المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الوهم العاشر: توهم السيد أن الوليد من الرواة المعتمدين في الصحاح في الحديث عند أبي داود - العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم - جـ ٣

[ابن الوزير]

فهرس الكتاب

- ‌الجزء الثالث

- ‌الدعوى الأُولى: ادَّعَى أنَّ أحاديثَ الفقهاءِ متعارضَة في وضع اليَدِ على اليد

- ‌الدعوى الثانية: ادَّعى أنَّ العُمُومَ يعارِضُ الخصوصَ إذا جُهِلَ التاريخُ

- ‌الوجه الرابع: سلَّمنا أنا لَمْ نقلْ بجوازِ الجَهْرِ والإخفات معاً

- ‌الوجه السابع: أنَّ الخبَرَ إذا وَرَدَ في شَيْءٍ، ظهر في الأصل ظُهوراً عامَّاً

- ‌الوجه التاسع: سلَّمنا سلامَةَ هذا الحديثِ منْ جميعِ هذِهِ المَطَاعِنِ، فإنَّه حديث مُرْسَل

- ‌الوجه الحادي عشر: أنَّ هذا كُلهُ بناءٌ على أنَّا ما تَمَسَّكْنَا في المسأَلَةِ إلأَ بحديثِ فاسِقِ التَّأْويلِ

- ‌الوجه الثَّاني عشر: أنَّ السيدَ نَصَّ على أنَّا نُرَجِّحُ فُسَّاق التَّأويلِ

- ‌الإِشكال الأول: أنَّ المحدِّثينَ قد نصُّوا على عَكْسِ ما ذَكَرَهُ السيد

- ‌الإشكال الثالث: سلَّمنا للسيدِ أنَّ ذلكَ مَذْهَبُ الأوزريِّ

- ‌الإشكال السَّادسُ: سلَّمنا أنه يلزمُهُم

- ‌ الجواب عَنِ السيِّدِ في هذا مِنْ وُجُوهٍ

- ‌الوجه الثاني: أنَّ السيدَ غَلِطَ على ابنِ الصَّلاحِ، ولم يَنْقُلْ عنه مَذْهَبَه

- ‌ في كلامِ السيدِ هذا مباحثُ

- ‌البحثُ الرَّابعُ: أنَّ السيد ادَّعى على الرجُلِ في أَوَّلِ كلامِهِ أنَّه ادَّعى إجماعَ الفقهاءِ، ثُم ألزَمَهُ هُنا أنْ يَجْمَع لَهُ الأمَّةَ في صَعِيدٍ واحِدٍ

- ‌البحثُ السَّادِسُ: أنَّه ادَّعى إجماع العُلمَاءِ

- ‌البحث السابع: أنَّك إمَّا أنْ تُنْكِر الإجماعَ السُّكُوتيَّ أم لا

- ‌البحث التاسع: يتفضَّلُ السَّيِّدُ ويخبرُنا مَنِ الذي يقولُ مِنْ أهلِ البَيْتِ بطلاقِ زوجة هذا الحَالفِ

- ‌البحث العاشر: أنَّ الظَّاهِرَ إجماعُهم عليهم السلام على ذلِكَ

- ‌البحث الثالث عشر: أنَّه لا طريقَ إلى العِلْمِ بِأنَّ الحديثَ المُتَلَقَّى بالقَبُول هوَ بِنَفْسِهِ لفظُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم

- ‌ المضعَّف عليهما نوعان

- ‌النوع الأول: المعلولُ

- ‌ الجواب على هذا مِنْ وجوهٍ

- ‌الوجه الأول: أن كلامَ السيد في المسألة الأولى دالٌّ دِلَالَة واضِحَة على أنَّه يَدَّعِي أنَّه غير مجتهِدٍ، بل يدعي أنَّه لا مجتهدَ في الزَّمان

- ‌الوجه الثاني: أن نَقول: ما مُرَادك بهذا الإنتاج

- ‌الوجه الثالث: أنْ نقولَ: ما قصدُك " ويُستفتى مَنْ ليْس بعَلِيم

- ‌ في كلام السيدِ هذا أنظار

- ‌النظر الأول: أنه تعرَّض لتفسير كلامِ المؤيَّد باللهِ مِنْ غيرِ غَرَابَةٍ في ألفاظِهِ

- ‌النظر الثاني: أنَّ السيدَ في كلامه هذا قد أجاز التَّرجيح بالأخبار لبعضِ المُقَلِّدين

- ‌النَّظر الثالث: أنِّي لَمْ أُوجِبِ الترجيح بالأخبار على جميع المكلَّفين مِنَ العامَة

- ‌النظر الخامس: أنَّه وعد بضربِ مَثَلٍ، ولم يأتِ بما يَصْلُحُ أن يُسَمَّى مثلاً مضروباً عِنْدَ البُلغاءِ

- ‌ ضَعْفُ كلامِ السيِّدِ في هذا يتبيَّنُ بأنظار

- ‌النظر الأول: أنَّه مَنَعَ مِنْ جوازِ التَّرجيح للمقلِّدِ في كُلِّ مسألة

- ‌الوهم الأول: أنَّه عَوَّلَ على إجماعِ العامَّة المقلِّدين

- ‌الوهم الثاني: أنا لو سلَّمنا أنَّ إجماعُهم صحيحٌ، لما دلَّ على مذهبه

- ‌الوهم الثالث: وَهم أنَّ المقَلِّدِينَ مُجمعون على الالتزام

- ‌النظر السادس: قول السَّيِّد: إنَّ هذا لو وقع في زماننا، لأنكره النَّاس، عجيب أيضاً

- ‌النظر السابع: أنَّ السيِّدَ جاوزَ حدَّ العادة في الغُلُوِّ

- ‌النَّظر الأول: أنَّ السيدَ استدلَّ، ثم استثنى

- ‌النظر الثاني: أنَّ ما جاز في ذلك على المقلِّدِ جاز على المجتهد

- ‌النَّظر الرابع: أنَّ كلامَه في هذا الفصل يستلزِمُ اشتراطَ السَّفرِ والخطرِ في صِحَّة الاجتهاد

- ‌ الجواب على ما ذكره من وجوه:

- ‌الوجه الرابع: أنَّ اعتراضَ كتبِ الحديث الصَّحاح بأنَّ فيها ما ليس بصحيح عندَ غيرهم، عمَلُ منْ لم يعْرِفْ ما معنى الصحيح عند أهله

- ‌القسمُ الأول: ما يتعلَّقُ بأحكامِ التَّحليل والتَّحريم المشهورة مِنْ روايةِ الثِّقات

- ‌الحديث الأول: تحريمُ الوَصْلِ في شعور النِّساء

- ‌الحديث الثاني: "لا تَزَالُ طائفَةٌ منْ أُمَّتِي ظَاهِرينَ عَلى الحَقِّ

- ‌الحديثُ الثالث: النَّهي عن الركعتين بَعْدَ العصر

- ‌الحديثُ الخامس: "إنَّ هذا الأمْرَ لا يزالُ في قُرَيْشٍ

- ‌الحديثُ السادس: حدُّ شارب الخمر

- ‌الحديث السابع: النَّهي عن لباس الحرير، والذَّهب، وجلودِ السِّباع

- ‌الحديثُ الثامن: حديثُ افتراق الأمَّةِ إلى نَيِّفٍ وسبعين فِرقة

- ‌الحديث التَّاسع: النَّهي عن سبق الإمام بالرُّكوع والسُّجود

- ‌الحديث العاشر: النَّهي عن نِكَاح الشِّغارِ

- ‌الحديث الثاني عشر: حُكْمُ مَنْ سَهَا في الصلاة

- ‌الحديث الثالثَ عشر. النَّهيُ عَنِ النِّيَاحة

- ‌الحديث الرابعَ عشر: النَّهي عَنِ التَّمادح

- ‌الحديث الخامسَ عشر: النَّهي عن كُلِّ مسكر

- ‌الحديثُ السادسَ عشر: كراهةُ رضى الدَّاخِل على القوم بقيامهم له

- ‌الحديث السابعَ عشر: النهي عن تتبع عوراتِ الناس

- ‌الحديث الثامنَ عشر: النَّهي عَنِ القِران بَيْنَ الحجِّ والعُمرة

- ‌الحديث الموفي عشرين: روى عن أخته أمِّ حبيبةَ أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كان يُصَلِّي في الثَّوب الذي يُجَامِعُها فيه ما لم يَرَ فيه أذىً

- ‌الحديثُ الأول: فَضْل إجابة المُؤَذِّنِ

- ‌الحديث الثالث: في فضل حِلَقِ الذِّكر والاجتماعِ عليه

- ‌الحديث الرابع: النَّهي عن الغَلوطات

- ‌الحديث السادس: فضل حُبِّ الأنصار

- ‌الحديث الثامن: " المؤذِّنُونَ أطْولُ النَّاسِ أعنَاقَاً يوْمَ القيامَةِ

- ‌الحديث العاشر: تحريم وصل الشعر على النساء

- ‌الحديث الحادي عشر: " العَيْنَانِ وِكاءُ السَّه

- ‌القسم الثالث: ما يُوَافِقُ مذهبَ المعترِضِ من حديثه

- ‌الحديث الثاني: النَّهْي عن لباسِ الذَّهب إلا مُقَطَّعاً

- ‌القسمُ الرابعُ: ما يتعلَّقُ بالفضائل، مما ليس بمشهور

- ‌الحديث الثالث: حديثُ الفصل بَيْنَ الجُمُعَةِ والنّافلة بعدَها بالكلام

- ‌الحديث الرابع: " كُلُّ ذَنْبٍ عَسَى اللهُ أنْ يَغْفِرَهُ إلا الشِّرْكَ باللهِ، وَقَتْلَ المُؤْمِنِ

- ‌القسم الخامس: ما لا يتعلَّق به حُكْمٌ

- ‌الحديث الأول: حديث وفاةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وهو ابنُ ثلاثٍ وستِّين

- ‌فإن قلت: فما الوجه في روايتهم عنه؟فالجواب من وجهين:

- ‌الجوابُ من وجهين معارضةٌ وتحقيق

- ‌الوجه الثاني: التَّحقيق، وبيانُه أنْ نقولَ: توهم السَّيِّدُ أنَّ الشهادةَ على الزِّنى إذا لم يتمَّ نِصَابُها كانت قذفاً

- ‌الوهم التاسع: قال: ومنهم الوليد بنُ عقبة

- ‌الوهم العاشر: توهَّم السَّيّدُ أنّ الوليد منَ الرُّواة المعتمدين في الصِّحاح في الحديث عند أبي داود

- ‌الوهم الحادي عشر: ذكر السيِّد أنَّ الوليد مذكورٌ في غير " سُننِ أبي داود " من كتب الحديث، وهذا الوهم أفحشُ مِنَ الذي قبلَه

- ‌الوهم الثالث عشر: قال: ومنهم أبو موسى الأشعري نَزَعَ علياً الّذي ولّاه الله ورسوله

- ‌ ونَزيدُ على هذا وجوهاً

- ‌الوجهُ الأولُ: بيانُ القَدْح في أصلِ هذه الروايةِ

- ‌الوجهُ الثاني: المعارضةُ لذلك بثناءِ الإمام المنصورِ بالله على أحمدَ

- ‌الوجهُ الثالثُ: المعارضةُ لذلكَ من روايةِ الحنابلةِ وأهلِ الحديثِ

- ‌ ولنختم هذا الفصل بتنبيهين

- ‌التنبيه الثاني: ينبغي التأمُّلُ لَهُ، وذلك أنَّه قد يقع التَّساهلُ في نقل المذاهبِ مِنْ أهلِ كُتب المِلَلِ والنِّحَلِ

- ‌الفصل الثاني: في تحقيق مذهبِ أحمدَ بنِ حنبل وأمثالِه مِنْ أئِمَّة الحديث، وهُم طائفتان

- ‌أحدهما: القولُ بأنَّ النَّظر فيما أمر اللهُ تعالى بالنظر فيه

- ‌ثانيهما: أنَّهم يُنكرون القولَ بتعيُّنِ طرائقِ المنطقيِّين والمتكلِّمين للمعرفة

- ‌الوظيفة الأولى: التقديس:

- ‌الوظيفة الثانية: الإِيمانُ والتصديق:

- ‌الوظيفة الثالثة: الاعتراف بالعجزِ عن معرفةِ حقيقة هذه المعاني

- ‌ الوظيفة الرابعة: السُّكوت

- ‌ الموضعُ الثالث: تأويلُ العالِمِ مع نفسِه في سِرِّ قلبه

- ‌الوظيفةُ السابعة: التسليمُ لِقولِ الله تعالى، ولحديثِ رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌الأصلُ الرابع: أنَّهم في طول عصرهم إلى آخر أعمارهم ما دَعَوا الخَلْقَ إلى البحث

- ‌ فصل: ولعلك تقول: الكف عن السؤال، والإمساك عن الجواب من أين يغني

- ‌ فإن قيل: بم يميز المقلد بين نفسه، وبين اليهودي المقلِّد

- ‌الرابع: من المعلوم أيضاً أن في كل طائفة عظيمة بلهاء بُلداء، وإنّ في الزيدية

- ‌السادس: أنّ الفلاسفة تدَّعي من التَّحذلق مثل ما أنت مُدَّعٍ

الفصل: ‌الوهم العاشر: توهم السيد أن الوليد من الرواة المعتمدين في الصحاح في الحديث عند أبي داود

و" تفسير القرطبي "، لم (1) يذكرا سواه مع توسُّعهما في النَّقل، لا سِيمَّا القرطبي، وكذا في " تفسير عبد الصمد الحنفي "، و" تفسير الرازي " لم يذكرا سواه.

وقال أبو عمر بن عبد البر في كتاب " الاستيعاب ": ولا خلاف بين أهلِ العلمِ بتأويل القرآن فيما علمت أنَّ هذه الآية نزلت في الوليد (2) أفاد ذلكَ كُلَّه شيخُنا النَّفيسُ العلوي أعاد اللهُ من علومه.

وأفاد السَّيِّد أيَّده الله أنَّ ابنَ الجوزي ذكر مِثْلَ ذلك، قال: وهو مِنَ القوم.

أقول: فإذا كان من القوم، فكيف ادَّعيت عليهمُ القولَ بأنَّ الكبائرَ لا تجوزُ على الصحابة؟ فلو كانوا -كما زعمتَ- يعتقدون هذه العقيدة، وكما زعمت في أنَّهم كُفَّارُ تصريحٍ، دأبُهم التَّعمد للأكاذيب في نُصْرَةِ مذاهبهم ما تطابقوا على هذا، فَدَعْ عنك الدَّعاوي الباطلة، والاسترواحَ إلى الأقاويل الواهية.

‌الوهم العاشر: توهَّم السَّيّدُ أنّ الوليد منَ الرُّواة المعتمدين في الصِّحاح في الحديث عند أبي داود

، وليس كما توهَّم أيَّدَهُ اللهُ، وقد ذكر أنّه مذكور في " سنن أبي داود "، ولا أدري: هل قصد السيّدُ أنَّه في " سنن أبي داود " مُعْتَمَدٌ على حديثه، فهذا غلطٌ على الرَّجل إذا (3) اعتقد أنّ مجرّد الرواية عَنِ الفاسق على سبيل التَّقوِّي مع الاعتماد على غيره مِنَ الثِّقات حرامٌ لا تجوز لأحد، فهذه أقبحُ مِنَ الأولى، وقد ذكرنا فيما تقدَّم

(1) في (ش): ولم.

(2)

من قوله: " وذكر الواحدي " إلى هنا تقدم عند المؤلف في 2/ 182 - 183.

(3)

في (ش): أو.

ص: 265

ثبوتَ الرِّواية عن المجروحين في كتب أهلِ البيت عليهم السلام، ونصَّ الإمام يحيى بن حمزة، وابنُ الصَّلاح وغيرُهما على أنَّ الرِّوايةَ ليست بتعديلٍ.

إذا عرفتَ هذا، فاعلم أنَّ أبا داود روى حديثاًً عن جماعة مِن الثِّقات من طُرُقٍ كثيرة، ثمَّ ذكر الوليد بعدَهم على سبيل المتابعة في هذا الحديث الواحد (1) المرويِّ عنِ الثِّقات، وأنا أذكر الحديث الذي رواه أبو داود عن الوليد، وأبيِّن الطُّرُقَ التي اعتمد أبو داود عليها، وأذكر السَّبَبَ في تقوِّي أبي داود برواية الوليد بعد روايةِ الحديث من طرق الثقات. فأقول: بَوَّبَ أبو داود في " سننه "(2) باباً في كراهة الخَلُوقِ للرجال، وذكر ما ورد في ذلك، واستوفي الطُّرُقَ، ولم يقتصِرْ على الطرق (3) الصَّحيحة.

فروى عن عمار بنِ ياسر أنَّه قال: قَدِمْتُ على أهلي [ليلاً]، وقد تَشَقَّقَتْ يداي، فَخَلَّقوني بزعفران، فَغَدَوْت على النَّبيّ صلى الله عليه وسلم، فسَلَّمتُ عليه، فلم يَرُدَّ عليَّ، ولم يُرَحِّبْ بي، وقال:" اذْهبْ فَاغْسِلْ هذَا عَنْكَ "، فذهبتُ فغسلتُهُ، ثم جئتُ، [وقد بقي علي منه رَدْعٌ، فسلمتُ، فلم يَرُدَّ علي، ولم يُرَحِّبْ بي، وقال: " اذْهَب فاغْسِلْ هذا عنك "، فذهبتُ فغسلتُهُ، ثم جئتُ]، فسلمت عليه، فسلَّم عليَّ، ورحَّبَ بي، وقال: "إنَّ الملائِكةَ لا تحْضُرُ جنازَةَ الكافِرِ (4) لخَيْرٍ (5)، ولا المُتَضمِّخِ

(1)" الواحد " ساقط من (ش).

(2)

4/ 402 - 405.

(3)

في (ش): الطريق.

(4)

في (ب): كافر.

(5)

ساقطة من (ش)، ولفظ أبي داود " بخير".

ص: 266

بالزَّعْفَرَانِ، ولا الجُنُب"، ورخَّص للجنب إذا نام أو أكَلَ أو شَرِبَ أن يتوضَّأ (1).

وروى عن أبي موسى أنّه قال [قال رسول الله صلى الله عليه وسلم]" لَا يَقْبَلُ الله [تعالى] صلاةَ رَجُل في جَسَدهِ شَيْءٌ مِنْ خَلُوقٍ "(2).

وروى عن أنس رضي الله عنه أنّه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عَن التَّزَعْفُرِ للرجال (3)، وهذا حديثٌ صحيح أخرجه مسلم في " صحيحه " والترمذي، والنسائي.

وروى عن أنس أيضاًً من طريقٍ أخرى أنَّ رجلاً دخل على النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وعليه أثَرُ صُفْرَةٍ، وكان النَّبِي صلى الله عليه وسلم قلَّما يُوَاجِهُ (4) رجلاً في وجهه بشيءٍ يكرهه، فلمّا خرج، قال:" لَوْ أمْرْتُمْ هذا أنْ يَغْسِلَ هذا عنه "(5) وهذا الحديثُ

(1) هو في " سنن أبي داود "(4176)، والزيادة منه من طريق موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد -هو ابن سلمة- أخبرنا عطاء الخراساني، عن يحيى بن يعمر، عن عمار بن ياسر. وعطاء الخراساني: صاحبُ أوهام كثيرة، وُيرسل ويُدَلِّسُ، ويحيى بن يعمر: قال الدارقطني: لم يلق عماراً.

ورواه أبو داود (4177) من طريق ابن جريج أخبرني عمر بن عطاء بن أبي الخوار، سمع يحيى بن يعمر يخبر عن رجل أخبره عن عمار بن ياسر. زعم عمر أن يحيى سمَّى ذلك الرجل فنسي عمر اسمه

(2)

هو في " سنن أبي داود "(4178) وفي سنده أبو جعفر الرازي، وهو ضعيف، وجداه زيد وزياد لا يعرفان.

(3)

أخرجه أبو داود (4179) من طريق مُسَدّد عن حماد بن زيد، وإسماعيل بن إبراهيم، عن عبد العزيز بن صهيب، عن أنس. وهذا سند صحيح على شرط البخاري.

وأخرجه مسلم (2101)، والترمذي (2815)، والنسائي 5/ 141 من طرق عن حماد بن زيد، وإسماعيل بن إبراهيم، كلاهما عن عبد العزيز بن صهيب، به. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.

(4)

في (ش): يوجه.

(5)

هو في " سنن أبي داود "(4182)، وأخرجه الترمذي في " الشمائل "(339)، =

ص: 267

أخرجه الترمذي، والنسائي أيضاًً.

وروى عن عمار رضي الله عنه من طريق غير الطريق الأولى أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ثَلاثَةٌ لا تَقْرَبُهُمُ المَلائِكَةُ: جِيفَةُ الكَافِرِ، والمُتَضَمِّخُ بالخَلُوقِ، والجُنُبُ إلّا أنْ يَتَوضَّأ " رواه عنه من طريق الحسن البصري رضي الله عنه (1).

ثمّ بعدَ هذه الطُّرق إلّا طريقَ أنسٍ الثانية، روى عن الوليد أنّه لمّا فتح نَبِيُّ الله صلى الله عليه وسلم مكَّةَ، جعل أهل مكة يأتونه بصبيانهم، فيدعو لهم بالبركة، ويمسح رؤوسهم (2)، قال: فجيء بي (3) إليه، وأنا مُخَلَّقٌ، فلم يمَسَّني من أجل الخَلُوق، هكذا رواه أبو داود (4).

= والنسائي في " عمل اليوم والليلة "(235) و (236)، وفي سنده عندهم سلم بن قيس العلوي وهو ضعيف.

(1)

هو في " سنن أبي داود "(4180)، ورجاله ثقَات، لكن الحسن لم يسمع من عمار فهو منقطع.

(2)

في (ش): في رؤوسهم.

(3)

في (ش): به.

(4)

رقم (4181) من طريق أيوب بن محمد الرقي، عن عمر بن أيوب، عن جعفر بن برقان، عن ثابت بن الحجاج، عن عبد الله الهمداني، عن الوليد بن عقبة.

قال المنذري في " مختصره " 6/ 93: هكذا ذكره أبو داود عن عبد الله الهمداني عن الوليد بن عقبة، وقال فيه غيره: عن أبي موسى الهمداني، عن الوليد بن عقبة.

وقال البخاري: عن عبد الله الهمداني، عن أبي موسى الهمداني، ويقال: الهمذاني، قاله جعفر بن برقان، عن ثابت بن الحجاج، ولا يصح حديثه.

وقال الحافظ أبو القاسم الدمشقي: إن عبد الله الهمداني هو أبو موسى.

وقال الحاكم أبو أحمد الكرابيسي: وليس يعرف أبو مَوسى الهمداني، ولا عبد الله الهمداني، وقد خُولِفَ في هذا الإسناد.

وقال ابن أبي خيثمة: أبو موسى الهمداني اسمه عبد الله.

وهذا حديث مضطرب الإسناد، ولا يستقيم عن أصحاب التواريخ أن الوليد بن عقبة كان يوم فتح مكة صغيراً، وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه ساعياً إلى بني المصطلق، وشكته زوجته إلى =

ص: 268

وقد رُوِيَ عن أحمد بنِ حنبل أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يَمَسَّهُ (1)، ولم يَدْعُ له بالبركة، ومُنِعَ بركةَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم لسابق علمه فيه.

وأقول: إنّ النُّقاد من علماء الأثر قد قدحوا في هذا الحديث مع ما فيه مِنَ القدح الظَّاهر بفسقِ الوليد، وقال: إنَّه لا يَصِحُّ لوجوه:

الأول: أنّه قد ثبت أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بعث الوليدَ ساعِيَاً إلى بني المُصْطَلِقِ في القصَّة المشهورة، وليس يَصِحُّ فيمن بُعث رسولاً إلى بني المصطلِقِ أن يكون يَوْمَ الفتحِ صبيّاً صغيراً.

الوجه الثاني: أنَّ زوجتَه شكته إلى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، ولم يَعِشْ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بعد الفتحِ إلاّ يسيراً، فمتى كانت هذه الزوجة.

الوجه الثالث: أنَّه فدى من أُسِرَ يوْمَ بدر.

الوجه الرابعُ: أنّ الزبير وغيره ذكروا أنَّ الوليدَ وعُمارة ابني عُقبة خرجا لِيَرُدَّا أختهما أمَّ كلثوم عَنِ الهجرة، قالوا: وهجرتها كانت في الهُدنَةِ بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وَبَيْنَ أهل مكة.

= النبي صلى الله عليه وسلم، ورُوي أنَّه قَدِمَ في فداء من أسر يوم بدر. وقال أبو عمر النمري: وهذا الحديث رواه جعفر بن برقان، عن ثابت بن الحجاج، عن أبي موسى الهمداني، ويقال: الهمذاني، كذلك ذكره البخاري على الشك، عن الوليد بن عقبة.

قالوا: وأبو موسى هذا مجهول، والحديث منكر مضطرب لا يصح، ولا يُمكن أن يكون من بعث مصدقاً في زمن النبي صلى الله عليه وسلم صبياً يوم الفتح.

ويدل على فساد ما رواه أبو موسى المجهول أن الزبير بن بكار وغيره ذكروا أن الوليد وعمارة ابني عُقبة خرجا ليردَّا أختهما أم كلثوم عن الهجرة، وكانت هجرتها في الهدنة بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين أهل مكة؛ ومن كان غلاماً مخلقاً يوم الفتح ليس يجيء منه مثل هذا.

وسينقل المؤلف رحمه الله كلام المنذري هذا مفرقاً في عدة مواضع قريباً.

(1)

في (ش): يمسح.

ص: 269

فإن قلتَ: كيف غَفَل أبو داود عن هذا؟

قلتُ: هذا فيه احتمالان:

الأول: أن يكون أُنْسِيَ هذه الأمورَ، وَغَفَلَ عنها على سبيلِ السَّهْوِ دونَ الجهل، وقد يسهو الإنسانُ عمّا يعلم، كما يسهو في صلاته، وغير ذلك، فَطَاحَ تقوِّيه بهذا الحديث، وراجت عليه كما يجري مثلُ ذلِكَ لكثيرٍ مِنْ كبار الحُفَّاظ، والنُّحاة، والمتكلِّمين في كثيرٍ مِنَ المسائل، وكم مِنْ إمامٍ في الفن يَغْلَطُ في مسألة واضحة، وقد (1) تقدمت الإشارة إلى ذلك في المسألة الأولى.

الاحتمال الثاني (2): أن يكون رأي في الحديث أمرين:

أحدهما: أن قريشاً كانوا يأتون بصبيانهم إليه عليه السلام، فيمسح رؤوسهم (3)، ويدعو لهم، وأنّه أُتِيَ بالوليد، فلم يمسَّهُ، ولم يَدْعُ له (4) هكذا من غير ذكر مكّةَ، وهذا محتمل لا دلالة على بطلانه.

والأمر الثّاني: ما في الحديثِ أنَّ هذه القصة كانت يومَ الفتح، وهذا باطل، لكن ليس يلزمُ من القطع ببطلان هذا أنْ نُبْطلَ الحديثَ كلّه، فَمِن الجائز أن يكونَ الحديثُ مُمْكِنَ الصدق، ولكن الرَّاوي وَهِمَ في ذكر يوم الفتح، وليس الوهمُ في تاريخ القصة يدلُّ على بطلان القصة (5) قطعاً؛ ألا ترى أنّ كثيراً مِنَ المؤرخين يَغْلَطُ في تاريخ القَصَصِ والوفياتِ، فيقول:

(1)" قد " ساقطة من (ش).

(2)

في (ش): " الثالث "، وكتب فوقها " الثاني " على الصواب.

(3)

في (ش): برؤوسهم.

(4)

في (ب): لأهله.

(5)

جملة " يدل على بطلان القصة " ساقطة من (ش).

ص: 270

إنّ قتلَ فلان وحربَه (1) كان يومَ فلان، وينكشِفُ غلطُه في التَّاريخ، ولا يَلْزَمُ مِنْ ذلِكَ أنَّ ذلِكَ الرَّجُلَ ما قُتِلَ أصلاً، ولا كان له حربُ البتة. ويقوِّي هذا الاحتمالَ وجوهٌ: -

أحَدُهَا: أنَّ أحمدَ بن حنبل ذكر هذا الحديث مع إجماعهم على أنّه مِنْ أعرف النّاس بعلم الأثر وعِلَلِهِ، وما يتعلَّقُ به، وتكلَّم (2) في وجه امتتاع النَّبِي صلى الله عليه وسلم مِنَ المسح على رأس الوليد.

وروى أحمد بن حنبل أنَّ الوليدَ سلخ يومئذ، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم تَقَذَّرَه، وأن الوليد مُنِعَ بركتَه عليه السلام.

الوجه الثاني: أنّ هذا الحديث من مَثَالِبِ الوليد، ومناقِصِهِ الدَّالةِ على خِسَّتهِ، فهو يَبْعُدُ أنْ يكون كذبه، لأنّه عليه لا له، بل يَبْعُدُ أن يكون مَا رَوَاهُ إلا وهو معروفٌ عند غيره، ولو استطاع كَتْمَهُ لكتمه، ألا ترى أنَّ أحمد بن حنبل روى أنّه سَلَخَ يومئذ وَتَقَذَّره رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وهذا لم يروه الوليد، فدلَّ على أنَّ الحديث مرويٌّ مِنْ غيرِ طريقه، وأظنُّ الوليد إنَّما ذكر هذا الحديث ليعتذر من (3) ذلكَ بما زعمه مِنْ أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم ما ترك المسحَ عليه إلاّ مِنْ أجل الخَلُوقِ الّذي كان فيه، وهذا العذرُ تمويه لا يمضي لأمرين:

أحدهما: أنَّ الخلوق لم يكن في جسده كلّه، وهو صغيرٌ لا ذنبَ عليه، فيزجره عليه السلام بذلِكَ كما فعل مع عمار.

وثانيهما: أنّه امتنعَ مِنَ الدُّعاء له، كما امتنع مِنْ لَمْسِ جَسَدِهِ،

(1) في (ش): وخروجه.

(2)

في (ش): ويتكلم.

(3)

في (ش): في.

ص: 271

والدُّعاء للصَّبي المُخَلَّقِ لا كراهة فيه (1)، ولا مانِعَ منه.

الوجه الثالث: أنّ راوي الحديثِ عَنِ الوليدِ كان ضعيف الحفظِ، قليلَ الإتقان للحديث، فلعلَّه الذي وَهمَ في ذكر يومِ الفتح، وهذا الراوي هو (2) عبد الله الهَمْدَاني، وفيه كلامٌ مِنَ وجهين:

أَحَدُهُما: أنَّهم تكلّموا فيه، فقال جعفرُ بنُ برقان عن ثابت بنِ الحجاج: لا يَصِحُّ حديثه.

وقال الحاكم أبو أحمد الكرابيسي (3): وليس يُعرف أبو موسى الهمداني ولا عبدُ الله الهمداني، وقد خُولفَ في هذا الإِسنادِ، وهذا حديث مضطرب الإسناد.

وقال الحافظ عبدُ العظيم (4) ما لفظه: قالوا (5): وأبو موسى هذا مجهول.

(1) ساقطة من (ش).

(2)

ساقطة من (ش).

(3)

هو الإمامُ الحافظُ العلامة الثبت محدثُ خراسان محمد بن محمد بن أحمد بن إسحاق النيسابوري الكرابيسي الحاكم الكبير، صاحب التآليف النافعة في علوم الحديث، ومنها كتاب " الكُنى " الذي لم يؤلف مثله في بابه، ويقع في عدة مجلدات، ولكن لا يعرف له وجود.

(4)

هو الحافظ الكبير الإمام الثبت زكي الدين أبو محمد عبد العظيم بن عبد القوي المنذري الشامي الأصل، المصري المولد، والدار، والوفاة، صاحب المؤلفات المتنوعة في الحديث، والفقه، والتاريخ، المولود سنة 581 هـ، والمتوفى سنة 656 هـ.

درس بالجامع المظفري بالقاهرة، ثم ولي مشيخة الدار الكاملية، وانقطع بها ينشر العلم عشرين سنة.

قال الشريف عز الدين الحافظ: كان شيخنا زكي الدين عديمَ النظير في علم الحديث على اختلاف فنونه، عالماً بصحيحه، وسقيمه، ومعلوله، وطرقه متبحراً في معرفة أحكامه، ومعانيه، ومشكله، قيماً بمعرفة غريبه، وإعرابه، واختلاف ألفاظه، إماماً، حجة، ثبتاً، مُتحرّياً فيما يقوله، متثبتاً فيما يرويه. مترجم في " السير " 23/ 319 - 322.

(5)

في (ش): قال.

ص: 272

وثانيهما: أنّ هذا الحديث مرويٌّ عن عبد الله الهَمْدَاني، وعن أبي موسى الهَمْدَاني، وقد اختلفوا، فقيل: هو رجل واحد اسمُهُ عبدُ الله، وكنيتُهُ أبو موسى، قال ذلك أبو القاسم الدِّمشقي الحافظ (1).

وقال ابنُ أبي خيثمة: أبو موسى الهَمْدَاني اسمُهُ عبد الله، وقيل: هما اثنان، قاله البخاري. قال البخاري: وعبد الله الهمداني روى الحديثَ عن أبي موسى الهمداني (2) وهذا هو (3) الظَّاهرُ، لتقدُّم البخاري في الحفظ، ولأنّه مثبت، ولأنّ احتجاج ابن (4) أبي خيثمة بأنّ اسم أبي موسى عبدُ الله لا يمنعُ من ذلك، ولعلّ ذلك هو الّذي غرّ أبا القاسم الدِّمشقي، ورواية عبد الله عن أبي موسى ترفعُ الإِشكال، والله أعلم.

فإن قلت: فَلِمَ تَقوَّى أبو داود بهذا الحديث مع ما فيه من المطاعن؟

قلت: لأنّه أورد الحديث بإسنادٍ صحيح، وذكر معه ما جاء في الباب مِنْ كُلِّ ضرب مِنْ غَثٍّ وسمين كما هو عادةُ الحُفَّاظ، وأهلِ المسانيد، وقد ثبت أنَّ روايةَ الكافرِ المصرح قد تُفيد الظَّنَّ، فهي تقوى لا محالة، فكأنَّه أراد استقصاء ما يحفظ في الباب من الطرق (5) لذلك، ألا ترى أنّه

(1) هو الإمام العلامة الحافظ الكبير المجود، محدِّث الشام أبو القاسم علي بن الحسن ابن هبة الله الدمشقي الشافعي صاحب " تاريخ دمشق " في ثمانين مجلدة، المتوفى سنة 571 هـ.

قال الإمام الذهبي: كان فهماً حافظاً، متقناً ذكياً، بصيراً بهذا الشأن، لا يُلحق شأوه، ولا يشق غباره، ولا كان له نظير في زمانه، ومن تصفح تاريخه، علم منزلته في الحفظ. مترجم في " السير" 20/ 554 - 571.

(2)

نص كلام البخاري في " التاريخ الكبير " 5/ 224: عبد الله الهمداني، عن أبي موسى الهمداني. قاله جعفر بن برقان، عن ثابت بن الحجاج، لا يصح حديثه.

(3)

في (ب): " وهو"، وهو خطأ.

(4)

" ابن " سقطت من الأصول غير (ب).

(5)

عبارة " في الباب من الطرق " ساقطة من (ش).

ص: 273

أورد أحاديثَ البابِ مِنْ عدَّة طرق في (1) كُلٍّ منها كلام، لكنها إذا اجتمعت أخذت حَظّاً منَ القُوَّة.

الطريق الأولىَ: فيها عطاء الخراساني، وقد أخرج له مسلمٌ متابعة، ووثَّقه يحيى (2) بن معين، وقال أبو حاتِم الرازيُّ: لا بأس به صدوق يُحتج به، ووثقه أحمد والعِجلي، ويعقوبُ بن أبي شيبة وغيرهم، وقال الذهبي: كان مِنْ خيار العلماء، وذكر في " الميزان "(3) أنّه كان يَهِمُ، فروى عن ابن المسيِّبِ حديث الّذي وقع بأهله في رمضان على ما رواه ابنُ المسَيِّبِ، فسُئِلَ ابنُ المسيب عمّا روى، فكذَّبه فيه، فذكره لهذا (4) العقيلي في " الضعفاء "(5)، وكذا ضعَّفه لأجلِ الوَهْمِ البخاريُّ، وكان من عبادِ الله الصالحين، والصَّحيح أنّه ثِقَةٌ، وفي حفظَه لين محتمل، ولكن جرحه غيرُهم، فكذَّبه سعيدُ بن المسيّب على جلالته، وقال (6):[ابن حبان](7): كان رديءَ الحفظ ولا يَعْلَمُ، فبطل الاحتجاج به، قال الذَّهبي: هذا القول من ابن حبان، فيه (8) نظر.

(1) في (ش): وفي.

(2)

ثم ترد في (ب)، اقتصر على الكنية.

(3)

3/ 74، ولم يقله الذهبي من قبل نفسه، وإنما نقله عن ابن حبان، ونصه فيه: وقال ابن حبان في " الضعفاء " 1/ 130 - 131: أصله من بلخ

وكان من خيار عباد الله، غير أنَّه كان رديءَ الحفظ، كثيرَ الوهمِ، يُخطىءُ ولا يعلمُ، فيحمل عنه

(4)

في (ش): بهذا.

(5)

3/ 405 - 407.

(6)

في (ش): " قال "، بلا واو.

(7)

زيادة لا بد منها، ولم ترد في جميع الأصول، فإن ما بعد " قال " هو من كلام ابن حبان، وليس من كلام ابن المسيب، وابن الوزير اختصر كلام ابن حبان، ونصه في " الضعفاء ": 2/ 130 - 131، وعنه نقله الذهبي في " الميزان " 3/ 74: وكان من خيار عباد الله غير أنَّه كان رديءَ الحفظ، كثيرَ الوهم يُخطىءُ ولا يعلمُ، فيحمل عنه، فلمَّا كَثُرَ ذلك في روايته، بَطَلَ الاحتجاجُ به. قال الذهبيُّ: فهذا القولُ من ابنِ حِبَّان فيه نظر

(8)

في (ش): وفيه.

ص: 274

الطريق الثانية: عن يحيى بن يعمر (1) عن رجلٍ، عن عمّار، وفي هذه الطَّريق هذا الرَّجل المجهول.

الطريق الثالثة: عَنِ الحسن البصري عن عمار، وهي مُعلَّةٌ بالانقطاع بين الحسن وبين عمار، لأنَّ الحسن لم يَسْمَعْ مِن عمار.

الطريق الرابعة: طريق أبي موسى، وفيها أبو جعفر الرَّازي عيسى ابنُ عبد الله بنِ ماهان، وقد اختلف فيه قولُ علي بن المديني، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، فقال ابن (2) المديني مرة: ثقة، وقال مرة: كان يخلط، وقال أحمدُ بنُ حنبل مرةً: ليس بالقوي، وقال مرّة: صالحُ الحديث (3)، وقال يحيى بن معين مرة: ثقة، وقال مرة: يُكتب حديثُه، إلاّ أنّه يخطىء، وقال أبو زُرعة الرازي، يَهِمُ كثيراً، وقال الفَلَاّس: سيئ الحفظ، وحَكَى (4) الذهبي الاختلاف فيه، وقال: هو صالح الحديث (5).

(1) تحرف في (ش) إلى " معمر ".

(2)

تحرف في (ب) إلى " أبي ".

(3)

من قوله: " وقال أحمد بن حنبل " إلى هنا ساقط من (ش).

(4)

في (ش): " حكى " بلا واو.

(5)

ذكر ذلك في " الميزان " 3/ 319 - 320، وقال الحافظ في " التقريب ": صدوق، سيىء الحفظ.

قلت: فمثله يصلح للمتابعات والشواهد، وأما ما ينفرد به، فهو ضعيف، ومما انفرد به ولم يُتابع عليه حديث أنس قال:" ما زالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يقنتُ في صلاة الصبح حتى فارق الدنيا ". أخرجه أحمد 3/ 162، والدارقطني 2/ 39، والطحاوي في " شرح معاني الآثار " 1/ 244، والبيهقي 2/ 201 كلهم من طريق أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أنس. وقد صَحَّ عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قَنَتَ شهراً في صلاةِ الفَجْر، ثم تَركَهُ. انظر " شرح السنة " 3/ 118 - 125.

ص: 275

فإن قلت: كيف يَصِحُّ اختلاف كلام (1) هؤلاء في الجرج والتّعديل؟

قلت: لأنَّه عندهم لا يتعمَّد الكذب، ولكنه يخطىء (2)، والمخطىء إنَّما يُجرح بالتَّحري والاجتهاد (3)، والاجتهادُ في ذلِكَ يقف على النظر في كثرة خطئه: هل بلغ إلى حدٍّ يُوجب طَرْحَ حديثِهِ الّذي لم ينكشِفْ أنَّه خطأٌ أو لا؟ وما (4) الحدُّ الذي إذا بلغه بَطَلَ حديثُهُ؟ فقال علماء الأصول: إذا كان خطؤُه أكثر مِنْ صوابه، أو مُساوياً له، وقال المنصور بالله، وعبد الله بن زيد: إذا كان أكثر فقط، وإذا كان مساوياً، لم يجب طرْحُ حديثِهِ، وهذا دقيقٌ ضامضٌ يحتمل التَّردُّدَ، وتصحيح العبارة.

فاختلاف (5) أئمَّة الجرحِ مثلُ اجتهاد الفقهاء في دقيق الفقه، فيكون لابن معين قولانِ في الجرح مثل ما يكون للمؤيَّد قولانِ في الفقه.

الطريق الخامسة: عن أنسٍ، وفيها سلم (6) العلوي، وفيه كلام كثير.

قال أبو داود: وليس هو علوياً (7)، كان ينظر في النُّجوم، وَشَهِدَ عند عديِّ بن أرطاة (8) على رؤية الهلال، فلم يُجز شهادته، وقال يحيى بن معين: ثقة، وقال مرة: ضعيف.

(1) ساقطة من (ش).

(2)

في (ش): مخطىء.

(3)

" والاجتهاد " ساقطة من (ش).

(4)

في (ش): " وأما " وهو خطأ.

(5)

في (ش): واختلاف.

(6)

في (ش): " سالم " وهو تحريف.

(7)

في (أ) و (ب) و (ش): " علوي "، وكتب فوقها في (أ)" علوياً " على الجادة.

(8)

هو عدي بن أرطاة الفَزاري أبو واثلة، أمير من أهل دمشق، كان من العقلاء الشجعان، ولَاّه عمرُ بن عبد العزير على البصرة سنة 99 هـ، فاستمر إلى أن قتله معاوية بن يزيد بن المهلب بواسط في فتنة أبيه يزيد بالعراق سنة 102 هـ. " الأعلام " للزركلي 4/ 219.

ص: 276

وقال ابن عدي (1): لم يكن من أولاد عليِّ بن أبي طالب رضي الله عنه، إلاّ أنَّ فريقاً بالبصرة (2) كانوا يُسَمَّوْنَ بني علي، فَنُسِبَ هذا إليه.

وقال ابن حبان (3): كان شُعبة يحمل عليه، فيقول: كان سلْمٌ (4) العلويُّ يرى الهلال قَبْل الناس بيومين، منكر الحديث على قِلته، لا يُحْتَجُّ به إذا وافَقَ الثقات، فكيف إذا انفرد؟!

قلتُ: قولُ ابن حبان: كان شعبةُ يَحْمِلُ عليه يَدُلُّ على أنَّهُ فوق هذه المنزلة الّتي قالها شعبة، وَيَدُلُّ على ذلِكَ تردُّدُ يحيى بن معين في توثيقه، وكأنّه كان صدوقاً في نفسه، لكنّه كان ينظر في النجوم، وكان (5) كثير الخطأ، فَقُدِحَ فيه بهما، واختلفتِ العبارات في القدح فيه، واللهُ أعلم.

الطريق السادسة: طريق الوليد المقدمة، وقد تقدَّم الكلام على ما فيها من الاختلال (6) والاعتدال في أصلها وفرعها.

فذكرُ أبي داود لجميع هذه الطرق المعلولةِ يدل على أنَّه استقصى ما يحْفَظُ في الباب، واعتمد على الطَّريق الصَّحيحة السَّالمة مِنْ هذه المطاعن، وهي الطَّريقُ السابعة الّتي روى فيها حديث أنسٍ الثّابتِ الصَّحيحِ في " مسلمٍ " وغيره.

إذا عَرَفْت هذا، فهذا هو الحديثُ الَّذِي رواه أبو داود عن الوليد لم

(1) في " الكامل " 3/ 1175.

(2)

في (ش): في البصرة.

(3)

في " المجروحين والضعفاء " 1/ 343.

(4)

في (ش): " سالم "، وهو تحريف.

(5)

في (ش): كان.

(6)

عبارة " من الاختلال " ساقطة من (ش).

ص: 277