الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
هل هو مخصص متصل أو منفصل؟.
فمنهم من جعله متصلا: محتجا بأن الشارع للحكم هو لله تعالى لا غير والرسول عليه السلام، إنما هو مبلغ، فكان تخصيصه كتخصيصه، لو خصصه لله تعالى على ذلك النمط كان متصلا، فكذا تخصيصه عليه السلام.
ومنهم: من جعله منفصلا.
وهو الأظهر، لأن الاستثناء كالجزء من الكلام ولا يستقل بالإفادة دون ما قبله، ولهذا لا يقبل منفصلا (236/ب)، والجزء من الكلام إذا صدر من الله تعالى، والآخر من الرسول [صلى الله عليه وسلم] فإنا لا نجعلهما كالصادر من الله تعالى فكذا هنا.
المسألة السابعة
[يجوز التمسك بالعام المخصوص مطلقا]
يجوز التمسك بالعام المخصوص مطلقا عند جماهير فقهاء الفريقين.
وذهب بعض الحنفية، عيسى بن إبان، ومحمد بن شجاع، وأكثر المعتزلة: إلى أنه لا يجوز التمسك به مطلقا.
ومنهم من فصل، وذكر فيه وجوهًا:
أحدها: أنه إن خص بدليل متصل، يجوز التمسك به وإلا فلا، وهو مذهب الرخي والبلخي.
وثانيها: أنه إن كان المخصوص معلومًا، يجوز التمسك به سواء كان المخصص متصلًا أو منفصلا وإلا فلا، وهو رواية الكرخي، وهو اختيار
الإمام.
ونقل بعضهم: أنه لا خلاف في أنه لا يجوز التمسك به فيما إذا كان المخصوص مجهولا، وهو الأظهر.
إذ لا يظهر جواز التمسك به وجه إذ ذاك، لأن كل فرد يفرض يحتمل أن يكون هو المخصوص أو منه.
نعم: قد يتجه أن يقال: إنه يستقيم التمسك به في كل فرد من أفراد مسمياته لكون دلالته عليه معلوما أو مظنونا ظنا غالبا على اختلاف فيه، وكونه مخصوصا مشكوك فيه والشك لا يزيل العلم والظن، لكن ليس هو مما نحن فيه في شيء، لأن مسألتنا مفروضة في الاحتجاج بالعام المخصوص فيما عدا المخصوص وما ذكر من الاحتمال [آت] في الكل المخصوص وغيره.
وثالثها: أن التخصيص: إن كان قد منع من تعلق الحكم بالاسم العام، وأوجب تعلقه بشرط لا ينبئ عنه الظاهر لم يجز التعليق به، كما في قوله تعالى {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} ، لأن قيام الدلالة على
اعتبار النصاب والحرز، وكون المسروق لا شبهة فيه للسارق، يمنع من تعلق الحكم، وهو القطع بعموم اسم السارق، وموجب لتعلقه بشرط لا ينبئ عنه ظاهر اللفظ.
وإن كان التخصيص لا يمنع "من" تعلق الحكم به جاز التعلق به، كما في قوله "تعالى":{اقتلوا المشركين} ، لأن قيام الدلالة على المنع من قبل أهل الذمة لا يمنع من تعلق الحكم وهو القتل باسم المشركين. وهو قول: أبي عبد الله البصري.
ورابعها: أن العام المخصوص: إن كان بحيث لو تركنا وظاهره من غير بيان التخصيص، لكنا نمتثل ما أريد منا، ولكن يضم إليه شيئا آخر لم يرده منا، كقوله تعالى:{اقتلوا المشركين} ، فإنا لو خلينا وظاهره، لكنا نقتل كان من صدق عليه الإسلام من الحربي والذمي والمستأمن.
فكنا قد امتثلنا في ذلك ما أريد منا وما لم يرده جاز التمسك به.
وإن كان العام بحيث لو تركنا وظاهره من غير بيان التخصيص، لم يمكننا أن نمتثل ما أريد منا لم يجز التمسك به، وهو كقوله تعالى {أقيموا الصلاة}
لأنه لو لم يبين مراده لم يمكننا فعل ما أراده من الصلاة الشرعية أصلا، بخلاف آية السرقة فإنا لو خلينا وظاهرها، لكنا قطعنا كل سارق، وفي ذلك امتثال ما أريد منا وما لم يرده، وهو قول القاضي عبد الجبار.
وخامسها: أنه يجوز التمسك "به" في أقل الجمع، ولا يجوز فيما زاد عليه، وهذا يشبه أن يكون قول: من لا يجوز التخصيص إلى [أقل] من أقل الجمع.
واحتج الأولون بوجوه:
أحدها: الإجماع: وتقريره أن التمسك بالعام المخصوص كان شائعا ذائعا فيما بين الصحابة.
روي أن فاطمة- رضي الله عنها احتجت على أبي بكر- رضي الله عنه حين طلبت ميراثها من أبيها بقوله تعالى: {يوصيكم الله في أولادكم} ، مع
أن الآية مخصوصة بالعبد والقاتل والكافر.
ولم ينكر عليها أبو بكر ولا غيره من الصحابة- رضي الله عنهم في ذلك، بل عدل أبو بكر رضي الله عنه في منعها منه إلى التمسك بقوله عليه السلام:"نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة".
وروي عن علي رضي الله عنه أنه احتج على جواز الجمع بين الأختين في ملك اليمين بقوله تعالى: {أو ما ملكت أيمانكم} ، مع أنه مخصوص بالمجوسيات، والأخوان وغيرهما، ولم ينكر عليه أحد بل من حرم تعلق بقوله تعالى:{وأن تجمعوا بين الأختين} .
وعنه، وعن عثمان رضي الله عنه:(أحلته آية وحرمته آية)، فلو لم يكن قوله تعالى:{أو ما ملكت أيمانكم} حجة فيما بقى بعد التخصيص
لم يكن محللا للجمع بينهما في ملك اليمين.
وروي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه- احتج على تحريم المرضعة ولو بمصة أو مصتين بقوله تعالى: {وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم} وقال: (قضاء الله تعالى أولى من قضاء ابن الزبير)، لأن ابن الزبير كان لا يرى التحريم بالرضعة والرضعتين، مع أن الآية مخصوصة بالمرضعة في غير
سن الرضاعة، وأمثالها كثيرة غير داخلة تحت التعداد، وكيف لا: وتمسكهم بالنصوص/ (237/ب) في الوقائع مشهور، وما من نص إلا وهو مخصوص، كما تقدم ولم ينقل عن أحد منهم في ذلك إنكار فكان إجماعا.
وثانيها: أن المقتضى لثبوت الحكم فيما بقى من الأفراد قائم، وهو اللفظ العام: دال على ثبوت الحكم في كل واحد من مسمياته، ولا شك أن غير المخصوص من جملة مسمياته، فيكون دالا على ثبوت الحكم فيه، والمعارض الموجود وهو: انتفاء الحكم عن الصورة المخصوصة لا يصلح أن يكون معارضا، لأن عدم الحكم فيها لا يستلزم عدم الحكم في غيرها لا قطعا ولا ظاهرا، اللهم إلا أن يكون معللا بعلة مشتركة بينها وبين غيرها من الصور، لكن ذلك ليس لنفس انتفاء الحكم بل لأمر زائد عليه، وليس كلامنا فيه، بل في نفس انتفاء الحكم، والمعارض لدليل الثبوت لا بد وأن يستلزم النفي إما قطعا أو ظاهر، وحينئذ يلزم ثبوت الحكم في غير المخصوص عملا بالمقتضى.
وثالثها: أنه لو لم يكن حجة فيما بقى فإما أن لا يكون حجة في شيء منه.
وهو باطل، لأنه تعطيل النص، إذ غيره من المجاز غير مراد لعدم قرينة تدل عليه أو يكون حجة في شيء منه. وهو باطل، لأنه تعطيل للنص، إذ غيره من المجاز غير مراد لعدم قرينة تدل عليه أو يكون حجة في شيء منه، لكنه غير معلوم إجمال، وهو خلاف الأصل فيكون أيضا: باطلا فيتعين أن يكون حجة فيما بقي.
ورابعها: وهو ما احتج به الإمام: وهو أن اللفظ العام كان متناولا للكل فكونه حجة في كل واحد من أقسام ذلك الكل، إن كان متوقفا على كونه حجة في الكل من حيث إنه كل، أو على كل واحد من أقسامه مع التعاكس لزم الدور، لأن كونه حجة في الكل يتوقف على كونه حجة في كل واحد من أقسامه، فلو توقف كونه حجة في الكل لزم الدور وأيضا، فإنه يلزم حينئذ أن تكون دلالة العام على كل واحد من تلك الأقسام بالتضمن، كدلالة أسماء الأعداد على الأفراد الداخلة تحت مسمياتها، وكذا القول: في لزوم الدور على التقدير الثاني، وإن لم يكن متوقفا عليهما، أو كان متوقفا على كونه حجة في كل واحد من أقسامه من غير تعاكس لزم أن يكون حجة في الباقي، وإلا لكان متوقفا عليهما، ونحن نتكلم على خلاف هذا التقدير، ثم القسم الثاني: مختص بما أنه يستلزم الترجيح من غير مرجح، لأن نسبة دلالة اللفظ العام على كل/ (238/أ) تلك الأقسام على حجته في الباقي من غير عكس ترجيح لأحد المتساويين على الآخر من غير مرجح، وهو محال.
وهذا ضعيف: لأنه إن عني بالتوقف التوقف بصفة التقدم والتأخر، أي يكون المتوقف عليه متقدما ولو بالرتبة والمتوقف متأخر كذلك، فلا يلزم من عدمه جواز كونه حجة في البعض، وإن لم يكن حجة في البعض الآخر، لاحتمال أن يكون حجته في البعض ملازم لحجته في البعض الآخر بصفة
المعية، ويستحيل وجود أحد المتلازمين بدون الآخر، وإن عني به عدم وجوده بدون الآخر، فلا نسلم أن الآخر لو كان كذلك يلزم "منه" الدور الممتنع، فإن المتلازمات والمتضايفات بأسرها كذلك، وهي ليست بممتنعات وفاقا.
احتجوا بوجهين:
أحدهما: إنه لو دل على ما بقى، فإما أن يدل عليه بطريق الحقيقة، وهو باطل لما تقدم من الدلائل، ولمساعدتكم عليه، أو بطريق التجوز،
وحينئذ ليس حمله عليه أولى من حلمه على البعض الآخر، فيصير مجملا، بل حمله على أقل الجمع أولى
أما أولا: فلما فيه من تقليل المجاز.
وأما ثانيا: فلأنه متيقن فيه.
وثانيهما: أن العام بعد التخصيص يتنزل "منزلة" ما لو قي: اقتلوا المشركين إلا بعضهم، وهذا ليس بحجة لمساعدتكم عليه، فكذا ما يتنزل منزلته.
الجواب عن الأول: أنا لا نسلم أن ليس الحمل عليه أولى من الحمل على البعض الآخر، وهذا لأنه متعين والبعض الآخر من مسميات العام مبهم فيها والحمل على المتعين أولى لما فيه من دفع الإجمال، وأما ما ذكرتم من الوجهين فهو معارض بوجهين آخرين:-
أحدهما: أن الحمل عليه أحوط، ولا يخفى عليك تقريره.
وثانيهما: أنه أقرب إلى الحقيقة على أن الوجه الثاني، مما ذكرتم ممنوع على رأي من يجوز التخصيص إلى الواحد.
وعن الثاني: أنا لا نسلم أنه يتنزل منزلته، وهذا لأن في تلك الصورة يتعذر العمل بالعام، إذ لا يمكن حمله على الكل وهو ظاهر ولا على البعض منه، لأنه ما من بعض إلا ويحتمل أن يكون هو المخصوص، بخلاف ما نحن فيه لا يتعذر العمل به، إذ الخارج معين فيعمل به فيما وراءه.