الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الوجهُ الأولُ: بيانُ القَدْح في أصلِ هذه الروايةِ
، وذلك أنَّ أهلَ العلمِ بمذهبِ أحمدَ بنِ حنبل بَيَّنُوا أنَّ ذلكَ لا يُوجَدُ عَنْهُ إلَاّ في رسالةِ أحمدَ بنِ جعفرٍ الإصْطَخري (1). وقد رواها الذهبيُّ في ترجمةِ أحمدَ من " النبلاء " (2) فقال: أنبؤُونا عن محمدِ بن إسماعيلَ، عن يَحيى بن منْدَه الحافظِ، أخبرنا أبو الوليد الدَّرْبَنْدِيُّ (3) سنةَ أربعينَ وأربعِ مئةٍ، أخبرَنا أبو
(1) نسبة إلى اصطخر، مدينة من كور فارس التي تشمل جميع القسم الشمالي من إقليم فارس تقوم على نهر بلوارعلى بضعة أميال فوق اقترانه بنهر الكر، وعلى مسافة يسيرة غرب بقايا القصور الأخمينية. وذكر الطبري أن فتح اصطخر الأخير كان سنة ثمانٍ وعشرين وسط إمارة عثمان رضي الله عنه على يد الحكم بن أبي العاص، فأما فتحها الأول، ففي أيام عمر رضي الله عنه، قصدها عثمان بن أبي العاص، فالتقى هو وأهلها بِجُور، فاقتتلوا ما شاء الله تعالى، ثم فتح الله عز وجل على المسلمين جور، واصطخر، ودعاهم عثمان إلى الجزية فأذعنوا، وجمع عثمان ما أفاء، فخمَّسَهُ، وبعث بالخمْسِ إلى عمرَ رضي الله عنه، وقَسمَ الباقي في الناس، وعفَّ الجند عن النِّهاب، وأدوا الأمانة، فجمَعَهُم عثمانُ، وقالَ لهم: إن هذا الأمر لا يزالُ مقبلاً وأهله مُعَافَوْنَ مما يكرهون ما لم يَغُلُّوا، فإذا غَلُّوا رأوا ما يكرهون، ثم إن سهرك خلع في آخر إمارة عمر رضي الله عنه، وسَطَا على فارس، ودعاهم إلى النقض، فوجَّه إليه عثمان بن أبي العاص ثانية، وأمَدَّه بالرجال واقتتلوا، وقتل من المشركين مقتلة عظيمة، وولي قتل سهرك الحكمُ بن أبي العاص أخو عثمان بن أبي العاص.
وأحمد بن جعفر هذا ترجم له ابن أبي يعلى في " طبقات الحنابلة " 1/ 24 ترجمة لا تُخرجه عن حَيِّزِ الجهالة، فقد جاء فيها: أحمد بن جعفر بن يعقوب بن عبد الله أبو العباس الإصطخري، روى عن إمامنا أشياء، ثم ذكر رسالته المطولة التي أورد الإمام الذهبي جزءاً منها من طريق المبارك بن علي بن عمر البرمكي، أخبرنا أحمد بن عبد الله المالكي، حدثنا أبي، حدثنا محمد بن إبراهيم بن عبد الله بن يعقوب بن زوران، به.
(2)
11/ 302 - 303.
(3)
نسبة إلى دَرْبَنْد، أجل موانىء بحر قزوين، وتسميه العرب: باب الأبواب، قال ياقوت في " معجم البلدان " 2/ 449: وينسب إليه الحسن بن محمد بن علي بن محمد الصوفي البلخي أبو الوليد المعروف بالدَّربَنْدي، وكان قديماً يكنى بأبي قتادة، وكان ممن رَحَلَ في طلب الحديث، وبالغ في جمعه، وأكثرَ غايةَ الإكثار، وكانت رحلته من ما وراء النهر إلى الإسكندرية، وأكثر عنه أبو بكر أحمد بن علي الخطيب في التاريخ، مرة يُصَرَّحُ بذكر، ومرة يدلِّسُ، ويقول: أخبرنا الحسن بن أبي بكر الأشقر، وكان قرأ عليه تاريخ أبي عبد الله غنجار، ولم يكن له كبير معرفة بالحديث غير أنَّه كان مكثراً رحالاً. =
بكرٍ محمدُ بن عُبيد (1) اللهِ بن الأسود بدمشقَ، أخبرنا عبدُ الله بنُ محمد بن جعفر النُّهَاوَنْدِيُّ، أخبرنا أبو بكرِ بنُ محمدِ بنِ إبراهيمَ بن زوران لفظاً، حدثنا أحمدُ بن جعفر الإصْطَخْري، قال: قالَ أبو عبد الله أحمدُ (2) بنُ حنبلٍ: هذا مذهبُ أهلِ العلمِ والأثرِ، فمَنْ خالَفَ شَيئاً مِنْ ذلكَ أوْ عَابَ أهَلَها، فهو مبتدعٌ، وساقَ عقيدةً قبيحةً فيها (3): أنَّ الله تعالى على العرشِ، وهو مَوْضِعُ قدميه، وأنه كلَّم موسى تكليماً مِن فيه.
قالَ الذهبيُّ: إلى أنْ ذكرَ شيئاً مِنْ هذا الأُنْموذج المُنْكَرِ، والأشياء التي واللهِ ما قَالَها الإمامُ أحمدُ، فقاتَلَ الله وَاضِعَها
…
ثم (4) قالَ الذهبيُّ: فانظرْ إلى جهلِ المحدثينَ كَيْفَ يَروون (5) مثلَ هذهِ الخُرَافةَ وَيسْكُتون عَنْها (6).
قلتُ: في إسنادِها جماعة، ما عَرَفْتُهم، وعنعنةٌ في مواضعَ تحتمِلُ
= وترجم له الذهبي في " تذكرة الحفاظ " 3/ 1155، و" السير " 8/ 297، ونقل عن ابن النجار أنَّه مكثر صدوق، لكنه رديء الحفظ (وفي " السير ": الخط) ولم يكن له كبير معرفة بالحديث، وأرَّخ وفاته سنة 456 هـ.
(1)
في (ش): عبد.
(2)
" أحمد " لم يرد في (ش).
(3)
في (ش): منها.
(4)
من قوله: " قال الذهبي " إلى هنا سقط من (ش).
(5)
في (أ) يرون.
(6)
رحم الله الإمام الذهبي، ورضي عنه، وجزاه عن الإسلام خيراً، فهو بحق كما وصفه تلميذُه الصلاح الصفدي في ترجمته من " الوافي " 2/ 163 بعد أن ذكر أنَّه اجتمع به، وأخذ عنه، وقرأ عليه كثيراً من تصانيفه: ولم أجد عنده جُمودَ المحدِّثين، ولا كَوْدَنَة النَّقَلَة، بل هو فقيهُ النظر، له دِرْيةٌ بأقوالِ الناس ومذاهبِ الأئمة من السَّلَفِ، وأربابِ المقالات، وأعجبني منه ما يُعانيه في تصانيفه من أنَّه لا يتعدى حديثاًً يورده حتى يبين ما فيه من ضعف متن أو ظلام إسناد، أو طعن في رواته، وهذا لم أرَ غيرَه يُراعي هذه الفائدة فيما يُورِدُه.
سقوطَ بعضِ المجاريح، وفي إسنادِها عبدُ الله بن محمد بن جعفر، في (1) الرُّواةِ ثلاثةُ كَذَبةٍ مجاريحُ، كلُّهم يُسَمَّى عبدَ اللهِ بن محمد بن جعفر أحدُهم قاضي كنيتُه أبو القاسم. قال الذهبيُّ في " الميزانِ " (2) في ترجمتِهِ: قالَ ابن المُقرىء: رَأيْتُهم يُضَعِّفُونهُ ويُنكرونَ عليه أشياءَ، وقال ابن (3) يونُس: كانَ فَقيهاً على مذهبِ الشافعيِّ، وكانَ يُملي ويجتمع عليهِ الخلقُ، فَخَلَطَ في الآخر (4)، و (5) وضَعَ أحاديثَ على متونٍ معروفةٍ وزادَ في نُسَخٍ مَشهورة، فافتُضِحَ وحُرِقَتِ الكتبُ في وجهِهِ، وقال الحاكمُ، عن (6) الدارقطنيّ: كذابٌ، ألَّفَ كتابَ " سننِ الشافعيّ "، وفيها نحوُ مِئَتَيْ حديثٍ لم يُحَدِّثْ بها الشافعيُّ، قال ابنُ زَبْر ماتَ سنةَ 315.
ومنهم عبدُ اللهِ بنُ محمد بن جعفر بن شَاذَان، شيخٌ لا يُعرَفُ، كَذَّبَهُ ابن الجَوْزيّ.
ومنهُم عبدُ اللهِ بن محمد بن جعفر المخَرَّميّ كَذَّبَهُ الدارَقُطنيُّ والكبارُ، انتهى كلامُ الذهبي في " الميزانِ ".
قلتُ: وقد رُوِيتْ هذه العقيدةُ المنكرةُ عن (7) أهلِ الحديثِ والسنةِ، لا عن أحمدَ، بطريقينِ غيرِ هذه الطريقِ، وكلا الطريقينِ غيرُ صحيحٍ.
(1) في (ش): وفي.
(2)
2/ 495 و498.
(3)
تحرف في (ب) إلى: " أبو".
(4)
في (ش): الأحرف.
(5)
الواو ساقطة من (ش).
(6)
" عن " سقطت من (ب).
(7)
في (ب): عند.
أحدُهما: طريقُ الأشعريِّ عنهم، ذكرَها ابنُ قيْمِ الجَوْزيةِ عَنْهُ في البابِ الأولَ من " حادي الأرواح "(1).
وقالَ الذهبيُّ في ترجمةِ زكريا بن يَحيى المعروفِ بالسَّاجي في الطبقة العاشرةِ من " التذكرة "(2): إن الأشعريَّ أخَذَ عن السَّاجي تحريرَ (3) مقالةِ أهلِ الحديثِ والسلفِ، قالَ الذهبيُّ: قال ابن بَطَّة: حدثنا أحمدُ بن زكريا بن يحيى السَّاجي، قال (4): قال أبي: القولُ في السنةِ الَّتي رأيتُ عَلَيها أهلَ الحديثِ الَّذِين لَقِيتُهم: أنَّ اللهَ عَلَى عرْشِهِ في سمائِهِ يَقْرُبُ (5) من خلقِه كيفَ شَاءَ، وذكرَ سائرَ الاعتقادِ. انتهى.
قال الذهبيُّ في " الميزانِ "(6) في ترجمةِ زكريا بن يحيى السَّاجي راوي (7) هذا الاعتقاد: قال أبو الحسنِ القطان: مختلفٌ فيهِ في الحديثِ، وثَّقه قومٌ وضَعَّفَهُ آخرونَ.
قلت: فسقَطَ الاحتجاجُ بهِ (8)، أمَّا إنْ قُلنا بتقديمِ الجَرحِ فواضحٌ،
(1) ص 11 - 14، وقد نقلها ابن القيم من كتاب " مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين " ص 290 - 297 للإمام أبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري المتوفى سنة 324 هـ.
(2)
2/ 709.
(3)
سقطت من (ب).
(4)
سقطت من (ب)، وهي أيضاًً ساقطة من المطبوع من " تذكرة الحفاظ ".
(5)
في (ب): تقرب.
(6)
2/ 79.
(7)
في (ش): " روى "، وهو خطأ.
(8)
فيه نظر، فقد انفرد أبو الحسن بن القطان بهذه المقالة، ولم يُتابعه عليها أحد، وقول الإمام الذهبي فيه في " الميزان ": أحد الأثبات، ما علمتُ فيه جرحاً أصلاً، يرد مقالة أبي الحسن بن القطان، ووصفه في " تذكرة الحفاظ " 2/ 709، و" السير " 14/ 197، و" العبر " 2/ 134 بالإمام الثبت الحافظ محدث البصرة، وشيخها، ومفتيها، وأنه من أئمة =
وإنْ قُلنا بتقديمِ الراجحِ، فلِعدم وضوحِ الراجح معَ أنَّه ليسَ في روايته إِلَاّ عَمَّن رأي وأدْرَك، وهذهِ عبارهٌ مُحتَمَلةٌ، وقد يكونُ له جماعةُ شيوخٍ مبتدعةٌ، فيُطلِقُ عنهمْ مثلَ هذا، وإنَّما هُوَ عنهم لا سيَّما مع ضعفِه وكم في دَعاوي الإجماعِ نحوُ هذا؟.
الطريقُ الثانيةُ: أَشارَ إليها في البابِ السبعين (1) من هذا الكتابِ المذكورِ (2) لابنِ قَيمِ الجَوزيةِ ذكَرَها عن حرب (3)، و (4) هو ابنُ إسماعيلَ الكِرْماني من أصحاب أحمدَ، ذكره الذهبيُّ في " التذكرة "(5)، فلَمْ يذكرْ
= الحديث، وذكر أن له مصنفاً جليلاً في علل الحديث يدل على تبحره وحفظه.
وقال الحافظ في " لسان الميزان " 2/ 488: ولا يغترَّ أحدٌ بقول ابن القطان، قد جازف بهذه المقالة، وما ضعف زكريا السَّاجي هذا أحدٌ قَط كما أشار إليه المؤلف (يعني الذهبي)، وقد كان مع معرفته بالفقه، والحديث، وتصنيفه في الاختلاف كتابه المشهور، وفي العلل كتابه الآخر، عاليَ الإسناد، سمع من عبيد الله بن معاذ، وأبي الربيع الزهراني، وعبد الواحد بن غياث، وهدبة، وأبي كامل الجحدري، وعبد الأعلى بن حماد، وابن أبي الشوارب وغيرهم من شيوخ مسلم، وحدث عن أبيه يحيى، عن جرير، ورحل من مصر، والحجاز، والكوفة، روى عنه أبو بكر الإسماعيلي، وأبو أحمد بن عدي، وأبو عمرو بن حمدان، وابن السقاء، ويوسف بن يعقوب النجيرمي، وعلي بن يعقوب الوراق وغيرهم، وحدَّث عنه أيضاًً أبو الحسن الأشعري، وأخذ عنه مذاهب أهل الحديث، وذكره ابن أبي حاتم 3/ 106 فقال: كان ثقة، يعرف الحديث والفقه، وله مؤلفات حسان في الرجال، واختلاف العلماء، وأحكام القرآن.
قلت: وبعد أن انتهى أبو الحسن الأشعري من حكاية قول أصحاب الحديث، وأهل السنة في المعتقد، قال: وبكل ما ذكرنا من قولهم نقول، وإليه نذهب، وما توفيقنا إلا بالله، وهو حسبنا، ونعم الوكيل، وبه نستعين، وعليه نتوكل، وإليه المصير.
(1)
تحرفت في (أ) و (ب) و (ج) إلى " التسعين "، والتصويب من (ش).
(2)
ص 287 - 292.
(3)
تحرفت في (ش) إلى: حرف.
(4)
الواو ساقطة من (ش).
(5)
2/ 613، ووصفه بالفقيه الحافظ، وترجم له أيضاً في " السير " 13/ 244 - 245، وجاء فيه: قال الخلال: كان رجلاً جليلاً، حثني المرُّوذي على الخروج إليه. قلت (القائل الذهبي): مسائل حرب من أنفس كتب الحنابلة، وهو كبير في مجلدين، قيد تاريخ =
أنَّ أحداً وثَّقَه، ولو ظَهَرَ الإِسنادُ إليه لظهر من فيهِ من الضعفاءِ، ومَنْ لا يُوثَقُ بهِ.
ويُعارِضُ هذينِ الروايتينِ عن أهلِ السنةِ ما رواه الإمامُ الثقةُ الحجةُ المتفقُ على ثقتِه وأمانتِه (1) يحيى بنُ شرفِ الدين النواوي في " شرحِ مسلمٍ "(2) في تفسيرِ قولهِ تعالى: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ} [القلم: 42]، كما يأتي قَريباً في الوجهِ الثالثِ، ومَا اشتملَ عليهِ كتابُ " الأسماءِ والصفاتِ " للبيهقي (3)، وهو أنفسُ كتابٍ في هذا المعنى، فَلَوْ صَحَّ التمسكُ في تكفيرِ أئمةِ الإِسلامِ ولَطْخِهم بالرذائلِ بمثل هذه (4) الطريقةِ، لَزِمَ المعترضَ طَرْدُ هذه القاعدةِ الفاسدةِ، وقبولُ ما وجد في كتابِ " الكاملِ المنيرِ " (5) من أنَّ القاسمَ يقولُ: بأنَّ الإمامَ يجِبُ أن يكونَ يعلَمُ
= وفاته عبد الباقي بن قانع في سنة ثمانين ومئتين، قال الذهبي: عُمِّرَ وقاربَ التسعين، وما علمت به بأساً رحمه الله تعالى.
(1)
" ثقته وأمانته " سقطت من (ش).
(2)
3/ 19، وسيذكر المصنف نص قريباً.
(3)
طبع الكتاب بمطبعة السعادة بمصر سنة 1358 هـ، وعليه تعليقات للشيخ محمد زاهد الكوثري.
وقد ألف الإمام البيهقي كتاباًً في مناقب الإمام أحمد دفع فيه ما نسب إليه بعض أصحابه من الكلمات الموهمة، ومن جملة ما قال فيه نقلاً عن الإمام أبي الفضل التميمي رئيس الحنابلة ببغداد، وابن رئيسها: أنكر أحمد على من قال بالجسم، وقال: إن الأسماء مأخوذة من الشريعة واللغة، وأهل اللغة وضعوا هذا الاسم على ذي طول وعرض وسمك وتركيب وصورة وتأليف، والله سبحانه خارج عن ذلك كله، فلم يجز أن يسمى جسماً لخروجه عن معنى الجسمية، ولم يجىء في الشريعة ذلك، فبطل.
(4)
في (ش): " بهذه " وهو خطأ.
(5)
تمامه: " الكامل المنير جوانب الخوارج " للقاسم بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم، وهو في الرد على الخوارج الذين طعنوا فيه على أمير المؤمنين، وعنفوا شيعته. منه نسخة خطية في المكتبة الغربية بالجامع الكبير بصنعاء في 62 ورقة، كتب بخط نسخي جيد سنة 1352 هـ. انظر " الفهرس " ص 198. =