الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
{لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً، إِلاّ قِيلاً: سَلاماً سَلاماً} أي لا يسمعون في الجنة كلاما لاغيا، أي عبثا خاليا من المعنى، أو مشتملا على معنى ساقط أو حقير أو مناف للمروءة، ولا كلاما فيه قبح من شتم أو مأثم، ولكن يسمعون أطيب الكلام، وأكرم السلام أو التسليم منهم بعضهم على بعض، كما قال سبحانه:
{تَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ} [إبراهيم 23/ 14]. والمراد أن هذا النعيم ليس مصحوبا بألم كنعيم الدنيا، وإنما هو خال من الكدر والهم، واللغو، والقبح. والحكمة في تأخير ذكر ذلك عن الجزاء، مع أنه من النعم العظيمة: أنه من أتم النعم، فجعله من باب الزيادة والتمييز، لأنه نعمة اجتماعية تدل على نظافة الوسط الاجتماعي، بعد ذكر النعم الشخصية.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
1 -
إن فئة السابقين المقربين تشتمل على جماعة من الأمم الماضية، وقليل ممن آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم، لأن الأنبياء المتقدمين كثيرون، فكثر السابقون إلى الإيمان منهم، فزادوا على عدد من سبق إلى التصديق من أمتنا.
والأصح أن هذه الآية: {ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ، وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ} محكمة غير منسوخة، لأنها خبر، ولأن ذلك في جماعتين مختلفتين، والنسخ في الأخبار أي في مدلولها مطلقا غير جائز في الأرجح، فإذا أخبر تعالى عنهم بالقلة، لم يجز أن يخبر عنهم بالكثرة من ذلك الوجه.
قال الحسن البصري: سابقو من مضى أكثر من سابقينا، فلذلك قال:
{وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ} وقال في أصحاب اليمين، وهم سوى السابقين:{ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ، وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ} ولذلك
قال النبي صلى الله عليه وسلم كما تقدم: «إني لأرجو
أن تكون أمتي شطر أهل الجنة» ثم تلا قوله تعالى: {ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ، وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ} .
2 -
للسابقين في الجنة ألوان من النعيم في المجلس والطعام والشراب والزواج والكلام، فمجالسهم على سرر منسوجة بقضبان الذهب، مشبكة بالدر والياقوت، ويخدمهم غلمان خدم لهم لا يموتون ولا يهرمون ولا يتغيرون. وأداة الشراب آنية براقة صافية لا عرى لها ولا خراطيم، وأباريق لها عرى وخراطيم، وكؤوس من ماء أو خمر، والمراد هنا: الخمر الجارية من العيون، ولا تنصدع رؤوسهم من شربها، فهي لذيذة لا تؤذي، بخلاف شراب الدنيا، ولا يسكرون فتذهب عقولهم.
وطعامهم مما لذّ وطاب من لحوم الطيور، ويتخيرون ما شاؤوا من الفواكه لكثرتها.
ويتزوجون بنساء حور بارعات الجمال، عيونهن شديدات السواد والبياض، واسعات حسان، مثل اللؤلؤ والدر صفاء وتلألؤا، متناسقات أجسادهن في الحسن من جميع الجوانب.
وكلامهم أطيب الكلام، ليس فيه باطل ولا كذب ولا لغو هراء ساقط، ولا موقع في الإثم، لا يؤثّم بعضهم بعضا، ولا يسمعون شتما ولا مأثما، وإنما يتبادلون التحيات والسلامات من بعضهم بعضا.
3 -
أتحفهم الله بهذه النعم الجزيلة جزاء حسنا على أعمالهم الصالحة، وما قدموا في دنياهم من خيّر الأفعال، وأحسن الأقوال. وقوله:{بِما كانُوا يَعْمَلُونَ} يدل على أن العمل عملهم، وحاصل بفعلهم.