الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الذي لا يتضمن إقرارا بالدعوى هو: أن يجيب المدعى عليه قائلا: إن المدعي ذكر في دعواه أن الحصان المدعى به لونه أبيض وهذا الحصان الذي في يدي كما ترونه - أسود اللون. فهذا الدفع يلزم منه تناقض المدعي في دعواه ولا يتضمن إقرارا بالدعوى كما لا يلزم منه انتساخ الدعوى - في حال ثبوته - بل اللازم كما ذكرنا - التناقض في الدعوى.
شروط دفع الدعوى:
لما كان الفقهاء رحمهم الله قد اعتبروا الدفع نوعا من الدعاوى حتى إنهم حينما وضعوا تعريفهم للدعوى حرصوا على أن يدخلوا فيه دفعها، فإنه من البديهي أن يشترطوا لصحة ما اشترطوه لصحة الدعوى في مختلف عناصرها من أهلية وصفة في أطراف الدعوى ومعلومية في الحق المدعى، ومشروعية فيه، وغير ذلك من الشروط، ويضاف إليها بعض الشروط المستمدة من كون دفع الدعوى مرتبطا بدعوى سابقة عليه (1) وهي:
الشرط الأول: أن يوجه الدفع إلى دعوى صحيحة: فإن كانت الدعوى الأصلية باطلة فلا خلاف في قبوله؛ إذ ليس للدعوى الباطلة حكم، وهي تعتبر في حكم المنعدمة، والتصدي لدفعها تحصيل حاصل، وهو عبث.
(1) نظرية الدعوى ص 191. ج2
أما إذا كانت الدعوى الأصلية فاسدة، فهل يقبل دفعها من قبل المدعى عليه؟ الرأي الراجح عند الحنفية أن الدفع الصحيح للدعوى الفاسدة صحيح. فإن قيل: ما فائدة دفع الدعوى الفاسدة مع أن القاضي لا يسمعها؟! أجيب بأنه لو ادعاها على وجه صحيح يكون الدفع الأول كافيا (1) ومثال ذلك: لو ادعى مدع بدعوى دون تعيين المدعى به فدفع المدعى عليه هذه الدعوى الفاسدة بقوله: لقد أبرأتني من جميع الدعاوى، يقبل هذا الدفع منه، فإن أثبت المدعى عليه هذا الدفع وجب على القاضي ردها، ولا يبقى للمدعي حق في إصلاح دعواه من فسادها ودفعها مرة ثانية صحيحة (2).
الشرط الثاني - عدم التناقض في الدفع، سواء كان التناقض مع كلام صادر عن الدافع في جواب الدعوى، أو في دفع آخر سبق أن أبداه، أم كان صادرا خارج مجلس القضاء، وهذا شرط في الدعوى -أيضا - ولكن حصول التناقض في الدفع أوسع نطاقا (3).
الشرط الثالث: أن ينعكس الدفع على دعوى المدعي، بحيث يتعارض معها في حال ثبوته، كما في أمثلة دفع الدعوى السابق ذكرها، فإذا اختل هذا الشرط فإن الدفع لا يكون صحيحا، ومثال الدفع الفاقد لهذا الشرط: أن يدعي شخص على آخر مالا قائلا: إن هذا المال الذي في يد المدعى عليه ملك لي وأطلب تسليمي إياه، وبعد عرض الدعوى أجاب المدعى عليه بقوله: إن المدعي قد أقر بأن شخصا آخر قد أخذ
(1) نظرية الدعوى 2/ 191، البحر الرائق 7/ 231
(2)
نظرية الدعوى 2/ 191، أصول استماع الدعوى ص83
(3)
نظرية الدعوى 192
منه المال الذي يدعيه. فإن هذا الدفع لا ينعكس على الدعوى الأصلية (1). لأن الدعوى تقام على صاحب اليد؛ وإقرار المدعى عليه أن شخصا آخر أخذ المال لا يلزمه بشيء؛ لأنه همه استرداد ماله من اليد التي وصل إليها.
هذا ما ذكره بعض الفقهاء في شروط دفع الدعوى والملاحظ أن الشرط الأول فيه بعض نظر؛ وذلك لأن اشتراط وجود دعوى صحيحة يوجه إليها الدفع من باب تحصيل الحاصل؛ لأن القاضي لا يسأل المدعى عليه عن الدعوى إلا إذا بلغت درجة الصحة، أما قبل ذلك فإن جواب المدعى عليه بالدفع أو غيره من الأجوبة يكون لغوا لا فائدة فيه؛ لأنه لم يصادف محله. أما الشرط الثاني فإن اشتراطه لا يخص دعوى الدفع دون غيرها، بل هو شرط عام لجميع الدعاوى. أما الشرط الثالث فهو شرط خاص بالدفع، بل هو أهم شروطه.
فائدة: جملة القول - فيما نرجحه ونستنبطه -: فإن شروط دفع الدعوى تشمل شروطا عامة وشروطا خاصة. أما الشروط العامة فإنه يلزم توافرها في دعوى الدفع وفي جميع أنواع الدعاوى، وبسط البحث في هذه الشروط خارج عما نحن بصدد بحثه.
أما الشروط الخاصة فإنه يلزم توافرها في دعوى الدفع، ولا يلزم توافرها في غيرها من الدعاوى وهي كما يلي:
الشرط الأول: أن تكون دعوى الدفع جوابا قضائيا، بمعنى أن تكون دعوى الدفع جوابا صادرا من المدعى عليه، بعد أن يسأله القاضي الجواب على دعوى المدعي، ومعلوم أن القاضي لا يسأل المدعى عليه الجواب إلا بعد أن تتجاوز دعوى المدعي مرحلة البطلان والفساد إلى مرحلة الصحة. فإذا أجاب المدعى عليه بدعوى الدفع قبل أن يسأله القاضي الجواب على دعوى المدعي، فإن ذلك لا يكون دفعا صحيحا، بل
(1) انظر محاضرات في المرافعات الشرعية ص94
يكون لغوا لا أثر له، كما لو حلف المدعى عليه قبل أن يوجه القاضي اليمين إليه ومثال دعوى الدفع الفاقدة لهذا الشرط: أن يبادر المدعى عليه القاضي قائلا - قبل أن يبدأ المدعي في دعواه - أو قبل أن تصح دعواه: إن ما يدعيه المدعي غير صحيح؛ لأني قد أديت إليه الدين الذي يدعيه - فهذا القول - وإن كان دفعا للدعوى - إلا أنه لم يقع في محله الشرعي؛ فلم يكن جوابا قضائيا.
الشرط الثاني: أن تكون دعوى المدعي قضائية: بمعنى أن تكون مرفوعة أمام القضاء، فإذا لم تكن دعوى المدعي مرفوعة أمام القضاء، فإن دعوى دفعها أمام القضاء يعرف لدى الفقهاء بالدعوى المقلوبة وهي غير مسموعة (1)، لأن المشتكي فيها يطلب فيها إجبار خصمه ليقيم دعواه، وقد اتفق الفقهاء، على أن الشخص لا يجبر على إقامة دعواه.
ومثال الدفع الفاقد لهذا الشرط أن يقول المدعى عليه: إن فلانا الغائب عن مجلس القضاء يدعي أنه أقرضني مبلغ كذا، وأنا كنت قد أديت إليه ذلك المبلغ، وأطلب إحضاره لأثبت أني أديت إليه ذلك المبلغ، أو يحلف أني ما أديت إليه.
(1) الفروع لابن مفلح 6/ 460
الشرط الثالث: أن تتعارض دعوى الدفع مع الدعوى المدفوعة بحيث لا يمكن الجمع بينهما في حال افتراض ثبوت الدفع، فإذا لم تتعارض دعوى الدفع الصادرة من المدعى عليه مع الدعوى المدفوعة الصادرة من المدعي فإن الدفع لا يكون صحيحا.
ومثال الدفع الفاقد لهذا الشرط: أن يجيب المدعى عليه بقوله: إن هذه العين التي يطلبها المدعي ملكتها - أنا المدعى عليه - بطريق الشراء من فلان الغائب - فإن هذا الدفع لا يتعارض - على افتراض ثبوته - مع دعوى المدعي؛ لأن البائع ربما غصبها أو سرقها من المدعي ثم باعها على المدعى عليه، فأمكن بهذا الجمع بين دعوى الدفع والدعوى المدفوعة، وحينئذ فإن القاضي يلزم المدعى عليه الذي لم يصح دفعه أن يجيب بجواب شرعي صحيح وإلا اعتبره ناكلا عن الجواب وقضى عليه.
إثبات الدفع: إثبات دعوى الدفع كغيرها من الدعاوى، فيجري إثباتها بجميع وسائل
الإثبات الشرعية من الإقرار والشهادة والقرينة في نزاع التجاحد، وبالنص والأثر والفتوى والعرف في نزاع التصادق، وقد أشكل على كثير من الفقهاء تقديم بينة الدافع الذي هو المدعى عليه - في الأصل - على بينة المدعى عليه - في الأصل - الذي دفعت دعواه ومخالفة ذلك للقاعدة المجمع عليها (1) البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه " وقاعدة:"بينة الخارج مقدمة على بينة الداخل " وقاعدة: " بينة غير الحائز مقدمة على بينة الحائز " والحق: أن طلب البينة من المدعى عليه على دعوى الدفع التي أثارها ليس فيه مخالفة لقاعدة " البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه " وذلك لأن المدعى عليه أصبح - في دعوى الدفع - مدعيا كما أصبح المدعي مدعى عليه، وطلب البينة - حينئذ - لم يوجه إلى المدعى عليه وإنما وجه إلى المدعي، فلا مخالفة - في ذلك - للقاعدة النصية المذكورة - أما القاعدتان الأخريان فإنه لا مستند لهما من النص وفي القاعدة النصية ما يغني عنهما
(1) انظر الإجماع لابن المنذر ص29 نشر دار الكتب العلمية - بيروت
الجواب على دفع الدعوى: إذا أجاب المدعى عليه بدفع صحيح، فلا بد من عرضه على المدعي، باعتباره دعوه مكتملة الأركان والشروط وينعكس - حينئذ - موقف المتنازعين، فيصبح المدعي مدعى عليه، والمدعى عليه مدعيا، وقد يجيب المدعى عليه
صفحة فارغة
في دعوى الدفع - يدفع أيضا، وحينئذ تسمى هذه الأخيرة بدعوى (دفع الدفع)(1) وهكذا.
ومثال دفع الدفع: أن يدعي شخص قائلا في دعواه: إن لي في ذمة المدعى عليه الحاضر مبلغ ألف دينار وأطلب إلزامه بدفعها إلي، ويعرض الدعوى على المدعى عليه أجاب بقوله: إن المدعي أبرأني من هذا المبلغ، وبعرض هذا الدفع على المدعي المدفوعة دعواه أجاب قائلا: أنا أبرأت المدعى عليه ولكنه رد إبرائي ولم يقبله، وبعرض دفع الدفع هذا على المدعى عليه أجاب بإنكاره لرد الإبراء، وبسؤال مدعي دفع الدفع عما لديه من بينات تثبت دفع الدفع المذكور، أحضر بينته التي شهدت بصحة دعوى دفع الدفع (2). وهكذا يكمل القاضي نظر القضية كما تقدم ذكره في نظر دعوى الدفع.
(1) الأصول القضائية للشيخ علي قراعة ص 60
(2)
محاضرات في المرافعات الشرعية ص90.