الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عليه سياق الكلام من العدل أو غيره، بدليل أنه يقال ذلك وإن كان نافذ الأمر عظيم الشوكة إذا كان ظالما فاجرا.
المسألة الثامنة
[في عموم الفعل المتعدي إلى مفعولاته]
الفعل المتعدي إلى مفعول، هل له عموم بالنسبة إلى مفعولاته أم لا؟
اختلفوا فيه.
فذهب الإمام الشافعي وأصحابه، والقاضي أبو يوسف رحمهم الله تعالى إلى أن له عموما بالنسبة إليها.
وذهب أبو حنيفة، وبقية أصحابه- رحمهم الله تعالى- إلى أنه ليس له عموم.
وفائدة الخلاف تظهر فيما إذا حلف الرجل فقال: والله لا آكل أو [إن] أكلت فأنت طالق، ونوى مأكولا فإنه لا يحنث بأكل غيره عند القائلين بعمومه: لأن العام يقبل التخصيص ونيته مخصصة له، ويحنث عند من لا يقول بعمومه، لأن ما ليس بعام يقبل التخصيص فلا يؤثر فيه التخصيص.
وكذا لو حلف وقال: والله لا [أ] ضرب أو إن ضربت فأنت طالق، ونوى الضرب بآلة بعينها، فإنه لا يحنث بالضرب بغير تلك الآلة عند القائلين بالعموم.
وهكذا إذا حلف على الخروج وقال: والله لا اخرج/ (219/ب)، أو إن خرجت فأنت طالق، ونوى مكانا بعينه فإنه لا يحنث بالخروج إلى غيره عند القائلين بالعموم هكذا نقله "الشيخ" الغزالي رحمه الله تعالى، وهو مخل بترجمة المسألة بما ذكرناه، لأن الضرب والخروج غير متعد
إلى "الآلة" و"المكان" اللهم إلا أن يريد بقوله: الفعل المتعدي إلى مفعول أعم من أن يكون متعديا بنفسه أو بالحرف، سواء كان مع الحرف أو لم يكن، وحينئذ يشتمل الخلاف الأفعال كلها.
احتج الأصحاب بوجهين:
أحدهما: أنه لو قال: إن أكلت أكلا فأنت طالق، أو قال: والله لا آكل أكلا، ونوى مأكولا بعينه لا يحنث بغيره إجماعا.
فكذا لو قال: إن أكلت، أو قال: والله لا آكل، لأن الأول إنما قبل فيه التخصيص عنده لوجود المصدر الذي يتناول القليل والكثير وهو موجود في الفعل ضمنا ضرورة أنه مشتق منه والمضمر كالملفوظ، بدليل أنه لو قال لامرأته: طلقي نفسك، ونوى ثلاثا تصح "نيته" إجماعا.
وما ذكر الإمام في جوابه: وهو أن المصدر هو الماهية، وهي غير قابلة للتخصيص، وأما قوله:"أكلا" فهو ليس في الحقيقة مصدر، لأنه يفيد أكلا واحدا منكرا، والمصدر ماهية الأكل، وقيد كونه منكرا خارج عن الماهية.
فضعيف، لأنه مخالف لقاعدة أهل العربية اجمع من وجهين:
أحدهما: أنهم صرحوا أن المصدر يتناول القليل والكثير، وما يكون كذلك يكون قابلا للتخصيص.
وثانيهما: أنهم اتفقوا على أن قول القائل: أكلت أكلا، وغسلت غسلا وما يجري مجراه منصوب على المصدر، فلو لم يكن قوله:"أكلا" مصدرا لكان ذلك خطأ إذ لك يكون على التجوز ويعرف ذلك بأدنى تأمل.
وثانيهما: وهو أنا وإن سلمنا: أنه لا يقبل نية التخصيص باعتبار تضمنه المصدري لكن يقول: "إن قوله": إن أكلت، يستدعي مأكولا مطلقا ضرورة كونه متعديا إليه، ولا شك أن المطلق سائغ في كل ما يدخل تحته من المقيدات، "ولا شك" في جواز إطلاق وإرادة المقيد- على ما عرفت ذلك في اللغات- فيجوز تفسيره بمأكول معين من بين جميع المأكولات، هذا كله في طرق الإثبات.
وأما في طرق النفي: نحو قوله: والله لا آكل، ونوى مأكولا معينا، فالأمر أظهر لأن قوله: والله لا آكل، يقتضي نفي ماهية الأكل، وقد عرفت أن نفي الماهية يستدعي نفي كل فرد من أفرادها، فقوله: والله لا آكل، يقتضي نفي كل واحد من/ (220/أ) الأكلات التي تتعدد بحسب المأكولات، "و" إذا كان كذلك كان قابلا للتخصيص، كالنكرة في سياق النفي.
اتجه الإمام للخصم: بأنه لو صحت نية التخصيص [لصحت]: أما في الملفوظ، أو في غيره، والقسمان: باطلان فبطلت نية التخصيص.
أما الأول: فلأن الملفوظ ليس إلا الأكل وهو ماهية واحدة، لأنها قدر مشترك بين أكل هذا الطعام، و "بين" أكل ذاك الطعام، وما به الاشتراك غير ما به الامتياز وغير مستلزم له، فالأكل من حيث إنه أكل مغاير لقيد كونه هذا الأكل وذاك غير مستلزم له، فالماهية من حيث إنها ماهية لا غير لا تقبل العدد، ولا تقبل التخصيص "نعم: لو احتفت بها العوارض الخارجية حتى صارت هذا وذاك فهناك تصير متعددة، فتصير قابلة للتخصيص" لكنها غير ملفوظة فالمجموع الحاصل من الماهية، وسائر عوارضها الخارجية التي هي غير ملفوظة، غير ملفوظ، فلو صحت نية التخصيص غير الملفوظ، لكن هذا القسم أيضا باطل، لأن إضافة ماهية الأكل إلى "الخبز" تارة والى "اللحم" أخرى إضافة تعرض لها بحسب اختلاف المفعول به، وإضافتها إلى هذا اليوم، وذاك اليوم، وهذا المكان، وذاك
المكان، إضافة تعرض لها بحسب اختلاف المفعول فيه.
ثم اجمعنا: على أنه لو نوى التخصيص بالمكان والزمان لم يصح، فكذا لو نوى التخصيص بالمفعول به بجامع رعاية الاحتياط في تعظيم اليمين.
وهو ضعيف: لأنه لا يلزم من إبطال قبوله التخصيص بحسب اختلاف المفعول به على القياس على المفعول فيه أن لا يقبله باعتبار غير الملفوظ مطلقا، لأن اعتبار غير الملفوظ غير منحصر فيما ذكره من اختلاف المفعول به، وهذا لأن من المحتمل أن يقبله باعتبار ما تضمنه من المصدر كما سبق، ومن المعلوم أنه لا يمكن إبطاله بما سبق من القياس، لأن تضمن الفعل المصدر وتناول المصدر القليل والكثير، ليس ذلك أمرا عارضا حاصلا لهما بالإضافة إلى شيء آخر، بل بالذات والوضع.
سلمنا: انحصاره فيه، لكن الفرق بين دلالة الفعل على المفعول به، وبين دلالته على المفعول فيه ظاهر.
وبيانه: من حيث الإجمال والتفصيل:
أما الأول: فلأنهم اتفقوا على أن المفعول به يجب أن يقام مقام الفاعل في فعل ما/ (220/ب)[لم] يسم فاعله، وإن وجدت سائر المفاعيل من المفعول المطلق، والمفعول معه، والمفعول فيه، وذلك يدل على أن دلالة
الفعل على المفعول به أقوى من دلالته على سائر المفاعيل.
وأما الثاني: فلأن المفعول به لازم من لوازم الفعل المتعدي لا ينفك عنه لا في الوجود الخراجي ولا في الذهني إذ لا يمكن أن يوجد فعل متعدي في الخارج إلا وله مفعول، وكذلك لا يمكن أن يتصور في الذهن بدونه، بخلاف المفعول فيه من المكان والزمان، فإنه ليس لازما من لوازمه لا في الوجود الخارجي، ولا في الذهن بدليل أفعال الله تعالى: نحو "الخلق" فإنه قد انفك عن المفعول فيه من المكان والزمان، فإن خلقه العالم لم يكن في زمان ولا في مكان.
وأما قوله تعالى: {الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام} فمؤل وفاقا، بل إن كان بينهما ملازمة كما في فعل المحدث فبسبب أمر عارض لا لنفسهما وإلا لما انفكا.
واحتجوا أيضاً بوجهين "آخرين":
أحدهما: أن القول بعمومه قول بعموم المقتضي، وهذا لأن إضمار المأكول في قوله: والله لا أكل، من ضرورة تحقق الأكل كما أن إضمار الملك في قول القائل: اعتق [عني] عبدك بألف، من ضرورات تحقق العتق ضرورة أن اللفظ في الصورتين لا يتعرض للمأكول، ولا للملك، وقد سبق أن المقتضي لا عموم له، فلا عموم للفعل المتعدي إلى مفعول أيضا.
وجوابه: منع أن إضمار المأكول في الأكل كإضمار الملك فيما ذكروه من الفعل، وهذا لأن دلالة الفعل المتعدي على المفعول به بحسب الصيغة والوضع وأما دلالة الكلام على المقتضي فليس كذلك، بل هو لضرورة وجود المذكور أو لضرورة صدق الكلام كما سبق نظيرهما جميعا.
وثانيهما: أن قوله: إن أكلت فأنت طالق، المحلوف عليه هو الأكل الكلي المطلق الصادق على كل أكل، والكلي الصادق لا يقبل التخصيص، إذ لا تعدد فيه.
وجوابه: ما سبق في الاستدلال، وهو أنه وإن لم يقبل التخصيص، لكن يقبل التقييد فتصح نية التعيين.