الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ولا ريب أن عكس هذا الحال هو
الأولى بالمصلّى)) (1) .
ويكون الاستغفار ـ ثلاثاً ـ والتسبيح والتحميد والتكبير ـ كل منها ثلاث وثلاثون مرّة ـ وختمها بالتهليل، عقب الصّلاة، سراً في أيّ حالة يكون عليها المصلّون بعد الصلاة من قيام وقعود ومشي، وإن الاجتماع لذلك والاشتراك فيه ورفع الصوت بدع، هوّنها على الناس التعوّد، ولو دعاهم أحد إلى مثل هذه الصّفات في عبادة أُخرى ـ كصلاة تحية المسجد مثلاً ـ لأنكروا عليه أشد الإنكار (2) .
[3/52] ومن هذا القبيل:
ما أُحدث من الذّكر بعد كلّ تسليمتين من صلاة قيام رمضان، ومن رفع أصواتهم بذلك، والمشي على صوتٍ واحدٍ، فإن ذلك من البدع.
[53] * المرور بين يدي المصلِّين:
عن أبي عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لاتصلّ إلَاّ إلى سترة، ولا تدع أحداً يمرّ بين يديك، فإن أبى فلتقاتله، فإن معه القرين)) (3) .
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا صلّى أحدكم فليصلّ إلى سترة، وليدن منها، ولا يدع أحداً يمرّ بينه وبينها، فإنْ جاء أحدٌ يمرّ فليقاتله، فإنه شيطان)) (4) .
ولهذا الحديث سبب إيراد، هو:
عن أبي صالح قال: رأيت أبا سعيد في يوم الجمعة يصلي إلى شيء، يستره من النّاس، فأراد شاب من بني أبي معيط أن يجتاز بين يديه، فدفع أبو سعيد في صدره، فنظر الشابّ فلم يجد مساغاً إلا بين يديه، فعاد ليجتاز، فدفعه أبو سعيد أشد من الأولى، فنال من أبي سعيد، ثم دخل على مروان فشكا إليه ما لقي من أبي سعيد، ودخل أبو سعيد خلفه على مروان، فقال: مالك ولا بن أخيك يا أبا سعيد؟ قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم، وذكره (1) .
في هذين الحديثين: مشروعية ردّ المار بين يدي المصلّي، وقرر الفقهاء: أن الرد يكون بأسهل الوجوه، فإن أبى فبأشدّها، وإن أدى إلى قتله فلا شيء عليه، كالصّائل عليه لأخذ نفسه أو ماله، وقد أباح له الشرع مقاتلته، والمقاتلة المباحة لاضمان فيها (2) .
وقال القاضي عياض: ((وأجمعوا على أنه لا يلزمه مقاتلته بالسلاح، ولا يؤدّي إلى هلاكه، فإن دفعه بما يجوز فهلك من ذلك، فلا قود عليه باتفاق العلماء.
وهل يجب ديته أم يكون هدراً؟
فيه مذهبان للعلماء، وهما قولان في مذهب مالك رضي الله عنه.
وكذا اتفقوا على أنه لا يجوز له المشي إليه من موضعه ليردّه، وإنما يدفعه ويردّه من موقفه، لأن مفسدة المشي في صلاته أعظم من مروره من بعيد بين يديه، وإنما أبيح له قدر ما تناله يده من موقفه، ولهذا أمر بالقرب من سترته، وإنما يرده
إذا كان بعيداً منه بالإِشارة والتسبيح.
وكذلك اتفقوا على أنه إذا مر لا يردّه، لئلا يصير مروراً ثانياً، إلا شيئاً روي عن بعض السّلف أنه يرده، وتأوله بعضهم)) (3) .
وقد بين صلى الله عليه وسلم إثم المارّ بين يدي المصلّي، فقال:((لو يعلم المارُّ بين يدي المصلّي، فقال: لو يعلم المارُّبين يدي المصلّي ماذا عليه، لكان أن يقف أربعين خيراً له من أن يمُرَّ بين يديه)) .
قال أبو النّضر ـ أحد رواة الحديث ـ: لا أدري أقال أربعين يوماً أو شهراً أو سنة (4) .
معناه: لو يعلم ما عليه من الإِثم لاختار الوقوف أربعين على ارتكاب ذلك الإِثم، وفيه:
النهي الأكيد، والوعيد الشديد في ذلك (1) .
وقد استعظم الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ ومن بعدهم من السلف الصالح إثم المرور بين يدي المصلي، حتى إن بعضهم تمثّل فيه بآيةٍ وردت في عبادة الأصنام!!
عن عبد الله بن بريدة قال: رأى أبي أُناساً يمرّون بعضهم بين يدي بعض في الصّلاة، فقال: ترى أبناء هؤلاء إذا أدركوا يقولون: إنا وجدنا آباءنا كذلك يفعلون (2) .
وعن وبرة قال: ما رأيت أحداً أشدّ عليه أن يمرّ بين يديه في الصّلاة من إبراهيم النّخعي وعبد الرحمن بن الأسود (3) .
[1/53] وظاهر الأحاديث المنع من المرور بين يدي المصلّي، سواء اتّخذ سترة أم لا، إذ لم يفرق النبي صلى الله عليه وسلم فيها بين مستتر وغيره، بل قال: بين يدي المصلّي.
((وذهب البعض إلى أن المرور لا بأس به، إذا كان المصلّي مقصّراً، بأن صلى في الطّريق أو في الباب، وهذا لا دليل عليه إطلاقاً، ولا مستند له من قول أحد من سلف الأمة، بل فيه محادّة للحديث المصّرح بأن يقف المارّ أربعين سنة ولا يمر، خير له من ذلك المرور، فبالله هل هناك مصلّ يعطل المارّين أربعين دقيقة حتى تستثنى هذه الحالة،
بالرأي في الدين الله عز وجل، وتخرجها من كونها كبيرة من الكبائر؟ اللهم إنا نبرأ إليك من مثل هذا الإطلاق في إعمال الرأي في دينك، ونسألك الوقوف في التمسك بشرائعك، والوقوف عند حدودك)) (4) .
[2/53] والحرمة مقيّدة في الأحاديث السابقة ب ((بين يدي المصلي)) :
أي أمامه بالقرب منه، وعبر باليدين لكون أكثر الشغل يقع بهما، واختلف في تحديد ذلك، فقيل: إذا مرّ بينه وبين مقدار سجوده، وقيل: بينه وبين قدر ثلاثة أذرع. وقيل: بينه وبين قدر رميه بحجر (5) .
ومتى بَعُد المارّ عما بين يدي المصلّي إذا لم يلق بين يديه سترة، سَلِمَ من الإِثم، لأنه إذا بعد عنه عرفاً لا يسمى ماراً بين يديه، كالذي يمر من وراء السّترة (1) .
قال ابن حزم: ((من مرّ أمام المصلّي وجعل بينه وبينه أكثر من ثلاثة أذرع، فلا إثم على المارّ، وليس على المصلّي دفعه، فإن مرّ أمامه على ثلاثة أذرع فأقلّ، فهو آثم إلا أن تكون سترة المصلّي أقل من ثلاثة أذرع، فلا حرج على المار في المرور وراءها أو عليها)) (2) .
وقال: ((لم نجد في البعد عن السّترة أكثر من هذا، فكان هذا حدّ البيان في أقصى الواجب من ذلك)) (3) .
والثلاثة أذرع مقدار محدد لا اختلاف فيه، فهو جدير بالاعتماد، ذلك لأن من حدده بمقدار الركوع والسجود سيختلف باختلاف أطول الناس وكيفية أدائهم للركوع والسجود وأما ذاك فهو منضبط، وقد ثبت ـ كما قدمنا ـ أن يجعل المصلي بين يديه سترة، ولا يجوز للمصلي أن يبتعد عنها بل أقصى ما يمكن في ذلك أن يكون بينه وبين سترته ثلاثة أذرع، فكان هذا بياناً لضابط قوله ((بين يديه)) .
وقد أمرنا برد المارّ بين أيدينا ونحن في الصلاة، والله لا يكلفنا إلا بما نستطيع، وفي حالة الجلوس لا نتمكن من ردّ مَنْ مرّ على مسافة هي أبعد من ثلاثة أذرع من قدمه، فهذا يقوّي الضابط المذكور، فضلاً على أنه قول الأكثر من أهل العلم (4) .
ومن الجدير بالذكر:
[3/53] أن المرور بين يدي المصلي ينقص ثواب الصّلاة.
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: من استطاع منكم أن لا يمر بين يديه وهو يصلّي، فليفعل، فإن المارّ بين
يدي المصلّي أنقص أجراً من الممر عليه (5) .
وروي أنه كان إذا مرّ أحد بين يديه وهو يصلّي التزمه، حتى يردّه، ويقول: أنه ليقطع
نصف صلاة المرء مرور المرء بين يديه (6) .
وعن عمر قال: لو يعلم المصلّي ما ينقص من صلاته بالمرور بين يديه ما صلّى إلا إلى شيء يستره من النّاس (1) .
قال الحافظ ابن حجر معلقاً على أثري ابن مسعود وعمر رضي الله عنهما: ((فهذان الأثران مقتضاهما: أن الدفع لخللٍ يتعلّق بصلاة المصلّي، ولا يختص بالمارّ، وهما وإن كانا موقوفين فحكمهما حكم الرفع، لأن مثلهما لا يُقال بالرأي)) (2) .
[4/53] بل قد يصل إلى بطلانها، كما في بعض الحالات.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يقطع الصلاة: المرأة والحمار والكلب، ويقي ذلك مثل مؤخرة الرَّحْل (3) .
وعن أبن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
يقطع الصلاة الكلب الأسود والمرأة الحائض (4) .
فالتنصيص على هؤلاء الثلاثة لا بد أن يكون لوجود مزية فيها ليست في غيرها، وقد سبق أن بيّنا أن الصلاة ينقص أجرها بمرور غير هؤلاء الثلاثة، فكان التنصيص عليها لبيان ما زاد عن النّقصان وهو البطلان (5) .
فاحذر يا أخي أن تجازف بصلاتك، بأن تدع أحداً من الأصناف المذكورة (المرأة البالغة والكلب الأسود والحمار) يمر بينك وبين سترتك في الصّلاة.
[5/53] و ((يستبيح البعض المرور بين يدي المصلّين إذا كان يحمل جنازة، وهذا لم يقل به أحد من أهل العلم فيما علمت، ولا دليل يدّل عليه على الإطلاق، ولا يتفيهق متفيهق بأن يقول: هذا من باب الإسراع بالجنازة!! لأنا نقول له: أسرع بها من غير مرور بين يدي المصلّين، والجنازة يصلّى عليها في أيّ مكان، لا يطلب لها مسجد أو غيره، والسنّة أن يصلّى عليها في مصلّى خاص بل إن بعض أهل العلم يرى عدم جواز الصّلاة عليها في المسجد، ولا مجال للردّ عليهم هنا، وهناك أمور كثيرة، تتأخر لها الجنازة، الفترات
الطويلة، ما أنزل الله بها من سلطان، وعندما جئنا لحدود الله ـ ما شاء الله ـ أسرعنا إلى الإسراع بالجنازة. ولو سلّم أن هناك تعارضاً بين المرور بين يدي المصلّي وبين الإسراع بالجنازة ـ وهيهات!! لقدّم عدم المرور لأن المرور من الكبائر، وترك الإسراع ـ عند التشدد وفي أقصى غاياته ـ من الصّغائر)) (1) .