الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كمفهوم المخالفة والموافقة، أو يكون كالعلة العامة.
فإن كان الأول: فإنه يجوز تخصيص النوع الأول منه مطلقا.
وأما الثاني: فإنه يجوز أيضا لكن بشرط أن لا يعود نقضا على الملفوظ كإباحة ضرب الأم إذا فجرت، أما إذا عاد نقضا عليه كما إذا قال:{فلا تقل لهما أف} لكن ينتج له نوعا من أنواع الأذى مطلقا فإنه لا يجوز.
وأما الثاني: ففي جواز تخصيصه كلام ستعرفه في القياس إن شاء الله تعالى.
المسألة الخامسة
[في العناية التي يجوز أن ينتهي إليها التخصيص]
اختلفوا في الغاية التي يجوز أن ينتهي إليها التخصيص، فذهب جماعة إلى أنه يجوز أن ينتهي التخصيص إلى الواحد في جميع ألفاظ العموم.
ومنهم: من منع من ذلك في جميع ألفاظ العموم، وأوجب أن يراد بها كثيرة تقرب من مدلول اللفظ، وإن لم يعلم قدرها عينا، إلا أن يستعمل في حق الواحد على سبيل التعظيم أو الإبأنة أن ذلك الواحد يجري مجرى العدد الكثير، وهو مذهب "أبي" الحسين البصري، وكثير من أصحابنا كإمام الحرمين، والإمام "رحمهما الله".
ومنهم: من فصل بين الجمع المعرف باللام كالرجال، والمسلمين، والجمع المذكر لو قيل بعمومه، وبين غيره من ألفاظ العموم "كمن" و"ما" والمفرد المعرف باللام، لو قيل بعمومه، فأوجب في النوع الأول الانتهاء إلى أقل الجمع وهو الثلاثة، ولم يوجب ذلك فيما عداه، بل جوز انتهاء التخصيص فيه إلى الواحد، وهو مذهب القفال الشاشي رحمه الله "تعالى".
احتج الأولون: بالنص، والأثر، والمعقول.
أما النص: فنحو قوله تعالى: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} وقوله تعالى: {نحن قدرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين {
وقوله: {إنا أنزلناه في ليلة القدر} ، وقوله تعالى:{الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم} ، والمراد بالناس القائلين: الواحد، وهو نعيم بن مسعود الاشجعي، وقوله تعالى:{إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة} ، والمراد منه علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
وأما الأثر فقول عمر رضي الله عنه: لسعد/ (232/ب) بن أبي وقاص نفذ إليه القعقاع مع ألف فارس: (قد نفذت إليك ألفي فارس) فقال سعد رضي الله عنه: (قد نفدت إلى ألف فارس والقعقاع)، فقال
رضي الله عنه: (القعقاع بألف) أطلق اسم الألف على الواحد.
وأما المعقول فمن وجوه:
أحدها: القياس على الاستثناء، فإنه يجوز استثناء الجمع إلا الواحد باتفاق بيننا وبينكم، فكذا التخصيص، الجامع تدارك الضرر الناشئ من التعميم، أو يقول بطريقة أخرى: إن استثناء الجميع إلا الواحد جائز باتفاق بيننا وبين خصومنا، فكذا التخصيص، لأن الاستثناء تخصيص خاص، ومتى صدق الخاص صدق العام.
وثانيها: أن استعمال اللفظ في بعض ما وضع له "مجاز، فليس القول بجواز هذا التجوز في بعض أقسام" ما وضع له دون البعض الآخر أولى من العكس، فوجب جوازه في الكل نظرا إلى الجهة المسوغة للتجوز.
وثالثا: أنه لو امتنع إطلاق الجمع وإرادة الواحد منه، فإما أن يمتنع ذلك، لأن اللفظ لم يستعمل في حقيقته، أو لأنه إذا استعمل فيه صار الخطاب مجازا، أو لأنه حينئذ يبطل دلالة هيئة الصيغة على مدلولها، إذ الأصل
انتفاء مانع آخر، لكن الكل باطل.
أما الأولان: فلاقتضائهما امتناع تخصيص العام بالنسبة إلى أي عدد يفرض من ضرورة أنه حينئذ غير مستعمل في حقيقته وهو مجاز فيه، وهو باطل بالإجماع.
وأما الثالث: فلوجهين:
أحدهما: أن دلالة هيئة الصيغة "لا تزيد على دلالة أصل الصيغة"، فإذا لم يكن بطلان دلالة أصل الصيغة مانعا، فلأن لا يكون بطلان دلالة هيئة الصيغة مانعا أولى.
[وثانيهما]: أن ذلك ليس حاصلا في "من" و"ما"، وما يجري مجراهما فوجب أن يجوز تخصيصه إلى الواحد ضرورة انتفاء علة الفساد، والخصم لا يقول به.
الجواب عن الآيات: أنها غير دالة على محل النزاع، "لأن" بعضه مستعمل في الواحد على سبيل التعظيم، وبعضها على سبيل الإبانة على أن
ذلك يجري مجرى العدد الكثير، ونحن نجوز ذلك وليس هو من التخصيص "في شيء"، وهو الجواب بعينه عن ابن عمر رضي الله عنه.
"والجواب" عن الوجه الأول: من المعقول: بعدم تسليم حكم الأصل، فإنه ممنوع عند بعضهم: وتسليم صحة القياس في اللغة بالفرق، وهو أن الاستثناء عندنا: إخراج من المستثنى منه وتغيير للإسناد/ (233/أ) إذ هو: مع المستثنى منه كالشيء الواحد، بخلاف التخصيص فإنه ليس كذلك.
وعن الطريقة الثانية: "أنه" لا نزاع في أنه متى ثبت الخاص ثبت العام، لكن المثبت للحكم في خاص، لم قلتم: أنه يلزمه أن يثبته في أفراد عمومه؟.
وظاهر أنه لا يلزمه ذلك، لأنه يجوز أن يكون ذلك لمعنى يخصه.
وعن الثاني: أنا لا نسلم أن بعض الأقسام ليس أولى من البعض، وستعرف سنده في استدلالنا.
وعن الثالث: منع حصر علة عدم الجواز فيما ذكروه من الأقسام، وهذا لأنه يجوز أن يكون علة ذلك عدم استعمالهم تخصيص العام على ذلك الوجه.
وهذا الجواب إنما يستقيم على رأي من يرى أن المجاز موقوف على السمع، أما من لم ير ذلك بل يكتفي بمجرد العلاقة فلا.
وجوابه: على هذا أن يقال: إنه وإن اختلف في اعتبار السمع في الاستعمال، لكن لا خلاف في اعتبار المنع منه، واستقباحهم هذا النوع من الاستعمال على ما ستعرف ذلك، هو المانع منه، لا ما ذكرتم من الأقسام.
احتج أبو الحسين البصري، بأن الرجل إذا قال: أكلت كل ما في الدار من الرمان، وكان فيها ألف من الرمان مثلا، وكان قد أكل واحد أو ثلاثة منه عابه أهل اللسان.
وكذلك لو قال لعبده: من دخل داري فأعطه درهما، ثم قال: له أردت بذلك: زيدا وحده، أو ثلاثة أشخاص بأعيانهم، يعد كلامه مستهجنا ومستقبحا، وإن أظهر دلالة إرادة الواحد أو الثلاثة منه، إذ لو لم تظهر الدلالة لم يجز أصل التخصيص فضلا عن التخصيص على هذا الوجه ولو كان هذا النمط من التخصيص جائزا لما كان كذلك، كما إذا أبقى عدد كثيرا.
وقول القائل: "أكلت اللحم والخبز"، و"شربت الماء"، ليس من هذا القبيل.
وإن قيل: بأن المفرد المعرف يعم إذا لم يكن للعهد ولتعريف الماهية، لأن التعريف فيها للعهد.
واحتج من قال: بالتفصيل بأن رد صيغة الجمع إلى الواحد على وجه التخصيص إبطال لدلالة أصل الصيغة وهيئته، فيكون تركا لدلالته بالكلية، فيكون نسخا، فوجب أن لا يقبل فيه ما يقبل في التخصيص.
وحينئذ لم يجز رده إلى الواحد على وجه التخصيص، وهو المطلوب، بخلاف "من" وإخوانه لا تتغير فيه دلالة هيئة الصيغة، إذ ليس لهيئة صيغته دلالة أصلا على شئ فلم يتطرق إليه تغيير كلي.
وجوابه: منع كونه نسخا، إذ لا تبطل دلالته"/ (233/ب) بالكلية،