الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المسألة السادسة
[في حكم نفي الاستواء بين الشيئين]
نفي الاستواء بين الشيئين كما في قوله تعالى: {لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة} يقتضي نفي الاستواء من جميع الوجوه فيما بينهما إلا ما خصه الدليل، عند أكثر أصحابنا القائلين بالعموم: حتى تمسكوا بهذه الآية على عدم وجوب القصاص على المسلم بقتل الذمي.
وذهبت الحنفية وبعض أصحابنا كالغزالي والإمام: إلى أنه لا يقتضي ذلك، بل مقتضاه نفي الاستواء ولو من بعض الوجوه.
احتج الأصحاب بوجوه:
أحدها: أن مفهوم قولنا: (يستويان) أعم من أن يكون في بعض الأمور أو في كلها بدليل صحة انضمامه إلى كل واحد منهما من غير تناقض وتهافت، إذ يصح أن يقال: يستويان في بعض الأمور، ويصح أيضا أن يقال: يستويان في كلها، ومورد التقسيم يجب أن يكون مشتركا ونفي المفهوم العام ينفي كل فرد من أفراده، فإن نفي الحيوان: يقتضي نفي كل واحد من أفراده، من الإنسان، والفرس، والحمار، وغيرها من أفراد أنواعه.
فقولنا: لا يستويان، يقتضي [نفي] كل فرد من أفراد يستويان.
وثانيها: أن قول القائل: لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة، في
قوة قوله: لا مساواة بينهما. أو هو يفيد نفي المساواة بينهما من كل وجه، لما ثبت أن النكرة في سياق النفي تعم، فيقتضي قولنا: لا يستويان نفي كل واحد من أفراد المساواة، وهو المطلوب.
وثالثها: لو كفى في إطلاق نفي المساواة بين الشيئين نفى المساواة بينهما ولو من بعض الوجوه، لصدق "إطلاق" نفي المساواة على كل شيئين، لأن كل شيئين لابد وأن يستويان من بعض الوجوه أقله في التعين والتشخص وإذا صدق على كل شيئين أنهما لا يستويان، وجب أن لا يصدق عليهما أنهما يستويان، ضرورة كونهما متناقضين في العرف، ألا ترى أن من قال: هذان الشيئان يستويان، فمن أراد تكذيبه من أهل العرف قال:"إنهما لا يستويان" ولولا أنهما متناقضان وإلا لما استعملا في التكاذب، لكنه باطل.
أما أولا: فلأن أهل اللغة والعرف. يطلقون من غير نكير المثلين أنهما يستويان، والأصل في الإطلاق الحقيقة.
وأما ثانيا: فلأن كل شيئين لا بد وأن يستويا في أمور نحو الشيئية، ونفي ما عداهما عنهما والمعلومية والمذكورية فيصدق/ (218/أ) عليهما أنهما فيها، فمتى صدق المفيد صدق المطلق، وبطلان اللازم يدل على بطلان الملزوم، فيلزم أن لا يلغي في إطلاق نفس المساواة بين الشيئين نفي المساواة بينهما من بعض الوجوه، بل من كل الوجوه، وهو المطلوب.
احتجوا بوجوه:
أحدها ضد هذا الذي ذكرناه: وتقريره أنه لو كفى في إطلاق لفظ المساواة على الشيئين استواؤهما من بعض الوجوه لوجب أن يصدق على كل شيئين أنهما يستويان، لما سبق من وجوب استواء كل شيئين في بعض الأمور وإذا أصدق ذلك وجب أن لا يصدق على كل شيئين أنهما لا يستويان، إما سبق من أنهما متناقضان في العرف، ومن المعلوم أن المتناقضين لا يصدقان معا، لكنه باطل.
أما أولا: فلأن أهل اللغة والعرف جميعا: يطلقون من غير نكير على الضدين والمتناقضين، أنهما لا يستويان، والأصل في الإطلاق الحقيقة.
وأما ثانيا: فلأن كل شيئين لا بد وأن يتفاوتا في بعض الأمور، نحو اليقين والشخصية فيصدق عليهما أنهما لا يستويان فيه، ومتى صدق المقيد صدق المطلق "به"، ضرورة كونه جزءا منه، وإذا بطل اللازم بطل الملزوم، فيلزم أن لا يكفي في إطلاق لفظ المساواة على الشيئين المساواة من بعض الوجوه، بل من كل الوجوه وإذا اعتبر الكلي في جانب الإثبات وجب أن نعتبر الجزئي في جانب المنفي، لما سبق أنهما متناقضان، ونقيض الموجب الكلي السالب الجزئي.
وثانيها: نفي الاستواء أعم من نفي الاستواء من بعض الوجوه ومن نفيه
من كل الوجوه، بدليل صحة تقسيمه إليهما ومورد التقسيم يجب أن يكون مشتركا، والدال على القدر المشترك بين القسمين لا إشعار له بهما.
وثالثها: أنه لو اقتضى قولنا: "لا يستويان" نفى الاستواء من كل وجه لما صدق قولنا: "لا يستويان" على شيئين أصلا بطريق الحقيقة، لما سبق من أن كل شيئين لا بد وأن يستويان في بعض الأمور، لكنه خلاف الأصل فمستلزمه أيضا أن يكون خلاف الأصل.
الجواب عن الأول المعارضة: بما سبق من الوجه الثالث: ويسلم لنا الوجهان.
وعن الثاني: إنا لا نسلم أن نفي الاستواء أعم من نفيه من بعض الوجوه ومن نفيه من كل الوجوه، وما ذكره من الدلالة عليه لو سلم فهو معارض بما أن الاستواء أعم من الاستواء "من"/ (218/ب) بعض الوجوه، ومن كل الوجوه بعين ما ذكرتم والنفي داخل على الاستواء فيقتضي نفيهما جميعا، لأن نفي العام يقتضي نفي كل أنواعه وأفراد أنواعه.
وعن الثالث: أنا لا نسلم الملازمة، ولكن نقول خلاف الأصل قد يصار إليه عند قيام الدلالة عليه.