الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وأصلُ هذا إلزام لأبي الحسين المعتزلي، حيث قال: بأن المعدومَ ليس بشيء، وأنَّ عِلْم الله به يتعلَّقُ بأنَّه سيوجد (1)، فألزمه الرَّازي ذلك، وذلك (2) مِنَ البَطَلْيُوسِي وَهْمٌ فاحشٌ نشأ مِنْ سماعِه بأنَّ المعتزلة تُنْكِرُ القدر، فظنَّ (3) أن المعتزلة تُنْكِرُ العِلْمَ السَابِقَ، وهذا بناء منه على أنهم يُفَسرُون القَدَرَ (4) بالعلم، وليس كذلك، وإنَّما يُفَسِّرون القدر الذي ينفونه بِمَا يوجِبُ الاضطرارَ، وينفي الاختيارَ، والقدرُ المفسَّرُ بذلك مُتَّفقٌ على نفيه عِنْدَ أهل السُّنة أيضاً كما سيأتي بيانُه (5) في الوهم الثامن والعشرين (6).
الفصل الثاني: في تحقيق مذهبِ أحمدَ بنِ حنبل وأمثالِه مِنْ أئِمَّة الحديث، وهُم طائفتان
.
= البطليوسي إليه طائفة أخرى من شعر أبي العلاء بعضها من لزوم ما لا يلزم، وبعضها الآخر من سائر دواوينه، وانفرد من بين شارحين بترتيب السقط على حروف المعجم.
وابن السَّيِّد البطليوسي: هو العلامة أبو محمد عبد الله بن محمد بن السَّيِّد النحوي، كان عالماً بالآداب واللغات متبحراً فيهما، مقدماً في معرفتهما وإتقانهما، سكن مدينة بلنسية، وكان الطلبة يجتمعون إليه، ويقرؤون عليه، ويقتبسون منه، وكان حسن التعليم، جيد التفهيم، ثقة، ضابطاً، ألف كتباً نافعة ممتعة غاية في الجودة، طبع غير واحد منها. مات في بلنسية التي اتخذها موطناً له، فألف معظم كتبه فيها في رجب سنة إحدى وعشرين وخمس مئة. مترجم في " السير" 19/ 532 - 533.
والبطليوسي -بفتح الباء الموحدة، والطاء المهملة، وسكون اللام، وفتح الياء، وسكون الواو-: نسبة إلى بطليوس، مدينة كبيرة بالأندلس، من أعمال ماردة على نهر آنة غربي قرطبة، وكانت عاصمة بني الأفطس التجيبيين في عهد ملوك الطوائف.
(1)
في (ب): " سيوجب "، وهو خطأ.
(2)
في (ش): فذلك.
(3)
في (ش): وظن.
(4)
في (ش): القدرة.
(5)
ساقطة من (ش).
(6)
في (ب) و (ش): " والعشرون " وهو خطأ.
الطائفة الأولى: أهلُ الحديث، والأثر، وأتباعُ السُّنن والسَّلف الذين (1) ينهون عَنِ الخوض في علم الكلام، ولا يحتجُّون على مذهبهم إلَاّ بما عرَفتْهُ عقولُهم مِنْ غير تقليدٍ ممَّا علَّمَهُ الله تعالى رُسُلَهُ وسائر عبادِهِ مِن الأدِلة، وكيفية الاستدلال، ولا ينظرون إلَاّ فيما أمرهم أن ينظروا فيه، كما أنَّ طلبةَ علمِ النظر يتعلمون مِنْ كُتُب (2) شيوخهم مِنْ غير تقليد، فكذلك (3) أهلُ الأثر ينظرون مِنْ غير تقليدٍ في كتاب الله، ويَسْتَدِلُّونَ بذلك، وبِمَا جرى مِنْ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأصحابه، وسلفِ الأمَّة المُجْمَعِ على صلاحهم منَ الاستدلال به على الله تعالى، وعلى نُبُوة أنبيائه مثلما حكى الله تعالى عن موسى عليه السلام في الاستدلال على فرعونَ في مجادلتهما، قال الله تعالى:{قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ (30) قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (31) فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ} [الشعراء: 30 - 32] الآيات، وهي صريحةٌ في الاستدلال على الله سبحانه، وعلى صحّة النُّبُوَّةِ معا (4)؛ لأنها في الردِّ على فرعون في قوله:{وَمَا رَبُّ الْعَالَمِين} [الشعراء: 23]، كما هو صريحٌ في أوَّلِ الآية، فكذلك (5) في قوله تعالى:{وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ} [الواقعة: 62]، وقوله سبحانه:{أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِين} [يس: 77]، وقوله في الاحتجاج بمعجز القرآن الكريم: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ
(1) في (ش): الذي.
(2)
ساقطة من (ش).
(3)
في (ش): وكذلك.
(4)
ساقطة من (ب).
(5)
في (ش): وكذلك.
وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (23) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} [البقرة: 23 - 24].
قالوا: فإذا القدر منَ الأدلَّة تَطَابقَ على صِحته العَقْل (1) والسَّمعُ الَّذي هو النَّص والإجماعُ، والتمسُّك به أسلم (2)، والتَمسُّك بالطُرق المبتدَعة على أساليب أهلِ الفلسفة تُوقِعُ في الحَيْرَةِ، وتجرُ إلى البدعة، ويتولُّدُ منه تقرير قواعد غلطية (3) تُخَالِفُ فِطَرَ العُقول، ونُصوصَ المنقولِ.
فهولاء كتابُهُمُ القرآنُ، وتفسيرُهُمُ الأخبارُ، والآثار، ولا يَكَادُ يُوجد لهم كتاب في العقيدة، فإنْ وُجِدَ، فالَّذي فيه إنما هو بمعنى الوصيَّة المحضةِ بالرُّجوع إلى الكتاب والسُنَّة، وهم لا يَعنونَ بالرُّجوع إليهما (4) نفيَ النَّظر، وتركَ العقل، والاستدلالِ البَتّة، وقد صَرَّحوا بالنظر والاستدلال العقلي كما ذكره صاحب " الوظائف "(5)، والزنجاني في قصيدته الرائية، وفي شرحها، وهي القصيدة الشهيرة التي أولها:
تَمسَّكْ بِحَبْلِ اللهِ واتَّبع الأثَرْ
كما أنَّه قد صرَّح بذم الكلام خلقٌ مِمَّن خاض في لُجَجه، وبَرَّزَ في حججه كما يأتي ذكرُه إن شاء اللهُ تعالى.
(1) في (ش): صحة الفعل، وهو خطأ.
(2)
عبارة " والتمسك به أسلم " ساقطة من (ش).
(3)
في (ب): " غليظة "، وهو تحريف.
(4)
في (ش): إليها.
(5)
في (ش): الوصائف.
وفي " كشف الظنون " 2/ 2015: الوظائف في المنطق لشمس الدين محمد بن موسى المغربي المتوفى سنة 683 هـ. وانظر " العبر " 3/ 354.