
سورة الفتح الآية 29
وأكد سبحانه معرفة أهل الكتاب به معرفة لا يشوبها شبهة أو شك بقوله: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} (1).
ومما تجدر الإشارة إليه أن محمدا صلى الله عليه وسلم كان أرجح الناس عقلا باعتراف أعدائه وأصدقائه وكان يعلن على الملأ أنه مذكور في كتبهم، وبأنهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم. فلو لم يكن رسولا نبيا وعنده من الأدلة الدامغة على وجود اسمه وصفته. . في كتبهم لما أخبر بذلك - مرة بعد مرة موافقيه ومخالفيه وأولياءه وأعداءه فإن هذا لا يفعله إلا من هو أقل الناس عقلا فكيف ومحمد صلى الله عليه وسلم أعقل الناس بشهادة العدو والصديق؟ (2).
2 -
إيمان بعض علماء أهل الكتاب بمحمد صلى الله عليه وسلم.
فقد آمن به عبد الله بن سلام (3) رضي الله عنه الذي اعترف له اليهود أنفسهم بفضله ومكانته وعلمه.
وآمن أيضا برسالته النجاشي الذي كان على علم كبير بدين النصرانية.
كما أن ورقة بن نوفل تمنى أن يكون حيا حين إخراج قريش محمد صلى الله عليه وسلم لينصره النصر المؤزر، وبشره بأنه نبي هذه الأمة بعد ما قص عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رآه في حراء. ومعلوم أن ورقة بن نوفل كان قد تنصر في الجاهلية وهو على علم جم بديانة أهل الكتاب (4).
(1) سورة البقرة الآية 146
(2)
انظر ابن تيمية: الجواب الصحيح 3: 292، الملكاوي: بشرية المسيح ونبوة محمد (تحت الطبع) ص 519
(3)
انظر قصة إسلام عبد الله بن سلام في البخاري كتاب أحاديث الأنبياء 4/ 102
(4)
وانظر قصة ورقة في البخاري كتاب بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم 1/ 3
وهؤلاء جميعا كانوا يعلمون أن نبيا سيأتي في آخر الزمان من ولد إسماعيل لورود ذلك في كتبهم فما إن أظهر الرسول صلى الله عليه وسلم حتى نظروا في أوصافه وتأملوها فعلموا أن تلك الأوصاف الواردة في كتبهم تمام الانطباق عليه صلى الله عليه وسلم.
3 -
عدم تحذير الأنبياء السابقين منه.
لا شك أن الأنبياء السابقين حذروا أممهم من الفتن حتى يأخذوا حذرهم فلا يقعوا فيها. ومعلوم أن ظهوره صلى الله عليه وسلم وإبطاله جميع الشرائع السابقة عند أهل الكتاب، وتصحيح تصوراتهم الاعتقادية، وقتالهم، واتهامهم بالتحريف لكتبهم وتكفيره لهم، ومحاربته لطواغيت الأرض وكسر شوكتهم ونشر دينه في ممالكهم ليعد أكبر حدث في العالم، فلو لم يكن رسولا نبيا فلو لم يحذر منه أنبياء بني إسرائيل أممهم كما حذروا من الفتن الأخرى كفتنة الدجال مع أن مكث الدجال في الأرض يكون لفترة قصيرة، ودين محمد صلى الله عليه وسلم لا يزال قائما منذ أربعة عشر قرنا.
ولو كان في كتبهم أدنى تحذير منه، أو ذكر له بالذم لكان ذلك من أعظم ما يحتجون به عليه في حياته وعلى أمته بعد مماته. ولما لم يقل أحد إن في كتبهم التحذير منه أو الذم له - مع أن فيها التنبيه والتحذير على أقل من ذلك بكثير - علم أنه رسول صادق.
4 -
النصوص الموجودة في كتبهم تبشر به صلى الله عليه وسلم.
من المعلوم أن كتب أهل الكتاب قد لحقها التغيير والتبديل ومع هذا نجد البشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم في كتبهم حيث جاء فيها ذكر أوصافه، وجميل سيرته، وبلده، وصفة أصحابه، وصلاح أمته وأنه من ولد إسماعيل. . إلى غير ذلك مما جاء في كتبهم الموجودة بين أيديهم الآن.
وقد استخرج علماء المسلمين تلك البشارات الواردة في كتب العهدين القديم والجديد وتناولها بالتحليل والمناقشة وبينوا بما لا يدع مجالا للشك أنها لا تنطبق إلا على محمد صلى الله عليه وسلم.
ومما تجدر الإشارة إليه أن كتب أهل الكتاب لو سلمت من التحريف والضياع (1) لظهرت هذه البشارات جلية واضحة لكل قارئ لكتب العهدين من علماء وغيرهم.
وأخيرا بعد هذا العرض لدلائل النبوة يتضح - دون أدنى شك - أن محمدا صلى الله عليه وسلم قد حاز من الآيات والبراهين الدالة على صدق نبوته ما لم يحزه غيره من الأنبياء - صلوات الله عليهم أجمعين.
وهذا ما دفع بعض العلماء المنصفين إلى الاعتراف برسالته صلى الله عليه وسلم.
انتهى بحمد الله وتوفيقه
(1) وقد اعترفوا بذلك (أي بضياع جزء منها). انظر الهندي: إظهار الحق 280 وما بعدها