الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ومؤرخ التبايع والحكم بعام سنة عشرين وتسعمائة (920) والشاهد لم يكتب في المستند معرفته للبائعة ولا عرفه بها أحد. والحالة أن البائعة منكرة للبيع المذكور وأنها لم تقبض الثمن المذكور وأنها لم تكن أختا لها كما كتب في المستند. ثم إن البائعة جاءت عند حاكم شرعي مخالف للحاكم المثبت وادعت على المشترية المذكورة أنها واضعة يدها على بيتها بمقتضى أنهما جعلته تحت يدها في مبلغ اثني عشر أشرفيا هو ومستندات شرعية تشهد لها بذلك فأجابت بأنها صار إليها ذلك بالشراء الشرعي منها كما ذكر أعلاه وأنني تقابلت وإياك التبايع الصادر منك كما ذكر. فهل تسمع دعواها الآن بأنها لم تبع ولم تقبل الثمن؟ وهل حكم الحاكم الشافعي يمنعها من الدعوى بذلك؟ وهل طول المدة مع تصرفها في البيت بالهدم والبناء مسقط للطلب أيضا أم لا؟ وهل للحاكم المدعى لديه إلزام المشترية بحضور البينة ثانيا لتشهد في وجه البائعة بالمعرفة والبيع وبقبض الثمن أم لا؟
فأجاب - نفع الله تعالى بعلومه قوله: لا تسمع دعواها الآن بأنها لم تبع حيث ثبت عند الحاكم وليس للحاكم المدعى لديه إلزام المشترية بحضور البينة ثانيا لتشهد في وجه البائعة بالمعرفة لأن من لازم حكم الحاكم بصحة البيع استيفاء مسوغاته الشرعية ومنها أن الشهادة لا تكون إلا على عينها أو باسمها ونسبها ولا نظر لطول المدة المذكورة ولا لقصرها وأما دعواها أنها لم تقبض الثمن فإن كانت الشهادة عليها بطريق المعاينة لم تسمع دعواها وإن كانت بطريق الشهادة على إقرارها سمعت دعواها أنها لم تقر إلا على رسم القيالة فتحلف المشترية أنها أقبضتها الثمن فإن نكلت حلفت البائعة أنها لم تقبض واستحق الثمن. . . والله أعلم.
4 -
النقول من مذهب الحنابلة:
تمهيد: يقرر المذهب الحنبلي القول في الحكم بمرور الزمان من حيث الجملة بناء على قاعدة سد الذرائع وأنه إذا تعارض أصل وظاهر قدم الظاهر ولم يذكر الحنابلة من تحديد المدة كما ذكره الأحناف بل يردون ذلك إلى اجتهاد القاضي وقد وردنا بعض النقول عن ابن قدامة وصاحب مطالب أولي النهى وشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وجملة من فتاوى أئمة الدعوة.
قال ابن قدامة (1): فإن كان في يد رجل دار أو عقار يتصرف فيها تصرف الملاك بالسكنى والإعارة والإجارة والعمارة والهدم والبناء من غير منازع، فقال أبو عبد الله بن حامد: يجوز أن يشهد له بملكها. وهو قول أبي حنيفة والإصطخري من أصحاب الشافعي. قال القاضي: ويحتمل أن لا يشهد إلا بما شاهده من الملك واليد والتصرف، لأن اليد ليست منحصرة في الملك قد تكون بإجارة أو إعارة أو غصب. وهذا قول بعض أصحاب الشافعي.
ووجه الأول أن اليد دليل الملك، واستمرارها من غير منازع يقويها، فجرت مجرى الاستفاضة فجاز أن يشهد بها كما لو شاهد سبب اليد من بيع أو إرث أو هبة واحتمال كونها عن غصب أو إجارة يعارضه استمرار اليد من غير منازع فلا يبقى مانعا كما لو شاهد سبب اليد، فإن احتمال كون البائع غير مالك والوارث والواهب لا يمنع الشهادة كذا ها هنا.
فإن قيل: فإذا بقى الاحتمال لم يحصل العلم ولا تجوز الشهادة إلا بما يعلم.
قلنا: الظن يسمى علما. قال الله تعالى: {فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ} (2) ولا سبيل إلى العلم اليقين ها هنا فجازت بالظن.
وجاء في مطالب أولي النهى شرح غاية المنتهى (3)(ومن رأى شيئا بيد إنسان يتصرف فيه مدة طويلة كتصرف مالك من نقض وبناء وإجارة وإعارة فله الشهادة بالملك) لأن تصرفه فيه على هذا الوجه بلا منازع دليل صحة الملك (كمعاينة السبب) أي سبب الملك (من بيع وإرث) ولا نظر لاحتمال كون البائع والمورث ليس مالكا (وإلا) يره يتصرف كما ذكر فإنه يشهد (باليد والتصرف) لأن ذلك لا يدل على الملك غالبا.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية (4): ومن ادعى على خصمه أن بيده عقارا استغله مدة
(1) المغني لابن قدامة جـ9 ص 162.
(2)
سورة الممتحنة الآية 10
(3)
انظر مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى للشيخ مصطفى السيوطي الرجيباني 6/ 599.
(4)
الاختيارات الفقهية من فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية
معينة وعينه وأنه استحقه فأنكر المدعى عليه، وأقام المدعي عليه بينة باستيلائه لا باستحقاقه، لزم الحاكم إثباته والشهادة به كما يلزم البينة أن تشهد به، لأنه كفرع مع أصل، وما لزم أصل الشهادة به لزم فرعه حيث يقبل، ولو لم تلزم إعانة مدع بإثبات وشهادة ونحو ذلك إلا بعد ثبوت استحقاقه لزم الدور بخلاف الحكم وهو الأمر بإعطائه ما ادعاه إن أقام بينة بأنه هو المستحق أمر بإعطائه ما ادعاه وإلا فهو كمال مجهول يصرف في المصالح.
ومن بيده عقار فادعى رجل بثبوته عند الحاكم أنه كان لجده إلى موته، ثم إلى ورثته ولم يثبت أنه مخلف عن مورثه، لا ينزع منه بذلك، لأن أصلين تعارضا وأسباب انتقاله أكثر من الإرث ولم تجر العادة بسكوتهم المدة الطويلة ولو فتح هذا الباب لانتزع كثير من عقار الناس بهذا الطريق قال ابن القيم: فصل: الطريق الثالث (1) أن يحكم باليد مع يمين صاحبها، كما إذا ادعى عليه عينا في يده، فأنكر فسأل إحلافه فإنه يحلف وتترك في يده لترجح جانب صاحب اليد. ولهذا شرعت اليمين في جهته فإن اليمين تنتزع في جنبة أقوى المتداعيتين، هذا إذا لم تكذب اليد القرائن الظاهرة، فإن كذبتها لم يلتفت إليها، وعلم أنها يد مبطلة.
وذلك كما لو رأى إنسانا يعدو وبيده عمامة، وعلى رأسه عمامة، وآخر خلفه حاسر الرأس، ممن ليس شأنه أن يمشي حاسر الرأس، فإنا نقطع أن العمامة التي بيده للآخر ولا يلتفت إلى تلك اليد.
ويجب العمل قطعا بهذه القرائن. فإن العلم المستفاد منها أقوى بكثير من الظن المستفاد من مجرد اليد، بل اليد هنا لا تفيد ظنا البتة. فكيف تقدم على ما هو مقطوع به، أو كالمقطوع به؟
وكذلك إذا رأينا رجلا يقود فرسا مسرجا ولجامه وآلة ركوبه، وليست من مراكبه في العادة، ووراءه أمير ماش، أو من ليس من عادته المشي، فإنا نقطع أن يده مبطلة.
(1) الطرق الحكمية في السياسة الشرعية ص (113) ويرجع إلى ص (88)
وكذلك المتهم بالسرقة إذا شوهددت العملة معه وليس من أهلها كما إذا رئي معه القماش والجواهر ونحوها مما ليس من شأنه وادعى أنها ملكه وفي يده، لم يلتفت إلى ملك اليد.
وكذلك كل يد تدل القرائن الظاهرة التي توجب القطع أو تكاد: أنها يد مبطلة لا حكم لها، ولا يقضى بها.
فإذا قضينا باليد، فإنما نقضي بها إذا لم يعارضها ما هو أقوى منها.
وإذا كانت اليد ترفع بالنكول، وبالشاهد الواحد مع اليمين، وباليمين المردودة. فلا ترفع بما هو أقوى من ذلك بكثير بطريق الأولى. فهذا مما لا يرتاب فيه: أنه من أحكام العدل الذي بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه، ووضعه بين عباده.
فالأيدي ثلاثة: يد يعلم أنها مبطلة ظالمة فلا يلتفت إليها.
الثانية يد يعلم أنها محقة عادلة، فلا تسمع الدعوى عليها، كمن يشاهد في يده دار يتصرف فيها بأنواع التصرف من عمارة وخراب وإجارة وإعارة مدة طويلة من غير منازع ولا مطالب، مع عدم سطوته وشوكته. فجاء من ادعى أنه غصبها منه، واستولى عليها بغير حق - وهو يشاهد في هذه المدة الطويلة ويمكنه طلب خلاصها منه، ولا يفعل ذلك - فهذا مما يعلم فيه كذب المدعي، وأن يد المدعي عليه محقة.
هذا مذهب مالك وأصحابه وأهل المدينة. وهو الصواب.
قالوا إذا رأينا رجلا حائزا لدار متصرفا فيها مدة سنين طويلة: بالهدم والبناء والإجارة والعمارة وهو ينسبها إلى نفسه ويضيفها إلى ملكه وإنسان حاضر يراه ويشاهد أفعاله فبها طول هذه المدة وهو مع ذلك لا يعارضه فيها، ولا يذكر أن له فيها حقا ولا مانع يمنعه من مطالبته: من خوف سلطان، أو نحوه من الضرر المانع من المطالبة بالحقوق، وليس بينه وبين المتصرف في الدار قرابة، ولا شركة في ميراث وما أشبه ذلك، مما يتسامح به القرابات والصهر بينهم في إضافة أحدهم أموال الشركة إلى نفسه، بل كان عريا عن ذلك أجمع، ثم جاء بعد طول هذه المدة يدعيها لنفسه، ويريد أن يقيم بينة على ذلك - فدعواه غير مسموعة أصلا، فضلا عن بينته، وتبقى الدار في يد حائزها لأن كل دعوى
ينفيها العرف وتكذبها العادة فإنها مرفوضة غير مسموعة.
قال تعالى: {وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} (1) وأرحبت الشريعة الرجوع إلى العرف عند الاختلاف في الدعاوى كالنقد وغيره. وكذلك في هذا الموضع. وليس ذلك خلاف العادات فإن الناس لا يسكتون على ما يجري هذا المجرى من غير عذر.
قالوا: وإذا اعتبرنا طول المدة، فقد حدها ابن القاسم وابن وهب وابن عبد الحكم وأصبغ بعشر سنين. وربما احتج بحديث يذكر عن سعيد بن المسيب، وزيد بن أسلم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من حاز شيئا عشر سنين فهو له» وهذا لا يثبت.
وأما مالك رحمه الله: فلم يوقت في ذلك حدا، ورأى ذلك على قدر ما يرى ويجتهد فيه الإمام.
الثالثة: يد محتمل أن تكون محقة. وأن تكون مبطلة. فهذه هي التي تسمع الدعوى عليها ويحكم بها عند عدم ما هو أقوى منها. فالشارع لا يغير يدا شهد العرف والحس بكونها مبطلة. ولا يهدر يدا شهد العرف بكونها محقة.
واليد المحتملة: يحكم فيها بأقرب الأشياء إلى الصواب. وهو الأقوى فالأقوى. والله أعلم. فالشارع لا يعين مبطلا، ولا يعين على إبطال الحق، ويحكم في المتشابهات بأقرب الطرق إلى الصواب وأقواها.
(1) سورة الأعراف الآية 199
باب الدعاوى والبينات
قال الإمام سعود بن عبد العزيز بن محمد رحمهما الله جرى بين رجلين خصومة في عقد بيع نخل متقدم ودخل عليه عقد ثان وقام بعض الناس على بعض يتنازعون في عقود ماضية في أموال قد استولى عليها أهلها وحضروا عند آل الشيخ واتفق رأيهم أن ما أفتى به الشيخ رحمه الله وغيره من قضاة المسلمين واستغله الذي هو في يده مدة والمدعي موجود ولا أنكر وادعى فلا له طريق إلا إن تبين مقالة فيها نص صريح أو إجماع أهل العلم أو اتفق عليه قضاة المسلمين الموجودين وإلا ما يثبت له دعوى بفتيا الواحد في مثل هذه المقالة التي يقضي فيها قاض من قضاة المسلمين فلا يتعرضها الآخر إلا بإجماع القضاة أن هذه الفتيا مخالفة للشرع فإن نقضها واحد ما صح نقضه فإن تقوى أمير أو مأمور على مسلم وأكل ماله بظلم أو بيع فاسد فيأتي وأقوم له إن شاء الله تعالى.
ويذكر لنا بعض الناس الذين حضروا الشيخ رحمه الله أنه إذا عرض عليه حفيظة بخط مطوع من مطاوعة الجاهلية (1) أمضاها ولا ينكثها فإذا استدام ملك واحد في يد الآخر واستغله ثلاث سنين أو أربع سنين وصاحب الدعوى حاضر ولا ادعى في هذه المدة سد عليه الباب.
سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد عن أخوين بينهما شركة في أرض تصرف أحدهما في الأرض بزرع وبناء وادعى أنه اشتراها من أخيه ولكن الشهود ماتوا فأجاب: الذي نفهم أن هذا على الأصل يلزم مدعي الشراء بينة فإن لم يجد بينة حلف المنكر أنه لم يبعها عليه وأنها في ملكه إلى الآن فإذا حلف فهو على نصيبه من الأرض وأما كونها في يد أحدهما ويتصرف فيها من قدر ثمان سنين فمثل هذا ما يصير بينة ولا يحكم باليد في مثل
(1) أي ما قبل ظهور الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله سموا بذلك لما كانوا عليه من أعمال الجاهلية
هذه الصورة لكونه يدعي أنه اشتراها والآخر منكر ولم يدع أنها ملكه لا حق للآخر فيها بل هو مقر بملك أخيه فيها لكنه يدعي بالشراء وهذا الذي تقرر عندنا وعند الأخ حمد بن ناصر.
سئل الشيخ عبد الرحمن بن حسن عن مواريث كانت في الأصل فصارت اليوم في يد غير أهلها يتصرفون فيها تصرف الملاك فأجاب: الذي استقر عليه فتوى شيخنا شيخ الإسلام إمام الدعوة الإسلامية أن العقار ونحوه إذا كان في يد إنسان يتصرف فيه تصرف الملاك من نحو ثلاث سنين فأكثر ليس فيه منازع في تلك المدة أن القول قوله أنه ملكه إلا أن تقوم بينة عادلة تشهد بسبب وضع اليد أنه مستعير أو مستأجر ونحو ذلك، وأما الأصل فلا يلتفت إليه مع هذا الظاهر فقدم شيخنا رحمه الله الظاهر هنا على الأصل لقوته وعدم المعارض.
وسئل أيضا الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ رحمهم الله عن بستان ادعاه اثنان أصله لجدهما من قبل الأم وليس مع أحدهما بينة بانتقال ملك مورثه عنهما فأجاب: قد أفاد ابن القيم رحمه الله تعالى في الطرق ما يؤخذ منه حكم هذه القضية فقال: وأما المرتبة الثالثة فمثالها أن يكون رجل حائزا لدار يتصرف فيها السنين الطويلة بالبناء والهدم والإجارة والعمارة وينسبها إلى نفسه وإنسان حاضر يراه ويشاهد أفعاله فيها هذه المدة وهو مع ذلك لا يعارضه فيها، ولا يذكر أن له فيها حقا ولا مانع من مطالبته من خوف سلطان أو ما أشبه ذلك وليس بينه وبين المتصرف في الدار قرابة أو شركة في ميراث ونحوه ثم جاء بعد طول هذه المدة يدعيها لنفسه، ويزعم أنها له، ويريد أن يقيم بينة بذلك فدعواه غير مسموعة أصلا انتهى. فمفاد هذا الكلام أنه إذا كان بين المتنازعين قرابة أو شركة في ميراث ونحو ذلك أن الدعوى تسمع ولا يثبت حكم اليد لمن هي في يده لأجل القرابة وغيبة الشريك فتقسم على الميراث الذي هو في الأصل والله أعلم.
سئل الشيخ حسن بن حسين بن الشيخ إذا ادعى رجل أن أباه اشترى هذا الملك وأحضر وثيقة وكان بيد آخر وورثه عن أبيه والوثيقة من مدة خمس سنين فأجاب: اعلم أن العلماء قرروا أنه إذا تعارض الأصل والظاهر قدم الظاهر ولم يعمل بالأصل، وهذا فيما إذا كان العقار بيد إنسان قدر خمس سنين يتصرف فيه تصرف المالك ولم يدعه صاحب
الأصل في هذه المدة ولم يكن بينهما شركة ولا قرابة بينهما، فالذي أرى في هذه المسألة إذا كان الملك بيد أب من هو في يده أو ولده مع وجود أبي المدعي يتصرف فيه ولم يدعه الأب فدعوى ابنه اليوم ساقطة، وإن كان أبو المدعي مات من حين الشراء المذكور في الوثيقة وأحضر ابنه بينة أنه لم يعلم بالوثيقة ولم يجدها إلا في هذا الزمان عمل بها وإلا لم تقبل دعواه عدم وجودها إلا ببينة مرضية.
سئل الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين إذا ادعى إنسان عقارا فقال المدعى عليه ورثته من أبي ولم أعلم لك فيه حقا هل تقبل يمينه؟ وإذا ادعى إنسان شيئا أنه يملكه الآن وشهدت البينة أنه كان له أمس أو لأبيه قبل موته إلى أن مات هل تسمع أولا؟ فأجاب: لا يخلو إما أن يدعي على من هو بيده أنه غصبه إياه ونحو ذلك فإذا لم يكن للمدعي بينة فعلى المدعى عليه اليمين على حسب جوابه، فإن قال المدعي غصبتني حلف أني ما غصبتك هذا وإن قال المدعي أودعتك هذا حلف أنك ما أودعتني إياه ونحو ذلك فإذا حلف بأنك ما تستحق علي شيئا أو أنك لا تستحق فيما ادعيته صار جوابا صحيحا ولا يكلف سواء، والحال الثاني أن يدعي على من هو في يده بأن أباك غصبني هذا أو أنه وديعة عنده ونحو ذلك فيمين المدعى عليه على نفي العلم فيحلف في دعوى الغصب بأني ما علمت أن أبي غصب هذا منك وفي دعوى الوديعة ما علمت أنك أودعته إياه ونحو ذلك وفي سنن أبي داود «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للحضرمي: ألك بينة قال لا ولكن أحلفه والله يعلم أنها أرضي اغتصبها أبوه فتهيأ الكندي لليمين ولم ينكر ذلك النبي صلى الله عليه وسلم (1)» ولأنه لا تمكنه الإحاطة بفعل غيره بخلاف فعل نفسه فوجب أن لا يكلف اليمين على البت. وأما إذا ادعى أن هذه اليمين له الآن وشهدت البينة بأنها كانت له أمس وأنها كانت في يده أمس لم تسمع بينته لعدم تطابق البينة والدعوى قال في الإنصاف في أصح الوجهين حتى يتبين سبب يد الثاني نحو غصبه بخلاف ما لو شهدت أنها ملكه اشتراه من رب اليد فإنها تقبل ا. هـ. وأما إذا شهدت البينة أن هذه العين لهذا المدعي بهذه الصيغة كفى ذلك وسلمت إلى المدعي ولو لم تقل وهي في ملكه الآن وأما إذا ادعى أن هذه العين كانت ملكا لأبيه أو أمه أو أخيه ومات وهي في ملكه فصارت لي بالميراث فإن شهدت البينة بأن هذه العين كانت ملكا لأبيه ومات وهي في ملكه سمعت البينة بذلك وإن قالت البينة كانت ملكا لأبيه ونحوه ولم تشهد بأنها خلفه
(1) صحيح مسلم الإيمان (139)، سنن الترمذي الأحكام (1340)، سنن أبو داود الأيمان والنذور (3245)، مسند أحمد بن حنبل (4/ 317).
تركة لم تسمع هذه البينة. وفي الفروع والإنصاف عن الشيخ تقي الدين أنه قال فيمن بيده عقار فادعى آخر بثبوت عند الحاكم أنه كان لجده إلى موته ثم لورثته ولم يثبت أنه مخلف عن موروثه لا ينتزع منه بذلك لأن أصلين تعارضا وأسباب انتقاله أكثر من الإرث ولم تجر العادة بسكوتهم المدة الطويلة ولو فتح هذا الباب لانتزع كثير من عقار الناس بهذا الطريق (1).
(1) الدرر السنية / 6/ 512 وما بعدها
مما تقدم يتبين ما يأتي:
أولا: من الأسباب الشرعية لنقل الملكية البيع والهبة والوصية والميراث والشفعة والحيازة والتقادم عند من يقول بذلك / انظر الإعداد ص 2.
ثانيا: دل الكتاب والسنة والإجماع على تحريم الاعتداء على أموال الناس بغير حق انظر الإعداد ص 3.
ثالثا: معنى الحيازة في اللغة الجمع والتجمع وجميع فروع هذه المادة ترجع إلى هذا الأصل وكل من ضم شيئا إلى نفسه فقد حازه حوزا. والحيازة اصطلاحا وضع اليد على الشيء والاستيلاء عليه والتصرف فيه تصرف الملاك في أملاكهم / انظر الإعداد / ص 4.
رابعا: محل البحث هو الشيء الذي طالت مدته بيد إنسان وليس لديه ما يثبت ملكيته سوى طول المدة فأقام شخص آخر الدعوى عليه وادعى أنه ملكه وأحضر البينة على ذلك وليس لديه في السابق ما يمنعه من إقامة الدعوى.
خامسا: ذكر أقوال الفقهاء في إثبات الملكية بالتقادم وبيان المدد وشروط ذلك مع الأدلة؟ المعتمد في هذا الباب في جميع تفاصيله من جهة اختلاف مقدار المدة على الاجتهاد السلطاني واجتهاد القضاة.
أ - يرى الإمام مالك رحمه الله تعالى ومن وافقه من أهل العلم عدم تحديد المدة بمقدار معين يكون قاعدة يطبق عليها تصرف القضاة فلا يتجاوزونها ولا ينقصون عنها شيئا.
وهذا مبني على أن لكل مسألة ظروفها وملابساتها فيجتهد القاضي الذي ينظر في المسألة والاعتماد على اجتهاد القاضي له أصل في الشرع.
ب - يرى الحنفية ومن يوافقهم من المالكية وغيرهم تحديد المدة ومن هنا يتشعب الخلاف في مقدار هذه المدة.
1 -
التقادم الذي مدته ست وثلاثون سنة وهذا عند الحنفية ومن يوافقهم وهو في:
1 -
دعوى المتولي والمرازقة في الأصل والوقف وعلته - 2 - دعوى الطريق الخاص والمسيل وحق الشرب في العقارات الموقوفة 3 - الدعاوى المتعلقة بأصل النقود الموقوفة 4 - العقار الراجع من الطريق إذا كان موقوفا 5 - العقار الذي يرجع من طريق العقارات المملوكة. 6 - دعاوى رقبة الأراضي الأميرية التي يقيمها مأمور الأراضي.
والقول بهذه المدة كما ذكر مبني على الاجتهاد.
2 -
التقادم الذي مدته خمس عشرة سنة وهذا يقول به الحنفية ومن يوافقهم وهو مبني على الأمر السلطاني فإذا أمر السلطان أن الدعوى لا تنظر بعد مضي هذه المدة وجب على القضاة الامتناع عن النظر فيها فيكون القاضي معزولا عن سماعها ويذكر ابن عابدين أن سبب النهي قطع الحيل والتزوير مع العلم أن هذا يمنع النظر ولا يسقط الحق ويحددون المسائل التي تدخل تحت هذه المدة في:
1 -
دعاوى الدين، الوديعة العارية، العقار، الملك، الميراث القصاص دعوى التولية والغلة في العقارات الموقوفة والمقاطعة والمشروطة التصرف فيها بالإجارتين.
2 -
الطريق الخاص والمسيل وحق الشرب في العقار الملك / انظر الإعداد / 6، 11، 12، 34.
جـ - التقادم الذي مدته عشر سنوات وهذا عند من قال به من الحنفية ومن يوافقهم ويحددون ما لا تقبل فيه الدعوى بعد هذه المدة في دعوى الطريق الخاص والمسيل وحق الشرب التي هي الأرض الأميرية وهذا أيضا يبنونه على الأمر السلطاني فإذا أمر أنها لا تسمع الدعوى بعد هذه المدة وجب طاعته ولو أمر بسماعها بعد مضيها سمعت.
د - مضى في الإعداد تحديد مدة التقادم عدد غير ذلك كما هو مبين في الإعداد تركنا ذكرها اختصارا.
هـ - هناك تفاصيل في الإعداد تركنا ذكرها اختصارا ويمكن الرجوع إليها لأن المقصود بالقصد الأول هو أصل الموضوع.
والشروط التي يشترطها العلماء للقول بالتقادم والحكم بمقتضاه هي:
1 -
البلوغ - 2 - العقل - 3 - العلم بملكيته وبوضع اليد عليه - 4 - الحضور - 5 - أن لا يكون ممنوعا من إقامة الدعوى خوفا من ذي سلطان إذا كان الحائز هو السلطان والحائز شخصا له علاقة بالسلطان.
ز - المعتبر في مرور الزمان المانع لاستماع الدعوى هو مرور الزمن الواقع بلا عذر فقط وأما مرور الزمن الواقع بعذر شرعي من صغر وجنون وعته أو غيبة المدعي والمدعى عليه من المتقلبة فهذه المدة غير معتبرة لكن إذا زال العذر بدأت المدة.
جـ - لا اعتبار لمرور الزمن في دعاوى المحال التي يعود نفعها للعموم كالطريق العام والنهر والمرعى لأنه يوجد بين العامة قاصرون كالصغار والمجانين والمعتوهين ويوجد أيضا غائبون وحيث لا يمكن إفراز حق هؤلاء من غيرهم فلذلك لا يجرى في المحال التي يعود نفعها للعموم.
هذا ما تيسر ذكره وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو
…
عضو
…
نائب رئيس اللجنة
…
الرئيس
عبد الله بن قعود
…
عبد الله بن غديان
…
عبد الرزاق عفيفي
…
عبد العزيز بن عبد الله بن باز