الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المسألة الثانية
[في الاستثناء من غير الجنس]
ذكر اختلاف قول بين العلماء في صحة الاستثناء من غير الجنس.
فنقل عن الشافعي، وأبي حنيفة، ومالك، وجماعة من المتكلمين: كالقاضي أبي بكر رحمهم الله، القول: بالجواز.
ونقل عن الآخرين القول بعدم الجواز.
هذا النزاع والاختلاف فيه إن كان من جهة الحقيقة فهو غير متجه، فإنا نعلم بالضرورة أن المتبادر إلى الفهم من سماع لفظ الاستثناء ومن سماع الاستثناء نفسه أعنى به: مدلول هذا اللفظ المخصوص، معنى الصرف والعطف على ما دل عليه/ (242/ ب) الاشتقاق أيضا: إذ المشتق منه لابد وأن يوجد في المشق.
وما يقال [من] أن الاستثناء مشتق من التثنية، لأن الكلام كان واحدا قبله فثنى. فضعيف لا لعدم اطراده في كل ما يوجد فيه معنى التثنية، إذ
الاشتقاق غير واجب الاطراد، بل لأن الأصل يطابق التبادر والاشتقاق، فإن اختلاف المعاملات من قبيل التعارض وهو خلاف الأصل.
ومعنى الصرف والعطف: إنما يعقل في المستثنى لو دل عليه اللفظ، وغير الجنس لا يدل عليه اللفظ، فلم يعقل فيه معنى الصرف، فلم يصح كالاستثناء بطريق الحقيقة [ولو حمل اللفظ على المعنى المشترك بين مسماه، وبين المستثنى من غير الجنس حتى يصح الاستثناء بطريق الحقيقة] إذ فيه معنى الصرف على هذا التقدير، لوجب أن يصح استثناء كل شيء من كل شيء، لأن كل شيئين لابد وأن يشتركا من بعض الوجوه، فإذا حمل اللفظ على ذلك المشترك صح الاستثناء عنه بطريق الحقيقة.
لكنه باطل، لأنا نعلم بالضرورة فساد قول من يقول: مثلا فلان لا يتعلم إلا أنه مستثنى في السوق، وما يجري مجراه من الهذيانات.
فإن قلت: ما ذكرتم إنما يلزم أن لو حمل اللفظ على أي مشترك كان بينهما، وجوازه ممنوع.
ولم يجوز أن يقال: إنه يشترط في ذلك لصحة الاستثناء على وجه الحقيقة، حمله على معنى مشترك بينهما مناسب قريب؟.
كما قال الشافعي رضي الله عنه: أنه لو قال: الرجل لفلان على مائة درهم إلا ثوبا، فإنه يصح استثناؤه لو بين الثوب بما قيمته أقل من مائة درهم.
ويكون معناه: إلا قيمة ثوب، أما على إرادة حذف المضاف وإقامة المضاف
إليه مقامه، أو على إرادة القيمة من الثوب، لأنها لازمة من لوازمه، وهي تشتمل المستثنى منه أيضا.
وكما قال أبو حنيفة رضي الله عنه: أنه لو قال الرجل لفلان علي كر من من الحنطة إلا منوين من اللحم صح استثناؤه، لأنه يجوز استثناء المكيل عن الموزون وبالعكس، على التأويل السابق في الثوب لاشتراكهما في علة الربا.
كما يشهد بذلك استعمالات أهل اللسان، إذ لم يوجد في كلامهم استثناء بعيد غير مناسب منافر من غير الجنس، بل غاية ما يوجد مثل قولهم: ليس له ابن إلا بنت، وما في الدار رجل إلا امرأة، وما رأيت أحدا إلا ثورا، وليس له إبل إلا بقر.
وهذه الاستثناءات يحتمل أن تكون من الجنس على تقدير حمل اللفظ الأول على/ (243/ أ) المشترك القريب المناسب بين مدلوله وبين المستثنى كالولد في الأول والإنسان في الثاني، والحيوان في الثالث، لو سلم اختصاص إلا حد بالإنسان أو بمن يعقل وهو ممنوع.
وهذا لأنه يقال: رأيت أحد الحمارين، وركب أحد الفرسين، والنعم في الرابع، وإذا كان كذلك لا يلزم صحة استثناء كل شيء عن كل شيء.
قلت: نحن لا ننكر اشتراط ما ذكرتم من الاحتمال في صحة الاستثناء من غير الجنس، لكن على وجه التجوز، إذا لا يجوز استثناء كل شيء عن كل شيء، وإن كان على وجه التجوز.
فإما على وجه الحقيقة فلا ويدل عليه وجهان:
أحدهما: ما سبق في اللغات، وهو: أن تقييد جواز استعمال اللفظ في معنى بأمر، مع عدم تقييده به في آخر، دليل التجوز.
وثانيهما: أن حمل اللفظ على لازم مدلوله، وإن كان قريبا بينا مجاز بالاتفاق، وهو خلاف الأصل، فلو كان الاستثناء من غير الجنس حقيقة مشروطا بما ذكرتم من الاحتمال، لكانت الحقيقة مستلزمة للمجاز الذي هو على خلاف الأصل، ومستلزم خلاف الأصل أيضا، فتكون الحقيقة خلاف الأصل، هذا خلف.
وإن كان على وجه التجوز، فهذا أيضا: لا يتجه، لأنه قد ورد في كتاب الله تعالى، وسنة رسوله عليه السلام، وفي كلام الفصحاء من أهل اللسان، في نظامهم، ونثرهم كثيرا خارجا عن الحصر على ما عرفت بعضه فيما تقدم
وجوابهم: عن ذلك حيث عجزوا عن حمل اللفظ على ما به يصير الاستثناء من الجنس بجعل: إلا، بمعنى: لكن، لا يرفع احتمال التجوز، بل يحققه، لأنه متى لم يكن "إلا" مستعملة في حقيقته كان الاستثناء مجازا قطعا.
وإنما دافع الاحتمال كون الاستثناء في غير الجنس حقيقة، لكن قد ذكرنا أن الخلاف فيه أيضا: غير متجه حتى يفرض الاستدلال فيه، فيحتاج إلى الدفع فالمسألة حينئذ تكون اتفاقية لا يتجه فيها الخلاف ببطلان الاستثناء فيه على وجه الحقيقة، وجوازه على وجه التجوز والخلاف على "هذا" الوجه