الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قال الشيخ:
فصل: ولعلك تقول: الكف عن السؤال، والإمساك عن الجواب من أين يغني
؟ وقد شاع في البلاد هذه الاختلافات، فظهرت التعصبات، فكيف سبيل هذه المسائل؟.
فإن (1) الجواب في كل مسألة يسأل عنها: ما قال مالك رحمه الله في مسألة الاستواء، إذ (2) قال: الاستواءُ معلوم، والكيفية مجهولة، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة (3)، لينحسم سبيل الفتنة، ولا يقتحم ورطة الخطر، لأنا لا ندري ما الذي أراده الله تعالى، ولم نكلف نحن ولا أنت أيها السائل معرفة ذلك، ومن لم يقنع بما ذكرناه، لم يزده الإكثار إلا تحيُّراً، فهذه صفة مذهب السلف، ولا عدول لأحدٍ عنه، ولا بدل (4) منه إلى قول الشيخ (5).
فصل: ولعلك تقول: لا أنكر حصول التصديق الجازم في قلوب العوام بهذه (6) الأسباب، ولكن ليس ذلك من المعرفة في شيء، وقد كُلِّفَ الناس المعرفة الحقيقية دون اعتقادٍ هو من جنس الجهل، لا يميز فيه الباطل عن الحق.
(1) في (ش): قلنا.
(2)
في (ش): " إذا " وهو خطأ.
(3)
أورده اللالكائي 3/ 398، وإليهقي في " الأسماء والصفات " ص 408، وابن حجر في " الفتح " 13/ 406، وجوَّد ابن حجر أحد أسانيده.
(4)
في (ش): ولا بُدَّ له.
(5)
من قوله: " ولعلك تقولُ: الكف
…
" إلى هنا ساقط من (ج).
(6)
في (ش): لهذه.
فالجواب (1): أنَّ هذا غلط ممَّن ذهب إليه، بل سعادة الخلق أن (2) يعتقدوا الشيء على ما هو عليه اعتقاداً جازماً لجبلَّة (3) قلوبهم على موافقة الحق، لأنه ليس المطلوبُ الدليل المفيد، بل الفائدة هي حقيقة الحق على ما هي عليه، ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" كل مولود يولد على الفطرة، حتى يكون أبواه هما اللذان يهوِّدانه، ويُنصِّرانه، ويُمجسانه "(4)، فمن اعتقد حقيقة الحق في الله تعالى، وفي صفاته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، فهو سعيدٌ، وإن لم يكن ذلك بدليل مجرد كلامي، ولم يكلف الله عبادة إلا ذلك، وذلك معلوم، على الضرورة بجملة أخبارٍ متواترة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في توارد (5) الأعراب عليه، وعرضِه الإيمان عليهم، وقبوله ذلك (6)، وانصرافهم إلى رعاية الإبل والمواشي من غير تكليفه إياهم التفكر في المعجزه، ووجه دلالتها، في حدوث العالم، وإثباث محدثه، وسائر الصفات، بل الأكثر من أجلاف العرب لم يفهموا ذلك، ولم يدركوه بعد طول المدة، بل كان الواحد منهم يُحلِّفُه عليه السلام فيقول:[أنشدك] بالله آلله أرسلك
(1) في (ش): والجواب.
(2)
في (ش): في أن.
(3)
في (ب) و (ش): بجبلة.
(4)
أخرجه من حديث أبي هريرة: مالك 1/ 241، وأحمد 2/ 223 و282 و346 و393 و410، والبخاري (1358) و (1359) و (1385) و (4775) و (6599)، ومسلم (2658)، وأبو داوود (4714)، والترمذي (2139)، والحميدي (1113)، والطيالسي (2359)، والطحاوي في " مشكل الآثار " 2/ 162، والبغوي (84)، وعبد الرزاق (20087)، والخطيب في " تاريخه " 3/ 308 و7/ 355، وأبو نعيم في " الحلية " 9/ 26.
(5)
في (ش): نواد.
(6)
في (ش): وقبولهم ذلك منهم.
رسولاً؟، فيقول:" اللهُ الله أرسلني رسولاً "(1)، فكان (2) يصدقه (3) بيمينه وينصرف، ويقول الآخر إذا قدم عليه، ونظر إليه: والله ما هذا وجه كذاب (4)، وأمثال ذلك مما لا يحصى، بل كان يُسلِمُ في غزوةٍ واحدةٍ في عصر الصحابة آلاف، لا يفهم الأكثرون منهم أدلة الكلام، ومن كان يفهم، فيحتاج أن يترك صناعته، ويختلف إلى مُعلِّمِهِ مُدَّةً، ولم ينقل قط شيءٌ من ذلك. فعلم (5) علماً ضرورياً أن الله تعالى لم يكلف الخلق الإيمان والتصديق على طريقة المتكلمين.
(1) أخرج البخاري (63)، ومسلم (12)، والترمذي (619)، والنسائي 4/ 123 - 124، وأبو داوود (486) من حديث أنس بن مالك قال: بينما نحن جلوس مع النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد، دخل رجلٌ على جمل، فأناخه في المسجد، ثم عقله، ثم قال لهم: أيكم محمد - والنبي صلى الله عليه وسلم متكيء بين ظهرانيهم، فقلنا: هذا الرجل الأبيض المتكىء، فقال له الرجل: ابن عبد المطلب، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: قد أجبتُك، فقال الرجل للنبي صلى الله عليه وسلم: إني سائلك فمشدِّدٌ عليك في المسألة، فلا تجد علي في نفسك. فقال:" سل عما بدا لك "، فقال: أسألُك بربِّك ورب من قبلك، آلله أرسلك إلى الناس كلهم؟ فقال:" اللهم، نعم "، قال: أنشدك بالله، آلله أمرك أن نصلي الصلوات الخمس في اليوم والليلة، قال:" اللهم، نعم " قال: أنشدك بالله، آلله أمرك أن نصوم هذا الشهر من السنة؟ قال:" اللهم، نعم "، قال: أنشدك بالله، آلله أمرك أن تأخذ هذه الصدقة من أغنيائنا، فتقسمها على فقرائنا؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم:" اللهم، نعم "، فقال الرجل: آمنت بما جئت به، وأنا رسول من ورائي من قومي، وأنا ضِمامُ بن ثعلبة أخو بني سعد بن بكر.
(2)
في (ش): وكان.
(3)
في (أ): " يصدق "، وفي (ش) و (ج):" تصديقه ".
(4)
أخرج أحمد 5/ 451، والترمذي (2487)، والدارمي 1/ 340، وابن ماجه (1334) و (3251) من طريق عوف بن أبي جميلة، عن زرارة بن أوفى، عن عبد الله بن سلام، قال: لما قَدِمَ النبي صلى الله عليه وسلم: انجفل الناس عليه، فكنت فيمن انجفَلَ، فلما تبينت وجهه، عرفتُ أن وجهه ليس بوجه كذاب، فكان أول شيء سمعته يقول:" أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصِلُوا الأرحام، وصلُّوا والناسُ نيامٌ، تدخلوا الجنة بسلام ". وصححه الحاكم 3/ 13، ووافقه الذهبي، وله شاهد من حديث أبي هريرة عند الحاكم 4/ 129.
وقوله: " انجفل الناس عليه " أي: ذهبوا إليه مسرعين.
(5)
في (ش): فعلمنا.
قلت: فهذا من السمع، ومن النظر: أنَّ (1) الدليل كالطريق، والوسيلة إلى الاعتقاد الصحيح، فمن حصل الاعتقاد الصحيح، لم يجب التشاغل بالطريق، مثل سائر الوسائل، خصوصاً إذا خيف من الاشتغال بالوسيلة فوات الأمر المتوسل إليه بالقرائن والتجارب (2)، وربما انتهى الأمر إلى تحريم الخوض في ذلك، حيت يغلب على الظن أن فيه مضرة مظنونة للاتفاق على أن دفع المضرة المظنونة واجبٌ عقلاً، وسيأتي لهذا مزيد بيان وتحقيق إن شاء الله تعالى.
ثم المتكلمون هنا (3) مختلفون، فمنهم من يخلع رِبْقَةَ المراعاة لأحوال السلف، ويصرح بتكفير العامة، فيقعُ في الحديث المتفق على صحته:" إذا قال المُسلم لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدُهُمَا "(4).
وهؤلاء قسمان: منهم من يعتقد هذا ولا يُظهرُهُ، ومنهم من يظهره، والطائفة الأخرى: منهم الذين يراعون ظاهر أحوال السلف، فيقعون في المناقضة، لأنهم يجيبون بأن الأدلة جليَّةٌ، تعرف بالفطرة مع أدنى تأمل، وجوابهم هذا يستلزم إمَّا الاستغناء عن علم الكلام -وهو المقصودُ- وإما دعوى أن أدلة علم الكلام كذلك، وهو باطل بالضرورة، والتجربة تدل على ذلك، فإنا نُحضر أذكى العامة، بل أذكى علماء الفنون غير الكلام، فلا يستطيعُ فهم أدلتهم بالفطرة في المدة اليسيرة، وقد ذكرت فيما مضى ما ذكره الرازي في " المحصول " في دفع هذا بقوله: إنه يستحيل أن يكون العلم بالبرهان جملياً، قال: لأن البرهان إذا تركب من عشر مقدمات،
(1) في (أ): إلى أن.
(2)
في (ش): والتجارب فيها.
(3)
في (أ): ها هنا.
(4)
تقدم تخريجه 2/ 439.