الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[17] * الجهر بالنيّة والقول بوجوب مقارنتها مع تكبيرة الإحرام:
[1/17] الجهر بالنيّة لا يجب ولا يستحب باتّفاق علماء المسلمين، بل الجاهر بالنيّة مبتدع مخالف للشريعة، وإذا فعل ذلك معتقداً أنه من الشّرع فهو جاهل ضال يستحق التعزير، وإلا فالعقوبة على ذلك إذا أصرَّ عليه بعد التعريف والبيان له، لاسيّما إذا آذى مَنْ إلى جنبه برفع صوته، أو كرّر ذلك مرّة بعد مرّة.
وقد أفتى غير واحد من علماء المسلمين بذلك، فمنهم: القاضي أبو الربيع سليمان بن الشافعي، قال:((الجهر بالنّية وبالقراءة خلف الإمام ليس من السنّة، بل مكروه، فإن حصل به تشويش على المصلّين فحرام، ومن قال بإن الجهر بلفظ النيّة من السنّة فهو مخطئ، ولا يحلّ له ولا لغيره أن يقول في دين الله تعالى بغير علم)) .
ومنهم: أبو عبد الله محمد بن القاسم التونسي المالكي، قال:((النيّة من أعمال القلوب، فالجهر بها بدعة، مع ما في ذلك من التشويش على الناس)) .
ومنهم: الشيخ علاء الدّين بن العطّار قال: ورفع الصّوت بالنيّة مع التشويش على المصلّين حرام إجماعاً، ومع عدمه بدعة قبيحة، فإن قصد به الرّياء كان حراماً من وجهين، كبيرة من الكبائر، والمنْكِرُ على مَنْ قال بأن ذلك من السنّة مصيب، ومصوّبة مخطئ، ونسبته إلي دين الله اعتقاداً كفر، وغير اعتقاد معصية.
ويجب على كل مؤمن تمكَّن مِن زجره، ومنعه وردعه، ولم ينقل هذا النقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولاعن أحدٍ من أصحابه، ولا عن أحد ممن يقتدى به من علماء الإسلام)) (1) 1 (.
وكذلك التلفّظ بالنيّة سرّاً لا يجب عند الأئمة الأربعة وسائر أئمة المسلمين، فلم يقل أحد بوجوب ذلك، لا في الطهارة ولا في الصلاة ولا الصوم.
سأل أبو داود الإمام احمد، فقال: بقول المصلّي قبل التكبير شيئاً؟ قال: لا (2) 2 (.
قال السيوطي: ((ومن البدع أيضاً: الوسوسة في نيّة الصّلاة، ولم يكن ذلك من فعل النبي صلى الله عليه وسلم ولا أصحابة، كانوا لا ينطقون بشيء من نية الصلاة بسوى التكبير. وقد قال تعالى:
{لقد كان لكم في رسول الله أُسوة حسنة} (3) .
وقال الشافعي رضي الله عنه:
(1) 1 (انظر هذه النّقول في ((مجموعة الرسائل الكبرى)) : (1/254-257)
(2)
2 (مسائل الإمام احمد: (ص 31) ومجموع الفتاوى (22/28) .
(3)
سورة الأحزاب: آية رقم (21)
الوسوسة في نية الصّلاة والطهارة من جهلٍ بالشرع، أو خبلٍ بالعقل)) (1) .
وللتلفظ بالنيّة آثار سيّئة كثيرة، فترى المصلّي ينطق بنيّة الصلاة واضحة مفسّرة، ثم يهمُّ بالتكبير، فيظن أنه يستحضر النيّة.
قال ابن الجوزي: ((ومن ذلك: تلبيسه عليهم في نية الصّلاة. فمنهم مَنْ يقول: أُصلّي صلاة كذا، ثم يعيد، هذا ظنّاً منه أنه قد نقض النية، والنية لا تنقض، وإن لم يرض اللفظ. ومنهم: مَنْ يكبّر ثم ينقض ثم يكبر ثم ينقض، فإذا ركع الإمام كبر الموسوس وركع معه، فليت شعري! ما الذي أحضر النية حينئذ؟! وما ذاك إلا لأن إبليس أراد أن يفوته الفضيلة. وفي الموسوسين مَنْ يحلف بالله لا كّبرتُ غير هذه المرّة. وفيهم مَنْ يحلف بالله بالخروج من ماله أو بالطلاق، وهذه كلها تلبيسات إبليس.
والشريعة سمحة سهلة سليمة من هذه الآفات، وما جرى لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولا لأصحابه شيء من هذا)) (2) .
وسبب هذا الوسواس: أن النيّة تكون حاضرةً في قلب هذا الموسوس، ويعتقد أنها ليست في قلبه، فيريد تحصيلها بلسانه، وتحصل الحاصل محال!
وقد غلط أبو عبد الله الزّبيري من الشافعيّة على الإمام الشافعي – رحمه الله تعالى – إذ خرّج وجهاً من كلام الإمام زاعماً أنه يوجب التلفّظ بالنيّة في الصّلاة! والسبب في غلطه: سوءُ فهمه لعبارة الشافعي.
فعبارة الشّافعي هذا نصّها: إذا نوى حجّاً وعمرة أجزأ، وإنْ لم يتلفّظ وليس كالصّلاة لا تصح إلا بالنّطق)) (3) .
(1) الأمر بالاتباع والنهي عن الابتداع: (لوحة 28/ب) وقامت دار ابن القيم بالدمام بطبعة بتحقيقي.
(2)
تلبيس إبليس: (ص: 138) .
(3)
المجموع: (3/243) .
قال النووي: ((قال أصحابنا: غلط هذا القائل، وليس مراد الشافعي بالنّطق في الصّلاة هذا، بل مراده التكبير)) (1) .
وقال بن أبي العزّ الحنفي: ((لم يقل أحد من الأئمة الأربعة، لا الشّافعيّ ولا غيره باشتراط التلفّظ بالنيّة، وإنما النيّة محلّها القلب باتّفاقهم، إلا أن بعض المتأخرين أوجب التلفّظ بها، وخرج وجهاً في مذهب الشافعي! قال النووي رحمه الله: وهو غلط، انتهى. وهو مسبوق بالإجماع قبله)) (2) .
وقال ابن القيم: ((كان صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصّلاة، قال: ((الله أكبر)) ولم يقل شيئاً قبلها، ولا تلفَّظ بالنيّة البتة. ولا قال: أصلي لله صلاة كذا مُستقبل القبلة أربع ركعات إماماً أو مأموماً، ولا قال: أداءً ولا قضاءً، ولا فرض الوقت، وهذه عشرُ بدع، لم يَنْقُل عنه أحد قط بإسنادٍ صحيحٍ ولا ضعيفٍ ولا مسندٍ ولا مرسلٍ لفظةً واحدةً منها البتة، بل ولا عن أحدٍ من أصحابه، ولا استحسنه أحدٌ من التّابعين، ولا الأئمة الأربعة وإنما غَرَّ بعضَ المتأخرين قولُ الشافعي رضي الله عنه
- في الصّلاة: إنها ليست كالصّيام ولا يدخل فيها أحدُ إلا بذكر، فظنّ أن الذّكر تلفُّظُ المصلّي بالنّية وإنما أراد الشافعيُّ رحمه الله بالذّكر: تكبيرة الإحرام، ليس إلا، وكيف يستحِبُّ الشافعيُّ أمراً لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة واحدة، ولا أحدٌ من خلفائه وأصحابه، وهذا هديُهم وسيرتُهم، فإن أَوْجَدَنا أحدٌ حرفاً واحداً عنهم في ذلك، قبلناه، وقابلناه بالتّسليم والقبول، ولا هديَ أكملُ من هديهم، ولا سنة إلا ما تلقَّوه عن صاحب الشّرع صلى الله عليه وسلم)) (3)
(1) المرجع نفسه، وانظر:((التعالم)) للشيخ بكر أبو زيد (100) .
(2)
الاتباع: (ص62) .
(3)
زاد المعاد: (1/ 201) . وانظر له في المسألة: ((إغاثة اللهفان)) : (1/136ـ139) و ((إعلام الموقعين)) : (2/371) و ((تحفة المودود)) : (ص93) .
نخلص مما تقدّم إلى: أن نصوص العلماء على اختلاف الأمصار والأعصار على أن الجهر بالنيّة بدعة (1) ، ومن قال بسنّيته فقد غلط على الإمام الشافعي.
وعلى هذا الأدلة من السنة النّبويّة.
عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستفتح الصَّلاة بالتّكبير (2) .
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال للمسيء صلاته، عندما قال له: علّمني يا رسول الله. قال له: إذا قمت إلى الصّلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة، فكبّر، ثم
اقرأ بما تيسر معك من القرآن (3) .
وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: رأيت النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم افتتح التكبير في الصلاة، فرفع يديه (4) .
فهذه النصوص ومثلها كثير عن الرسول صلى الله عليه وسلم تدلّ على افتتاح الصّلاة بالتكبير،
(1) انظر في ذلك _ على سبيل المثال _: ((الإفصاح)) : (1/56) و ((الإنصاف)) : (1/142) و ((فتح القدير)) : (1/186) و ((مجموع الفتاوى)) : (22/223) و ((مقاصد المكلّفين فيما يتعّبد به لربّ العالمين)) : (ص 123 وما بعدها) .
(2)
أخرجه مسلم في ((الصحيح)) : (1/357) رقم (498) .
(3)
سيأتي تخريجه إن شاء الله تعالى.
(4)
أخرجه البخاري في ((الصحيح)) : (2/221) رقم (738) .