الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ومما تجدر الإشارة إليه أن تشريعات الإسلام المستمدة من الكتاب والسنة قد اعترف بعظمتها رجال القانون حتى من غير المسلمين.
فقد أعلن المؤتمر الدولي المنعقد في لاهاي عام 1937 م اعتبار الشريعة الإسلامية مصدرا من مصادر التشريع العام كما أعلن أن الشريعة الإسلامية قائمة بذاتها مستقلة عن غيرها.
وفي أسبوع الفقه الإسلامي المنعقد في باريس عام 1952م وقف نقيب المحامين الفرنسيين ليقول: " لا أدري كيف أوفق بين ما كان يصور لنا من جمود الشريعة الإسلامية والفقه الإسلامي وعدم صلاحيتها كأساس لتشريعات متطورة، وبين ما سمعته مما يثبت - من غير شك - فاعلية الشريعة الإسلامية من عمق وأصالة ودقة وكثرة تفريع وصلاحية لمقابلة جميع الأحداث ".
وها هي جمعية القانون الدولي العام تعتبر محمد بن الحسن الشيباني صاحب أبي حنيفة الرائد الأول للقانون الدولي العام (1) ومعلوم أن الفقه الإسلامي - الذي اعترف بعظمته المنصفون من غير المسلمين - يستمد بشكل أساسي من الكتاب والسنة.
بقي أن نقول: إن هذا التشريع القرآني لا غرابة أبدا في كونه متميزا ومتفردا ومتفوقا على جميع التشريعات الأخرى ذلك أنه من عند خالق النفس البشرية العالم بما يصلحها ويسعدها، {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} (2).
(1) انظر الزنداني: طريق الإيمان ص62 - 63 وانظر رشاد سالم: المدخل إلى الثقافة الإسلامية ص259 - 260
(2)
سورة الملك الآية 14
الوجه الثالث: انطباق آيات على ما جاء به العلم الحديث:
أنزل الله تعالى كتابه ليكون دستورا للناس ونبراسا يهتدون به، ويحكمونه فيما بينهم، وأقام الحجة به عليهم.
وهذا الكتاب الكريم لم يكن من مقاصده تقرير حقائق علمية تتعلق بالإنسان والكون، لكنه سبحانه أثناء سوقه الأدلة على وجوده ووحدانيته، وتذكير الناس بنعمه وآلائه التي لا تحصى، ولفت الأنظار إلى قدرته الباهرة - أثناء ذلك كله - ذكر سبحانه آيات لفتت النظر إلى حقائق علمية لم تعرف إلا بعد عصر التنزيل بقرون كثيرة. فكلما كشف البحث العلمي سنة كونية أو حقيقة علمية وظهر أن آية في القرآن الكريم أشارت إلى تلك السنة أو الحقيقة قام برهان جديد على أن القرآن من عند الله.
ومما تجدر الإشارة إليه أن بعض الناس لا يرون أن تفسر بعض آيات القرآن الكريم وفق ما جاء به العلم الحديث محتجين بأن آيات القرآن لها مدلولات ثابتة مستقرة لا تبدل ولا تتغير، بينما معطيات العلم قد تتغير وتتبدل من حين لآخر نتيجة البحث الدائم المستمر، فكم من نظرية علمية دافع عنها أصحابها ثم تراجعوا عنها بعد أن ظهر خطؤها وبطلانها (1).
لكن هذا الرأي لا يسلم من النقد، إذ أن تفسير آية قرآنية بما كشف العلم الحديث من سنن كونية ما هو إلا فهم للآية بوجه من وجوه الدلالة على ضوء العلم، وليس معنى هذا إن الآية لا تفهم إلا بهذا الوجه من الوجوه، فإذا ظهر خطأ ما اكتشفه العلم ظهر خطأ فهم الآية على هذا الوجه لا خطأ الآية نفسها. وهذا ينطبق تماما على غير ما اكتشفه العلم، ألا ترى أن عالما قد يفهم حكما شرعيا من آية قرآنية ثم يعدل عن هذا الفهم إذا تبين له خطأ فهمه بظهور دليل جديد أبطل فهمه الأول (2).
هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنه يجب على من يتصدى لتفسير آيات القرآن الكريم وفقا لما جاء به العلم الحديث أن يتحرى حقائق العلم التي أثبت العلماء أنها حقائق لا مجال للرجوع عنها تاركا الفرضيات والنظريات التي لم تصبح حقائق بعد. كما عليه أيضا أن يتجنب النصوص القرآنية ما لا تحتمل.
(1) انظر القطان: مباحث في علوم القرآن 270
(2)
خلاف: أصول الفقه، ص29 - 30
ومما تجدر الإشارة (1) إليه أيضا أنه لا يمكن أبدا أن يأتي يوم يصل فيه العلم إلى حقيقة تتعارض مع آية قرآنية قطعية الدلالة لأن القرآن كلام الله والكون صنع الله وكلام الله وصنعه لا يتناقضان أبدا بل يصدق أحدهما الآخر لأن مصدرهما واحد. لذا فقد جاءت الحقائق العلمية مؤيدة لما في كتاب الله تعالى ومصدقة له.
والنصوص القرآنية التي أشارت إلى حقائق علمية كثيرة بينها العلماء في كتبهم وندواتهم ومؤتمراتهم ومحاضراتهم ونكتفي هنا بذكر أمثلة يسيرة:
1 -
أشارت هذه الآية الكريمة إلى ما يصيب الإنسان من ضيق وعوارض الاختناق عند صعوده إلى طبقات الجو العليا بسبب ما يصاحب هذا الصعود من قلة الضغط الجوي وقلة الأكسجين.
وهذه حقيقة لم يكن يعلم بها أحد لا من العلماء ولا من غيرهم في زمن محمد صلى الله عليه وسلم إلا بعد صعود الإنسان في العصر الحديث إلى طبقات الجو العليا.
2 -
تقرر هذه الآية أن السماوات والأرض كانتا متصلتين ثم وقع الانفصال بينهما بمشيئة الله وقدرته وقد أثبت العلم الحديث ما قالت به الآية قبل أربعة عشر قرنا.
(1) السائح: عقيدة وما يتصل بها ص262
(2)
سورة الأنعام الآية 125
(3)
سورة الأنبياء الآية 30
أما الحقيقة الأخرى التي قررتها الآية القرآنية فهي أن الماء أصل كل شيء حي، وهذا ما أثبته العلم الحديث من أن الماء هو العنصر الأول المكون لكل خلية حية، فلا حياة ممكنة بدون وجوده.
3 -
قال جل وعلا: {وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} (1).
وقال:. . . {وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى} (3). وقال:. . . . {فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ} (4).
وقال: {وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ} (5).
وقال: {وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى} (6){مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى} (7).
من خلال هذه الآيات الكريمة يتبين أن كل شيء قائم على نظام الزوجية، وأنها منتشرة في كل شيء، وهذا ما أثبته العلم الحديث فهي ليست مقصورة على الإنسان أو الحيوان بل في النباتات والجماد كذلك، وقد أخبر الله في كتابه بهذا قبل أربعة عشر قرنا (8).
(1) سورة الذاريات الآية 49
(2)
سورة يس الآية 36
(3)
سورة طه الآية 53
(4)
سورة لقمان الآية 10
(5)
سورة الرعد الآية 3
(6)
سورة النجم الآية 45
(7)
سورة النجم الآية 46
(8)
بوكاي دراسة الكتب المقدسة ص 214 - 216، رشيد رضا: الوحي المحمدي ص 355.