الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الوجه الحادي عشر: أنَّ هذا كُلهُ بناءٌ على أنَّا ما تَمَسَّكْنَا في المسأَلَةِ إلأَ بحديثِ فاسِقِ التَّأْويلِ
، وهذا غَيْرُ مُسَلَّمٍ، فإن أحاديث الإخْفَاتِ قد رواها أَهْلُ العَدْلِ والتَّوْحيدِ منْ أَهْل البَيْت وغيرُهم، كالأميرِ الحُسَيْنِ، والقاضي زيدٍ، وَلَمْ يَطْعَنُوا فيها، وإنَّما تعرَّضُوا للجواب عَنْها بالتَرجيح والتأويل، وقد ذكر روايتَها المنصورُ باللهِ عليه السلام، ولهذا تَعَرَّض لتأويلِهَا، ولو لم تكن ثابتةً عندَهُ، لم يتأوَّلْها، وقد ذكرنا قول الفقيه علي بنِ عبد الله في تعليق " الجوهرة " إنَّ الإِنصاف، أنَّ المخافتة كانت مِنْ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم كما كان الجَهْرُ منْهُ، فَهذِهِ روايةٌ مِنْ عالِمٍ مِنْ (1) أهْلِ العَدْلِ والتَّوْحِيدِ، بل مِن رؤوس شِيعَةِ البَيْتِ عليهم السلام، بلْ هذِهِ دَعْوى لِلْعِلْم بِثُبوت المخافَتَةِ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم.
وبالجُمْلَة فإنَّ رِوَايَةَ أحاديثِ الإخفات في كُتُبنَا مشهورَةٌ على حَدِّ شُهْرةِ أحاديثِ الجَهْرِ، لأنَّ مَنْ تَكَلَّمَ في هذِهِ المسألة تكَلَّمَ بأَدِلَّةِ الفريقين مِنَ الشِّيعَةِ، والشَّافِعيةِ، والمعتزلةِ وغيرهم، فَمنْ أينَ للسيدِ أنَّ أحاديث الإخفات ما وَرَدَتْ إلَّا مِنْ طريقِ فُسَّاقِ التَأويلِ وكفَارِه حَتَّى يقطع عَلَيْنَا حِينَ تَوَهَّمَ أنَّا عَملْنَا (2) بِهَا أنَّا قَدْ قدَّمنا رِوَايَةَ فُسَّاقِ التَّأويلِ على رِوايةِ (3) أئِمَّةِ الهُدى؟ وأكثَرُ ما في البابِ أنْ يَكونَ السيدُ لَمْ يَعْرفْ لأحاديث الإخفات طريقاً عَنْ أهْلِ العَدْلِ، فإذا لم يَعْرِفِ الطَّريقَ في نَفْسِهِ، انتفتِ الطَّريقُ في نَفْسِ الأمر.
الوجه الثَّاني عشر: أنَّ السيدَ نَصَّ على أنَّا نُرَجِّحُ فُسَّاق التَّأويلِ
عَلَى
(1)" عالم من " ساقط من (ب)، وفي (ج): عالم.
(2)
في (ب): علمنا.
(3)
ساقطة من (ب).
الهادي والقاسمِ عليهما السلام، وأقصى ما في البابِ أنهما عليهما السلام ادَّعَيَا صِحَّةَ حديثٍ مُسْنَد، وتَعْدِيلَ رُوَاتِهِ، ثُمَّ إنَّا قَدَّمْنَا بعضَ الأحاديث عَلَى ذلِكَ الحَديثِ لأمْرٍ يتعلَّقُ بغيرِهِما منْ رجالِ إسنادِه، فهذا يكونُ ترجيحاً على مَنْ رَوَيَا عَنْهُ، لا ترجيحاً عَلَيْهمَا. فَمِنْ أين للسَّيِّد أنَّا رجَّحْنَا عليهما، لولا مَحبَّةُ التَّشنيعِ، وذكرُ ما يَخْبُث سماعه، ويفحُشُ ذِكْرُهُ مِنَ العبارات المهُولةِ، وإنَّما يصدُق كلامُه لو كانا عليهما السلام سَمِعَا منْ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بغير واسِطَةٍ، وعارَضَهما فاسقُ تَأْويلٍ (1)، وكنَّا أيضاً سَمعْنَا عَنْهُما وَعَنْ فَاسِقِ التأْوِيلِ بغير واسطة (2)، ثُمَّ رجَّحْنا فاسِقَ التَّأْوِيلِ، فحينئذٍ يصدق كلام السَّيِّدِ لكِنْ " لوْ " غيرُ مُثْمِرَةٍ للصِّدْقِ، واللهُ أَعْلَمُ.
وبعدُ، فإنَّا قَدْ ذكرنا فيما تقدَّمَ كلامَ المنصورِ باللهِ عليه السلام في تقديمِ رِوايةِ الخارجِيِّ، وترجيح حديثه لاعتقادِهِ أنَّ الكَذِبَ [كفر (3)] على رِوَايَةِ العَدْلِ الصَّحيحِ الاعتقادِ، وقد نَصَّ ذلِكَ المنصورُ باللهِ عليه السلام، والحاكم في " شرح العيون " حكايةً عَنْ غَيْرِه، وصاحبُ " الجوهرة "، ولم يُنْكِرْ ذلِكَ أَحَدٌ.
وقد ذكرنا قولَ المؤيَّد بالله في " الزِّيادات " إنَّ تقليدَ غَيْرِ الأئِمَّةِ عليهم السلام أرجح مِنْ تقليدهم، وبيَّنَّا ما في ذلِكَ مِنْ دَعْوَى الإجماع، وفرَّقنا بين الترجيحِ والتَّفصيلِ بِمَا لا (4) مَزِيدَ عَلَيْهِ، فتأمَّلْهُ في مَكَانهِ (5)
(1) في (ش): التأويل.
(2)
من قوله: " وعارضهما فاسق " إلى هنا سقط من (ب)
(3)
زيادة لا بد منها أخلت بها الأصول، وانظر 2/ 409.
(4)
في (ب): " بالا "، وهو خطأ.
(5)
في (ب): " حكاية "، وهو خطأ.
تَعْرِفْ أنه لَوْ كان منَّا ما لَمْ يَكُنْ منْ دعْوى السيد لمْ يَكُنْ في ذلكَ ما يُوجِبُ الإنْكارَ، ولا كان ذلِكَ خروجاً عَنْ مذاهبِ الأئِمَّة الأطهار، وليس القَصْد بِهذا الوَجْهِ الاعترافَ بتقديمِ رِوايَةِ غَيْرِ الأئِمةِ (1) عَلَى رِوايَتهمْ، ولكن فيه إلزامُ السَّيِّد تَخْطِئَة منْ جوَّز ذلِكَ منْهُم كالمنصور باللهِ وغَيْرِهِ.
فإنْ قُلْتَ: فَهذا الكلَامُ إنَّما هو فيما رَوَى الهادي عليه السلام مِنْ ذَيْنِك الحديثين في الجَهْر، فَهلَاّ تكلَّمْتَ على سائِرِ الأحاديث التي ذكرها القاضي زيد في ذلك؟
قلتُ: خشيتُ (2) التَّطويل والإملالَ، ففي تلك الأحاديثِ كلامٌ طويلٌ، وهذِهِ الوُجُوهُ تعُمُّ تلكَ الأحاديثَ أيضاًً، ولو بسطتُ القوْلَ، لذكرتُ ما يَخُصُّ تلكَ الأحاديثِ على انفرادها، وفي هذا كفايةٌ وتعريفٌ لكثرة المحَامِل (3) على السَّلامَةِ لِمنْ أرادَها، وسَعَةِ الطُّرُقِ إلى الظَّنِّ الجميل لِمنْ أحبَّها، وبتمام هذا الكلامِ تَمَّ الجواب (4) على المسألة الثَّالِثَة، ولله الحَمْدُ والمنَّةُ.
قال: المسألةُ الثانِيةُ: إنْ قيلَ: الصَحيح منْ حديثِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم ما أخرج البخاريُّ، ومسلمٌ، وأبو داوود، وكذلك أصحابُ الصِّحاح، وهي معروفَةٌ عِنْدَ المُحَدِّثين والفقهاء، وفي بعضها خلافٌ، فأمَّا ما رُوي في غَيْرِ تِلْكَ الكُتُبِ، فَلَيْسَ بصحيحٍ، إلى قوله: أمَّا هذا الفصل، فزعم القائِلُ به أنَّ مُؤلِّفَ (5) الصِّحاح أعرفُ الناسِ به، وقد تعرَّضُوا لحَصْرِ
(1) في (ب): رواية.
(2)
في (ش): خشية.
(3)
في (ب): الحامل.
(4)
في (ش): الكلام.
(5)
في (ش): مؤلفة.