المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌المسألة السابعةفي بناء العام على الخاص - نهاية الوصول في دراية الأصول - جـ ٤

[الصفي الهندي]

فهرس الكتاب

- ‌المسألة الرابعة[في إثبات صيغ العموم]

- ‌المسألة الخامسةفي أقل الجمع

- ‌المسألة السادسة[في حكم نفي الاستواء بين الشيئين]

- ‌المسألة السابعة[الخلاف في عموم المقتضي]

- ‌المسألة الثامنة[في عموم الفعل المتعدي إلى مفعولاته]

- ‌المسألة التاسعة[الخطاب المختص بالنبي لا تدخل تحته الأمة]

- ‌المسألة العاشرة[الخطاب المتناول للرسول والأمة]

- ‌المسألة الحادية عشرة[أقسام اللفظ بالنسبة إلى الدلالة على المذكر والمؤنث]

- ‌المسألة الثانية عشرة[الخطاب المضاف إلى الناس وبني آدم يدخل تحته العبد والكافر]

- ‌المسألة الثالثة عشرة[الخطاب الخاص بواحد خطاب للباقين]

- ‌المسألة الرابعة عشرة[الخطاب الوارد شفاها يختص بالموجودين]

- ‌المسألة الخامسة عشرة[دخول المخاطب تحت خطابه]

- ‌المسألة السادسة عشرة[حكاية النهي عن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يفيد العموم]

- ‌المسألة السابعة عشرة[في عموم الفعل]

- ‌المسألة الثامنة عشرة

- ‌المسألة التاسعة عشرة[الحكم في واقعة مخصوصية يفيد العموم]

- ‌المسألة العشرون[في عموم مفهوم الموافقة]

- ‌القسم الثانيفي الخصوص

- ‌ المقدمة

- ‌المسألة الأولىفي حد التخصيص

- ‌المسألة الثانيةفي الفرق بين التخصيص والنسخ

- ‌المسألة الثالثة[إطلاق العام وإرادة الخاص]

- ‌المسألة الرابعةفيما يجوز تخصيصه وما لا يجوز

- ‌المسألة الخامسة[في العناية التي يجوز أن ينتهي إليها التخصيص]

- ‌المسألة السادسة[العام المخصوص حقيقة في الباقي أو مجاز]

- ‌المسألة السابعة[يجوز التمسك بالعام المخصوص مطلقا]

- ‌المسألة الثامنة[التمسك بالعام قبل استقصاء طلب المخصص]

- ‌الفصل الأولفي الاستثناء

- ‌المسألة الأولى[اتصال الاستثناء بالمستثنى منه]

- ‌المسألة الثانية[في الاستثناء من غير الجنس]

- ‌المسألة الثالثة[في الاستثناء المستغرق]

- ‌المسألة الرابعةالاستثناء من النفي إثبات، ومن الإثبات نفي، عند أصحابنا خلافا للحنفية فيهما

- ‌المسألة الخامسة[في تعدد الاستثناءات]

- ‌المسألة السادسةفي أن الاستثناء المذكور عقيب الجمل الكثيرة المعطوفة بعضها على بعض هل يعود إليه بأسرها [أم يختص بالأخيرة

- ‌الفصل الثانيفي التخصيص بالشرط

- ‌المسألة الأولىفي تعريفه

- ‌المسألة الثانية[في أوان وجود المشروط إذا كان موقوفا على الشرط فقط]

- ‌المسألة الثالثة

- ‌المسألة الرابعة[في أقسام الشرط والمشروط باعتبار التعدد والاتحاد]

- ‌المسألة الخامسةاتفقوا على وجوب اتصال الشرط بالكلام لا نعرف في ذلك خلافا

- ‌المسألة السادسة[في تقديم الشرط وتأخيره]

- ‌الفصل الثالثفي التخصيص بالغاية

- ‌الفصل الرابعفي التخصيص بالصفة

- ‌الفصل الخامسفي التخصيص بالأدلة المنفصلة

- ‌المسألة الأولى[في التخصيص بدليل العقل]

- ‌المسألة الثانية[التخصيص بالحس]

- ‌المسألة الثالثةيجوز تخصيص الكتاب بالكتاب عند عامة أهل العلم

- ‌المسألة الرابعة[تخصيص السنة بالسنة المساوية]

- ‌المسألة الخامسة[في تخصيص الكتاب بالسنة المتواترة]

- ‌المسألة السادسة[تخصيص الكتاب بخبر الواحد]

- ‌المسألة السابعةفي بناء العام على الخاص

- ‌المسألة الثامنةفي أنه يجوز تخصيص كتاب الله تعالى والسنة، بالإجماع

- ‌المسألة التاسعةفي أن تخصيص الكتاب والسنة هل يجوز بفعل الرسول أم لا

- ‌المسألة العاشرةإذا فعل واحد بحضرة الرسول فعلا، يخالف مقتضى العموم، وهو عليه السلام غير ذاهل عنه ولم ينكر عليه، دل ذلك على أنه مخصوص من ذلك العام، إن كان ذلك قبل حضور وقت العمل به

- ‌المسألة الحادية عشرة[التخصيص بمفهوم الموافقة]

- ‌المسألة الثانية عشرة[في حكم تخصيص عموم الكتاب والسنة والمتواترة بالقياس]

- ‌الفصل السادسفيما ظن أنه من مخصصات العموم مع أنه ليس كذلك

- ‌المسألة الأولى[في حكم عطف الخاص على العام]

الفصل: ‌المسألة السابعةفي بناء العام على الخاص

‌المسألة السابعة

في بناء العام على الخاص

.

إذا وجدنا نصين: أحدهما عام، والآخر خاص، وهما متنافيان في النفي، والإثبات.

فأما أن يكونا من الكتاب، أو أحدهما منه، والآخر من السنة، أما متواترا، أو غير متواتر، أو يكونا من السنة، إما متواتران، أو غير متواترين أو أحدهما متواتر والآخر غير متواتر.

والحكم في الكل واحد إلا فيما يتعلق بالنسخ عندما يكون المتأخر ظنيا، والمتقدم قطعيا، فإنه يتعذر المصير إليه إذ ذاك عند من لا يجوز نسخ القطعي بالظني، لكن نحن نعين منها مسمى واحدا، ليكون الكلام أضبط ويعرف منه حكم الباقي.

فنقول: إذا وجد خبران من الآحاد شأنهما (ما) ذكرنا، فإما أن يعلم تاريخها، أو لا يعلم: فإن علمنا تاريخهما، فإما أن يعلم مقارنتهما، أو يعلم تراخي أحدهما عن الآخر، فإن علمنا مقارنتهما، فإما أن يكون الخاص مقارنا للعام، أو يكون العام مقارنا للخاص.

فإن كان الأول: نحو أن يقول: "فيما سقت السماء العشر" ثم يقول

ص: 1644

عقيبه: "لا زكاة فيما دون خمسة أوسق" فهاهنا يكون الخاص مخصصا لعلام لوجوه:

أحدهما: أنا لو لم نخصص العام به: فإما أن نجريه على عمومه، وهو باطل لما فيه من إلغاء الخاص بالكلية، أو نجعلهما متعارضين في ذلك القدر، فيتوقف فيه إلى المرجح، أو يتخير بين الحكمين فين، وهو أيضًا باطل لما فيه من ترك العمل بكل واحد منهما، وإذا بطل الاحتمالان تعين تقديم الخاص عليه.

وثانيها: أن الخاص أقوى دلالة على مدلوله من دلالة العام على مدلوله، لأن العام يجوز إطلاقه من غير إرادة العموم منه، ولا يجوز إطلاق الخاص من غير إرادة ذلك الخاص منه، فيكون أقوى، والأقوى راجح، فالخاص راجح على العام.

وثالثها: أن الموكل إذا أذن لوكيله في شيء عام، ثم خص بعض أفراده عقيبه بالمنع، فهم منه إخراجه عن الكلام الأول، وفهم المعنى عند إطلاق اللفظ، دليل على أنه حقيقة فيه.

ص: 1645

ونقل عن بعض من شذ من القدر من العام يصير معارضا للخاص.

ويرجع في تقديم أحدهما على الآخر إلى دليل آخر، وكان هذا القائل يشترط التراخي في المخصص كما في الناسخ وإلا فلا مأخذ له، إذ لا يمكنه إنكار أصل التخصيص ولا اشتراط تقدم المخصص، ولو تشبث في ذلك بأن العام لتناوله ما يتناوله الخاص وغيره جاري مجرى خبرين، ولو كان كذلك لكان/ (263/ أ) الخاص معارضا لما ينافيه، فكذا هنا كان القول بالتعارض لازما عليه في جميع الصور، وهو إنكار للتخصيص من أصله.

فإن قلت: ليس يتعين في العمل بهما ما ذكرتم من الطريق، بل هنا طريق آخر، وهو أن يحمل قوله عليه السلام:"فيما سقت السماء العشر" على الندب، وقوله:"لا زكاة فيما دون خمسة أوسق" على الوجوب.

وهذا وإن كان خلاف الظاهر، إذ لا تقدير في الصدقة المندوبة، لعدم ورود التقدير فيها، بل (الأمر) فيها مفوض إلى رأي المتصدق كلما كان أكثر كان أكثر استحبابا، لكن التخصيص أيضا: خلاف الظاهر فلم

ص: 1646

قلتم: إن خلاف الظاهر الذي ذكرتم أولى من هذا الذي ذكرنا؟ وعليكم الترجيح، لأنكم المستدلون؟.

قلت: ما ذكرنا أولى، لأنه لم يلتزم خلاف الظاهر فيه إلا في محل الضرورة، وهو محل التعارض وأما ما ذكرتم فيلتزم فيه خلاف الظاهر في غير محل الضرورة، والتعارض، وهو في خمسة أوسق فصاعدًا، لأن قوله عليه السلام:"فيما سقت السماء العشر" يقتضي بظاهرة وجوب العشر فيما دون خمسة أوسق" وما زاد عليه ولم يوجد له المعارض إلا فيما دون خمسة أوسق".

فلو حملناه بعمومه على الندب، لزم ترك ظاهره في خمسة أوسق فصاعدًا من غير معارض له فيه، وهو باطل فكان ما ذكرنا من التزام التخصيص أولى، وأيضا: فإن ما ذكرنا مثال ليس الخلاف منحصرا فيه فلنعدل إلى مثال لا يتأتى فيه التأويل المذكور مع بقاء الخلاف، نحو أن يقول: أوجبت فيما سقت السماء العشر، ثم يقول عقيبه: لا تجب فيما دون خمسة أوسق شيء.

"وإن كان" الثاني: وهو أن يكون العام مقارنا للخاص نحو أن يقول: لا زكاة فيما دون خمسة أوسق، ثم يقول عقيبه: فيما سقت السماء العشر.

ص: 1647

فحكم هذا القسم كحكم ما قبله.

وإن جوز نسخ الخاص بالعام، لأنه لا يمكن القول بالنسخ هاهنا، لأن الناسخ يجب أن يكون متراخيًا وفاقا، والعام فيما نحن فيه مقارنا، فلا يمكن أن يكون ناسخا فلم يبق إلا بناء العام على الخاص أو تعارضهما على ما سبق.

وأما إن علمنا تراخي أحدهما عن الآخر، فالمتراخي: إما الخاص أو العام.

وعلى التقديرين: إما أن يكون متراخيًا عن وقت العمل، أو لا يكون متراخيًا عنه، بل يكون متراخيًا عن وقت الخطاب لا غير فهذا أقسام أربعة:

أحدها: أن/ (163/ ب) يكون الخاص متراخيا عن وقت العمل بالعام، فهاهنا يكون الخاص ناسخا لذلك القدر الذي تناوله من العام وفاقا، إذ لا يمكن حمله على التخصيص، لأن تأخير بيانه عن قوت العمل غير جائز وفاقا، فيعمل بالعام في بقية الأفراد في المستقبل.

وثانيها: أن يكون متراخيا عن وقت الخطاب "بالعام"، دون وقت العمل به. فمن لم يجوز تأخير بيان التخصيص عن وقت الخطاب".

ولم يجوز نسخ الشيء قبل حضور وقت العمل به، كالمعتزلة: أحال المسألة.

ص: 1648

ومن جوزهما اختلفوا فيه: فالذي عليه الأكثرون منهم، نحو أصحابنا وغيرهم: إن الخاص يكون مخصصا للعام، لأنه وإن جاز أن يكون ناسخًا لذلك القدر من العام، لكن التخصيص أقل مفسدة من النسخ، وقد أمكن حمله عليه فالحمل عليه أولى من الحمل على النسخ الذي هو أكثر مفسدة.

ونقل عن معظم الحنفية: أن الخاص إذا تأخر عن العام بحيث أن يتخلل بينهما زمان يتمكن المكلف فيه من العمل، أو الاعتقاد بمقتضى العام، كان الخاص ناسخا لذلك القدر الذي تناوله من العام، لأنهما دليلان وبين حكميهما تناف، فيجعل المتأخر ناسخا للمتقدم عند الإمكان دفعا للتناقض.

وهو ضعيف لما تقدم.

وثالثها: أن يكون العام متراخيا عن وقت العمل بالخاص، فهاهنا يبني العام على الخاص عندنا، وأهل الظاهر، وبعض الحنفية

ص: 1649

وأبي الحسين البصري من المعتزلة.

وذهب أبو حنيفة وأكثر أصحابه، والقاضي عبد الجبار، إلى أن العام المتأخر ناسخ للخاص المتقدم.

وتوقف فيه ابن العارض.

لنا: وجوه:

ص: 1650

أحدها: ما تقدم غير مرة، وهو أن تقديم العام على الخاص يوجب إلغاء الخاص بالكلية، وتقديمه عليه لا يوجب ذلك، فكان تقديمه أولى.

وثانيها: أن الخاص المتقدم يحتمل أن يكون منسوخا [بما] بعده بأن أريد بالعام كل ما يتناوله، ويحتمل أن يكون مخصصا له بأن أريد منه ما وراء مدلول الخاص، وإذا احتمل الأمرين كان الحمل على التخصيص أولى، لأنه أقل مفسدة.

وثالثها: أن الخاص أقوى دلالة على مدلوله من العام على متناوله، لأنه ما من فرد من أفراده إلا ويجوز تخصيصه بالنسبة إليه، فيجوز إطلاقه بغير إرادة مدلول الخاص عنه بخلاف الخاص بأنه لا يجوز إطلاقه بغير إرادة مدلوله منه، فيكون أقوى، والأقوى راجح، فالخاص راجح.

احتجوا بوجوه:

أحدها: ما روى عن ابن عباس/ (264/ أ) رضي الله عنه أنه قال: "كنا نأخذ بالأحدث فالأحدث".

ص: 1651

.........................................................................

ص: 1652

والعام أحدث فيجب الأخذ به والأخذ به إنما يكون بإعماله في عمومه فيكون ناسخا.

وجوابه: أنه قول صحابي واحد، فيكون ضعيف الدلالة، فنحمله على ما إذا كان الأحدث خاصا جمعا بين الأدلة.

وثانيها: ما تقدم من أن العام جاري مجرى خبري بالنسبة إلى صنفين، أعني به مدلول الخاص وما عداه، وإذا كان كذلك كان قوله عليه السلام:"فيما سقت السماء العشر" بالنسبة إلى قوله: "لا زكاة فيما دون خمسة أوسق".

جاريا مجرى قوله: فيما (دون) خمسة أوسق العشر "أو" سقى بماء السماء وفي خمسة أوسق وما زاد عليها العشر إذا سقى بماء السماء،

ص: 1653

فإذا فرض تأخير هذين القولين عن قوله: "لا زكاة فيما دون خمسة أوسق" كان ما ينافيه لا محالة ناسخا له، فكذا قوله:"فيما سقت السماء العشر" إذا كان متراخيا عنه.

وجوابه: منع أنه جاري مجراه، وهذا لأن تخصيص العام والاستثناء عنه جائز وفاقا، وما فصلت إفراده لا يجوز تخصيصه ولا الاستثناء عنه.

وثالثها: لفظان تعارضا، وعلم تراخي أحدهما عن الآخر، فوجب تسليط المتأخر على المتقدم، كما لو كان الأخير خاصا، واحترازنا، بقولنا:"لفظان" عن دليل العقل، فإن العام، وإن كان متأخرا عنه، لكن لا يسلطه عليه، بل يسلط دليل العقل عليه.

وجوابه: بالفرق، وهو ما ذكرنا في الاستدلال.

ورابعها: وهو ما ذكرنا من أنهما دليلان، وبين حكميهما تناف، فيجعل المتأخر ناسخا للمتقدم عند الإمكان دفعا للتناقض.

وجوابه: المعارضة بمثله: وهو أن يقال: دليلان بين حكميهما تناف فيجعل المتقدم مخصصا للمتأخر "عند" الإمكان دفعا للتناقض، فإن

ص: 1654

التناقض مندفع أيضا على تقدير التخصيص.

وخامسها: أن الخاص المتقدم: متردد بين أن يكون مخصصا لما بعده ومنسوخًا به، وذلك مانع من كونه مخصصا إذ البيان لا يحتاج إلى البيان الآخر.

وجوابه: أن التردد على سبيل التساوي ممنوع، وهذا لأن احتمال كونه مخصصا راجح عندنا على ما عرفت دليله، وأما سبيل المرجوحية لا يضرنا، فإن الظهور كاف في البيان ولا يشترط الجزم فيه.

واحتج ابن العارض: على ما ذهب إليه بوجهين.

أحدهما: أن الخاص المتقدم راجح من جهة الخصوص، مرجوح من جهة/ (264/ ب)[التقدم، والعام لمتأخر مرجوح من جهة] العموم راجح من جهة التأخر فاستويا، فيجب التوقف إلى ظهور مرجح آخر.

وجوابه: أن التقدم متى يوجب المرجوحية نشرط التساوي في جهة الدلالة أولا بهذا الشرط بل مطلقا، والأول: مسلم ولا يضرنا إذ الشرط مفقود فيما نحن فيه، والثاني: ممنوع. وهذا لأن دليل العقل متقدم مع أنه غير مرجوح لما أن دلالته على مدلوله أقوى.

وثانيهما: أن الخاص المتقدم أخص من العام المتأخر من وجه وأعم منه.

ص: 1655

من وجه، لأن قوله: لا تقتلوا اليهود مثلا أخص من قوله: اقتلوا المشركين لما أن اليهود أخص من المشركين وأعم منه من وجه، كما أنه دخل تحته من الأزمنة المتقدمة ما لم يدخل تحت العام المتأخر.

وهو ما بين وروده وورود العام المتأخر، فيكون الخاص على هذا أخص من العام في الأعيان وأعم منه في الأزمان، والعام بالعكس من هذا، فيكون كل واحد منهما أعم من الآخر من وجه وأخص منه من وجه، فليس تقديم أحدهما على الآخر أولى من العكس، فيجب التوقف فيه إلى ظهور المرجح.

وجوابه: أن ما ذكرتم لا يتأتى فيما إذا كان الخاص المتقدم أمرا والعام المتأخر نهيا نحو أن يقول: صل اليوم ركعتين"، ثم يقول: متراخيا عنه: "لا تصل اليوم شيء يا"، فإن العام المتأخر هاهنا أعم من الخاص المتقدم في الأعيان والأزمان معا.

أما الأول: فظاهر.

وأما الثاني: فلأن الأمر لا يقتضي التكرار والنهي يقتضيه، والخلاف في الكل واحد ولو تمسك في إثبات هذا القسم بعد إثبات ذلك القسم بالإجماع، إذ القول بالفصل بينهما قول لم يقل به أحد لا يفيده، لأنه معارض بمثله بعد إثبات الحكم في هذا القسم الذي ذكرناه.

سلمنا: أنه يتأتى فيهما جميعا، لكن لا نسلم أن ليس تقديم أحدهما على الآخر أولى من العكس، وهذا لأنهما وإن استويا من جهة العموم والخصوص، لكن العام المتأخر يترجح عليه لتأخيره، فلم لا يجوز أن

ص: 1656

يترجح به؟

ورابعها: أن يكون العام متراخيا عن وقت الخطاب بالخاص، لكنه قبل وقت العمل به.

فحكم هذا القسم كحكم القسم الثالث في البناء والنسخ، إلا على رأي من لم يجوز منهم نسخ الشيء قبل حضور وقت العمل به، كالقاضي عبد الجبار، فإنه لا يمكنه الحمل على النسخ، فيتعين عليه أن يقول: بالبناء/ (265/ أ) أو بالتعارض في ذلك القدر الذي حصل البناء فيه، أو يحيل المسألة وإن كان إطلاق قوله: يقتضي أن يكون العام ناسخا له، إذ قال: إن ورد الخاص بعد العام كان ناسخا له، وإن ورد العام بعد الخاص فكذلك، لكن أصله يقتضي تنزيله بما إذا كان الوورد بعد حضور وقت العمل بالخاص.

أما إذا لم يعرف تاريخهما: فعندنا يبنى العام على الخاص، وساعدنا القاضي عبد الجبار، وبعض الحنفية من المخالفين عليه.

ص: 1657

وعند أبي حنيفة يتوقف فيه إلى ظهور التاريخ، أو المرجح، أو يرجح إلى غيرهما، وكل من الإمامين ذهب إلى ما يقتضه أصله.

أما الشافعي- رضي الله عنه، فلأنه يبني العام على الخاص في جميع الأحوال عند العلم بالتاريخ مقارنا كان له، أو متقدما عليه، أو متأخرا عنه، لكن في بعض الصور يكون البناء على وجه التخصيص، وفي بعضها على وجه النسخ، وحالة الجهل لا تخلو عن هذه الأحوال الثلاثة، فوجب أن يبنى العام على الخاص، والجهل يكون ذلك البناء على وجه النسخ، أو على وجه التخصيص لا يمنع منه، أما في حق العمل بمقتضى البناء فظاهر، إذ العمل بمقتضاه لا يختلف بسبب ذلك، وأما في حق اعتقاد التخصيص على وجه غلبة الظن فكذلك لأن الاحتمال المرجوح لا يقدح في غلبة الظن، والبناء على وجه النسخ احتمال مرجوح.

أما أولا: فلأن البناء على وجه التخصيص على التقادير الثلاثة، والبناء على وجه النسخ على تقدير واحد، وما يحتمل وجوده على أكثر الاحتمالات أغلب على الظن مما لا يوجب إلا على احتمال واحد.

ص: 1658

وأما ثانيا: فلأن تقدير النسخ يستدعي دخوله تحت الخطاب وإرادته منه ثم خروجه عنه، والتخصيص لا يستدعى إلا التناول، فكان وجوده في الظن أغلب، لأن ما يتوقف على أكثر المقدمات أندر وجودا مما ليس كذلك.

وأما ثالثا: فلأن التخصيص أكثر من النسخ والإلحاق بالأكثر أولى فاعتقاد التخصيص أولى (وهذا إنما يصح فيما إذا كان متساويين في القوة أو الضعف، فأما إذا اختلفا في ذلك فلا، لأن الخاص الظني إذا ورد بعد حضور وقت العمل بالعام القطعي، لم يقبل لا ناسخا ولا مخصصا وفاقا).

وأما أبو حنيفة- رضي الله عنه فلأنه ينسخ الخاص بالعام، إذا كان متقدما عليه، ويخصص العام أو ينسخه به إذا كان متأخرا عنه، فعند الجهل بالتاريخ ذكر الخاص بين أن يكون منسوخا، أو مخصصا، أو ناسخا، فعند التردد/ (265/ ب) في هذه الأقسام يجب التوقف.

وأما القاضي عبد الجبار: فقد استدل على البناء عند الجهل، بأن يقال: إن من حق من ثبتت حكمته أن لا يلغا كلامه، متى أمكن حمله على وجه يفيد، فإذ صح ذلك، فلو وجب استعمال العام، لزم إلغاء الخاص، ومتى استعملنا الخاص لم يوجب طرح العام، بل يوجب حمله على وجه يصح أن يريده الحكيم، فوجب لأجل ذلك بناء العام على الخاص.

ص: 1659

وما ذكره منقوض بما إذا تقدم الخاص، وورد العام بعد حضور وقت العمل بالخاص، فإنه يجعله ناسخا مع أن ما ذكره قائم بعينه فيه، ولو فرق بأن شرط النسخ متحقق عند العلم بالتاريخ، وقد صلح أن يكون العام ناسخا له فوجب حمله عليه.

وهو غير معلوم التحقق عند الجهل به فهو غير قادح، لأن تحقق الشرط مع صلاحية وجود المقتضى لا يوجب تحقق المشروط، بل لابد معه من تحقق المقتضى قطعا أو ظنا، حتى يوجب تحقق المشروط قطعا أو ظنا، وكون اللفظ عاما إنما يقتضي ظن إرادة شمول الأفراد إن لو لم يلزم منه مفسدة، أما لو لزم فلا نسلم ذلك، ولا شك أن إلغاء الخاص مفسدة فوق مفسدة التخصيص.

ثم استدل الأصحاب على بناء العام على الخاص عند الجهل بالتاريخ في وجوه التعارض كلها سواء كان بين المتساويين، أو بين المختلفين في القوة والضعف بوجوه:

أحدها: وهو المعول عليه وهو الإجماع، فإن فقهاء العصور كلها من الصحابة والتابعين، وتابع التابعين، وهلم جرا إلى زماننا هذا، وغيرهم، في الأمصار بأسرها يسارعون إلى الحكم بالخاص على العام مع عدم علمهم بالتاريخ.

وعدم تخصيص ابن عمر رضي الله عنه لقوله تعالى: {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن} ، ولقوله:{وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم}

ص: 1660

بقوله تعالى: {والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب} ، مع خصوصه، وبقوله عليه السلام:"لا تحرم الرضعة ولا الرضعتان" مع

ص: 1661

خصوصة، غير قادح فيما ذكرنا من الإجماع.

لاحتمال أن يكون "رضي الله عنه" قد امتنع من ذلك لدليل آخر غير الجهل بالتاريخ، نحو إن علم، أو ظن نسخ الخاص بخاص آخر، أو بالعام لتقدمه عليه، بأن كان يرى ذلك.

ولا يلزم منه القول: بالتوقف عند الجهل بالتاريخ حتى يكون ذلك قادحا أيضا: فيما ذكرنا من الإجماع بطريق الاستلزام/ (266/ أ)، لا من حيث إنه قول لم يقل به أحد: لما عرفت أن جماعة ممن يرون نسخ الخاص بالعام، قالوا به: ولا من حيث المعنى: إذ قد ثبت الحكم للشيء مع تطرق الاحتمال المنافي له، لاسيما إذا كان الاحتمال المنافي منشأ للمفسدة الرجحة، كما في موت جماعة من الغرقى، أو الحرقى، ومن يقع عليهم سقف أو جدار

ص: 1662

من الأقرباء، فإنا لا نورث ورثة البعض من البعض، ونقدر موتهم معا مع تطرق احتمال التقدم والتأخر في موتهم المنافي لذلك الحكم.

ولو قيل: بأن ذلك للضرورة، فتلك الضرورة بعينها قائمة فيما نحن فيه إذ يستحيل الاطلاع على التاريخ بعد انقراض عصر الصحابة، وكذلك يتعذر الاطلاع على المرجح بعد تقرر المذاهب، أو كان يرى أن المراد من الخاص غير ظاهر من صور المجاز، لدليل دل عليه عنده، أو ضعف الحديث، ولو سلم أنه قادح في إجماع الصحابة، لكنه غير قادح في إجماع أهل العصر الثاني والثالث، وحصول الإجماع بعد الخلاف جائز- على ما ستعرف ذلك في الإجماع إن شاء الله تعالى.

وثانيها: قالوا: إن أحوال ورود الخاص مع العام منحصرة في المقارنة،

ص: 1663

والتقدم، والتأخر، وقد دللنا أن العام يبنى على الخاص في الأحوال الثلاثة فكذا في حالة الجهل بالتاريخ، ضرورة أنه لا يخلو عن الأحوال الثلاثة.

وهذا الاستدلال لا يستقيم في وجود التعارض كلها، بل إنما يستقيم في المتساويين في القوة والضعف، وفي المختلفين فيهما، فيما إذا كان العام مظنونا، والخاص مقطوعا مطلقا، لأنه كيف ما فرض حال من الأحوال من المقارنة والتقديم، والتأخير، قبل حضور وقت العمل، أو بعده، يكون العام مبنيا على الخاص، على ما ذكروا من الدلالة عليه.

أما إذا كان العام مقطوعا، والخاص مظنونا فلا، بل إنما يستقيم في الأحوال الثلاثة، وهي ما إذا كان الخاص مقدما، والعام متأخرا عن وقت خطابه فقط، أو عن وقت عمله، أو كان الخاص متأخرا عن العام، لكنه ورد قبل حضور وقت العمل به.

أما إذا كان بعد حضور وقت العمل به فلا يستقيم فيه هذا الاستدلال، لأنهم ما دلوا عليه ولا يبنى العام عليه وفاقا، إذ يلزم منه نسخ المقطوع بالمظنون، وهو باطل باتفاق المذهبين.

وثالثها: أن العموم يخص بالقياس مطلقا، فكذا بخبر الواحد، بل أولى، لأنه أرجح من القياس.

وهو ضعيف، لأنهم: إن أرادوا بذلك حالة/ (66/ ب) الجهل بالتاريخ، وغيرها فممنوع، وهذا لأنه إنما يجوز تخصيص العام به عندنا: لو علم أن

ص: 1664

أصل ذلك القياس متأخر عن العام، أما إذا علم تقدمه عليه، أو جهل التقدم والتأخر فلا.

فرع:

اعلم أن أبا حنيفة وأصحابه- رحمهم الله تعالى- لما اعتقدوا أن الواجب في حالة الجهل بالتاريخ، إنما هو التوقف إلى ظهور المرجح، أو التاريخ أو يرجع إلى غيرها من الدليل، ذكروا في الترجيح وجوها:

أحدها: اتفاق الأئمة على العمل بأحدهما، لخبر الوسق وهو قوله:"لا زكاة فيما دون خمسة أوسق".

وثانيهما: عمل أكثر الأمة بأحد الخبرين وعيبهم على من لم يعمل به كخبر أبي سعيد في الربا، فإن عمل أكثر الأمة به، وأنهم عابوا ابن عباس

ص: 1665

رضي الله عنه حين ترك العمل به، وتعلق بقوله عليه السلام:(لا ربا إلا في النسيئة).

ص: 1666

وثالثها: أن تكون رواية أحدهما أشهر.

ورابعها: أن يكون أحدهما بيانا للآخر، إما بالاتفاق، أو لدلالة تدل عليه، كاتفاقهم على "أن" قوله عليه السلام:"لا قطع إلا "في" ثمن المجن أو في ربع دينار أو إلا في عشرة دراهم) على ما يرويه الحنفية بيان لآية السرقة.

ص: 1667

وخامسها: أن يكون مضمون أحد الخبرين حكما شرعيا دون الآخر "وهذه الأمور كلها أمارات على تأخر أحد الخبرين" كما قاله أبو الحسين البصري.

فإنه لو لم يكن متأخرا، لما اتفق على عمله كل الأمة، أو أكثرهم مع عيبهم على من ترك العمل به، ولما كان نقله أشهر ولا اتفق على كونه بيانا للآخر، وكونه متضمنا للحكم الشرعي، أمارة لكونه متأخرا عن الذي يتضمن حكما عقليا [تقليلا] للنسخ.

وفيه كلام سيأتي في التراجيح إن شاء الله تعالى.

ص: 1668