المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الوظيفة السابعة: التسليم لقول الله تعالى، ولحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم - العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم - جـ ٣

[ابن الوزير]

فهرس الكتاب

- ‌الجزء الثالث

- ‌الدعوى الأُولى: ادَّعَى أنَّ أحاديثَ الفقهاءِ متعارضَة في وضع اليَدِ على اليد

- ‌الدعوى الثانية: ادَّعى أنَّ العُمُومَ يعارِضُ الخصوصَ إذا جُهِلَ التاريخُ

- ‌الوجه الرابع: سلَّمنا أنا لَمْ نقلْ بجوازِ الجَهْرِ والإخفات معاً

- ‌الوجه السابع: أنَّ الخبَرَ إذا وَرَدَ في شَيْءٍ، ظهر في الأصل ظُهوراً عامَّاً

- ‌الوجه التاسع: سلَّمنا سلامَةَ هذا الحديثِ منْ جميعِ هذِهِ المَطَاعِنِ، فإنَّه حديث مُرْسَل

- ‌الوجه الحادي عشر: أنَّ هذا كُلهُ بناءٌ على أنَّا ما تَمَسَّكْنَا في المسأَلَةِ إلأَ بحديثِ فاسِقِ التَّأْويلِ

- ‌الوجه الثَّاني عشر: أنَّ السيدَ نَصَّ على أنَّا نُرَجِّحُ فُسَّاق التَّأويلِ

- ‌الإِشكال الأول: أنَّ المحدِّثينَ قد نصُّوا على عَكْسِ ما ذَكَرَهُ السيد

- ‌الإشكال الثالث: سلَّمنا للسيدِ أنَّ ذلكَ مَذْهَبُ الأوزريِّ

- ‌الإشكال السَّادسُ: سلَّمنا أنه يلزمُهُم

- ‌ الجواب عَنِ السيِّدِ في هذا مِنْ وُجُوهٍ

- ‌الوجه الثاني: أنَّ السيدَ غَلِطَ على ابنِ الصَّلاحِ، ولم يَنْقُلْ عنه مَذْهَبَه

- ‌ في كلامِ السيدِ هذا مباحثُ

- ‌البحثُ الرَّابعُ: أنَّ السيد ادَّعى على الرجُلِ في أَوَّلِ كلامِهِ أنَّه ادَّعى إجماعَ الفقهاءِ، ثُم ألزَمَهُ هُنا أنْ يَجْمَع لَهُ الأمَّةَ في صَعِيدٍ واحِدٍ

- ‌البحثُ السَّادِسُ: أنَّه ادَّعى إجماع العُلمَاءِ

- ‌البحث السابع: أنَّك إمَّا أنْ تُنْكِر الإجماعَ السُّكُوتيَّ أم لا

- ‌البحث التاسع: يتفضَّلُ السَّيِّدُ ويخبرُنا مَنِ الذي يقولُ مِنْ أهلِ البَيْتِ بطلاقِ زوجة هذا الحَالفِ

- ‌البحث العاشر: أنَّ الظَّاهِرَ إجماعُهم عليهم السلام على ذلِكَ

- ‌البحث الثالث عشر: أنَّه لا طريقَ إلى العِلْمِ بِأنَّ الحديثَ المُتَلَقَّى بالقَبُول هوَ بِنَفْسِهِ لفظُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم

- ‌ المضعَّف عليهما نوعان

- ‌النوع الأول: المعلولُ

- ‌ الجواب على هذا مِنْ وجوهٍ

- ‌الوجه الأول: أن كلامَ السيد في المسألة الأولى دالٌّ دِلَالَة واضِحَة على أنَّه يَدَّعِي أنَّه غير مجتهِدٍ، بل يدعي أنَّه لا مجتهدَ في الزَّمان

- ‌الوجه الثاني: أن نَقول: ما مُرَادك بهذا الإنتاج

- ‌الوجه الثالث: أنْ نقولَ: ما قصدُك " ويُستفتى مَنْ ليْس بعَلِيم

- ‌ في كلام السيدِ هذا أنظار

- ‌النظر الأول: أنه تعرَّض لتفسير كلامِ المؤيَّد باللهِ مِنْ غيرِ غَرَابَةٍ في ألفاظِهِ

- ‌النظر الثاني: أنَّ السيدَ في كلامه هذا قد أجاز التَّرجيح بالأخبار لبعضِ المُقَلِّدين

- ‌النَّظر الثالث: أنِّي لَمْ أُوجِبِ الترجيح بالأخبار على جميع المكلَّفين مِنَ العامَة

- ‌النظر الخامس: أنَّه وعد بضربِ مَثَلٍ، ولم يأتِ بما يَصْلُحُ أن يُسَمَّى مثلاً مضروباً عِنْدَ البُلغاءِ

- ‌ ضَعْفُ كلامِ السيِّدِ في هذا يتبيَّنُ بأنظار

- ‌النظر الأول: أنَّه مَنَعَ مِنْ جوازِ التَّرجيح للمقلِّدِ في كُلِّ مسألة

- ‌الوهم الأول: أنَّه عَوَّلَ على إجماعِ العامَّة المقلِّدين

- ‌الوهم الثاني: أنا لو سلَّمنا أنَّ إجماعُهم صحيحٌ، لما دلَّ على مذهبه

- ‌الوهم الثالث: وَهم أنَّ المقَلِّدِينَ مُجمعون على الالتزام

- ‌النظر السادس: قول السَّيِّد: إنَّ هذا لو وقع في زماننا، لأنكره النَّاس، عجيب أيضاً

- ‌النظر السابع: أنَّ السيِّدَ جاوزَ حدَّ العادة في الغُلُوِّ

- ‌النَّظر الأول: أنَّ السيدَ استدلَّ، ثم استثنى

- ‌النظر الثاني: أنَّ ما جاز في ذلك على المقلِّدِ جاز على المجتهد

- ‌النَّظر الرابع: أنَّ كلامَه في هذا الفصل يستلزِمُ اشتراطَ السَّفرِ والخطرِ في صِحَّة الاجتهاد

- ‌ الجواب على ما ذكره من وجوه:

- ‌الوجه الرابع: أنَّ اعتراضَ كتبِ الحديث الصَّحاح بأنَّ فيها ما ليس بصحيح عندَ غيرهم، عمَلُ منْ لم يعْرِفْ ما معنى الصحيح عند أهله

- ‌القسمُ الأول: ما يتعلَّقُ بأحكامِ التَّحليل والتَّحريم المشهورة مِنْ روايةِ الثِّقات

- ‌الحديث الأول: تحريمُ الوَصْلِ في شعور النِّساء

- ‌الحديث الثاني: "لا تَزَالُ طائفَةٌ منْ أُمَّتِي ظَاهِرينَ عَلى الحَقِّ

- ‌الحديثُ الثالث: النَّهي عن الركعتين بَعْدَ العصر

- ‌الحديثُ الخامس: "إنَّ هذا الأمْرَ لا يزالُ في قُرَيْشٍ

- ‌الحديثُ السادس: حدُّ شارب الخمر

- ‌الحديث السابع: النَّهي عن لباس الحرير، والذَّهب، وجلودِ السِّباع

- ‌الحديثُ الثامن: حديثُ افتراق الأمَّةِ إلى نَيِّفٍ وسبعين فِرقة

- ‌الحديث التَّاسع: النَّهي عن سبق الإمام بالرُّكوع والسُّجود

- ‌الحديث العاشر: النَّهي عن نِكَاح الشِّغارِ

- ‌الحديث الثاني عشر: حُكْمُ مَنْ سَهَا في الصلاة

- ‌الحديث الثالثَ عشر. النَّهيُ عَنِ النِّيَاحة

- ‌الحديث الرابعَ عشر: النَّهي عَنِ التَّمادح

- ‌الحديث الخامسَ عشر: النَّهي عن كُلِّ مسكر

- ‌الحديثُ السادسَ عشر: كراهةُ رضى الدَّاخِل على القوم بقيامهم له

- ‌الحديث السابعَ عشر: النهي عن تتبع عوراتِ الناس

- ‌الحديث الثامنَ عشر: النَّهي عَنِ القِران بَيْنَ الحجِّ والعُمرة

- ‌الحديث الموفي عشرين: روى عن أخته أمِّ حبيبةَ أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كان يُصَلِّي في الثَّوب الذي يُجَامِعُها فيه ما لم يَرَ فيه أذىً

- ‌الحديثُ الأول: فَضْل إجابة المُؤَذِّنِ

- ‌الحديث الثالث: في فضل حِلَقِ الذِّكر والاجتماعِ عليه

- ‌الحديث الرابع: النَّهي عن الغَلوطات

- ‌الحديث السادس: فضل حُبِّ الأنصار

- ‌الحديث الثامن: " المؤذِّنُونَ أطْولُ النَّاسِ أعنَاقَاً يوْمَ القيامَةِ

- ‌الحديث العاشر: تحريم وصل الشعر على النساء

- ‌الحديث الحادي عشر: " العَيْنَانِ وِكاءُ السَّه

- ‌القسم الثالث: ما يُوَافِقُ مذهبَ المعترِضِ من حديثه

- ‌الحديث الثاني: النَّهْي عن لباسِ الذَّهب إلا مُقَطَّعاً

- ‌القسمُ الرابعُ: ما يتعلَّقُ بالفضائل، مما ليس بمشهور

- ‌الحديث الثالث: حديثُ الفصل بَيْنَ الجُمُعَةِ والنّافلة بعدَها بالكلام

- ‌الحديث الرابع: " كُلُّ ذَنْبٍ عَسَى اللهُ أنْ يَغْفِرَهُ إلا الشِّرْكَ باللهِ، وَقَتْلَ المُؤْمِنِ

- ‌القسم الخامس: ما لا يتعلَّق به حُكْمٌ

- ‌الحديث الأول: حديث وفاةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وهو ابنُ ثلاثٍ وستِّين

- ‌فإن قلت: فما الوجه في روايتهم عنه؟فالجواب من وجهين:

- ‌الجوابُ من وجهين معارضةٌ وتحقيق

- ‌الوجه الثاني: التَّحقيق، وبيانُه أنْ نقولَ: توهم السَّيِّدُ أنَّ الشهادةَ على الزِّنى إذا لم يتمَّ نِصَابُها كانت قذفاً

- ‌الوهم التاسع: قال: ومنهم الوليد بنُ عقبة

- ‌الوهم العاشر: توهَّم السَّيّدُ أنّ الوليد منَ الرُّواة المعتمدين في الصِّحاح في الحديث عند أبي داود

- ‌الوهم الحادي عشر: ذكر السيِّد أنَّ الوليد مذكورٌ في غير " سُننِ أبي داود " من كتب الحديث، وهذا الوهم أفحشُ مِنَ الذي قبلَه

- ‌الوهم الثالث عشر: قال: ومنهم أبو موسى الأشعري نَزَعَ علياً الّذي ولّاه الله ورسوله

- ‌ ونَزيدُ على هذا وجوهاً

- ‌الوجهُ الأولُ: بيانُ القَدْح في أصلِ هذه الروايةِ

- ‌الوجهُ الثاني: المعارضةُ لذلك بثناءِ الإمام المنصورِ بالله على أحمدَ

- ‌الوجهُ الثالثُ: المعارضةُ لذلكَ من روايةِ الحنابلةِ وأهلِ الحديثِ

- ‌ ولنختم هذا الفصل بتنبيهين

- ‌التنبيه الثاني: ينبغي التأمُّلُ لَهُ، وذلك أنَّه قد يقع التَّساهلُ في نقل المذاهبِ مِنْ أهلِ كُتب المِلَلِ والنِّحَلِ

- ‌الفصل الثاني: في تحقيق مذهبِ أحمدَ بنِ حنبل وأمثالِه مِنْ أئِمَّة الحديث، وهُم طائفتان

- ‌أحدهما: القولُ بأنَّ النَّظر فيما أمر اللهُ تعالى بالنظر فيه

- ‌ثانيهما: أنَّهم يُنكرون القولَ بتعيُّنِ طرائقِ المنطقيِّين والمتكلِّمين للمعرفة

- ‌الوظيفة الأولى: التقديس:

- ‌الوظيفة الثانية: الإِيمانُ والتصديق:

- ‌الوظيفة الثالثة: الاعتراف بالعجزِ عن معرفةِ حقيقة هذه المعاني

- ‌ الوظيفة الرابعة: السُّكوت

- ‌ الموضعُ الثالث: تأويلُ العالِمِ مع نفسِه في سِرِّ قلبه

- ‌الوظيفةُ السابعة: التسليمُ لِقولِ الله تعالى، ولحديثِ رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌الأصلُ الرابع: أنَّهم في طول عصرهم إلى آخر أعمارهم ما دَعَوا الخَلْقَ إلى البحث

- ‌ فصل: ولعلك تقول: الكف عن السؤال، والإمساك عن الجواب من أين يغني

- ‌ فإن قيل: بم يميز المقلد بين نفسه، وبين اليهودي المقلِّد

- ‌الرابع: من المعلوم أيضاً أن في كل طائفة عظيمة بلهاء بُلداء، وإنّ في الزيدية

- ‌السادس: أنّ الفلاسفة تدَّعي من التَّحذلق مثل ما أنت مُدَّعٍ

الفصل: ‌الوظيفة السابعة: التسليم لقول الله تعالى، ولحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم

الصَّالحين، وقرائنَ مِنْ هذا الجنس تُناسِبُ طباعَهم مناسبةً أشدَّ مِنْ مناسبة الجدل والدّليل.

فإذا كان كلُّ واحدٍ من العِلاجَيْنِ يُناسِبُ قوماً دونَ قوم، وجبَ ترجيحُ الأنفعِ في الأكثر، والمعاصرون لِرسول الله صلى الله عليه وسلم المؤيَّدِ بروح القدس، المكاشَفِ مِنَ الله سبحانه بالوحي بأسرارِ عباده وبواطنهم أعرفُ بالأصوبِ والأصلحِ قطعاً، فسلوكُ سبيلِهم -إذن لا محالة- أفضلُ وأصوبُ وأعدلُ.

‌الوظيفةُ السابعة: التسليمُ لِقولِ الله تعالى، ولحديثِ رسول الله صلى الله عليه وسلم

-، ولأصحابه، وتابعيهم النَّاقلين إلينا شريعتَه عليه السلام، وأن لا نَتَّهِمَ منهم أحداً، لثبوت عدالتهم في سائرِ لوازِم الشريعة، فإنَّهم نقلوها عن معْدِنِ النبوة، وعُنصرِ الرِّسالة، ولنعلمَ أنَّ البيانَ لا يجوزُ تأخيره عِنْدَ الحاجة، وقد بيَّن لهم صلى الله عليه وسلم جميعَ ما أرسله الله تعالى به، حتى قال فلان: عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُم كُلَّ شيْءٍ حتى الخراءة، فقال الصَّحابي: أجل، وذكر الحديث (1)، وحتى قال عليه السلام في خُطبة الوداع:" إِنَّ الزّمانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ الله السماوات والأرْضَ: السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً، مِنْهَا أرْبَعَةٌ حُرُمٌ: [ثلاثةٌ مُتَوالِياتٌ] ذُو القَعْدَةِ، وذُو الحِجَّةِ، والمُحَرَّم، ورَجَبُ [مُضَرَ] الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ "(2). هذا فيما لا يضُرُّ جهله،

(1) أخرجه أحمد 5/ 437، ومسلم (262)، وأبو داود (7)، والترمذي (16) وابن ماجه (316)، والنسائي 1/ 38 و44 من حديث سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: قيل له: قد علمكم نبيكم صلى الله عليه وسلم كُلَّ شَيْءٍ حتى الخِراءة، قال: فقال: أجَلْ، لقد نهانا أن نستقبلَ القبلةَ لغائطٍ أوْ بولٍ، أو أن نستنجى باليمينِ، أو أن نستنجي بأقلَّ من ثلاثةِ أحجارٍ، أو أن نستنجيَ برجيع أو بعظم.

(2)

أخرجه البخاري (3197) و (4406) و (5550) و (7447)، ومسلم (1679)، وأبو داود (1947)، وأحمد 5/ 37 و73 من حديث أبي بكرة.

ص: 370

كيف في أمر التوحيد؟ فلو عَلِمَ صلى الله عليه وسلم أنَّ الحاجة داعيةٌ إلى تأويل صفات الله، وأنَّه يلزمُ الخلقَ كيفيَّةُ معرفتها، لَمَا وَسِعَهُ إِلَاّ البيانُ، وفي عَدَمِ ذلك دليلٌ على كَذِب مُدَّعيه، فلا يرفع أحدٌ طَرْفَه إلى كيفيّة معرفة صفات الله من قِبَلِ عقله إِلَاّ غضَّه الدَّهَشُ والحيرة، فانقلب إليه البصر خاسئاً وهو حسيرٌ، فهذا ما يجبُ على المسلمين أن يُؤمنوا به جُملةً، وأنْ يُحيطوا به تفصيلاً، فهذه هي الوظائفُ السَّبْعُ الواجبةُ على الخلق في الآي والأخبارِ، وهي مذهبُ السَّلف، والآن فنقيمُ الدَّليل على أنَّ الحقَّ هو مذهبُ السَّلفِ دونَ المتكلِّمين.

الباب الثاني: في إقامة البرهان على أنَّ الحقَّ هو مذهبُ السَّلفِ، وعليه برهانان: عقليٌّ وسمعيٌّ، أمَّا العقليُّ، فمعنيان: كليٌّ وتفصيليٌّ، أمَّا البُرهانُ الكليُّ، فينكشفُ بتسليمِ أربعةِ أصول هي مسلَّمَةٌ عندَ كُلِّ عاقل.

الأول: أنَّ أعرفَ الخلقِ بصلاحِ أحوالِ العبادِ هُوَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، فإنَّ جميع ما يَنْفَعُ في الآخرة أو يَضُرُّ لا سبيلَ إلى معرفته بالتَّجرِبَةِ كَمَا عُرِفَ الطِّبُّ بالتَّجرِبَةِ، إذ لا مجالَ للعلومِ التَّجرِيبية إلا بما يشاهد (1) على سبيل التَّكررِ، ومَنِ الَّذِي رجع مِنْ ذلك العالَم، فأدرك بالمشاهدة ما نفع وضرَّ، فأخبر عنه، ولا يُدْرَكُ بقياس العقل، فإنَّ العقولَ قاصرةٌ عَنْ ذلك، والعقلاءُ بأجمعهم معترفون بأنَّ العقل لا يَهْدِي إلى ما (2) بعد الموت، ولا يُرْشِدُ إلى وجه ضررِ المعاصي، ونفعِ الطاعات، لا سيَّما على سبيل التَّفصيل والتَّحديد، كما وردت الشَّرائع، فأقرَّوا بجملتهم أنَّ ذلك لا يُدْرَكُ

(1) في (ش): بشاهد.

(2)

" إلى ما " ساقطة من (ش).

ص: 371

إلَاّ بنور النُّبُوَّة، وهي قوَّةٌ وراء قوَّةِ العقل، يُدرك بها مِنْ أمرِ الغَيْبِ في الماضي والمستقبل أمورٌ، لا على طريق التَّعريفِ بالأسرارِ العقلية، ونذكر ها هنا خبرَ المبعث، وشقَّ جبريل لقلبه عليهما السلام، وغسلَه بماءِ زمزمَ، وحشوَه السَّكينَة والحكمَةَ، وقوله صلى الله عليه وسلم:" فَكأنَّما أشَاهِدُ الأمْرَ مُشاهَدةً "(1).

(1) انظر حديث أنس بن مالك عند مسلم (162)(261) في الإيمان، باب: الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحمد 3/ 121 و149 و288، والبيهقي في " دلائل النبوة " 1/ 146 - 147، ولفظ مسلم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل صلى الله عليه وسلم وهو يلعبُ مع الغلْمان، فأخذَهُ فَصَرَعَهُ، فَشَقَّ عن قلبه، فاستخرج القلب، فاستخرج منه علقةً، فقال: هذا حظ الشيطان منك، ثم غَسله في طستٍ من ذهب بماءِ زَمْزَمَ، ثم لأمهُ، ثم أعاده في مكانه، وجاء الغلمان يَسْعَوْنَ إلى أمِّهِ (يعني ظِئْرَه) فقالوا: إن محمداً قد قُتِلَ، فاستقبلوه وهو منتقعُ اللونِ. قال أنسٌ: وقد كنتُ أرى أثَرَ ذلك المخيطِ في صدره.

وأخرجه ابن هشام في " السيرة " 1/ 175 عن ابن إسحاق، حدثني ثور بن يزيد، عن بعض أهل العلم، ولا أحسبه إلا عن خالد بن معدان الكلاعي أن نفراً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا له: يا رسول الله، أخبرنا عن نفسك، قال:" نعم، أنا دعوة أبي إبراهيم، وبُشرى أخي عيسى، ورأت أمِّي حينَ حملت بي أنَّه خرج منها نور أضاء لها قصورَ الشام، واستُرْضِعْتُ في بني سعد بن بكر، فبينا أنا مع أخٍ لي خلفَ بيوتنا نرعى بَهْماً لنا، إذ أتاني رجلان عليهما ثيابٌ بيضٌ بطَسْت من ذهبٍ مملوءةٍ ثلجاً، ثم أخذاني، فشقَّا بطني، واستخرجا قلبي، فشقاه، فاستخرجا منه علقةً سوداءَ، فَطَرَحاها، ثم غَسَلَا قلبي وبطني بذلك الثلج حتى أنقياه، ثم قال أحدُهما لصاحبه: زِنْهُ بعشرة من أمَّته، فوزنني بهم، فوزنتُهم، لم قال: زِنْهُ بمئة من أُمته، فوزنني بهم فوزنتُهم، ثم قال: زِنْهُ بألفٍ من أمتِه، فوزنني بهم، فَوزنتُهم، فقالَ: دعْهُ عنك، فواللهِ لو وزنته بأمته لوزَنَها ".

وأخرجه البيهقي في " دلائل النبوة " 1/ 145 - 146 من طريق يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، به.

وأورده ابنُ كثير في " البداية " 2/ 256 عن ابن إسحاق، وقال: وهذا إسناد جَيِّدٌ قوِيٌّ.

وأخرج أحمد 4/ 184، والحاكم 2/ 154، وأبو نعيم الحافظ في " دلائل النبوة " من طرق عن بقية، حدثني بحير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن ابن عمرو السلمي، عن عتبة بن عبد السلمي أنَّه حدثهم أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: كيف كان أول شأنك يا رسول الله قال: " كانت حاضنتي من بني سعد بن بكر، فانطلقت أنا وابنٌ لها في بَهْم لنا ولم نأخذ معنا زاداً، فقلت: يا أخى اذهبْ فأتنا بزادٍ من عند أمنا، فانطلق أخي، ومكثت عند =

ص: 372

قلتُ: وقولُه صلى الله عليه وسلم في حديث الرؤيا واختصام الملأ الأعلى: " فَعَلِمْتُ ما في السَّمَاواتِ والأرْضِ "(1).

قال: وهذا مِمّا اتَّفق عليه الأوائلُ مِنَ الحُكماء، فضلاً عَنِ الأولياءِ من الحُكماء الرَّاسخين، القاصرين نظرهم على الاقتباسِ من رسول الله صلى الله عليه وسلم، المعترفين بقصورِ كُلِّ قوَّةٍ سوى هذه القوة.

الأصل الثاني: أنَّه صلى الله عليه وسلم بلّغَ (2) الخَلْقَ ما أُوحِيَ إليه من صلاحِ العبادِ

= البَهم، فأقبل طيران أبيضان كأنهما نسران، فقال أحدهما لصاحبه: أهو هو؟ قال: نعم، فأقبلا يبتدراني، فأخذاني، فبطحاني إلى القفا، فشَقَّا بطني، ثم استخرجا قلبي، فشقاه فأخرجا منه علقتين سوداوين، فقال أحدُهما لصاحبه -قال يزيد في حديثه-: ائتني بماء ثلج، فغسلا به جوفي، ثم قال: اتني بماء برد، فغسلا به قلبي، ثم قال: ائتني بالسَّكينة، فذراها في قلبي، ثم قال أحدُهما لصاحبه: حصه (أي: خِطْهُ)، فَحَاصَه، وَخَتَمَ عليه بخاتم النبوة، وقال حيوة في حديثه: حصه فحصه وأختم عليه بخاتم النبوة، فقال أحدْهُما لصاحبه: اجعلْه في كَفَةٍ، واجعل ألفاً من أمته في كفة، فإذا أنا أنْظُرُ إلى الألفِ فوقي، أشفق أن يَخِرَّ عليَّ بعضهم، فقال: لو أنَّ أمته وزنت به، لمالَ بهم، ثم انطلقا وتركاني، وفرِقْت فَرَقاً شديداً، ثم انطلقت إلى أمي، فأخبرتُها بالذي لقيته، فأشفقت على أن يكون أُلبس بي، قالت: أعيذُك باللهِ، فرحلت بعيراً لها، فجعلتني -وقال يزيد: فحملتني- على الرَّحْلِ، وركبتْ خلفي حتى بلغنا إلى أمي، فقالت: أوأديت أمانتي وذمتي؟ وحدثتها بالذي لقيت فلم يرعها ذلك، فقالت: إني رأيت خرج مني نوراً أضاءت منه قصور الشام.

وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.

وقال الهيثمي في " المجمع " 8/ 282 بعد أن نسبه لأحمد: وإسنادُه حسنٌ، وله شواهد تُقَوِّيه.

وفي الباب عن حليمة عند ابن هشام في " السيرة " 1/ 171 - 175، وأبي يعلى 333/ 2 - 334/ 1، والطبراني 24/ 212، وأبي نعيم في " دلائل النبوة "(94)، وكذا البيهقي 1/ 132 - 136، وابن حبان (2094)، ورجاله ثقات.

وعن أُبي بن كعب عند عبد الله في زوائد المسند 5/ 139، وانظر " مجمع الزوائد " 8/ 223.

وعن شداد بن أوس عند أبي يعلى، وابن عساكر، وأبي نعيم.

(1)

هو حديث صحيح، تقدم تخريجه 1/ 218.

(2)

في (ش): أبلغ.

ص: 373

فيِ مَعادهم ومَعاشهم، وأنَّه ما كتمَ شيئاً مِنَ الوحي، ولا طواه عَنِ الخلق، فإِنَّه لم يُبْعَثْ إِلَاّ لذلك، فلذلك كان رحمةً للعالمين، ولم يكن مُتَّهَماً فيه، كيف، واللهُ تعالى يقول:{وَمَا هُوَ عَلَى الغَيْبِ بِظَنِين} (1)[التكوير: 24]، وعُلِمَ ذلك منه صلى الله عليه وسلم علماً ضرورياًً في سائِرِ أحواله مِن حرصه على (2) إصلاح الخلق، وشغفِه بإرشادهم إلى صلاح مَعادهم ومَعاشهم، ما ترك شيئاً مِمَّا يقرِّبُهُم إلى الجَنة، ويرضي الله، إِلَاّ دلَّهم عليه، وأمرهم به، وحثّهم عليه، ولا شيئاً مِمَّا يقربُهم إلى النَّار وإلى (3) سَخَطِ الله، إِلَاّ حذَّرهم منه، ونَهاهم، وذلك في العلم والعمل (4) جميعاًً.

الأصلُ الثالث: أَنَّ أعرفَ النَّاس بمعاني كلامه، وأحراهم بالوقوف على كُنهه، ودرْكِ أسراره، هُمُ الَّذِين شاهدوا الوحي والتَّنزيل، وعاصروه وصَحِبُوه، بل لازموه آناءَ الليل والنهار، مستمرِّين لِفَهْمِ معاني كلامه، وَتَلَقِّيه بالعمل به أوَّلاً، والنَّقلِ إلى من بَعْدَهم ثانياً، والتَّقرُّب إلى الله تعالى بسماعه وفهمه وحفظه ونشره.

فليت شعري أيُّها المتكلمون، تتَّهمونَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بإخفائه، وكِتمانه عنهم (5)، حاشا منصحت النُّبوَّةِ عن ذلك، أم (6) تتهمون أولئك

(1) بالظاء، وهي قراءةُ ابن كثير، وأبي عمرو، والكسائي، وقرأ الباقون (بضنين) بالضاد، قالَ ابن قتيبة: من قرأ بالظاء، فالمعنى: ما هو بمتَّهَمٍ على ما يخبر به عن الله، ومن قرأ بالضاد، فالمعنى: ليسَ ببخيل عليكم بعلم ما غاب عنكم مما ينفعكم. انظر " زاد المسير " 9/ 44 بتحقيقنا.

(2)

في (ش): على سائر أحوال الخلق من الإصلاح.

(3)

" إلى " ساقطة من (ش).

(4)

في (ب): العمل والعلم.

(5)

" عنهم " ساقطة من (ش).

(6)

في (ش): أو.

ص: 374