المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ الجواب على ما ذكره من وجوه: - العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم - جـ ٣

[ابن الوزير]

فهرس الكتاب

- ‌الجزء الثالث

- ‌الدعوى الأُولى: ادَّعَى أنَّ أحاديثَ الفقهاءِ متعارضَة في وضع اليَدِ على اليد

- ‌الدعوى الثانية: ادَّعى أنَّ العُمُومَ يعارِضُ الخصوصَ إذا جُهِلَ التاريخُ

- ‌الوجه الرابع: سلَّمنا أنا لَمْ نقلْ بجوازِ الجَهْرِ والإخفات معاً

- ‌الوجه السابع: أنَّ الخبَرَ إذا وَرَدَ في شَيْءٍ، ظهر في الأصل ظُهوراً عامَّاً

- ‌الوجه التاسع: سلَّمنا سلامَةَ هذا الحديثِ منْ جميعِ هذِهِ المَطَاعِنِ، فإنَّه حديث مُرْسَل

- ‌الوجه الحادي عشر: أنَّ هذا كُلهُ بناءٌ على أنَّا ما تَمَسَّكْنَا في المسأَلَةِ إلأَ بحديثِ فاسِقِ التَّأْويلِ

- ‌الوجه الثَّاني عشر: أنَّ السيدَ نَصَّ على أنَّا نُرَجِّحُ فُسَّاق التَّأويلِ

- ‌الإِشكال الأول: أنَّ المحدِّثينَ قد نصُّوا على عَكْسِ ما ذَكَرَهُ السيد

- ‌الإشكال الثالث: سلَّمنا للسيدِ أنَّ ذلكَ مَذْهَبُ الأوزريِّ

- ‌الإشكال السَّادسُ: سلَّمنا أنه يلزمُهُم

- ‌ الجواب عَنِ السيِّدِ في هذا مِنْ وُجُوهٍ

- ‌الوجه الثاني: أنَّ السيدَ غَلِطَ على ابنِ الصَّلاحِ، ولم يَنْقُلْ عنه مَذْهَبَه

- ‌ في كلامِ السيدِ هذا مباحثُ

- ‌البحثُ الرَّابعُ: أنَّ السيد ادَّعى على الرجُلِ في أَوَّلِ كلامِهِ أنَّه ادَّعى إجماعَ الفقهاءِ، ثُم ألزَمَهُ هُنا أنْ يَجْمَع لَهُ الأمَّةَ في صَعِيدٍ واحِدٍ

- ‌البحثُ السَّادِسُ: أنَّه ادَّعى إجماع العُلمَاءِ

- ‌البحث السابع: أنَّك إمَّا أنْ تُنْكِر الإجماعَ السُّكُوتيَّ أم لا

- ‌البحث التاسع: يتفضَّلُ السَّيِّدُ ويخبرُنا مَنِ الذي يقولُ مِنْ أهلِ البَيْتِ بطلاقِ زوجة هذا الحَالفِ

- ‌البحث العاشر: أنَّ الظَّاهِرَ إجماعُهم عليهم السلام على ذلِكَ

- ‌البحث الثالث عشر: أنَّه لا طريقَ إلى العِلْمِ بِأنَّ الحديثَ المُتَلَقَّى بالقَبُول هوَ بِنَفْسِهِ لفظُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم

- ‌ المضعَّف عليهما نوعان

- ‌النوع الأول: المعلولُ

- ‌ الجواب على هذا مِنْ وجوهٍ

- ‌الوجه الأول: أن كلامَ السيد في المسألة الأولى دالٌّ دِلَالَة واضِحَة على أنَّه يَدَّعِي أنَّه غير مجتهِدٍ، بل يدعي أنَّه لا مجتهدَ في الزَّمان

- ‌الوجه الثاني: أن نَقول: ما مُرَادك بهذا الإنتاج

- ‌الوجه الثالث: أنْ نقولَ: ما قصدُك " ويُستفتى مَنْ ليْس بعَلِيم

- ‌ في كلام السيدِ هذا أنظار

- ‌النظر الأول: أنه تعرَّض لتفسير كلامِ المؤيَّد باللهِ مِنْ غيرِ غَرَابَةٍ في ألفاظِهِ

- ‌النظر الثاني: أنَّ السيدَ في كلامه هذا قد أجاز التَّرجيح بالأخبار لبعضِ المُقَلِّدين

- ‌النَّظر الثالث: أنِّي لَمْ أُوجِبِ الترجيح بالأخبار على جميع المكلَّفين مِنَ العامَة

- ‌النظر الخامس: أنَّه وعد بضربِ مَثَلٍ، ولم يأتِ بما يَصْلُحُ أن يُسَمَّى مثلاً مضروباً عِنْدَ البُلغاءِ

- ‌ ضَعْفُ كلامِ السيِّدِ في هذا يتبيَّنُ بأنظار

- ‌النظر الأول: أنَّه مَنَعَ مِنْ جوازِ التَّرجيح للمقلِّدِ في كُلِّ مسألة

- ‌الوهم الأول: أنَّه عَوَّلَ على إجماعِ العامَّة المقلِّدين

- ‌الوهم الثاني: أنا لو سلَّمنا أنَّ إجماعُهم صحيحٌ، لما دلَّ على مذهبه

- ‌الوهم الثالث: وَهم أنَّ المقَلِّدِينَ مُجمعون على الالتزام

- ‌النظر السادس: قول السَّيِّد: إنَّ هذا لو وقع في زماننا، لأنكره النَّاس، عجيب أيضاً

- ‌النظر السابع: أنَّ السيِّدَ جاوزَ حدَّ العادة في الغُلُوِّ

- ‌النَّظر الأول: أنَّ السيدَ استدلَّ، ثم استثنى

- ‌النظر الثاني: أنَّ ما جاز في ذلك على المقلِّدِ جاز على المجتهد

- ‌النَّظر الرابع: أنَّ كلامَه في هذا الفصل يستلزِمُ اشتراطَ السَّفرِ والخطرِ في صِحَّة الاجتهاد

- ‌ الجواب على ما ذكره من وجوه:

- ‌الوجه الرابع: أنَّ اعتراضَ كتبِ الحديث الصَّحاح بأنَّ فيها ما ليس بصحيح عندَ غيرهم، عمَلُ منْ لم يعْرِفْ ما معنى الصحيح عند أهله

- ‌القسمُ الأول: ما يتعلَّقُ بأحكامِ التَّحليل والتَّحريم المشهورة مِنْ روايةِ الثِّقات

- ‌الحديث الأول: تحريمُ الوَصْلِ في شعور النِّساء

- ‌الحديث الثاني: "لا تَزَالُ طائفَةٌ منْ أُمَّتِي ظَاهِرينَ عَلى الحَقِّ

- ‌الحديثُ الثالث: النَّهي عن الركعتين بَعْدَ العصر

- ‌الحديثُ الخامس: "إنَّ هذا الأمْرَ لا يزالُ في قُرَيْشٍ

- ‌الحديثُ السادس: حدُّ شارب الخمر

- ‌الحديث السابع: النَّهي عن لباس الحرير، والذَّهب، وجلودِ السِّباع

- ‌الحديثُ الثامن: حديثُ افتراق الأمَّةِ إلى نَيِّفٍ وسبعين فِرقة

- ‌الحديث التَّاسع: النَّهي عن سبق الإمام بالرُّكوع والسُّجود

- ‌الحديث العاشر: النَّهي عن نِكَاح الشِّغارِ

- ‌الحديث الثاني عشر: حُكْمُ مَنْ سَهَا في الصلاة

- ‌الحديث الثالثَ عشر. النَّهيُ عَنِ النِّيَاحة

- ‌الحديث الرابعَ عشر: النَّهي عَنِ التَّمادح

- ‌الحديث الخامسَ عشر: النَّهي عن كُلِّ مسكر

- ‌الحديثُ السادسَ عشر: كراهةُ رضى الدَّاخِل على القوم بقيامهم له

- ‌الحديث السابعَ عشر: النهي عن تتبع عوراتِ الناس

- ‌الحديث الثامنَ عشر: النَّهي عَنِ القِران بَيْنَ الحجِّ والعُمرة

- ‌الحديث الموفي عشرين: روى عن أخته أمِّ حبيبةَ أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كان يُصَلِّي في الثَّوب الذي يُجَامِعُها فيه ما لم يَرَ فيه أذىً

- ‌الحديثُ الأول: فَضْل إجابة المُؤَذِّنِ

- ‌الحديث الثالث: في فضل حِلَقِ الذِّكر والاجتماعِ عليه

- ‌الحديث الرابع: النَّهي عن الغَلوطات

- ‌الحديث السادس: فضل حُبِّ الأنصار

- ‌الحديث الثامن: " المؤذِّنُونَ أطْولُ النَّاسِ أعنَاقَاً يوْمَ القيامَةِ

- ‌الحديث العاشر: تحريم وصل الشعر على النساء

- ‌الحديث الحادي عشر: " العَيْنَانِ وِكاءُ السَّه

- ‌القسم الثالث: ما يُوَافِقُ مذهبَ المعترِضِ من حديثه

- ‌الحديث الثاني: النَّهْي عن لباسِ الذَّهب إلا مُقَطَّعاً

- ‌القسمُ الرابعُ: ما يتعلَّقُ بالفضائل، مما ليس بمشهور

- ‌الحديث الثالث: حديثُ الفصل بَيْنَ الجُمُعَةِ والنّافلة بعدَها بالكلام

- ‌الحديث الرابع: " كُلُّ ذَنْبٍ عَسَى اللهُ أنْ يَغْفِرَهُ إلا الشِّرْكَ باللهِ، وَقَتْلَ المُؤْمِنِ

- ‌القسم الخامس: ما لا يتعلَّق به حُكْمٌ

- ‌الحديث الأول: حديث وفاةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وهو ابنُ ثلاثٍ وستِّين

- ‌فإن قلت: فما الوجه في روايتهم عنه؟فالجواب من وجهين:

- ‌الجوابُ من وجهين معارضةٌ وتحقيق

- ‌الوجه الثاني: التَّحقيق، وبيانُه أنْ نقولَ: توهم السَّيِّدُ أنَّ الشهادةَ على الزِّنى إذا لم يتمَّ نِصَابُها كانت قذفاً

- ‌الوهم التاسع: قال: ومنهم الوليد بنُ عقبة

- ‌الوهم العاشر: توهَّم السَّيّدُ أنّ الوليد منَ الرُّواة المعتمدين في الصِّحاح في الحديث عند أبي داود

- ‌الوهم الحادي عشر: ذكر السيِّد أنَّ الوليد مذكورٌ في غير " سُننِ أبي داود " من كتب الحديث، وهذا الوهم أفحشُ مِنَ الذي قبلَه

- ‌الوهم الثالث عشر: قال: ومنهم أبو موسى الأشعري نَزَعَ علياً الّذي ولّاه الله ورسوله

- ‌ ونَزيدُ على هذا وجوهاً

- ‌الوجهُ الأولُ: بيانُ القَدْح في أصلِ هذه الروايةِ

- ‌الوجهُ الثاني: المعارضةُ لذلك بثناءِ الإمام المنصورِ بالله على أحمدَ

- ‌الوجهُ الثالثُ: المعارضةُ لذلكَ من روايةِ الحنابلةِ وأهلِ الحديثِ

- ‌ ولنختم هذا الفصل بتنبيهين

- ‌التنبيه الثاني: ينبغي التأمُّلُ لَهُ، وذلك أنَّه قد يقع التَّساهلُ في نقل المذاهبِ مِنْ أهلِ كُتب المِلَلِ والنِّحَلِ

- ‌الفصل الثاني: في تحقيق مذهبِ أحمدَ بنِ حنبل وأمثالِه مِنْ أئِمَّة الحديث، وهُم طائفتان

- ‌أحدهما: القولُ بأنَّ النَّظر فيما أمر اللهُ تعالى بالنظر فيه

- ‌ثانيهما: أنَّهم يُنكرون القولَ بتعيُّنِ طرائقِ المنطقيِّين والمتكلِّمين للمعرفة

- ‌الوظيفة الأولى: التقديس:

- ‌الوظيفة الثانية: الإِيمانُ والتصديق:

- ‌الوظيفة الثالثة: الاعتراف بالعجزِ عن معرفةِ حقيقة هذه المعاني

- ‌ الوظيفة الرابعة: السُّكوت

- ‌ الموضعُ الثالث: تأويلُ العالِمِ مع نفسِه في سِرِّ قلبه

- ‌الوظيفةُ السابعة: التسليمُ لِقولِ الله تعالى، ولحديثِ رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌الأصلُ الرابع: أنَّهم في طول عصرهم إلى آخر أعمارهم ما دَعَوا الخَلْقَ إلى البحث

- ‌ فصل: ولعلك تقول: الكف عن السؤال، والإمساك عن الجواب من أين يغني

- ‌ فإن قيل: بم يميز المقلد بين نفسه، وبين اليهودي المقلِّد

- ‌الرابع: من المعلوم أيضاً أن في كل طائفة عظيمة بلهاء بُلداء، وإنّ في الزيدية

- ‌السادس: أنّ الفلاسفة تدَّعي من التَّحذلق مثل ما أنت مُدَّعٍ

الفصل: ‌ الجواب على ما ذكره من وجوه:

فأقولُ:‌

‌ الجواب على ما ذكره من وجوه:

الوجه الأول: أنَّا قد بيَّنَّا مِنْ نَصِّ أهل البيت عليهم السلام على قبولِ الخوارج، بل مَنِ ادعى معرفة الإجماع على ذلك مِنَ العِترة والأمَّة مِمَّن لا سبيل إلى تكذبيه، كالإمامِ المنصور بالله، والمؤيَّد ِ بالله، ويحيى بنِ حمزة، والأميرِ الحسين بنِ محمدٍ، وغيرهم منْ عُلماء الشِّيعة.

والخوارج شَرُّ من عادى أمير المؤمنين عليه السلام؛ لأنَّهم كفَّرُوه وأخرجوه من الإسلام، صانه اللهُ عن ذلكَ، فينبغي أن يعلم أنَّهم إنما قدَحُوا في أحاديث جماعةٍ قليلةٍ منَ البُغاة عليه (1) لأمرٍ آخرَ غيرِ بغيهم المعلوم الذي شاركهم فيه الخوارج، وذلك أجنبي (2) مِن القدحِ بالأمر المشتَرك بينهم وبين الخوارِج، فافهمه، وافْهَمْ أنَّ المخالفين لعليٍّ عليه السلام ثلاثةِ أصناف كما ورد في وصفه عليه السلام بقتال (3) المارقين والنَّاكثينَ والقاسِطين، فقد صرَّح أئمةُ الزَّيديَّةَ بقَبولِ المارقينَ والنَّاكثين، بَلِ ادعوا الإجماع على ذلك، وصرَّح الأميرُ الحسين في " شفاء الأوام " بدعوى الإجماع على قبول البُغاة على عليٍّ عليه السلام وَهُمْ عبارةٌ عَنِ القاسطينَ معاوية وأصحابه، والَّذي ذكره الأميرُ الحسين عن أهل البيت هو مذهبُ المحدِّثين، لكنِ الزَّيديَّةُ استثنَوْا مِنْ هذا الإطلاقِ قدرَ أربعةٍ أو خمسةٍ لا سوى، لأمرٍ وَقَعَ النِّزاعُ فيه بينَهم وبَيْن المحدِّثين، وهو قرائِنُ رُوِيتْ عنهم مِنَ الأقوالِ والأفعال تُعارِضُ ما ادَّعوْهُ وأظهروه منَ التَّأويل في البغي، ويدلُّ على تعمُّد البغي مع العلم بقُبْحِهِ وتحريمه، وهذا القدرُ ممَّا

(1)" عليه " ساقطة من (ب).

(2)

في (ش): آخر.

(3)

تحرف في (ج): فقال.

ص: 143

يمكِنُ وقوعُ اختلاف الظُّنون فيه، وفي أنَّ صاحِبَه مظنونُ الصدق أو مظنونُ الكَذِبِ، أو أنَّا متعبِّدون بردِّه وإن لم نظنَّ كَذِبَهُ، أو بقبوله وإن لم نَظُنَّ صدقه.

وقد اعترف أهلُ الحديث بأجمعهم أنَّ المحاربين لعليٍّ عليه السلام معاويةَ وجميع مَنْ تَبِعهُ بُغَاةٌ عليه، وأنَّه صاحبُ الحَقِّ، نقل ذلك عنهم غيرُ واحد منهم مثل القرطبي (1) في " تذكرته "(2) كما سيأتي في الوهم الثالثِ والثلاثين مِنَ المجلَّدِ الرَّابعِ، ولم يَبْقَ الخلافُ بينهم وبَيْنَ غيرهم إلَاّ في أمرين.

أحدهما: أنَّ مدار الرِّواية على ظنِّ الصِّدق، لا على الموافقة في العقائد ونحوها، أو على الموافقة في العقائد (3)، وإن لم يحصل ظَنُّ الصِّدق، وهذا الأمرُ قد تقدَّم مستوفى في مسألة المتأوِّلين.

وثانيهما: في أيِّ الأمرين أرجح: العملُ بظاهرِ دعوى التَّأويل، أو الحكمُ بالتعمُّد للقرائن الخاصة؟ وفي تراجم معاوية، وعمرو، والمغيرة من " النبلاء "(4) شيءٌ كثير، موضعُه معروف، فلا حاجةَ إلى نقله، وإنَّما ذكَرْتُ تراجمهم في " النبلاء "، لأنَّه مِن تصانيف أهل السُّنَّةِ، وهم لا يُتَّهمون في ذلك، وَمِنْ أعظمه أحاديثُ " تَقْتُلُكَ يا عَمَّارُ الفِئَةُ البَاغِيَةُ "(5)

(1) هو الإمام أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرْح الأنصاري الخزرجي القرطبي، صاحب التفسير العظيم المتداول، المتوفى سنة 671 هـ. مترجم في " شذرات الذهب " 5/ 335.

(2)

ص 555 - 557.

(3)

جملة " أو على الموافقة في العقائد " ساقطة من (ب).

(4)

انظر " سير أعلام النبلاء " 3/ 119 و3/ 54 و3/ 215 بتحقيقنا.

(5)

تقدم تخريجه 2/ 170.

ص: 144

فإنَّه حديثٌ متَّفقٌ على صحَّته وشهرته في ذلك العصر، وإنَّه ما قدح فيه مِنَ القُدماء أحدٌ، بل قال الذَّهبي في ترجمة عمار مِنَ " النُّبلاء " (1): إنَّه حديثٌ متواتر، فأمَّا معاويَةُ، فتأوّله بتأويلِ باطلٍ أنَّ علياً وأصحابه هُمُ الَّذين قتلوه وجاءوا به حتى ألقَوهُ بين رماحنا، رواه أحمد في مسند عمرو بن العاص (2)، وقد أجاب عبدُ الله بنُ عمرو بأنَّه يلزمُ أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قاتلُ عمِّه حَمْزَةَ، وشهداء بَدْرٍ وأحد، فَأَفْحَمَهُ (3).

وأمَّا عمرو، فلم يتأوَّلْهُ، وفزِعَ فزعاً شديداً كما فَزِعَ عندَ موته (4).

فمَن نظر إلى القرائن الخاصَّة المقوِّية لِعدم التَّأويل رجَّحها، وأقواها

(1) 1/ 421.

(2)

أخرجه أحمد 4/ 199 من طريق عبد الرزاق، وهو في " مصنفه "(20427) عن معمر، عن ابن طاووس، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، قال: لما قتل عمار، دخل عمرو بن حزم على عمرو بن العاص فقال: قتل عمار، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" تقتله الفئة الباغية " فقام عمرو بن العاص فزعاً يرجع حتى دخل على معاوية، فقال له معاوية: ما شأنك؟ قال: قُتل عمار، فقال معاوية. قد قُتل عمار، فماذا؟ قال عمرو: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " تقتله الفئة الباغية " فقال له معاوية: دحضت في بولك، أو نحنُ قتلناه؟ إنما قتله علي وأصحابه، جاؤوا به حتى ألقوه بين رماحنا، أو قال: بين سيوفنا. قلت: وإسناده صحيح. وقوله: " دحضت في بولك " أي: زللت وزلقت.

وأخرج أحمد 2/ 164 و206، وابن سعد في " الطبقات " 3/ 253 من طريق يزيد بن هارون، عن العوام بن حوشب، حدثني أسود بن مسعود، عن حنظلة بن خويلد العنبري قال: بينما نحن عند معاوية إذ جاءه رجلان يختصمان في رأس عمار، يقول كل واحد منهما: أنا قتلته، فقال عبد الله بن عمرو: ليطب به أحدكما نفساً لصاحبه، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:" تقتله الفئة الباغية "، قال: فقال معاوية: ألا تغني عنا مجنونك يا عمرو، فما بالك معنا؟ قال: إن أبي شكاني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:" أطعْ أباك حيّاً ولا تعصه " فأنا معكم ولست أقاتل. وإسناده صحيح. و" تغني ": من الإغناء، يريد ألَاّ تصرفه عنا وتكفه.

(3)

نقل المناوي في " فيض القدير " 6/ 366 عن القرطبي: أن الذي أجاب معاوية هو علي، وقال ابن دحية: وهذا من علي إلزام مفحم لا جواب عنه، ولا اعتراضَ عليه.

(4)

انظر " صحيح مسلم "(121) كتاب الإيمان، باب: كون الإسلام يهدم ما قبله، وفيه يقول عمرو: ثم ولينا أشياء ما أدري ما حالي فيها.

ص: 145

قتلُ عمار، وتَقَوَّى بِمَا اشتهر عَنِ الصحابة وغيرهم مِنَ الرَّدِّ عند أدنى ريبة.

فَمنْ ذَلك (1) أن أبا بكر وعمرَ رضي الله عنهما لم يقبلا حديثي المغيرة في سهم الجَدَّة، ودِيَة الجنين (2) حتى شهد له محمد بن مسلمة فيهما معاً، وذلك أيضاً قبل إحداث المغيرة، ولم ينكر أحدٌ عليهما.

وأمَّا عُمَرُ رضي الله عنه، فقد أكثر مِنْ ذلك، حتى توقَّف في حديثِ عمَّار بنِ ياسر في التَّيَمُّم (3)، ولم يعمل بهِ لنسيانِهِ لهُ، وكان حاضراً، وقلّتِ الرِّواية في أيَّامه خوفاً من عقوبته (4).

(1)" فمن ذلك " سقط من (ش).

(2)

تقدم تخريجهما في 1/ 294 - 295.

(3)

تقدم تخريجه في 1/ 450.

(4)

في " تذكرة الحفاظ " 1/ 7 في ترجمة عمر رضي الله عنه: وقد روى شعبة وغيره، عن بيان، عن الشعبي، عن قرظة بن كعب، قال: لما سيَّرنا عمرُ إلى العراقِ مشى معنا عمر، وقال: أتدرون لم شيّعتكم؟ قالوا: نعم تكرمة لنا، قال: ومع ذلك إنكم تأتون أهل قرية لهم دوي بالقرآن كدوي النحل، فلا تصدوهم بالأحاديث، فتشفرهم، جردوا القرآن، وأقلوا الرواية عن رسول الله وأنا شريككم، فلمَّا قدم قرظة بن كعب، قالوا: حدثنا، فقال: نهانا عمر رضي الله عنه.

وروى الدراوردي عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، وقلت له: أكنت تحدث في زمان عمر هكذا، فقال: لو كنتُ أحدثُ في زمان عمر مثل ما أحدثكم، لضربني بمخفقته.

وروى معن بن عيسى، عن مالك، عن عبد الله بن إدريس، عن شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن أبيه أن عمر حبس ثلاثة: ابن مسعود، وأبا الدرداء، وأبا مسعود الأنصاري، فقال: قد أكثرتم الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأخرج أبو زرعة في " تاريخ دمشق " 1/ 544 من طريق محمد بن زرعة الرعيني، حدثنا مروان بن محمد، حدثنا سعيد بن عبد العزيز، عن إسماعيل بن عبيد الله، عن السائب بن يزيد قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول لأبي هريرة: لتتركَنَّ الحديثَ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو لألحقنك بأرض دوس. وقال لكعب: لتتركن الأحاديث أو لألحقنك بأرض القردة. وهذا سند صحيح.

ص: 146

ومن نظر في سيرةِ أميرِ المؤمنين علي عليه السلام، عَلِمَ أنَّه لم يَسِرْ فيهم سِيرَةَ الكُفَّار، ولولا تأويلُهم عنده لكفَّرهم حين كذَّبوا ما عَلِموا منَ الدين، وهي مِنْ أقوى ما تمسَّكوا به، وهي من أقوى أدلَّة الزَيديَّة على من قال: إن النَّصَّ جليٌّ في إمامة عليٍّ عليه السلام، فتأمل ذلك.

وكذا مَنْ نظر إلى ظواهر من الأحاديث النَّبوية في لزوم الظَّاهر وترك العمل بالظَّنِّ فيما يتعلَّق بالسَّرائر، رجح القبول في بعضِ الأحاديث، مثل حديث أبي سعيد الخدري، قال بَعَثَ عليٌّ عليه السلام بِذُهَيْبَةٍ مِنَ اليمنِ إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فقسمها بَيْنَ أربعةٍ، فقال رجلٌ: يا رسول الله اتَّقِ اللهَ، فقال:" ويلك، أَو (1) لَسْتُ أَحَقَّ أَهْلِ الأرْضِ أنْ يتَّقِي الله؟ " ثم ولَّى الرَّجُلُ، فقال خالدُ بنُ الوليد: ألا أضرِبُ عنقه يا رسولَ الله؟ قال: لا، لَعَلَّهُ أَنْ يَكونَ يُصَلِّي "، قال خالدٌ: وكم من مصلٍ يقولُ بلسانه ما ليسَ في قلبه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنِّي لَمْ أُومَرْ أَنْ أُنَقِّبَ عَنْ (2) قُلُوبِ النَّاسِ، ولا أَشُقَّ بُطُونَهُمْ " (3). رواه البخاري ومسلمٌ وله شواهدُ كثيرةٌ في معناه.

منها أنَّ مَنْ أقرَّ بالزِّنى، ثم أنكر، قُبِلَ منه (4)، وفي كثيرٍ مِن

(1) في (ب): و.

(2)

سقطت من (ب).

(3)

أخرجه البخاري (4351) في المغازي، باب: بعث علي بن أبي طالب عليه السلام وخالد بن الوليد إلى اليمن قبل حجة الوداع، وسلم (1064) في الزكاة، باب: ذكر الخوارج وصفتهم.

وقوله: " بذهيبة ": هو تصغير ذهبة، وكأنه أنثها على معنى الطائفة أو الجملة، وقال الخطابي: على معنى القطعة، وفيه نظر، لأنها كانت تبراً، وقد يؤنث الذهب في بعض اللغات، وفي معظم النسخ من مسلم " بذهبة " بفتحتين بغير تصغير. " فتح الباري " 8/ 68.

(4)

انظر " شرح السنة " الحديث (2584) و10/ 291.

ص: 147

الأخبار لا يُقْبَلُ إقرارُه حَتَّى يُقِرَّ أربعَ مَرَّات (1).

ومنها سؤال النبي صلى الله عليه وسلم عن ماعزٍ، هَلْ بِهِ جنونٌ لرفعِ الاحتمال البعيد (2).

ومنها حُكْمُ اللهِ تعالى على القَذَفَةِ، وإنْ كثُروا (3) بالفسقِ وجرح العدالة (4).

ومنها حُكْمُ عُمَرَ بذلك، وتقريرُ الصَّحابة على قَذَفةِ المغيرة مع قوَّة الظن بصدقهم (5)، وقَبِل دعواه لِنِكَاحِ السِّرِّ.

فَمَنْ قَبلهُمْ، نَظَرَ إلى هذه الأمور وإلى أنَّ التَّعمُّدَ والتأويل مِنْ أعمالِ القلوب وخفِّيات السَّرائر، فَعَمِلَ بما ظهر منهم من دعوى التَّأويلِ، وإنْ لم يَصدُقوا في الباطنِ، كما هو ظاهرُ سيرةِ عليٍّ عليه السلام فيهم، وتقوَّى على ذلك في الرواية أنَّ مدارَها على ظَنِّ الصِّدق، وتقوّى على ظَنِّ

(1) أخرجه من حديث أبي هريرة البخاري (6825) في المحاربين، باب: سؤال الإمام المقر: هل أحصنت، ومسلم 3/ 1318 رقم الحديث الخاص (16).

وأخرجه من حديث جابر بن سمرة مسلم (1292).

وأخرجه من حديث ابن عباس مسلم (1693).

وأخرجه من حديث بريدة مسلم (1695).

وأخرجه من حديث جابر بن عبد الله البخاري (6820)، ومسلم 3/ 1318. وأبو داوود (4430).

وفي الباب عن يزيد بن نعيم بن هزال، عن أبيه، عند أبي داوود (4377)، و (4419)، والنسائي في الرجم من " الكبرى " كما في " تحفة الأشراف " 9/ 34، وأحمد 5/ 217.

(2)

انظر التعليق السابق.

(3)

في (ب): أكثروا.

(4)

انظر الآية (23) من سورة النور.

(5)

انظر " مصنف ابن أبي شيبة " 10/ 92 - 93، و" شرح معاني الآثار " للطحاوي 4/ 153، و" سنن البيهقي " 8/ 334، و" مستدرك الحاكم " 3/ 448 - 449.

ص: 148

الصِّدق فيهم بأنَّهم لم يَرْووا حديثاً منكراً حتى ما رُوِيَ أنَّ أحداً منهم روى (1) شيئاً من أحاديث الرَّجاء (2)، ولم ينفردوا بشيءٍ، وأقلُّوا الرِّوايةَ، ولم يُكثروا مع طولِ مُدَّتهم ومخالطتهم وتمكُّنهم، ولم يرووا حديثاًً واحداً فيه نَصٌّ نبويٌّ على إصابتهم في حربهم، وفي دعاويهم، ولا على خطأ عليٍّ عليه السلام في شيءٍ من الأشياء، مع توفُّر الدواعي إلى ذلك، وطول المدَّة.

فأمَّا ما رواهُ بعضُ البغدادية مِنَ المعتزلة عنهم، وعن أبي هُريرة، وأنسٍ وغيرِهما مِنَ الكِبار والتَّابعين منْ تعمد الكذب، فذلك ما لم يَصِحَّ ولا يُقارِبُ الصحة، ولا يَشْتَغِلُ بمثله أهلُ التَّحصيلِ مِنْ أئِمَّة النَّقل، هذا مع ما رَوَوْهُ مِنْ عموماتِ الثَّناء على أهلِ ذلك العصرِ من الكِتاب والسُّنَّة وقبولِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم لِمَنْ أسلم في عصره قَبْلَ اختباره، ولم يكتفوا بهذا غيرَ ناظرين إلى قرائنِ الصِّدقِ الخاصة (3)، ولذلك قال أبو داود في " سننه "(4) وقد روى حديثاًً عن معاوية، ثم قال: ولم يكن معاويةُ يُتَّهَم في الحديث، ولم يُنْكِرْ هذا القولَ عليه أحدٌ مِنْ أئمة الحديث، ولا رفعوه عن مثل هذا

(1) في (ش): حتى إن أحداً منهم ما روى.

(2)

في (ب): " الرِّجال "، وهو خطأ.

(3)

في (ش): والخاصة.

(4)

(4129) من طريق هناد بن السري، عن وكيع، عن أبي المعتمر، عن ابن سيرين، عن معاوية قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تركبوا الخزَّ ولا النِّمار ". قال: وكان معاوية لا يتهم في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

والخز: الحرير الخالص، والنمار جمع نمر، والمشهور في جمعه النمور، وفي " القاموس " تصريح بأن النمار في معنى النمور صحيح، والمراد جلود النمار.

وقوله: " قال ": فاعل " قال " إما أن يكون ابن سيرين راويه عن معاوية، أو إلى أبي داوود.

والنهي عن ركوب جلد النمور إما لأنَّه لا يطهر بالدباغ، وإما لما فيه من الزينة والخيلاء.

ص: 149

القول، بل حكم أهلُ الحديث بالتَّتبُّع التّام، والبحثِ الطويل، والنَّظرِ في الشَّواهد والتوابع والقرائن، وجمعِ الطرق أنَّ أهلَ العصرِ النَّبويِّ وتابعيهم وتابعي تابعيهم لم يكن فيهم من تَعَمَّد وَضْعَ الحديثِ زوراً إلى أيَّام بني العَبَّاس، وظهر ذلِكَ وظهر أهلُه، وقد نصَّ المنصورُ بالله عليه السلام على مثل كلامهم في أنَّه لا يُسألُ عن عدالة الثَّلاثَة القُرونِ الأُوَل، وأنَّ ذلك معلومٌ عندَ العلماء، بل صحَّت الأحاديثُ الكثيرةُ في ذلك بلفظ:" خَيْرُكُم القَرْنُ الَّذينَ بُعِثْتُ فيهِمْ، ثُم الذين يَلُونَهُمْ، ثمَّ الذين يَلُونهُمْ، ثُمَّ يَفْشُو الكذِبُ مِنْ بَعْدُ "(1)، واعتضَدَ هذا بِخِبْرة أهلِ الحديث لذلك وتتبُّعِهم (2) لِمَا صحت روايتهُ عَنْ أهلِ ذلك العصرِ محقِّهم ومبطِلِهم، والنظر فيما رَووْهُ وفي شواهده، وكُلُّ أهلِ فنٍّ أعرفُ بفنِّهم كما ذكرته فيما تقدَّم منْ هذا الكتاب.

ولهذه الأمورُ ترى كثيراً مِنْ أئمَّة العِترة وشيعتهم والسَّلَفِ يروون أحاديث هؤلاء كما يرويها أهلُ الحديث، منهم أبو عبد الرحمان النسائي في " سُننه " مع بغضه لمعاوية (3)، وكلامه عليه، حتَّى قُتِلَ في دمشق بسبب كلامهِ عليه، ومع ذلِكَ روى عنه في " سننه " غيْرَ حديثٍ، وكذا

(1) تقدم تخريجه في 1/ 182 - 183 و376 - 377.

(2)

في (ب): وتبعتهم.

(3)

ليس ثمت نص عن النسائي يدل على بغضه لمعاوية، والذي أثر عنه أنَّه لما فارق مصر وخرج إلى دمشق، سئل بها عن معاوية بن أبي سفيان، وما روي من فضائله، فقال: ألا يرضى معاوية رأساً برأس حتى يفضّلَ

قال مؤرخ الشام الحافظ أبو القاسم بن عساكر: وهذه الحكاية لا تدُلُّ على سوء اعتقاد أبي عبد الرحمن في معاوية بن أبي سفيان، وإنما تدل على الكف بذكره بكل حال.

ثم روى ابن عساكر بإسناده عن أبي الحسن علي بن محمد القابسي، قال: سمعت أبا علي الحسن بن أبي هلال يقول: سئل أبو عبد الرحمن النسائي عن معاوية بن أبي سفيان صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: الإسلام كدار لها باب، فباب الإسلام الصحابة، فمن آذى =

ص: 150

الحاكمُ، وابنُ منده وغيرهم مِنَ الشِّيعة، وأظهرُ مِنْ ذلِك روايةُ الأميرِ (1) الحسينِ بن محمد الحسني الهادوي إمامِ الزَّيْدِيَّة في علم الحديث فإنَّه افتتح كتابه " شفاء الأوام " بحديثين من رواية المغيرة، ولم يَرْوِ أوَّلَ منهما، ولم يذكر لهما شاهداً مِنْ غير طريق المغيرة، وصرَّح بأنَّهما من رواية المغيرة، ولم يعتَذِرْ عن ذلِكَ، ولا أنكره عليه أحدٌ من أهله، ولا أهلَ مذهبه.

وروى محمدُ بن منصورٍ الكوفيُّ محبُّ أهل البيتِ، ومصنِّفُ علومِهم في كتابه " علوم آل محمد " وتُعْرَفُ بأمالي أحمد بن عيسى بن زيد عليهم السلام حديثَ وائلِ بنِ حُجر في وضعِ الأكُفِّ على الأكُفِّ (2).

ذكره في حق الصلاة، والتَّغليس بالفجر بَعْدَ أوقات الصلاة، ولم يضَعِّفْه، ولا تأوَّلَهُ، ولا ذكر له معارضاً، ولا أنَّه حُجَّةُ منْ لا خلَاقَ (3) لَهُ مِنْ أعداءِ العِترة، بل أدخله في كتابه الذي سَمَّاه " علوم آل محمد "، ولم يُدْخِلْ فيه إلَاّ أدلَّتهم الصَّحيحة عندَهم وعلى أصولهم، ولذلك قال الأميرُ الحسين في كتاب الوصايا من " شفاء الأوام " ما لفظه: فأمَّا الفاسق من جهة التأويل، فلسنا نُبْطِلُ كفاءتَه في النكاح كما تقدَّم، ونقْبَلُ خَبَرهُ الذي نجعلُه أصلاً في الأحكام الشرعيَّة لإجماع الصَّحابة رضي الله عنهم على قبول البُغاة على أمير المؤمنين وإجماعهم حجة. انتهي بحروفه.

= الصحابة إنما أراد الإسلام، كمن نقر الباب إنما يريد الدخول، قال: فمن أراد معاوية، فإنما أراد الصحابة.

وقد أفصح عن السبب الذي حفزه إلى تأليفه كتاب " خصائص علي " بقوله: دخلت إلى دمشق، والمنحرف عن علي بها كثير، فصنفتُ كتابَ " الخصائص " رجاء أن يهديهم الله.

(1)

لفظة " الأمير " ساقطة من (ب).

(2)

تقدم تخريجه في هذا الجزء ص 3 - 5.

(3)

في (ب): " خلاف "، وهو خطأ.

ص: 151

وقد روى الإمامانِ المنصورُ بالله، والمؤيَّد (1) يحيى بن حمزة حديث معاوية في " الأربعين الودعانية "(2)، وشرحاه، وهو (32) منها، وقبلا الودعاني مصنِّف الأربعين مع تخريجه (3) لحديث معاوية فيما اختاره للأُمَّة في خُطَبِها ومواعِظها، ولم يستخرجا له من روايته حديثَ معاوية أنَّه ناصِبِيُّ منافق، بَلِ اعتمدا (4) عليه في قبولِ الخطب الأربعين.

(1) في (ب): المؤيد بالله.

(2)

جمع قاضي المَوْصل أبي نصر محمد بن علي بن عبيد الله بن أحمد بن صالح بن سليمان بن ودعان الموصلي، المتوفى سنة 494 هـ.

قال السلفي فيما نقله عنه الذهبي في " السير " 19/ 166 و167: قرأت عليه " الأربعين " جمعه، ثم تبين لي حينَ تصفحتُ كتابَه تخليطٌ عظيمٌ يدلُّ على كذبه، وتركيبه الأسانيد على المتون.

وقال ابن ناصر: رأيته ولم أسمع منه، لأنَّه كان متهماً بالكذب، وكتابه في " الأربعين " سرقه من زيد بن رفاعة، وزيد وضعه أيضاً، وكان كذاباً، ألف بين كلمات قد قالها النبي صلى الله عليه وسلم، وبين كلمات من كلام لقمان والحكماء وغيرهم، وطول الأحاديث.

وقال ابن الجوزي في " المنتظم " 9/ 127: قدم بغداد في سنة ثلاث وسبعين ومعه جزء فيه أربعون حديثاً عن عمه أبي الفتح، وهي التي وضعها زيد بن رفاعة الهاشمي، وجعل لها خطبة، فسرقها أبو الفتح بن ودعان عم أبي نصر هذا، وحذف خطبتها، وركب على كل حديث شيخاً إلى شيخ الذي روى عنه ابن رفاعة.

وقال الذهبي في " الميزان " 3/ 657: محمد بن علي بن ودعان القاضي صاحب تلك الأربعين الودعانية الموضوعة، ذمه أبو طاهر السلفي، وأدركه وسمع منه، وقال: هالك متهم بالكذب.

وقال ابن حجر في " لسان الميزان " 5/ 306: وقد سئل المزي عن " الأربعين الودعانية "، فأجاب بما ملخصه: لا يصح منها على هذا النسق بهذه الأسانيد شيء، وإنما يصح منها ألفاط يسيرة بأسانيد معروفة يحتاج في تتبعها إلى فراغ، وهي مع ذلك مسروقة، سرقها ابن ودعان من زيد بن رفاعة، وقيل: زيد بن عبد الله بن مسعود بن رفاعة الهاشمي، وهو الذي وضع رسائل إخوان الصفا فيما يقال، وكان جاهلاً بالحديث، وسرقها منه ابن ودعان، فركبها بأسانيد، فتارة يروي عن رجل، عن شيخ ابن رفاعة، وتارة يدخل اثنين وعامتهم مجهولون، ومنهم من يشك بوجوده، والحاصل أنها فضيحة مُفْتعَلَةٌ، وكذبة مؤتفكة.

(3)

في (ب): " تحريمه "، وهو تحريف.

(4)

في (ب): اعتمد.

ص: 152

فأما الإمامُ (1) يحيى بنُ حمزة فنص (2) على صِحَّتها في خطبةِ شرحه لها، ولم يستثنِ حديثَ معاوية في خطبة شرحه (3)، ولا في شرح حديث معاوية، وذكر -مع مبالغته في تصحيحها- أنَّه اعتمد في ذلك على مصنِّفها، فهذا أكثرُ تساهلاً في التصحيح من المحدثين بالضرورة التي يعلمها أهلُ هذا الشَّأْنِ.

ومنَ المشهور في كتب الحديث أنَّ عليَّ بن الحسين عليه السلام روى عن مروانِ بنِ الحكم، وابنُ عباسٍ، وأبو سعيدٍ، وابنُ المسيِّب رَوَوْا عن معاويةَ وأمثالهم، ولو لم يرْوُوا عنهم، لم يتَّصِل السَّندُ إليهم.

وكذلك روى الهادي يحيى بن الحسين عليه السلام (4) في كتابه " المنتخب " حديثَ عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جَدِّه، وهو عمرو بنُ شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، وقد اختلف في الضمير في " جَدِّهِ " على من يعود (5).

وقد قال أحمد في " المسند ": حدثنا يزيد، حدثنا همَّامٌ، عن قتادة، أو عن ابن سيرين، عن عبد الله بن عمرو بنِ العاص، قال: كنتُ مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فجاء أبو بكر، فقال:" بَشِّرْهُ (6) بالجنة "، ثمَّ عمر، ثمَّ، عثمان كذلك، فقلت: وأَيْنَ أنا؟ قال: " مَعَ أبِيكَ "(7)،

(1) في (ب): فالإمام.

(2)

في (ب): نص.

(3)

سقط من (ب).

(4)

في (ب): عليه السلام يحيى بن الحسين.

(5)

والصحيح أنَّه يعود إلى جده الأعلى عبد الله بن عمرو، وقد تقدم بيان ذلك في 2/ 340 - 341.

(6)

في (ب): بشراً.

(7)

هو في " المسند " 2/ 165، وذكره الهيثمي في " مجمع الزوائد " 9/ 56 مطولاً، =

ص: 153

رجالُه رجال البخاريِّ ومسلم لولا أنّ قتادة مُدَلِّسٌ، ويُرجى لعمرو التَّوبة، لقوله عند موته كما نُوَضِّحهُ.

الوجهُ الثاني من الجواب: وذلكَ أنَّ حُفَّاظ الحديث، وأَئِمَّةَ النَّقل لم يقتصِروا على تدوينِ الصحيح المُجْمعِ على صحته عند جميع فِرَق الإسلام بحيث يقطعون على تخطئة المخالف فيه، بل قصدوا إلى تدوين القسمين معاً، أحدهما: المقطوعُ بصحَّته، وثانيهما: الصَّحيحُ المبنيُّ على اجتهادهم الذي يُمْكِنُ الخلافُ فيه، بل دوَّنوا قسمين آخرين أضعف مِنْ هذا القسم المختَلَفِ في صِحَّته.

أحدهما: الأحاديثُ الحسانُ التي تَقْوى بكثرةِ رواتِها، ولا تقوى ما انفرد به أحدُهم.

وثانيها: الشَّواذُ، والمنكراتُ، وأحاديثُ المجاهيل والضُّعفاء، ليستفادَ مِن روايتها إمَّا تواترٌ أو ظنٌّ فيما لم يُعَارِضْه حديثٌ صحيحٌ، ثمَّ اعتبروا في الجميع ظنَّ الصِّدق حتَّى كان الحافظ الرَّقيقُ الدِّين المُجرَّب الصِّدق أقوى عندَهم مِنَ العابِدِ الزَّاهد السَّيئ الحفظِ المجرَّب الوهم، الفاحشِ الخطأ، الكثيرِ الغفلة، حتى ذكروا أنَّ الكَذِبَ في الحديث أكثرُ قدحاً في الرِّواية من الكُفر، ولذلك وَثِقَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بدليله الدِّيلي يَوْمَ هاجَرَ، وكان دليلُه كافراً (1).

= وقال: رواه الطبراني، واللفظ له، وأحمد باختصار بأسانيد، وبعض رجال الطبراني، وأحمد رجال الصحيح.

(1)

أخرج البخاري (2263) في الإجازة، باب: استئجار المشركين عند الضرورة أو إذا لم يوجد أهل الإسلام، من طريق إبراهيم بن موسى، عن هشام، عن معمر، عن ابنِ شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة رضي الله عنها: واستأجَرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رجلاً من بني الدِّيل، ثم من بني عبد بن عدي هادياً خِرِّيتاً -والخِرِّيتُ: الماهر بالهداية- قد =

ص: 154

ووثِقَ بعهدِ سُراقة الذي لَحِقَهُ يومَ هاجر، فدعا عليه حتَّى أعطاه عهدَه ألَاّ أخبر بِهِ (1)، وقد مضى من هذا طرفٌ صالح، وسيأتي مستوفى في الوهم الثالث والثلاثين.

وإنَّما قَصَدُوا ما ذكرناه في جمع الحديث وحفظه، لأنَّه أعدلُ الأمور في اجتهادهم، فإنَّهم لو اقتصروا على حفظ المجمع على صحّته وتدوينه للمسلمين دون ما عداه، خافوا أن يضيعَ جمهورُ الحديثِ النَّبويّ، وهذا تساهلٌ في جسيمِ أمرِ الإسلام، ومعظم قواعدِ الدِّينِ، وإن دوَّنوا حديثَ الكذَّابين، وخلطوا الصَّحيحَ بالسَّقيم، أدخلوا في السُّنَّة النبوية ما هي عنه بَرِيَّة، فسلكوا مناهِجَ التَّحرِّي في التَّوسُّط والتَّقَوِّي بالنَّظر في حديث الرَّاوي، وما يَنْفَرِدُ به، وما يُتَابَعُ عليه، وما يُنْكَرُ مِن حديثه، وتتَّبعوا ذلك وأمعنوا فيه، وهو المُسمَّى بالاعتبار في عُلومهم، وبلغوا في ذلِكَ مبلغاً عظيماً أعْجَزَ مَنْ قبلهم مِنَ الأُمَم حتَّى عُدَّ في معجزاتِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ومِن آياته، كما ذكره (2) السيد الإمامُ المؤيَّد بالله في كتابه في النبوات، وذكره الجاحظُ (3) قبلَه.

= غمَسَ يمينَ حلف في آل العاص بن وائل، وهو على دين كفار قريش، فأمِنَاه، فدفَعَا إليه راحلتيهما، وواعداه غارَ ثور بعد ثلاثِ ليال، فأتاهُما براحلتيهما صبيحةَ ليالٍ ثلاثٍ، فارتحلا، وانطلَقَ معهما عامرُ بنُ فُهيرة، والدليلُ الدَّيليُّ، فأخذَ بهم أسفلَ مكة وهو طريقُ الساحل.

وأخرجه البخاري (2264) و (3905) من طريق يحيى بن بكير، عن الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، بهذا الإسناد.

(1)

خبر سراقة أخرجه البخاري (3906)، ومسلم (2009)، وأحمد 1/ 2 - 3، ويعقوب بن سفيان في " المعرفة والتاريخ " 1/ 239 - 241، والبيهقي في " دلائل النبوة " 2/ 483 - 484.

(2)

في (ب): ذكر.

(3)

هو أبو عثمان عمرو بن بحر بن محبوب الكناني بالولاء الليثي، الملقب بالجاحظ، كبير أئمة الأدب، ورئيس الفرقة الجاحظية من المعتزلة، وصاحب التصانيف في كل فن، =

ص: 155

وقد رُويَ عن أبي حنيفة قبولُ الفاسِقِ المتعمِّد إذا كان معروفاً بالصِّدق.

وقال الإمام المنصور بالله بذلِك في الشَّهادة، وهي أقوى مِنَ الرِّواية حيث لا يُوجَدُ العدولُ، وعلَّل ذلِك بأنَّ اعتبارَ العدول حيث لا يوجدون يُؤدِّي إلى ضَياع الأموالِ، والعدالةُ الكاملةُ إنَّما شُرِعتْ لحفظها، فيجبُ أن نعتبرَ ما كان أقربَ إلى حفظها الَّذي هُوَ المقصودُ الأوَّلُ، فاعتبر أهل الصدق واحتجَّ بقوله تعالى:{أَوْ آَخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْض} [المائدة: 106]. وهذا عارضٌ، القصدُ به التَّعريفُ بمذاهب أهل الرواية، وعُرفِهِم فيها، وأنَّهم قصدوا أن يُدَوِّنوا لأهلِ الإِسلام ما يقبلونه كلُّهم أو يقبلُه بعضُهم، وإن شذَّ، ولذلك روى المحدِّثون المراسيلَ في كتبٍ مفردَةٍ (1) لمن يقبلها، وإن كانوا لا يقبلونها، وروى من يقبل المراسيلَ مثل مالكٍ الأحاديثَ المسنَدَةَ بأسانيدها لمن يشترطُ الإسناد، ونحو ذلك.

= مولده بالبصرة سنة 163 هـ، ووفاته فيها سنة 255 هـ.

قال الأزهري في مقدمة " تهذيب اللغة ": وممن تكلم في اللغات بما حضره لسانُه، وروى عن الثقات ما ليس من كلامهم الجاحظ، وكان أوتي بسطة في القول وبياناً عذباً في الخطاب، ومجالاً في الفنون، غير أن أهل العلم كذبوه، وعن الصدق دفعوه.

وقال ابن حزم في " الفصل ": كان أحد المجان الضلال، غلب عليه الهزل، ومع ذلك فإنا ما رأينا له في كتبه تعمد كذبة يوردها مثبتاً لها، وإن كان كثير الإيراد لكذب غيره.

وقال الإمام الذهبي: كفانا الجاحظُ المؤونة، فما روى من الحديث إلا النزر اليسير، ولا هو بمتهم في الحديث، بلى في النفس من حكاياته ولهجته، فربما جازف، وتلطخُه بغير بدعة أمرٌ واضح، ولكنه أخباري علامة، صاحب فنون، وأدب باهر، وذكاء بين، عفا الله عنه. مترجم في " السير " 11/ 526 - 530.

(1)

من ذلك كتاب " المراسيل " لأبي داود السجستاني صاحب " السنن "، وقد حققته ودفعته إلى الطبع، وسيصدر قريباً إن شاء الله تعالى.

ص: 156

قالوا: وأمَّا توقُّفُ مَنْ تَوَقَّفَ منَ الصَّحابة في بعض الأحاديث، فلقرائنَ أوجبت الرِّيبةَ بالتَّفَرُّد، وذلك هُوَ المُسَمَّى بالإعلال في علوم الحديث، كحديث عمَّار في التيمُّم، فإنَّه ذكر فيه أنَّ عمر كان معه في الواقعة، فلم يذكر ذلكَ عُمرُ معه، مع أنَّها واقعة لا يكاد يُنسى مثلُها، فتعارضَ عليه نسيانُه وغفلَتُه عمَّا لا يكادُ ينسى، وصِدقُ عَمَّارٍ وأمانتُه، فوقف في حقِّ نفسه، وأذن لعمَّار في روايةِ ذلك لِغيره ليعلموا به.

وقد روى النَّسائي (1) حديثاً في التَّخيير بين رأي عمرو ورأي الجماعة في ذلك، يعني في التيمُّم للجُنُبِ عِنْدَ عدمِ الماء، أو تعذُّرِ استعماله.

الوجه الثالث: أنَّ المحدثين حين رَأَوُا اختلاف الناس في مَنْ يُقْبَلُ ولا يُقبل مع اختلافهم فيما يُجْرَحُ به، وما لا يُجْرَحُ به، أوجبوا بيانَ الإِسناد والتَّصريحَ بأسماءِ الرُّواة، وترك التَّدليس والإِرسال في كُلِّ ما ادَّعَوْا صِحَّتهُ، ليتمكَّنَ كُلُّ أحدٍ مِن الأمَّة مِنَ النَّظر في الحديث، وفي صِحَّته، حتَّى يكونَ على بصيرةٍ في الموافقة على التَّصحيح أو المخالفة، أو الموافقة على التَّضعيف أو المخالفة فيه، فزال المحذورُ مِنْ روايتهم عمَّن حارب أميرَ المؤمنين عليه السلام، لأنّهم قد بيَّنوا ما روَوْهُ عنهم، وصرَّحوا بأسمائهم، ولم يقولوا: صحَّ لنا حديث كذا عمَّن نَثِقُ به، بل نصُّوا على

(1) في " سننه " 1/ 170 - 171 من طريق أبي معاوية، عن الأعمش، عن شقيق قال: كنت جالساً مع عبد الله، وأبي موسى، فقال أبو موسى: أولم تسمع قول عمار لعمر بعثني

وفيه: فقال عبد الله: أولم تر عمرَ لم يقنع بقول عمار.

قال السندي تعليقاً على قوله: " أولم تر عمر .. ": قيل: لأنَّه أخبر عن شيء حضره معه ولم يذكره، فجوز عليه الوهم كما جوز عليه النسيان. قلت: فتبع ابن مسعود عمر في ذلك، فلعلَّ مَنْ ترك الأخذَ بظاهر حديث عمار تَبعَ ابن مسعود، وبناؤهم على تجويز الوهم عليه لا على التكذيب، والله تعالى أعلم.

ص: 157

أنَّ من قال: حدَّثني الثِّقة، ولم يسَمِّه أنَّه لا يقبل، لجواز أن يكون ذلِكَ الثِّقَةُ عنده مِمَّن لو صرَّح باسمه لخولِفَ في توثيقه (1)؛ لأنَّه صح وثبت أنَّ التَّوثيق مِمَّا يقع فيه الاختلافُ الكثير، والخصمُ مسلِّم أنَّ أئِمَّة الزَّيديَّة، والحنفيّة، والمالكية، وكثير مِن التَّابعين يروون الأحاديث المرسلة، ويقولون بوجوب قبولهم فيما أرسلوه، ولا شَكَّ أنَّ المرسِلَ على تسليم أنَّه لا يُرسِلُ إلَاّ ما صحَّ عنده إنَّما يبني (2) صحَّة الحديث عنده على اجتهاده، وأنه لم يبين طريقَهُ في اجتهاده في تصحيح ذلِكَ الحديث المرسل، حتى يتمكّن المخالِفُ لَهُ مِنْ موافقته على بصيرة، أو مخالفته كذلك، فالاعتراض على مَنْ فعل ذلك مِنَ المُرْسِلِيْنَ، أَو مَنْ قَبِلَه منهم أصعبُ وألزمُ للخصم مِنَ الاعتراضِ على من بيَّن مستَنَدَهُ لمَنْ يقبله، ولمن لا يقبلُه، وأبعد مِنَ الرِّيبة ومِنْ كُلِّ وسيلة إليها، حَتَّى تركوا لذلك المراسيل، والمقاطيع، والتَّعاليق إلَاّ ما دلَّ الدَّليل على صِحَّته مِنْ ذلك، بل أوضحُ من هذا أنَّهم بيَّنُوا في كتب الرِّجال جميعَ ما صَحَّ مِنْ مناقم الشِّيعة على أولئك، وحكموا بصحَّة الصحيح منه، فانظر ذلك في " النبلاء " وغيره، وما غرَّك منْ أَوْضَح لك مستندَهُ، وأبدى لك صفحتَه، ولا ضرَّك مَنْ مكَّنك

(1) قال ابن الصلاح في " مقدمته " ص 120: لا يجزىء التعديل على الإبهام من غير تسمية المعدل، فإذا قال: حدثني الثقة أو نحو ذلك مقتصراً عليه لم يكتف به فيما ذكره الخطيب الحافظ، والصيرفي الفقيه وغيرهما خلافاً لمن اكتفي بذلك، وذلك لأنَّه قد يكونُ ثقةً عنده وغيرُه قد اطَّلَعَ على جَرْحِهِ بما هو جارحٌ عنده، أو بالإجماع، فيحتاج إلى أن يسميَه حتى يعرف، بل إضرابُهُ عن تسميته مريبٌ يوقعُ في القلوب فيه تَرَدُّداً.

فإن كان القائلُ لذلك عالماًً، أجزأ ذلك في حقِّ مَن يوافقُهُ في مذهَبِهِ على ما اختارَهُ بعضُ المحققين.

وذكر الخطيبُ الحافظُ أن العالم إذا قال: كل مَنْ رويتُ عنه، فهو ثقةٌ وإن لم أُسمِّه، ثم روَى عمَّن لم يسمِّه، فإنه يكون مزكياً له غيرُ أنا لا نعمل بتزكيته هذه، وهذا على ما قدَّمناه، والله أعلم. وانظر " توضيحَ الأفكار " 2/ 167 - 172.

(2)

في (ب) و (ج): ينبني.

ص: 158