الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
رَوَى النَّسَائِيّ ذَلِكَ مَرْفُوعًا إلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَأَوَّلَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ نَصَّ أَحْمَدَ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ بِالشُّغْلِ الَّذِي يُبِيحُ تَرْكَ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ.
وَلَا مُوَالَاةَ فِي الْجَمْعِ فِي وَقْتِ الْأُولَى، وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ نَصِّ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي جَمْعِ الْمُضْطَرِّ إذَا صَلَّى إحْدَى الصَّلَاتَيْنِ فِي بَيْتِهِ، وَالْأُخْرَى فِي الْمَسْجِدِ، فَلَا بَأْسَ وَمِنْ نَصِّهِ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ وَالْمَرْوَزِيِّ: لِلْمُسَافِرِ أَنْ يُصَلِّيَ الْعِشَاءَ قَبْلَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ. وَعَلَّلَهُ أَحْمَدُ بِأَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الْجَمْعُ، وَيَجْمَعُ وَيَقْصُرُ بِمُزْدَلِفَةَ وَعَرَفَةَ مُطْلَقًا، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَغَيْرِهِ مِنْ السَّلَفِ، وَقَوْلِ طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَاخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ فِي عِبَادَاتِهِ.
وَيَجُوزُ الْجَمْعُ لِلْمُرْضِعِ إذَا كَانَ يَشُقُّ عَلَيْهَا غَسْلُ الثَّوْبِ فِي وَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ، وَنَصَّ عَلَيْهِ وَيَجُوزُ الْجَمْعُ أَيْضًا لِلطَّبَّاخِ، وَالْخَبَّازِ، وَنَحْوِهِمَا مِمَّنْ يَخْشَى فَسَادَ مَالِهِ، وَقَالَ غَيْرُهُ بِتَرْكِ الْجَمْعِ، وَلَا يُشْتَرَطُ لِلْقَصْرِ وَالْجَمْعِ نِيَّةٌ، وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ جَعْفَرٍ وَغَيْرُهُ، وَتَصِحُّ صَلَاةُ الْفَرْضِ عَلَى الرَّاحِلَةِ خَشْيَةَ الِانْقِطَاعِ عَنْ الرُّفْقَةِ أَوْ حُصُولِ ضَرَرٍ بِالْمَشْيِ، أَوْ تَبَرُّزٍ لِلْخَفَرِ، وَيُصَلِّي صَلَاةَ الْخَوْفِ فِي الطَّرِيقِ إذَا فَاتَ الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ، وَهُوَ أَحَدُ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ.
[بَابُ اللِّبَاسِ]
وَلُبْسُ الْحَرِيرِ حَيْثُ يَكُونُ سُدًى بِحَيْثُ يَكُونُ الْقُطْنُ، وَالْكَتَّانُ أَغْلَى قِيمَةً مِنْهُ، وَفِي تَحْرِيمِهِ إضْرَارٌ بِهِمْ؛ لِأَنَّهُ أَرْخَصُ عَلَيْهِمْ يُخَرَّجُ عَلَى وَجْهَيْنِ لِتَعَارُضِ لَفْظِ النَّصِّ، وَمَعْنَاهُ، كَالرِّوَايَتَيْنِ فِي إخْرَاجِ غَيْرِ الْأَصْنَافِ الْخَمْسَةِ إذَا لَمْ يَكُنْ قُوتًا لِذَلِكَ الْبَلَدِ، وَلَوْ كَانَ الظُّهُورُ لِلْحَرِيرِ وَهُوَ أَقَلُّ مِنْ غَيْرِهِ فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ التَّحْرِيمُ: وَالْكَرَاهَةُ، وَالْإِبَاحَةُ.
وَحَدِيثُ السِّيَرَاءِ وَالْقَسِّيّ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى تَحْرِيمِ مَا ظَهَرَ فِيهِ خُيُوطُ حَرِيرٍ أَوْ سُيُورٌ لَا بُدَّ أَنْ يُنْسَجَ مَعَ غَيْرِهَا مِنْ الْكَتَّانِ أَوْ الْقُطْنِ لِأَنَّ مَا فِيهِ الْحَرِيرُ، فَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم حَرَّمَهَا لِظُهُورِ الْحَرِيرِ فِيهَا وَلَمْ يَسْأَلْ هَلْ وَزْنُ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ مِنْ الْقُطْنِ وَالْكَتَّانِ أَكْثَرُ أَمْ لَا مَعَ أَنَّ الْعَادَةَ أَنَّهُ أَقَلُّ فَإِنْ اسْتَوَيَا فَالْأَشْبَهُ بِكَلَامِ أَحْمَدَ التَّحْرِيمُ، وَالثِّيَابُ الْقَسِّيَّةُ: ثِيَابٌ مَخْطُوطَةٌ بِحَرِيرٍ.
قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ ": قَالَ عَاصِمٌ: عَنْ أَبِي بُرْدَةَ قُلْنَا لِعَلِيٍّ: مَا الْقَسِّيَّةُ؟ قَالَ: ثِيَابٌ أَتَتْنَا مِنْ الشَّامِ أَوْ مِنْ مِصْرَ مُضَلَّعَةٌ فِيهَا حَرِيرٌ كَأَمْثَالِ الْأُتْرُجِّ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: هِيَ ثِيَابٌ يُؤْتَى بِهَا مِنْ مِصْرَ، فِيهَا حَرِيرٌ. فَقَدْ اتَّفَقُوا كُلُّهُمْ عَلَى أَنَّهَا ثِيَابٌ فِيهَا حَرِيرٌ وَلَيْسَتْ حَرِيرًا مُصْمَتًا.
وَهَذَا هُوَ الْمُلْحَمُ، وَالْخَزُّ أَخَفُّ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ سُدَاهُ مِنْ حَرِيرٍ، وَالسُّدَى أَيْسَرُ مِنْ اللُّحْمَةِ، وَهُوَ الَّذِي بَيَّنَ ابْنِ عَبَّاسٍ جَوَازَهُ بِقَوْلِهِ: فَأَمَّا الْعِلْمُ، وَالْحَرِيرُ، وَالسُّدَى لِثَوْبٍ فَلَا بَأْسَ بِهِ. وَالثَّانِي: أَنَّ الْخَزَّ ثَخِينٌ، وَالْحَرِيرُ مَسْتُورٌ بِالْوَبَرِ فِيهِ، فَيَصِيرُ بِمَنْزِلَةِ الْحَشْوِ.
وَالْخَزُّ اسْمٌ لِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: لِلْوَبَرِ الَّذِي يُنْسَجُ مَعَ الْحَرِيرِ وَهُوَ وَبَرُ الْأَرْنَبِ، وَاسْمٌ لِمَجْمُوعِ الْحَرِيرِ وَالْوَبَرِ، وَاسْمُ لِرَدِيءِ الْحَرِيرِ.
فَالْأَوَّلُ، وَالثَّانِي: حَلَالٌ، وَالثَّالِثُ: حَرَامٌ، وَجَعَلَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا الْمُتَأَخِّرِينَ الْمُلْحَمَ، وَالْقَسِّيَّ، وَالْخَزَّ عَلَى الْوَجْهَيْنِ، وَجَعْلُ التَّحْرِيمِ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ؛ لِأَنَّهُ حَرَّمَ الْمُلْحَمَ، وَالْقَسِّيَّ، وَالْإِبَاحَةُ قَوْلُ ابْنِ الْبَنَّاءِ؛ لِأَنَّهُ أَبَاحَ الْخَزَّ، وَهَذَا لَا يَصْلُحُ؛ لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَالَ: وَيُلْبَسُ الْخَزِّ، وَلَا يُلْبَسُ الْمُلْحَمُ، وَلَا الدِّيبَاجُ. وَأَمَّا الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ وَقُدَمَاءِ الْأَصْحَابِ، فَإِبَاحَةُ الْخَزِّ دُونَ الْمُلْحَمِ، وَغَيْرِهِ، فَمَنْ زَعَمَ أَنَّ فِي الْخَزِّ خِلَافًا فَقَدْ غَلِطَ.
وَأَمَّا لُبْسُ الرِّجَالِ الْحَرِيرَ: كَالْكُلُوبَةِ، وَالْقَبَاءِ: فَحَرَامٌ عَلَى الرِّجَالِ بِالِاتِّفَاقِ عَلَى الْأَجْنَادِ وَغَيْرِهِمْ، لَكِنْ تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِي لُبْسِهِ عِنْدَ الْقِتَالِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَظْهَرُهُمَا الْإِبَاحَةُ، وَأَمَّا إنْ احْتَاجَ إلَى الْحَرِيرِ فِي السِّلَاحِ وَلَمْ يَقُمْ غَيْرُهُ مَقَامَهُ فَهَذَا يَجُوزُ بِلَا نِزَاعٍ، وَأَمَّا إلْبَاسُهُ الصِّبْيَانَ الَّذِينَ دُونَ الْبُلُوغِ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ أَظْهَرُهُمَا: التَّحْرِيمُ.
وَلُبْسُ الْفِضَّةِ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ لَفْظٌ عَامٌّ بِالتَّحْرِيمِ لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ أَنْ يُحَرِّمَ مِنْهُ إلَّا مَا قَامَ الدَّلِيلُ الشَّرْعِيُّ عَلَى تَحْرِيمِهِ، فَإِذَا جَاءَتْ السُّنَّةُ بِإِبَاحَةِ خَاتَمِ الْفِضَّةِ كَانَ ذَلِكَ دَلِيلًا
عَلَى إبَاحَةِ ذَلِكَ، وَمَا هُوَ فِي مَعْنَاهُ، وَمَا هُوَ أَوْلَى مِنْهُ بِالْإِبَاحَةِ، وَمَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ يَحْتَاجُ إلَى نَظَرٍ فِي تَحْلِيلِهِ وَتَحْرِيمِهِ، وَتُبَاحُ الْمِنْطَقَةُ الْفِضَّةُ فِي أَظْهَرْ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ، وَكَذَلِكَ التركاشي، وَغِشَاءُ الْقَوْسِ، وَالنُّشَّابُ وَالْجَوْشَنُ، والقرقل، وَالْخُوذَةُ، وَكَذَلِكَ حِلْيَةُ الْمِهْمَازِ الَّذِي يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِرُكُوبِ الْخَيْلِ، وَالْكَلَالِيبُ الَّتِي يَحْتَاجُ إلَيْهَا أَوْلَى بِالْإِبَاحَةِ مِنْ الْخَاتَمِ فَإِنَّ الْخَاتَمَ يُتَّخَذُ لِلزِّينَةِ، وَهَذِهِ لِلْحَاجَةِ وَهِيَ مُتَّصِلَةٌ بِالسَّيْرِ لَيْسَتْ مُفْرَدَةً: كَالْخَاتَمِ وَلَا حَدَّ لِلْمُبَاحِ مِنْ ذَلِكَ، وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَمْ يُحَرِّمْ لِبَاسَ الْفِضَّةِ عَلَى الرِّجَالِ وَعَلَى النِّسَاءِ، وَإِنَّمَا حَرَّمَ عَلَى الرِّجَالِ لُبْسَ الذَّهَبِ وَالْحَرِيرِ، وَحَرَّمَ آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَالرُّخْصَةُ فِي اللِّبَاسِ أَوْسَعُ مِنْ الْآنِيَةِ؛ لِأَنَّ حَاجَتَهُمْ إلَى اللِّبَاسِ أَشَدُّ، وَتَنَازُعُ الْعُلَمَاءِ فِي يَسِيرِ الذَّهَبِ فِي اللِّبَاسِ وَالسِّلَاحِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ: أَحَدُهَا: لَا تُبَاحُ.
وَالثَّانِي: تُبَاحُ فِي السَّيْفِ خَاصَّةً. وَالثَّالِثُ: تُبَاحُ فِي السِّلَاحِ. وَكَانَ عُثْمَانُ بْنُ حُنَيْفٍ فِي سَيْفِهِ مِسْمَارٌ مِنْ ذَهَبٍ.
وَالرَّابِعُ: وَهُوَ الْأَظْهَرُ أَنَّهُ يُبَاحُ يَسِيرُ الذَّهَبِ فِي اللِّبَاسِ وَالسِّلَاحِ، فَيُبَاحُ طِرَازُ الذَّهَبِ إذَا كَانَ أَرْبَعَةَ أَصَابِعِ فَمَا دُونَهَا، وَخَزُّ الْقَبَّانِ وَحِيلَةُ الْقَوْسِ كَالسَّرْجِ وَالْبُرْدَيْنِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَحَدِيثُ:«لَا يُبَاحُ مِنْ الذَّهَبِ وَلَوْ خَزُّ بِصِيصَةٍ» وَخَزُّ بِصِيصَةٍ: عَيْنُ الْجَرَادَةِ؛ مَحْمُولٌ عَلَى الذَّهَبِ الْمُفْرَدِ: كَالْخَاتَمِ وَنَحْوِهِ، وَالْحَدِيثُ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ.
وَجَعَلَ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ تَشَبُّهَ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءٍ، وَالنِّسَاءِ بِالرِّجَالِ مِنْ قِسْمِ الْمَكْرُوهِ، وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ مُحَرَّمٌ، وَحَكَى بَعْضُ أَصْحَابِنَا التَّحْرِيمَ رِوَايَةً، وَمَا كَانَ مِنْ لُبْسِ الرِّجَالِ مِثْلُ: الْعِمَامَةِ، وَالْخُفِّ، الْقَبَاءِ الَّذِي لِلرِّجَالِ، وَالثِّيَابِ الَّتِي تُبْدِي مَقَاطِعَ خَلْقِهَا، وَالثَّوْبِ الرَّقِيقِ الَّذِي لَا يَسْتُرُ الْبَشَرَةَ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ تُنْهَى عَنْهُ، وَعَلَى وَلِيِّهَا كَأَبِيهَا وَزَوْجِهَا أَنْ يَنْهَاهَا عَنْ ذَلِكَ.
وَهَذِهِ الْعَمَائِمُ الَّتِي تَلْبَسُهَا النِّسَاءُ عَلَى رُءُوسِهِنَّ حَرَامٌ بِلَا رَيْبٍ. قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: وَقَدْ سُئِلَ عَنْ لُبْسِ الْقَبَاءِ. وَالنَّظَرِيُّ لَيْسَ لَهُ التَّشْبِيهُ فِي لِبَاسِهِ بِلِبَاسِ أَعْدَاءِ الْمُسْلِمِينَ.
وَاللِّبَاسُ وَالزِّيُّ الَّذِي يَتَّخِذُهُ بَعْضُ النُّسَّاكِ مِنْ الْفُقَرَاءِ، وَالصُّوفِيَّةِ، وَالْفُقَهَاءِ، وَغَيْرِهِمْ بِحَيْثُ يَصِيرُ شِعَارًا فَارِقًا كَمَا أُمِرَ أَهْلُ الذِّمَّةِ بِالتَّمْيِيزِ عَنْ الْمُسْلِمِينَ فِي شُعُورِهِمْ وَمَلَابِسِهِمْ، فِيهِ مَسْأَلَتَانِ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: هَلْ يُشْرَعُ ذَلِكَ اسْتِحْبَابًا لِتَمَيُّزِ