الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ذلك النور والبشرى هو النجاح العظيم الذي لا مثيل له، حتى كأنه لا فوز غيره، ولا اعتداد بما سواه. ونظير الآية:{وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ، سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ، فَنِعْمَ عُقْبَى الدّارِ} [الرعد 24/ 13].
والخلاصة: أن الإيمان والإنفاق سبب لثلاثة أمور: النجاة يوم الحساب، وتبشير الملائكة بالجنة، والخلود في جنات النعيم. وقد دلت هذه الآية على أن المؤمنين لا ينالهم أهوال القيامة، لأنه تعالى بيّن أن هذه صفتهم يوم القيامة من غير تخصيص.
فقه الحياة أو الأحكام:
يستفاد من الآيات ما يأتي:
1 -
وجوب الإيمان بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، أي التصديق بأن الله واحد لا شريك له، وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا يقتضي الاشتغال بطاعة الله تعالى.
2 -
وجوب الإنفاق في سبيل الله، والمراد بذلك الزكاة المفروضة، وقيل:
المراد غيرها من وجوه الطاعات والقربات. وهذا يعني الأمر بترك الدنيا والإعراض عنها وإنفاقها في سبيل الله تعالى.
3 -
دل قوله: {مِمّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} على أن أصل الملك لله سبحانه وأن العبد ليس له في ماله إلا التصرف الذي يرضي الله، فيثيبه على ذلك بالجنة.
فمن أنفق من ماله في حقوق الله، وهان عليه الإنفاق منه، كما يهون على الرجل النفقة من مال غيره إذا أذن له فيه، كان له الثواب الجزيل والأجر العظيم.
وهذا دليل على أن الأموال ليست بأموال الناس في الحقيقة، وما هم إلا
بمنزلة النواب والوكلاء، فليغتنم المؤمن الفرصة في الأموال بإقامة الحق قبل أن تزال عنه إلى من بعده.
4 -
للمؤمنين الذين عملوا الصالحات، والذين أنفقوا في سبيل الّه أجر كبير وهو الجنة.
5 -
وبّخ الله على ترك الإيمان بالله تعالى، فأي عذر للناس في ألا يؤمنوا وقد أزيلت الموانع وأزيحت العلل؟ مع أن الرسول صلى الله عليه وسلم يدعو بالبرهان الصحيح والدليل المقنع إلى الإيمان بالله، والله سبحانه أخذ الميثاق الأول على الناس حينما كانوا في ظهر آدم بأن الله ربهم، لا إله لهم سواه، ومن ميثاقهم أيضا ما أودع الله لهم من العقول والأفكار، وأقام الدلائل والحجج التي تدعو إلى متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم، فإذا كنتم أيها الناس مؤمنين بالحج والدلائل، فبادروا إلى الإيمان.
6 -
أيّد الله نبيه بما يدل على صدقه وبما يؤدي إلى إنجاح دعوته بالقرآن والمعجزات، فيلزم الناس بعدئذ الإيمان، لأن آيات القرآن البينات تخرج من ظلمات الشرك والكفر إلى نور الإيمان، وإن الله بالناس لرؤوف رحيم إذ أنزل لهم الكتب وبعث الرسل وأزال الموانع والعلل التي تمنع من الإيمان.
7 -
وبخ الله تعالى أيضا على عدم الإنفاق في سبيل الله تعالى، وفيما يقرب من الله سبحانه، فالناس جميعا يموتون، ويخلفون أموالهم، وهي صائرة إلى الله تعالى، كرجوع الميراث إلى المستحق له.
وهكذا أمرت الآيات بالإيمان وبالإنفاق، ثم أكدت وجوب الإيمان وإيجاب الإنفاق، فهو ترتيب حسن بارع، انتقل فيه البيان من الأمر المفيد للوجوب إلى ذكر الرادع أو المؤيد، والتهديد على التقصير أو الإهمال.
8 -
يكون ثواب الإنفاق أعظم إذا كانت الحاجة إليه أشد بسبب الأزمات والظروف الضيقة، لذا نفى الله سبحانه المساواة بين من أنفق من قبل فتح مكة وقاتل الأعداء، وبين من أنفق من بعد الفتح وقاتل، كما قال تعالى:
{لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ} [الحشر 20/ 59] لأن المال كان أقل، والحاجة إلى النفقة أشد، والمسلمين قلة، أما بعد الفتح فكثر الخير، وقلّت الحاجة إلى الإنفاق، وكثر المسلمون.
روى أشهب عن مالك قال: ينبغي أن يقدّم أهل الفضل والعزم، وقد قال الله تعالى:{لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ} . وقال الكلبي كما تقدم: نزلت في أبي بكر رضي الله عنه، ففيهما دليل واضح على تفضيل أبي بكر رضي الله عنه وتقديمه، لأنه أول من أسلم. قال ابن مسعود: أول من أظهر الإسلام بسيفه النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر، ولأنه أول من أنفق على نبي الله صلى الله عليه وسلم.
والتقدم والتأخر يكون في أحكام الدنيا والدين، فقد قالت عائشة رضي الله عنها: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ننزل الناس منازلهم، وأعظم المنازل مرتبة الصلاة.
وقال صلى الله عليه وسلم في مرضه فيما رواه الشيخان والترمذي وأ بن ماجه عن عائشة: «مروا أبا بكر فليصلّ بالناس»
وقال فيما رواه أحمد عن أنس: «يؤمّ القوم أقرؤهم للقرآن»
وقال فيما رواه الجماعة عن مالك بن الحويرث: «وليؤمّكما أكبركما» وقال مالك: إن للسن حقا، وراعاه الشافعي وأبو حنيفة، وهو أحق بالمراعاة، لأنه إذا اجتمع العلم والسن في خيّرين قدّم العلم. وأما أحكام الدنيا فهي مرتّبة على أحكام الدّين، فمن قدّم في الدين قدّم في الدنيا.
وفي الحديث الثابت الذي رواه الترمذي عن أنس: «ما أكرم شاب شيخا لسنّه إلا قيّض الله له من يكرمه عند سنّه» .
وروى الترمذي أيضا عن أنس:
«ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقّر كبيرنا»
وفي رواية لأحمد والترمذي والحاكم عن ابن عمرو: «ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ويعرف شرف كبيرنا»