الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل السادس
فيما ظن أنه من مخصصات العموم مع أنه ليس كذلك
وفيه مسائل:
المسألة الأولى
[في حكم عطف الخاص على العام]
عطف الخاص على العام لا يوجب تخصيص العام عندنا.
خلافا لأبي حنيفة وأصحابه- رحمهم الله.
وتوقف فيه بعض المتكلمين.
مثاله: قوله عليه السلام: "لا يقتل مسلم بكافر ولا ذو عهد في عهده".
فإنه لو وقع الاتفاق على أن المراد من قوله: "ولا ذو عهد في عهده" هو أن لا يقتل ذو عهد في عهده بكافر إذ لا موجب لهذا الإضمار لأنه كلام تام بدونه سوى زيادة المناسبة، وهي قرينة ضعيفة لا تقتضي الإضمار، فهل يقتضي ذلك تخصيص الكافر بالحربي في قوله "لا يقتل مسلم بكافر" فإنه عام إذ النكرة في سياق النفي تعم بناء على أن الكافر الذي لا يقتل به ذو العهد هو الحربي فقط بالإجماع.
فعندنا "لا" ولهذا لا يقتل مسلم بكافر حربيا كان أو ذميا إجراء لعموم قوله عليه السلام: "لا يقتل مسلم بكافر" وعندهم نعم: ولهذا يقتلون المسلم بالذمي، والمراد من الكفار في قوله:"لا يقتل مسلم بكافر" هو الحربي عندهم لقرينة عطف الخاص عليه، وهو الحربي.
لنا وجوه:
أحدها: أن المقتضى للتعميم قائم، وهو اللفظ العام، والمعارض الموجود وهو عطف الخاص عليه لا يصلح أن يكون معارضا له، لأن مقتضى العطف هو الإشراك بين المعطوف والمعطوف عليه في أصل الحكم الذي عطف عليه، لا الاشتراك فيه من جميع/ (271/ ب) الوجوه، وإذا كان كذلك لم يكن عطف الخاص منافيا لتعميم المعطوف عليه، فلم يصلح معارضا له، وإذا وجد المقتضى للتعميم ولم يوجد المعارض له وجب القول بالتعميم، لأن المقتضى لا ينفك عن المقتضى إلا لمعارض.
وثانيها: أنه إن لم يرد في استعمالاتهم عطف الخاص على العام مخصصا له لم يجز جعله مخصصا له، لأنه خلاف استعمالاتهم، وهو يقتضي عدم جواز استعمال في ذلك، فإن لم يقتض ذلك، فلا أقل من أن لا يقتضي وجوب ذلك، وإن ورد مخصصا له فقد ورد أيضا غير مخصص له، كما في قوله تعالى:{والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} ، فإنه عام في الرجعية والبائن، وقوله:{وبعولتهن أحق بردهن} ، خاص في الرجعية ولم يختص الأول بالإجماع، وعند ذلك، إما أن يجعل حقيقة فيهما بخصوصيتهما، وهو خلاف الأصل، أو في أحدهما دون الآخر وهو أيضًا خلاف الأصل فوجب جعله حقيقة فيهما بحسب قدر مشترك بينهما، وهو الاشتراك في أصل الحكم من غير أن يكون له دلالة على إثبات أو نفي
أمر زائد عليه.
وثالثها: أنا لو جعلناه مقتضيا لذلك، فحيث لم يقتضى ذلك كما في الآية المتلوة لزم الترك بالدليل ولو لم يجعله مقتضيا لذلك فحيث اقتضى ذلك لم يلزم منه إلا إثبات أمر زائد عليه، بدليل آخر لم يتعرض له اللفظ لا بنفي ولا بإثبات، ومعلوم أن لثاني أولى، فجعله غير مقتض لذلك أولى.
ورابعها: أن الاشتراك في الأصل الحكم الذي عطف عليه متيقن، وفي صفاته مشكوك فيه، وجعل اللفظ حقيقة في المتيقن أول، فجعله حقيقة في الاشتراك في أصل الحكم أولى.
احتجوا بوجهين:
أحدهما: أن حرف العطف يجعل المعطوف والمعطوف عليه كالشيء الواحد وذلك يقتضي التسوية بينهما في الحكم وتفاصيله.
وجوابه: أن حرف العطف يقتضي ذلك، لكن فيما عطف عليه لا في غيره.
فلم فلتم: إنه عطف على الحكم وتفاصيله؟.
ولم قلتم: إن ذلك مقتضى العطف حتى يلزم ما ذكرتم؟.
وثانيهما: أنه إما أن لا يضمر في المعطوف شيء مما تقدم في المعطوف عليه، وهو باطل ضرورة أنه غير مفيد حينئذ أو يضمر بعضه المعين، وهو/ (272/ أ) أيضا باطل لعدم دلالة الكلام عليه، أو غير المعين وهو أيضا باطل لما فيه من الإجمال فلم يبق إلا أن يضمر الكل.
وجوابه: أنا نختار من الأقسام القسم الثاني.
قوله: إنه باطل لعدم دلالة الكلام عليه ممنوع، فإن الاشتراك في أصل الحكم مع عدم التعرض لإثبات النافي أو نفيه مقتضى العطف عندنا، فلم قلتم إنه ليس كذلك؟