الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الصَّالحين، وقرائنَ مِنْ هذا الجنس تُناسِبُ طباعَهم مناسبةً أشدَّ مِنْ مناسبة الجدل والدّليل.
فإذا كان كلُّ واحدٍ من العِلاجَيْنِ يُناسِبُ قوماً دونَ قوم، وجبَ ترجيحُ الأنفعِ في الأكثر، والمعاصرون لِرسول الله صلى الله عليه وسلم المؤيَّدِ بروح القدس، المكاشَفِ مِنَ الله سبحانه بالوحي بأسرارِ عباده وبواطنهم أعرفُ بالأصوبِ والأصلحِ قطعاً، فسلوكُ سبيلِهم -إذن لا محالة- أفضلُ وأصوبُ وأعدلُ.
الوظيفةُ السابعة: التسليمُ لِقولِ الله تعالى، ولحديثِ رسول الله صلى الله عليه وسلم
-، ولأصحابه، وتابعيهم النَّاقلين إلينا شريعتَه عليه السلام، وأن لا نَتَّهِمَ منهم أحداً، لثبوت عدالتهم في سائرِ لوازِم الشريعة، فإنَّهم نقلوها عن معْدِنِ النبوة، وعُنصرِ الرِّسالة، ولنعلمَ أنَّ البيانَ لا يجوزُ تأخيره عِنْدَ الحاجة، وقد بيَّن لهم صلى الله عليه وسلم جميعَ ما أرسله الله تعالى به، حتى قال فلان: عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُم كُلَّ شيْءٍ حتى الخراءة، فقال الصَّحابي: أجل، وذكر الحديث (1)، وحتى قال عليه السلام في خُطبة الوداع:" إِنَّ الزّمانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ الله السماوات والأرْضَ: السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً، مِنْهَا أرْبَعَةٌ حُرُمٌ: [ثلاثةٌ مُتَوالِياتٌ] ذُو القَعْدَةِ، وذُو الحِجَّةِ، والمُحَرَّم، ورَجَبُ [مُضَرَ] الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ "(2). هذا فيما لا يضُرُّ جهله،
(1) أخرجه أحمد 5/ 437، ومسلم (262)، وأبو داود (7)، والترمذي (16) وابن ماجه (316)، والنسائي 1/ 38 و44 من حديث سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: قيل له: قد علمكم نبيكم صلى الله عليه وسلم كُلَّ شَيْءٍ حتى الخِراءة، قال: فقال: أجَلْ، لقد نهانا أن نستقبلَ القبلةَ لغائطٍ أوْ بولٍ، أو أن نستنجى باليمينِ، أو أن نستنجي بأقلَّ من ثلاثةِ أحجارٍ، أو أن نستنجيَ برجيع أو بعظم.
(2)
أخرجه البخاري (3197) و (4406) و (5550) و (7447)، ومسلم (1679)، وأبو داود (1947)، وأحمد 5/ 37 و73 من حديث أبي بكرة.
كيف في أمر التوحيد؟ فلو عَلِمَ صلى الله عليه وسلم أنَّ الحاجة داعيةٌ إلى تأويل صفات الله، وأنَّه يلزمُ الخلقَ كيفيَّةُ معرفتها، لَمَا وَسِعَهُ إِلَاّ البيانُ، وفي عَدَمِ ذلك دليلٌ على كَذِب مُدَّعيه، فلا يرفع أحدٌ طَرْفَه إلى كيفيّة معرفة صفات الله من قِبَلِ عقله إِلَاّ غضَّه الدَّهَشُ والحيرة، فانقلب إليه البصر خاسئاً وهو حسيرٌ، فهذا ما يجبُ على المسلمين أن يُؤمنوا به جُملةً، وأنْ يُحيطوا به تفصيلاً، فهذه هي الوظائفُ السَّبْعُ الواجبةُ على الخلق في الآي والأخبارِ، وهي مذهبُ السَّلف، والآن فنقيمُ الدَّليل على أنَّ الحقَّ هو مذهبُ السَّلفِ دونَ المتكلِّمين.
الباب الثاني: في إقامة البرهان على أنَّ الحقَّ هو مذهبُ السَّلفِ، وعليه برهانان: عقليٌّ وسمعيٌّ، أمَّا العقليُّ، فمعنيان: كليٌّ وتفصيليٌّ، أمَّا البُرهانُ الكليُّ، فينكشفُ بتسليمِ أربعةِ أصول هي مسلَّمَةٌ عندَ كُلِّ عاقل.
الأول: أنَّ أعرفَ الخلقِ بصلاحِ أحوالِ العبادِ هُوَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، فإنَّ جميع ما يَنْفَعُ في الآخرة أو يَضُرُّ لا سبيلَ إلى معرفته بالتَّجرِبَةِ كَمَا عُرِفَ الطِّبُّ بالتَّجرِبَةِ، إذ لا مجالَ للعلومِ التَّجرِيبية إلا بما يشاهد (1) على سبيل التَّكررِ، ومَنِ الَّذِي رجع مِنْ ذلك العالَم، فأدرك بالمشاهدة ما نفع وضرَّ، فأخبر عنه، ولا يُدْرَكُ بقياس العقل، فإنَّ العقولَ قاصرةٌ عَنْ ذلك، والعقلاءُ بأجمعهم معترفون بأنَّ العقل لا يَهْدِي إلى ما (2) بعد الموت، ولا يُرْشِدُ إلى وجه ضررِ المعاصي، ونفعِ الطاعات، لا سيَّما على سبيل التَّفصيل والتَّحديد، كما وردت الشَّرائع، فأقرَّوا بجملتهم أنَّ ذلك لا يُدْرَكُ
(1) في (ش): بشاهد.
(2)
" إلى ما " ساقطة من (ش).
إلَاّ بنور النُّبُوَّة، وهي قوَّةٌ وراء قوَّةِ العقل، يُدرك بها مِنْ أمرِ الغَيْبِ في الماضي والمستقبل أمورٌ، لا على طريق التَّعريفِ بالأسرارِ العقلية، ونذكر ها هنا خبرَ المبعث، وشقَّ جبريل لقلبه عليهما السلام، وغسلَه بماءِ زمزمَ، وحشوَه السَّكينَة والحكمَةَ، وقوله صلى الله عليه وسلم:" فَكأنَّما أشَاهِدُ الأمْرَ مُشاهَدةً "(1).
(1) انظر حديث أنس بن مالك عند مسلم (162)(261) في الإيمان، باب: الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحمد 3/ 121 و149 و288، والبيهقي في " دلائل النبوة " 1/ 146 - 147، ولفظ مسلم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل صلى الله عليه وسلم وهو يلعبُ مع الغلْمان، فأخذَهُ فَصَرَعَهُ، فَشَقَّ عن قلبه، فاستخرج القلب، فاستخرج منه علقةً، فقال: هذا حظ الشيطان منك، ثم غَسله في طستٍ من ذهب بماءِ زَمْزَمَ، ثم لأمهُ، ثم أعاده في مكانه، وجاء الغلمان يَسْعَوْنَ إلى أمِّهِ (يعني ظِئْرَه) فقالوا: إن محمداً قد قُتِلَ، فاستقبلوه وهو منتقعُ اللونِ. قال أنسٌ: وقد كنتُ أرى أثَرَ ذلك المخيطِ في صدره.
وأخرجه ابن هشام في " السيرة " 1/ 175 عن ابن إسحاق، حدثني ثور بن يزيد، عن بعض أهل العلم، ولا أحسبه إلا عن خالد بن معدان الكلاعي أن نفراً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا له: يا رسول الله، أخبرنا عن نفسك، قال:" نعم، أنا دعوة أبي إبراهيم، وبُشرى أخي عيسى، ورأت أمِّي حينَ حملت بي أنَّه خرج منها نور أضاء لها قصورَ الشام، واستُرْضِعْتُ في بني سعد بن بكر، فبينا أنا مع أخٍ لي خلفَ بيوتنا نرعى بَهْماً لنا، إذ أتاني رجلان عليهما ثيابٌ بيضٌ بطَسْت من ذهبٍ مملوءةٍ ثلجاً، ثم أخذاني، فشقَّا بطني، واستخرجا قلبي، فشقاه، فاستخرجا منه علقةً سوداءَ، فَطَرَحاها، ثم غَسَلَا قلبي وبطني بذلك الثلج حتى أنقياه، ثم قال أحدُهما لصاحبه: زِنْهُ بعشرة من أمَّته، فوزنني بهم، فوزنتُهم، لم قال: زِنْهُ بمئة من أُمته، فوزنني بهم فوزنتُهم، ثم قال: زِنْهُ بألفٍ من أمتِه، فوزنني بهم، فَوزنتُهم، فقالَ: دعْهُ عنك، فواللهِ لو وزنته بأمته لوزَنَها ".
وأخرجه البيهقي في " دلائل النبوة " 1/ 145 - 146 من طريق يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، به.
وأورده ابنُ كثير في " البداية " 2/ 256 عن ابن إسحاق، وقال: وهذا إسناد جَيِّدٌ قوِيٌّ.
وأخرج أحمد 4/ 184، والحاكم 2/ 154، وأبو نعيم الحافظ في " دلائل النبوة " من طرق عن بقية، حدثني بحير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن ابن عمرو السلمي، عن عتبة بن عبد السلمي أنَّه حدثهم أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: كيف كان أول شأنك يا رسول الله قال: " كانت حاضنتي من بني سعد بن بكر، فانطلقت أنا وابنٌ لها في بَهْم لنا ولم نأخذ معنا زاداً، فقلت: يا أخى اذهبْ فأتنا بزادٍ من عند أمنا، فانطلق أخي، ومكثت عند =
قلتُ: وقولُه صلى الله عليه وسلم في حديث الرؤيا واختصام الملأ الأعلى: " فَعَلِمْتُ ما في السَّمَاواتِ والأرْضِ "(1).
قال: وهذا مِمّا اتَّفق عليه الأوائلُ مِنَ الحُكماء، فضلاً عَنِ الأولياءِ من الحُكماء الرَّاسخين، القاصرين نظرهم على الاقتباسِ من رسول الله صلى الله عليه وسلم، المعترفين بقصورِ كُلِّ قوَّةٍ سوى هذه القوة.
الأصل الثاني: أنَّه صلى الله عليه وسلم بلّغَ (2) الخَلْقَ ما أُوحِيَ إليه من صلاحِ العبادِ
= البَهم، فأقبل طيران أبيضان كأنهما نسران، فقال أحدهما لصاحبه: أهو هو؟ قال: نعم، فأقبلا يبتدراني، فأخذاني، فبطحاني إلى القفا، فشَقَّا بطني، ثم استخرجا قلبي، فشقاه فأخرجا منه علقتين سوداوين، فقال أحدُهما لصاحبه -قال يزيد في حديثه-: ائتني بماء ثلج، فغسلا به جوفي، ثم قال: اتني بماء برد، فغسلا به قلبي، ثم قال: ائتني بالسَّكينة، فذراها في قلبي، ثم قال أحدُهما لصاحبه: حصه (أي: خِطْهُ)، فَحَاصَه، وَخَتَمَ عليه بخاتم النبوة، وقال حيوة في حديثه: حصه فحصه وأختم عليه بخاتم النبوة، فقال أحدْهُما لصاحبه: اجعلْه في كَفَةٍ، واجعل ألفاً من أمته في كفة، فإذا أنا أنْظُرُ إلى الألفِ فوقي، أشفق أن يَخِرَّ عليَّ بعضهم، فقال: لو أنَّ أمته وزنت به، لمالَ بهم، ثم انطلقا وتركاني، وفرِقْت فَرَقاً شديداً، ثم انطلقت إلى أمي، فأخبرتُها بالذي لقيته، فأشفقت على أن يكون أُلبس بي، قالت: أعيذُك باللهِ، فرحلت بعيراً لها، فجعلتني -وقال يزيد: فحملتني- على الرَّحْلِ، وركبتْ خلفي حتى بلغنا إلى أمي، فقالت: أوأديت أمانتي وذمتي؟ وحدثتها بالذي لقيت فلم يرعها ذلك، فقالت: إني رأيت خرج مني نوراً أضاءت منه قصور الشام.
وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
وقال الهيثمي في " المجمع " 8/ 282 بعد أن نسبه لأحمد: وإسنادُه حسنٌ، وله شواهد تُقَوِّيه.
وفي الباب عن حليمة عند ابن هشام في " السيرة " 1/ 171 - 175، وأبي يعلى 333/ 2 - 334/ 1، والطبراني 24/ 212، وأبي نعيم في " دلائل النبوة "(94)، وكذا البيهقي 1/ 132 - 136، وابن حبان (2094)، ورجاله ثقات.
وعن أُبي بن كعب عند عبد الله في زوائد المسند 5/ 139، وانظر " مجمع الزوائد " 8/ 223.
وعن شداد بن أوس عند أبي يعلى، وابن عساكر، وأبي نعيم.
(1)
هو حديث صحيح، تقدم تخريجه 1/ 218.
(2)
في (ش): أبلغ.
فيِ مَعادهم ومَعاشهم، وأنَّه ما كتمَ شيئاً مِنَ الوحي، ولا طواه عَنِ الخلق، فإِنَّه لم يُبْعَثْ إِلَاّ لذلك، فلذلك كان رحمةً للعالمين، ولم يكن مُتَّهَماً فيه، كيف، واللهُ تعالى يقول:{وَمَا هُوَ عَلَى الغَيْبِ بِظَنِين} (1)[التكوير: 24]، وعُلِمَ ذلك منه صلى الله عليه وسلم علماً ضرورياًً في سائِرِ أحواله مِن حرصه على (2) إصلاح الخلق، وشغفِه بإرشادهم إلى صلاح مَعادهم ومَعاشهم، ما ترك شيئاً مِمَّا يقرِّبُهُم إلى الجَنة، ويرضي الله، إِلَاّ دلَّهم عليه، وأمرهم به، وحثّهم عليه، ولا شيئاً مِمَّا يقربُهم إلى النَّار وإلى (3) سَخَطِ الله، إِلَاّ حذَّرهم منه، ونَهاهم، وذلك في العلم والعمل (4) جميعاًً.
الأصلُ الثالث: أَنَّ أعرفَ النَّاس بمعاني كلامه، وأحراهم بالوقوف على كُنهه، ودرْكِ أسراره، هُمُ الَّذِين شاهدوا الوحي والتَّنزيل، وعاصروه وصَحِبُوه، بل لازموه آناءَ الليل والنهار، مستمرِّين لِفَهْمِ معاني كلامه، وَتَلَقِّيه بالعمل به أوَّلاً، والنَّقلِ إلى من بَعْدَهم ثانياً، والتَّقرُّب إلى الله تعالى بسماعه وفهمه وحفظه ونشره.
فليت شعري أيُّها المتكلمون، تتَّهمونَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بإخفائه، وكِتمانه عنهم (5)، حاشا منصحت النُّبوَّةِ عن ذلك، أم (6) تتهمون أولئك
(1) بالظاء، وهي قراءةُ ابن كثير، وأبي عمرو، والكسائي، وقرأ الباقون (بضنين) بالضاد، قالَ ابن قتيبة: من قرأ بالظاء، فالمعنى: ما هو بمتَّهَمٍ على ما يخبر به عن الله، ومن قرأ بالضاد، فالمعنى: ليسَ ببخيل عليكم بعلم ما غاب عنكم مما ينفعكم. انظر " زاد المسير " 9/ 44 بتحقيقنا.
(2)
في (ش): على سائر أحوال الخلق من الإصلاح.
(3)
" إلى " ساقطة من (ش).
(4)
في (ب): العمل والعلم.
(5)
" عنهم " ساقطة من (ش).
(6)
في (ش): أو.