الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المسألة الرابعة
الاستثناء من النفي إثبات، ومن الإثبات نفي، عند أصحابنا خلافا للحنفية فيهما
.
وإيراد الإمام يشعر بتخصيص الخلاف في الأول.
والحق ما ذكرناه على ما صرح به بعضهم، لأن مأخذه في ذلك هو أن بين الحكم بالنفي وبين الحكم بالإثبات واسطة، وهو عدم الحكم وتركه على ما كان عليه قبل الاستثناء، فمقتضى الاستثناء، هو خروج المستثنى عن أن يكون محكوما عليه بالحكم المذكور، وبقاؤه على ما كان عليه قبل الحكم لا يفرق بين الاستثناء من النفي وبين الاستثناء من الإثبات، إذ الواسطة بين الحكم بالنفي وبين الحكم بالإثبات بعدم الحكم، حاصلة سواء كان الاستثناء من النفي أو من الإثبات.
نعم: يلزم النفي للمستثنى من الإثبات عنده، بناء على أنه الأصل قبل الحكم بالإثبات، لأن الاستثناء اقتضى ذلك/ (246/ أ).
فإن القائل إذا قال مثلا: لفلان على عشرة إلا درهما، كان معناه عنده إن الدرهم غير محكوم عليه باللزوم، لأنه محكوم عليه بعدم اللزوم، ومتى كان الدرهم غير محكوم عليه باللزوم، كان عدم اللزوم لازما له بناء على العدم الأصلي.
ولعل الإمام "لهذا" السبب خصص الخلاف في النوع الأول، إذ لا يظهر للخلاف في الثاني، فائدة، فإن النفي ثابت فيه بالاتفاق، لكن المأخذ مختلف، فعندنا بسبب الاستثناء، وعنده بسبب البقاء على
الحكم الأصلي.
احتج الأصحاب: على صحة مذهبهم بوجهين:
أحدهما: أنا أجمعنا، بأن الكافر سواء كان مشركا أو دهريرا لا يرى للعالم صانعا، إذا قال كلمتي الشهادة: فإنه يصير مؤمنا عند ذلك، ولو لم يكن الاستثناء من النفي إثباتا، لما كان مؤمنا، إذ ذاك، لأنه حينئذ لم يكن مثبتا للإلهية لله تعالى، بل نافيا لها من غيره تعالى فقط وبمجرده لا يحصل التوحيد، لأن التوحيد يتوقف على أمرين:
أحدهما: نفي الإلهية عن غير الله تعالى.
وثانيهما: إثباتها لله تعالى، وحينئذ يلزم إلا يصير مؤمنا بقولهما، وهو خلاف الإجماع، وإنما فرضنا الكلام في الدهري أيضا: كيلا يظن أن المقصود من هذه الكلمة إنما هو نفي الشركاء، فإما إثبات الإلهية لله تعالى، فليس هو المقصود من هذه الكلمة، بل كان ذلك حاصلا للكافر قبل التلفظ بكلمتي الشهادة، بدليل قوله تعالى:{ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولون الله} .
فإذا حصل مع ذلك اعتقاد نفي الشركاء صار الكافر مؤمنا، لأن هذا لا يستقيم في حق الدهري الذي لا يرى للعالم صانعا، إذ ليس هو مثبتا للإلهية لأحد، والضمير في قوله:{ولئن سألتهم} ليس براجع إلى جميع أصناف الكفار، بل إلى بعضهم لما علم أن بعضهم لم يقولوا بإثبات الإلهية لله
تعالى، كما أخبر الله تعالى:{وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيات وما يهلكنا إلا الدهر} .
وثانيهما: أن المتبادر إلى الفهم، عند سماع قول القائل: لا عالم في المدينة إلا زيد، إثبات كونه عالما ونفي غيره عن أن يكون كذلك، ويفهم منه من كمال علمه ما لا يفهم من قولنا: زيد عالم، ولو لم يكن الاستثناء من النفي مفيدا للإثبات لما فهم ذلك، فضلا عن أن يكون متبادرا وإحالة الفهم إلى قرينة المدح/ (246/ ب) وإلى العرف خلاف الأصل.
احتجوا: بأنه لا يفيد الإثبات في مثل قوله عليه السلام: "لا نكاح إلا بولي".
...........................................................................
...........................................................................
"ولا صلاة إلا بطهور"، ولا يلزم من تحقق الولي والطهور، تحقق النكاح والصلاة.
والأصل في الاستعمال الحقيقة، والاشتراك خلاف الأصل.
وأيضا: لو جعل مفيدا للإثبات فحيث لم يفد يلزم الترك بالدليل، أما لو جعل مفيدا لإخراج المستثنى عن الحكم المستثنى عنه فقط فحيث استعمل للإثبات لم يلزم منه إلا إثبات حكم آخر لا يتعرض له اللفظ لا بنفي ولا بإثبات.
ومعلوم أن الثاني أولى. ولأنه استعمل في إفادة الإثبات، كما ذكرتم واستعمل أيضاً حيث لا يفيده، بل يفيد عدمه كما ذكرنا، والاشتراك والمجاز خلاف الأصل فوجب جعل حقيقة في القدر المشترك بينهما، وهو أخراج المستثنى عن حكم المستثنى منه لا غير.
الجواب عن الأول من وجهين:
أحدهما: أنا إنما ندعي ذلك، حيث يصدق اسم المستثنى منه على المستثنى وهو في الاستثناء من الجنس، وما ذكرتم من المثالين ليسا كذلك، إذ لا يصدق النكاح على الولي، والصلاة على الطهور.
وثانيهما: أن الفرق بين قولنا: لا قضاء إلا بالعلم، ولا كرم إلا بالمال، وبين قولنا: لا قاضي إلا فلان، ولا كريم إلا فلان، معلوم بالضرورة.
فإن الأول: إنما يستعمل لإفادة الشرطية لا غير، ولذلك أدخلوا باء الإلصاق في المستثنى ليؤذن بإلصاق المستثنى منه بالمستثنى، ولذلك أيضا: يصح استعماله وإن لم يوجد قاض وكريم في الدنيا، إذ الشرطية بين الشيئين لا يتوقف على وجودهما.
بخلاف النوع الثاني فإنه لا يفهم منه معنى الشرطية أصلا، ولم يصح استعماله حيث لا وجود للمستثنى، ولم يصح دخول الباء عليه.
وعن الثاني: المعارضة بما أنا لو جعلناه حقيقة في إفادة الإثبات أمكن جعله مجازا في الإخراج، ولو جعلناه حقيقة في الإخراج، لم يمكن جعله مجازا في إفادة الإثبات، إذ هو غير لازم له، وأيضا: الترك بالدليل وإن كان خلاف الأصل، لكن قد يصار إليه عند قيام الدلالة عليه وما ذكرنا من الدليل دال عليه فوجب المصير إليه.
وعن الثالث: أنا لا نسلم استعماله، حيث لا يفيده إذا كان المستثنى من الجنس.
سلمناه: لكنه معارض بما أنه يستلزم مجازين، وهو استعماله في تينك/ (247/ أ) الصورتين، بخلاف ما إذا جعل حقيقة في أحديهما فإنه لا