الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
إنه لم يعرف لكتاب من الكتب مثل ما لهذا القرآن، من سمو الموضوع وسحر البيان، وقوة التأثير، مما وجه عناية العلماء إلى الاهتمام بدراسته من حيث ألفاظه ومعانيه وعقائده، وآدابه وأحكامه، وتشريعاته. فخلفوا بهذه الدراسة ثروة ضخمة من العلم والأدب، لا تزال ولن تزال المادة الصالحة لقيام حضارة إنسانية ينعم فيها البشر بحياة أفضل وعيش أرغد {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا} (1).
هذه هي المعجزة التي أيد الله بها نبيه الأمي، والتي غير بها نفوسا، وأحيا قلوبا وأنار بصائر وربى أمة، وكون دولة في سنى تعد على الأصابع.
إذا كان قلب العصا حية معجزة، فإن تغيير العقول والقلوب أبلغ في الإعجاز، وإذا كان إحياء الميت من الخوارق التي أيد الله بها بعض أنبيائه فإن إحياء أمة أمية من الجهل والرذيلة، وجعلها مصدر إشعاع وهداية، هو الخارق الذي تتضاءل في جوانبه جميع المعجزات " اهـ (2) وتمثل ببيتين من الشعر:
الله أكبر إن دين محمد
…
وكتابه أقوى وأقوم قيلا
لا تذكر الكتب السوالف عنده
…
طلع الصباح فأطفئ القنديلا
(1) سورة الشورى الآية 52
(2)
سابق العقائد الإسلامية ص220
ثانيا: خلقته وخلقه وجميل سيرته تؤكد صدق نبوته:
مما لا شك فيه أن الله تعالى من على رسوله بأن حباه خلقه. وصورة تجعل من يراه يعرف أن وجهه صلى الله عليه وسلم لا يأتي إلا بالصدق، فقد كانت صورته صلى الله عليه وسلم محببة إلى كل من شرح الله صدره للإيمان، وقد ذكر أصحابه - رضوان الله عليهم - من أوصافه الكثير الكثير حيث تجعل من يتأملها يؤمن بأن صاحبها رسول من عند الله اجتباه وحباه وصوره فأحسن صورته. عن البراء رضي الله عنه قال:«كان رسول الله أحسن الناس وجها وأحسنهم خلقا، ليس بالطويل البائن ولا بالقصير (1)» .
(1) أخرجه البخاري كتاب أحاديث الأنبياء باب صفة النبي صلى الله عليه وسلم ج 4/ 165
وعن أبي جحيفة رضي الله عنه «أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يصلي بالبطحاء وبين يديه عنزة فجعل الناس يأخذون يديه فيمسحون بها وجوههم، قال: فأخذت بيده فوضعتها على وجهي، فإذا هي أبرد من الثلج وأطيب رائحة من المسك (2)» .
وعن أنس رضي الله عنه قال: «ما مسست حريرا ولا ديباجا ألين من كف النبي صلى الله عليه وسلم ولا شممت ريحا قط أو عرفا قط أطيب من ريح أو عرف النبي صلى الله عليه وسلم (4)» .
أما عن خلقه وجميل سيرته فحدث ولا حرج:
فقد كان أحسن الناس خلقا حتى قال ربه فيه: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} (5) وعن أنس رضي الله عنه قال: «والله لقد خدمته تسع سنين ما علمته قال لشيء صنعته: لم فعلت كذا وكذا؟ أو لشيء تركته: هلا فعلت كذا وكذا (6)» .
وكان كريما سخيا جوادا فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «كان صلى الله عليه وسلم أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في شهر رمضان (7)» . . .
وعن جابر بن عبد الله قال: «ما سئل رسول صلى الله عليه وسلم شيئا قط فقال: لا (8)» .
وكان أكثر الناس رحمة بالمؤمنين حتى قال الله فيه: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} (9).
وكان قمة في التواضع، فكان إذا مر على الصبيان سلم عليهم.
(1) أخرجه البخاري كتاب أحاديث الأنبياء باب صفة النبي صلى الله عليه وسلم 4/ 165، 167
(2)
العنزة بفتح (النون) عصا أقصر من الرمح لها سنان. وقيل: هي الحربة الصغيرة (1)
(3)
أخرجه البخاري كتاب أحاديث الأنبياء باب صفة النبي صلى الله عليه وسلم 4/ 165، 167.
(4)
العرف: الرائحة مطلقا، وأكثر ما يستعمل في الطيب (3)
(5)
سورة القلم الآية 4
(6)
مسلم كتاب الفضائل 4/ 1805
(7)
مسلم كتاب الفضائل 4/ 1803
(8)
مسلم كتاب كتاب الفضائل 4/ 1405
(9)
سورة التوبة الآية 128
وكان يقول: «لو دعيت إلى ذراع أو كراع لأجبت، ولو أهدي إلي ذراع أو كراع لقبلت (2)» وهذا تواضع منه صلى الله عليه وسلم.
وكان زاهدا قانعا باليسير فعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت لعروة: «يا ابن أختي إنا كنا لننظر إلى الهلال ثم الهلال ثلاثة أهلة في شهرين وما أوقدت في أبيات رسول الله صلى الله عليه وسلم نار. فقلت: يا خالة: ما كان يعيشكم؟ قالت: الأسودان التمر والماء (3)» . . .
وعن عمرو بن الحارث أخي جويرية بنت الحارث قال: «ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم عند موته درهما ولا دينارا ولا عبدا ولا أمة ولا شيئا إلا بغلته البيضاء وسلاحه وأرضا جعلها صدقة (4)» .
وكان كثير الحياء حتى وصفه أبو سعيد الخدري بقوله: «كان أشد حياء من العذراء في خدرها (5)» .
وكان عابدا لله تعالى مستغفرا له باستمرار حتى قال فيه المغيرة بن شعبة: «إن كان ليقوم ليصلي حتى ترم قدماه أو ساقاه فيقال له فيقول: " أفلا أكون عبدا شكورا (6)» .
وقال عليه الصلاة والسلام:. . . . «وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة (7)» . وكان شجاعا مجاهدا في سبيله سبحانه فإذا حمي الوطيس في المعركة وشمرت الحرب عن ساقيها رأيت فيه مثال الشجاعة والثبات كما حدث في أحد وحنين حين قال فيه البراء: «كنا والله إذا احمر البأس نتقي به. وإن الشجاع منا للذي يحاذي به يعني النبي عليه الصلاة والسلام (8)» .
(1) البخاري كتاب الهبة 3/ 129
(2)
الكراع من البقر والغنم أسفل الساق العاري من اللحم (1)
(3)
البخاري كتاب الهبة 3/ 129
(4)
البخاري كتاب الوصايا 3/ 186
(5)
مسلم كتاب الفضائل 4/ 1809
(6)
البخاري كتاب التهجد 1/ 44
(7)
مسلم كتاب الذكر والدعاء 4/ 2075
(8)
مسلم كتاب الجهاد ج 3 / ص1401
وكان حليما صفوحا لا يغضب إلا لله تعالى حتى قالت فيه زوجته عائشة: «ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا أخذ أيسرهم ما لم يكن إثما، فإن كان إثما كان أبعد الناس عنه. وما انتقم رسول الله لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله عز وجل (1)» .
أما صدقه وأمانته فاعترف بها العدو والصديق، فما أثر عنه الكذب ولا الخيانة لا قبل النبوة ولا بعدها حتى لقبه قومه بالأمين.
وهذه الأخلاق الإنسانية الكاملة والسيرة العطرة هي التي جعلت بعض من تأملها يقر بأنه رسول من عند الله كما حدث مع السيدة خديجة رضي الله عنها عندما أخبرها بما حصل معه في حراء وأنه خشي على نفسه، فكان جوابها له:«كلا والله ما يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم وتحمل الكل (3)» . . .
وهذا عينه هو الذي حدا بهرقل ملك الروم إلى الإقرار بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم بعد أن سأل أبا سفيان أسئلة عديدة عن هذا النبي وصفاته فكان مما سأل أبا سفيان عنه: كيف نسبه فيكم؟ وهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ وبماذا يأمركم؟ وهل يغدر؟. . . إلى غير ذلك من الأسئلة، وبعد أن أجابه أبو سفيان رد عليه هرقل بقوله:«إني سألتك عن نسبه فذكرت أنه فيكم ذو نسب، وكذلك الرسل تبعث في نسب قومها. . . وسألتك هل كنتم تتهمونه بالكذب فذكرت أن لا، فقد أعرف أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله. . . وسألتك هل يغدر فذكرت أن لا. وكذلك الرسل لا تغدر. وسألتك بما يأمركم؟ فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئا وينهاكم عن عبادة الأوثان ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف فإن كان كما ما تقول حقا، فسيملك موضع قدمي هاتين (4)» . . .
(1) مسلم كتاب الفضائل 4/ 1813
(2)
البخاري كتاب بدء الوحي 1/ 3، ومسلم كتاب الإيمان 1/ 141
(3)
(2).، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق
(4)
البخاري كتاب بدء الوحي 1/ 5