الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
دفع الدعوى
إعداد
مسفر بن حسين القحطانى (1)
تمهيد:
{الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} (2){الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} (3){مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} (4){إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} (5){اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} (6){صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} (7) اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم. إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. أما بعد:
فإن توحيد الله في ألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته، على النهج الذي بينه رسوله صلى الله عليه وسلم والمتمسكون بهديه من بعده، العاضون بالنواجذ على سنته، هو ثمرة العلم الراسخ بأحكام العقيدة الإسلامية، وكذلك فإن تطبيق شريعة الله في جميع شؤون الحياة، على النهج الذي بينه علماء أصول الفقه، هو ثمرة العلم الراسخ بالشريعة الإسلامية. وكل علم شرعي لا ينتج ثمرة تتصل بتطبيق شريعة الله في أرضه، فإنه يقصر بصاحبه عن درجات العلماء الذين وصفهم الله بقوله:{يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} (8).
(1) وردت ترجمة للباحث في العدد 26 الصفحة (309).
(2)
سورة الفاتحة الآية 2
(3)
سورة الفاتحة الآية 3
(4)
سورة الفاتحة الآية 4
(5)
سورة الفاتحة الآية 5
(6)
سورة الفاتحة الآية 6
(7)
سورة الفاتحة الآية 7
(8)
سورة المجادلة الآية 11
فلا بد - إذن - لطالب العلم الشرعي أن يقف عند كل حكم نظري يدرسه في كتب العلم، فيتأمل الثمرة العملية لذلك الحكم، فإن وجد الروابط بين الحكم النظري الرابط عكس ذلك، فإن اجتهاده في بحث ذلك الحكم مما لا يعود عليه بكبير نفع في عاجل أمره أو آجله. ولما سأل بعض السائلين رسول الله صلى الله عليه وسلم عن علم نظري لا ثمرة له في واقع حياتهم، جاءهم الجواب من عند الله - مثمرا نافعا لهم في حياتهم الدينية والدنيوية، معرضا عما يطلبونه من علم لا نفع لهم فيه، فقال - جل ذكره -:{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} (1) وكان سؤالهم عن سبب محاق الهلال وكماله، ومخالفته لحال الشمس (2).
وهذه قاعدة عظيمة النفع، لا بد لطالب العلم من الاهتداء بها، فلا يشغل نفسه إلا بما يكون له نفع في حياة الناس دنياهم وآخرتهم، وهكذا كان طلب العلم، في عهده صلى الله عليه وسلم، وعهد خلفائه الراشدين من بعده، فلم يكن هم طالب العلم أن يصنف المجلدات الكثيرة من الكتب، بل ما يهمه هو أن يتفهم ما يحدث للناس من وقائع ثم يجهد نفسه في استنباط الحكم الشرعي لها، وهذا بخلاف ما عليه كثير من طلاب العلم في الأزمنة المتأخرة، الذين يجهدون أنفسهم في بحث أحكام لوقائع أصبحت أحكامها معلومة في كل مذهب، معرضين عن وقائع لم تستنبط أحكامها من قبل، فحصل - بسبب ذلك - فجوة واسعة بين فقه الأحكام النظرية وفقه الأحكام العملية (التطبيقية) حتى قال ابن العربي رحمه الله في كتابه أحكام القرآن - معلقا على آية التحكيم في شقاق الزوجين - قال:" وهي (أي آية التحكيم) من الآيات الأصول، ولم نجد لها في بلدنا أثرا، فلا بكتاب الله - تعالى - ائتمروا، ولا بالأقيسة اجتزوا، وقد ندبت إلى ذلك، فما أجابني إلى بعث الحكمين - عند الشقاق - إلا قاض واحد، ولا إلى القضاء باليمين مع الشاهد إلا قاض آخر، فلما ولاني الله الأمر، أجريت السنة كما ينبغي "(3).
(1) سورة البقرة الآية 189
(2)
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 2/ 341
(3)
أحكام القرآن 1/ 421
وقال علاء الدين الطرابلسي، صاحب كتاب معين الحكم فيما يتردد بين الخصمين من الأحكام: " وقد رأيت جواب جاهل للاعتناء بالفتيا - وقد أفتى في قناة ظهرت في دار مبيعة بالقرب من بئرها - فقال: يقال للشهود: هل يجب بذلك الرد، فإن قالوا: يجب، ردت. فليت شعري ما الذي استفتي هو فيه؟ إذا كان الشهود يسألون: هل يجب الرد أم لا؟ وهذا نهاية. . . .، وإذا فشت الجهالة في الناس ظننت حقا وحسبت سنة (1).
قلت: وهذان المثالان يوضحان مزلة أقدام كثير من العلماء، الذين شغلوا أنفسهم بحفظ كثير من ضروب العلم النظري، ولكنهم لم يشغلوا أنفسهم بثمرة ذلك العلم فيطلبوا - أيضا - العلم بكيفية تطبيق تلك الأحكام العلمية النظرية على ما يحدث من الوقائع في حياة الناس أفرادا وجماعات؛ ولذا فقد يشار بالبنان إلى كثير من العلماء في جانب البحث والعلم النظري، ولكن تلك الدرجة تصبح أمرا موهوما عندما يمتحن في جانب البحث والعلم التطبيقي، كما في المقال الذي ذكره علاء الدين الطرابلسي.
وهذا، وإن من أهم مسائل العلم التطبيقي مسألة سير القاضي في نظر الخصومات، فإن الخصوم يدعون ويجيبون أمامه بجزئيات لم تذكر - في الغالب - بذاتها وأحكامها في كتب الفقه، والقاضي يجتهد في استنباط الوصف الشرعي للواقعة، ليبني على ذلك الوصف الحكم الشرعي بعد ثبوت الواقعة بالإقرار أو البينة.
وإذا كان اجتهاد القاضي - في البحث عن الوصف الشرعي للدعوى المعروضة أمامه - يظهر مقدرته ورسوخ علمه النظري والتطبيقي، فإن الأهم من ذلك - هو اجتهاده في تقرير الوصف الشرعي لجواب المدعى عليه - وذلك لأن سير القاضي في نظر الخصومة مترتب على ما يجيب به المدعى عليه، ومن الواقع العلمي - فإن أقل ما يجيب به المدعى عليه هو الجواب بالإقرار. والكثير أن يجيب بالإنكار، وأكثر من ذلك أن يجيب بدفع الدعوى، ومعنى ذلك أن أكثر عمل القاضي - في الواقع - ينبني على الجواب بدفع الدعوى - ولذا فإن ما نحن بصدد بحثه - لأهميته المذكورة - هو جواب المدعى عليه بدفع الدعوى، فنقول - ومن الله نستمد الهداية والسداد:
(1) معين الحكام ص 130