الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
إشارة غير مقصودة
قال وهب بن منبه «1» : كانت الأرض كالسفينة تذهب وتجيء، فخلق الله ملكا في نهاية العظم والقوة، أمره أن يدخل تحتها ويجعلها على منكبه، فأخرج يدا من المشرق، ويدا من المغرب، وقبض على أطراف الأرض فأمسكها، ثم لم يكن لقدميه قرار، فخلق الله تعالى صخرة مربّعة من ياقوتة خضراء، في وسطها سبعة آلاف ثقبة، يخرج من كل ثقبة بحر لا يعلم عظمه إلا الله. ثم أمر الصخرة حتى دخلت تحت قدمي الملك، ثم لم يكن للصخرة قرار، فخلق الله تعالى نورا عظيما له أربعون ألف عين، ومثلها آذان وأنوف وأفواه وألسنة وقوائم، ما بين كل اثنين منها مسيرة خمسمائة عام. فأمر الله تعالى هذا الثور فدخل تحت الصخرة فحملها على ظهره وقرونه، واسم هذا الثور كيونان. ثم لم يكن للثور قرار، فخلق الله تعالى حوتا عظيما لا يقدر أحد أن ينظر إليه، (215) لعظمه وبريق عينيه وكبرهما، حتى قيل لو وضعت البحار كلها في إحدى مناخره لكانت كخردلة في فلاة. فأمر الله تعالى الحوت أن يكون قواما لقوائم الثور، واسم هذا الحوت بهموت. ثم جعل قراره الماء، وتحت الماء هواء، وتحت الهواء ماء، وتحت الماء ظلمات، ثم انقطع علم الخلائق عما تحت الظلمات، هذا آخر كلامه.
وينبغي أن يعلم أن هذا من الإسرائيليات على تقدير صحته عن وهب، وعلى تقدير أن وهبا نقله عمن يوثق به، لكن البراهين تقتضي ترجيح أحد القولين في رده، بدليل نص القرآن في قوله تعالى وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ
تَمِيدَ بِكُمْ
«1» ونحوه من الآيات الكريمة التي تدل على أن الأرض إنما كان «2» سبب ثباتها على الحال التي عليه من السكون وعدم الاضطراب والحركة، هو أن الله تعالى أرسى فيها الجبال فسكّنها عن الاضطراب. نعم إن التحقيق أقرب في قوله إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ
«3» . وإذا كان قد قال سبحانه خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها
«4» فالأرض كذلك، وإنما دخل الداخل بين المسلمين مما نقلته اليهود، وتلقاه من [في] قلبه مرض ممن يعتقد أن الله في جهة، فانشرح صدره لمثل هذه الأحاديث ونقلها عند المسلمين، فتقبلها العامة حتى النساء والصبيان ينقلون معتقدين صحتها، فنسأل الله العفو والعافية من البدع المضلة.
عاد الكلام ورجع إذا تقرر ما تقدم، فقد زعموا أن الأبخرة والأدخنة الكثيرة إذا اجتمعت تحت الأرض فلا تقاومها برودة، حتى يصير ما قد تكون مادتها كثيرة لا تقبل التحليل بأدنى حرارة، ويكون وجه الأرض صلبا لا يكون فيه منافذ ولا مسام، فالبخارات إذا قصدت الصعود (216) لا تجد المسام والمنافذ، فتهتز منها بقاع الأرض وتضطرب، كما يرتعد بدن المحموم من شدة الحمى، بسبب رطوبات عتيقة اختبأت في خلل أجزاء البدن، فتشتعل «5» بها الحرارة الغريزية، فتذيبها وتحللها وتصيرها دخانا وبخارا، فتخرج من مسام جلد الإنسان فيهتز من ذلك البدن ويرتعد، ولا يزال كذلك إلى أن تخرج تلك المواد كلها، فإذا خرجت سكن البدن ورجع إلى حال الصحة، فهكذا حركات بقاع الأرض
بالزلازل، فربما ينشق وجه الأرض فيخرج من ذلك الشق المواد المختنقة المختبئة دفعة واحدة، وقد يكون خروجها ببلدة فتخسفها، وذلك بأن تكون تحت الأرض تجاويف، فعند انشقاق الأرض ينزل فيها الجبال والبلاد الظاهرة على وجه الأرض مما يشاء الله تعالى.
قالوا: وإذا امتزج الماء بالطين، وفي الطين لزوجة، وأثرت فيه حرارة الشمس مدة طويلة، صار حجرا كما ترى أن النار إذا أثرت في الطين جعلته آجرا، والآجر ضرب من الحجر، وكلما كانت النار فيه أكثر كان أصلب، وأشبه بالحجر.
فزعموا أن تولد بعض الجبال من الماء والطين وحرارة الشمس. وأما سبب ارتفاع بعضها وشموخه على تقدير أن يكون مما ذكر فهو أنه يجوز بسبب زلزلة فيها خسف، فينخفض بعض الأرض ويرتفع بعضها، ثم ذلك البعض المرتفع يصير حجرا لما ذكرنا. وجاز أن يكون بسبب أن الرياح تنقل التراب إلى مكان فتجذب تلال ووهاد، ثم تتحجر بسبب ما قلنا.
ثم قد زعم صاحب كتاب المجسطي «1» أن في كل ستة وثلاثين ألف سنة تنقل أوجات «2» الكواكب ويدور في البروج الاثني عشر دورة واحدة، فإذا انتقلت من الشمال إلى الجنوب تختلف مسافات الكواكب ومطارح شعاعاتها على بقاع الأرض (217) ، فيختلف بها الليل والنهار، والشتاء والصيف، والحر والبرد، وتتغير أرباع الأرض، فيصير العمران خرابا، والخراب عمرانا، والبراري بحارا، والبحار براري، والجبال سهولا، والسهول جبالا.
أما صيرورة الجبال سهولا، فإن الجبال من شدة إشراق الشمس والقمر وسائر الكواكب عليها، بطول الزمان، تنشف رطوبتها، وتزداد جفافا ويبسا، وتتكسر عند الصواعق خاصة، فتصير أحجارا وصخورا ورمالا، ثم السيول تحمله إلى بطون الأودية والأنهار، ولشدة جريان الماء تحملها إلى البحار، فتنبسط في قعر البحار جبال وتلال، كما يتولد من هيوب الرياح دعاص «1» الرمال في البر.
وكذلك قد يوجد في أجواف الأحجار إذا كسرت، أنواع من الأصداف والعظام، وذلك بسبب اختلاط طين هذا الموضع بالصدف والعظم؛ وأيضا فقد يوجد بعض الجبال ذو أطباق، بعضها فوق بعض، وسبب ذلك وصول السيول إليه بالطين مرة، فإن ماء السيل إذا انتقل من موضع إلى موضع يحمل طين الموضع الذي مرّ عليه، فتصير كل طبقة من ذلك بمرور الزمان حجرا بالسبب الذي قلنا، ولا تزال السيول تأخذ من الجبال وتحط حتى ترتفع من البحر الوهاد وتنخفض في البر الجبال والله أعلم بالحقائق.
وأما كيفية صيرورة البحار يبسا، واليبس بحرا، فإنه كلما انضمت من البحر قطعة على الوجه الذي ذكرناه، فالماء يرتفع يطلب الاتساع على سواحله، يغطي البر بالماء، ولا يزال ذلك دأبها بطول الزمان حتى تصير مواضع البر بحرا، وهكذا لا يزال الجبال تتكسر وتصير حصى ورمالا تحمله السيول إلى قعر البحار مع طين ممرها، وينعقد فيها كما ذكرنا، حتى يستوي مع وجه الأرض فتجف وتنكشف، فينبت فيها العشب والأشجار، فتصير (218) مكانا للوحوش والسباع، ويقصدها الناس لطلب الصيد والعشب والحطب، فتصير مسكنا للناس وموضعا للزرع والغرس والقرى والمدن، فسبحان من لا يعتريه التغير والزوال، وكل ما سواه يتغير من حال إلى حال.
واعلم أن هذا المذكور إنما هو في بعض الجبال والأماكن المكتسبة ما ذكرنا، أما الجبال الأصول التي قال الله تعالى في حقها وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ
فتلك أصول وقواعد لا تتغير للحكمة المودعة فيها، التي لولاها لكانت الأرض متحركة.
وقال بعضهم: لولا الجبال لكان وجه الأرض مستديرا، وكان ماء البحار يغطيها من جميع جهاتها، وأحاط بها الهواء بالماء، وبطلت الحكمة في المعادن والنبات والحيوان.
وقال بعضهم: الجبال سبب لوجود الأنهار السائحة على وجه الأرض الذي هو مادة حياة النبات والحيوان، وذلك لأن سبب هذا الماء هو انعقاد البخار في الجو سحابا. والجبال الشامخة الطوال الأصول على بسيط الأرض شرقا وغربا ويمينا وشمالا تمنع الرياح أن تسوق البخار، بل يجعلها منحصرة بينها، حتى يحلقها برد الشتاء، فيصير مطرا وثلجا، فلو فرضت الجبال غير مرتفعة عن وجه الأرض لكانت الأرض كرة لا غور فيها ولا نتوء، فالبخار المرتفع لا يبقى في الجو «1» منحصرا إلى وقت يضربه البرد، بل يتحلل ويستحيل هواء، فلا يجري الماء على وجه الأرض إلا قدر ما ينزل من المطر، ثم تنشفه الأرض، فكان يعرض من ذلك أن النبات والحيوان يعدم لعدم الماء في الصيف عند شدة الحاجة إليه، كما في البوادي البعيدة والمغارات المعطشة، فاقتضى التدبير الإلهي وجود الجبال لحصر البخار المرتفع من الأرض بين أغوارها، ويمنعه من السيلان، ويمنع الرياح أن تسوقها كما يمنع السّكر «2» الماء فيبقى فيها محفوظا إلى أن يلحقه البرد زمان
الشتاء، فيجمده (219) ويعصره فيصير ماء، ثم ينزل مطرا وثلجا. والجبال في أجرامها مغارات وأهوية وأوشال وكهوف، فتقع على قللها الأمطار والثلوج، فتنصب إلى تلك المغارات والأوشال، فتبقى مخزونة، ويخرج من أسافلها ضيقة، وهي العيون، فيسيح منها الماء على وجه الأرض، فيحيي به العباد والبلاد، وما فضل ينصب إلى البحر. فإذا فني ما في الجبال من المياه النازلة فيها من الأمطار لحقها نوبة الشتاء فعادت إلى ما كانت، ولا تزال هكذا دائبا إلى أن يبلغ الكتاب أجله، فسبحان من لا يطلع على دقائق حكمته ومصنوعاته إلا هو.
فإذا وقعت الأمطار والثلوج على الجبال تنصب الأمطار إلى المغارات، وتذوب الثلوج، وتفيض إلى الأودية التي في الجبال، فتبقى مخزونة فيها وتمتلئ الأوشال منها في الشتاء، فإذا كان في أسافل الجبال منافذ ضيقة تخرج المياه من الأوشال في تلك المنافذ، فيحصل منها جداول، وتجتمع بعضها إلى بعض، فيحصل منها أودية وأنهار، فإن كانت تلك المياه في أعالي الجبال يستمر جريانها أبدا، لأن مياهها تنصب إلى سفح الجبال، ولا تنقطع ماديتها لوصول مددها من الأمطار، وإن كان في أسافل الجبال فتجري منها الأنهار عند وصول مددها، وتنقطع عند انقطاع المدد، وتبقى المياه فيها واقفة كما ترى من الأودية التي تجري في بعض الأيام وتنقطع عند انقطاع مادتها.
قال صاحب جغرافيا «1» : إن في هذا الربع المسكون مقدار مائتين وأربعين نهرا طوالا، منها ما طوله من خمسين فرسخا إلى مائة فرسخ، إلى ألف فرسخ، فمنها