الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المناسبة:
بعد أن ذكر الله تعالى أدلة إثبات وحدانيته وعلمه وقدرته، بمشاهد في السموات والأرض والأنفس، أتبعها ببعض التكاليف الدينية، فأمر بالإيمان بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم وباستدامته والإخلاص فيه، ثم طلب من المؤمنين الإنفاق في سبيل الله، وأخبر بمضاعفة الأجر عليه، وأبان أن آياته تخرج من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، وفضّل السابقين الأولين إلى الإسلام الذين أسلموا وأنفقوا قبل فتح مكة، ثم أكد الحث على الإنفاق مرة أخرى.
التفسير والبيان:
{آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ، وَأَنْفِقُوا مِمّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ، فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ} أي صدّقوا بالتوحيد وبصحة رسالة محمد صلى الله عليه وسلم على الوجه الأكمل، وداوموا واثبتوا على ذلك، وأنفقوا من مال الله الذي جعلكم خلفاء في التصرف فيه من غير أن تملكوه حقيقة، فإن المال مال الله، والعباد خلفاء الله في أمواله، فعليهم أن يصرفوها فيما يرضيه.
ثم رغب في الإيمان والإنفاق في الطاعة، مبينا أن الذين جمعوا بين الإيمان بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، وبين الإنفاق في سبيل الله، لهم ثواب كثير الخير والنفع وهو الجنة.
أخرج أحمد عن عبد الله بن الشّخّير قال: انتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول: «ألهاكم التّكاثر، يقول ابن آدم، مالي مالي، وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأبقيت» ورواه مسلم أيضا وزاد: «وما سوى ذلك فذاهب وتاركه للناس» .
ثم وبخهم الله تعالى على ترك الإيمان، فقال:
{وَما لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللهِ، وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ، وَقَدْ أَخَذَ مِيثاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ؟} أي، وأيّ شيء يمنعكم عن الإيمان، والرسول معكم يدعوكم إلى ذلك، ويبين لكم الحجج والبراهين على صحة ما جاءكم به، بتلاوة القرآن المشتمل على الدلائل الواضحة، وقد أخذ الله ميثاقكم بأن تؤمنوا في عالم الذر حين أخرجكم من ظهر أبيكم آدم، وبما أقام لكم في الكون والآفاق والأنفس من الأدلة الدالة على التوحيد ووجوب الإيمان، وكذا ما ترشد إليه العقول السليمة، إن كنتم مريدين الإيمان، فبادروا إليه. فهذا توبيخ على ترك الإيمان بشرطين: أحدهما-أن يدعو الرسول صلى الله عليه وسلم، والثاني-أنه أخذ الميثاق عليهم.
أخرج البخاري في صحيحة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوما لأصحابه: «أي المؤمنين أعجب إليكم أيمانا؟ قالوا: الملائكة، قال: وما لهم لا يؤمنون، وهم عند ربهم؟ قالوا: فالأنبياء، قال: وما لهم لا يؤمنون، والوحي ينزل عليهم، قالوا: فنحن، قال: وما لكم لا تؤمنون وأنا بين أظهركم؟ ولكن أعجب المؤمنين إيمانا قوم يجيئون بعدكم يجدون صحفا يؤمنون بما فيها» .
ثم أوضح الله تعالى الغاية من إنزال القرآن لقطع عذرهم، فقال:
{هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلى عَبْدِهِ آياتٍ بَيِّناتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ، وَإِنَّ اللهَ بِكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ} أي إن الله أراد بإنزال الآيات البينات الواضحات التي هي القرآن وغيره من المعجزات أن يخرجكم من ظلمات الجهل والكفر والآراء المتضادة، إلى نور الهدى واليقين والإيمان، وإن الله لكثير الرأفة والرحمة بعباده، حيث أنزل الكتب، وبعث الرسل، لهدايتهم، وأزال الموانع والشّبه، وأزاح العلل.
وبعد أن أمرهم بالإيمان والإنفاق، وحثهم عليهما، ووبخهم على ترك الإيمان، وبخهم على ترك الإنفاق، فقال:
{وَما لَكُمْ أَلاّ تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ، وَلِلّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ} أي، أيّ عذر لكم وأي شيء يمنعكم من الإنفاق في طاعة الله ومرضاته والجهاد من أجله، فأنفقوا ولا تخشوا فقرا، فإن الذي أنفقتم في سبيله هو مالك السموات والأرض، وهو متصرف فيهما وعنده خزائنهما، وكل الأموال صائرة إلى الله سبحانه، إن لم تنفقوها في حياتكم، كرجوع الميراث إلى الوارث، ولا يبقى لكم منه شيء، فالمال مال الله، والله يقول:{وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ، فَهُوَ يُخْلِفُهُ، وَهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ} [سبأ 39/ 34] ويقول: {ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ، وَما عِنْدَ اللهِ باقٍ} [النحل 96/ 16]. وهكذا أمر الله أولا بالإيمان والإنفاق، ثم أكد إيجاب الإيمان، ثم أكد في هذه الآية إيجاب الإنفاق.
وبعد أن بيّن الله تعالى أن الإنفاق فضيلة، بيّن أن المسابقة في الإنفاق تمام الفضيلة، وأن للمنفقين درجات بحسب أحوالهم، فقال:
{لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ، أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا} أي لا تساوي بين من أنفق في سبيل الله قبل فتح مكة وقاتل، ومن أنفق من بعد الفتح وقاتل، أولئك الأولون أعظم درجة من الآخرين، لأن حاجة الناس كانت إذ ذاك أكثر، وهم أقل وأضعف، ولا يجدون من المال إلا قليلا، أما بعد الفتح فقد كثر المسلمون، وزاد الخير.
{وَكُلاًّ وَعَدَ اللهُ الْحُسْنى، وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} أي وكل واحد من الفريقين وعده الله المثوبة الحسنى، وهي الجنة، مع تفاوت الدرجات، والله عليم بأعمالكم وأحوالكم الظاهرة والباطنة، فيجازيكم بذلك، إذ لا يخفى عليه شيء مما أنتم عليه.
أخرج الإمام أحمد عن أنس قال: كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف كلام، فقال خالد لعبد الرحمن: تستطيلون علينا بأيام
سبقتمونا بها، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال:«دعوا لي أصحابي، فو الذي نفسي بيده، لو أنفقتم مثل أحد، أو مثل الجبال ذهبا، ما بلغتم أعمالهم»
(1)
.
وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تسبّوا أصحابي، فوالذي نفس محمد بيده، لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا، ما أدرك مدّ أحدهم، ولا نصيفه» .
ثم بيّن الله تعالى ثمرة الإنفاق، فقال:
{مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً، فَيُضاعِفَهُ لَهُ، وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ} أي من ذا الذي ينفق ماله في سبيل الله، محتسبا أجره عند ربه، فإنه كمن يقرضه قرضا حسنا، أي بلا منّ ولا أذى، طيبة به نفسه، فإن الله يضاعف له ذلك القرض، فيجعل له الحسنة بعشرة أمثالها، إلى سبع مائة ضعف، على اختلاف الأحوال والأشخاص والأزمان، وله بعد ذلك ثواب كثير الخير والنفع وجزاء كريم جميل، وهو الجنة.
روى ابن أبي حاتم عن عبد الله بن مسعود قال: لما نزلت هذه الآية:
{مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً، فَيُضاعِفَهُ لَهُ} قال أبو الدحداح الأنصاري: يا رسول الله، وإن الله ليريد منا القرض؟ قال: نعم يا أبا الدحداح، قال: أرني يدك يا رسول الله، فناوله يده، قال: فإني قد أقرضت ربي حائطي-بستاني-وله حائط فيه ست مائة نخلة، وأم الدحداح فيه وعيالها، فجاء أبو الدحداح، فناداها: يا أم الدحداح، قالت: لبيك، قال:
اخرجي، فقد أقرضته ربي عز وجل.
وفي رواية: أنها قالت له: ربح بيعك يا أبا الدحداح، ونقلت منه متاعها
(1)
ومعلوم أن إسلام خالد بن الوليد كان بين صلح الحديبية وفتح مكة.
وصبيانها، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كم من عذق
(1)
رداح في الجنة لأبي الدّحداح».
ثم أخبر الله تعالى عن حال المؤمنين المتصدقين يوم القيامة، فقال:
{يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ} أي وله أجر كريم، أو اذكر تعظيما لذلك اليوم
(2)
حين تنظر المؤمنين والمؤمنات الذين تصدقوا يسعى الضياء الذي يرونه على الصراط يوم القيامة أمامهم، وتكون كتبهم بأيمانهم، أي تكون أعمالهم الصالحة سببا لنجاتهم، وهدايتهم إلى الجنة، كما قال تعالى:{فَأَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً، وَيَنْقَلِبُ إِلى أَهْلِهِ مَسْرُوراً} [الانشقاق 8/ 84 - 9]. وإنما قال: {بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ} لأن ذلك أمارة النجاة.
والناس كما قال ابن مسعود في هذه الآية على قدر أعمالهم يمرون على الصراط، منهم من نوره مثل الجبل، ومنهم من نوره مثل النخلة، ومنهم من نوره مثل الرجل القائم، وأدناهم نورا من نوره في إبهامه، يتّقد مرة، ويطفأ مرة
(3)
. و
قال قتادة: ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: «من المؤمنين من يضيء نوره من المدينة إلى عدن أبين وصنعاء، فدون ذلك، حتى إن من المؤمنين من يضيء نوره موضع قدميه» .
{بُشْراكُمُ الْيَوْمَ جَنّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ، خالِدِينَ فِيها، ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} أي ويقال لهم من قبل الملائكة: لكم البشارة بجنات تجري من تحتها الأنهار ماكثين فيها أبدا، تكريما وجزاء وفاقا لما قدمتم من صالح الأعمال،
(1)
العذق: النخلة بحملها، والرداح: المثمر.
(2)
يوم: ظرف لقوله: وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ أو منصوب ب «اذكر» ، تعظيما لذلك اليوم.
(3)
رواه ابن أبي حاتم وابن جرير.