الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
((قال الزين العراقي في ((شرح الترمذي)) : فيه سليمان بن عمرو هو أبو داود النخعي، متفق على ضعفه، وإنما يعرف هذا عن ابن المسيب، وقال في ((المغني)) : سنده ضعيف، والمعروف أنه من قول سعيد.
ورواه ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) وفيه رجل لم يسم. وقال ولده: فيه سليمان بن عمرو مجمع على ضعفه. وقال الزيلعي: قال ابن عدي: أجمعوا على أنه يضع الحديث)) (1) .
قلت: وهو موقوف على سعيد عند ابن المبارك في ((الزهد)) عن رجل عنه، بل وهذا سند ضعيف لجهالة الرجل، فالحديث موضوع مرفوعاً، ضعيف موقوفاً بل مقطوع (2) .
ومن أخطاء المصلين في حالة وقوفهم بين يدي ربهم سبحانه وتعالى العجلة الزّائدة في قراءة الفاتحة، وعدم إتقانهم لها على الوجه الصحيح، بإسقاط بعض الحروف، أو بلحنهم الجلي تارة والخفي تارة أُخرى، وسيأتيك تفصيل ذلك في مبحث ((جماع أخطاء المصلين في صلاة الجماعة)) إن شاء الله تعالى.
[20] * جملة من أخطائهم في الرّكوع والقيام منه:
يقع كثير من المصلّين في مجموعة مخالفات عند الركوع والقيام منه واستدعى ذلك التنبيه عليها، لا سيما أن بعضاً منها من الأركان والواجبات، وهي:
[1/20] (عدم تعمير الأركان.
يكره عند الجمهور للمصلّي تأخير الأذكار المشروعة في الانتقال من ركن إلى ركن إلى غير محلّها، بأن يكبّر للركوع بعد إتمامه، ويقول: سمع الله لمن حمده بعد اعتداله، لأن السنّة ـ عندهم ـ تعمير الركن بذكره، بأن يبتدئ بالذّكر ثم يشرع بالركوع أو السجود (3) .
(1) فيض القدير: (5/319) .
(2)
سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة: رقم (110) .
(3)
انظر أدلة ذلك في رقم (3/37) .
وقالت المالكية: إن ذلك خلاف المندوب.
قلت: واحرص ـ أخي المصلي ـ على تكبيرات الانتقال، وإياك أن تتهاون فيها، أو أن تضعها في غير موضعها.
قالت الحنابلة: إنه مبطل للصلاة إن تعمده، ويجب عليه سجود السهو إن فعله ساهياً، لأن تعمير الأركان بالذّكر واجب عندهم (1) 2) .
والراجح: ما ذهب إليه الحنابلة، إذ عدُّ هذه التكبيرات من السنن، ينافي أمر النبي صلى الله عليه وسلم المسيء صلاته بها، كما جاء في روايةٍ لأبي داود وغيره من حديث رفاعة بن رافع (2) ، فهي إذن واجبة، ومؤيّد بعموم قوله صلى الله عليه وسلم ((صلوا كما رأيتموني أصلي)) .
وقد قرر الإمام الشوكاني في ((نيل الأوطار)) (3) ثم في ((السيل الجرار)) (4)
أن الأصل في جميع الأمور الواردة في حديث المسيء صلاته الوجوب، وفد نصّ الشوكاني نفسه في ((النيل)) أن هذه التكبيرات مما جاء فيه في بعض الروايات، ثم نسي ذلك في ((السيل)) فذكرها (1/ 227 ـ 228) في جملة السنن!!
فسبحان ربّي لا يضلّ ولا ينسى، وقد ذهب إلى الوجوب الإِمام أحمد، كما
(1) الدين الخالص: (3/212) وانظر: ((المحلى)) : (4/151) و ((فتح الباري)) : (2/273) .
(2)
انظر: ((سنن أبي داود)) : (1/227) .
(3)
انظر: (2/222 – 224) .
(4)
انظر: (1/ 210 – 213) . وقد قرر ابن دقيق العيد نحو المذكور عن الشوكاني، فقال:((لكن يحتاج أولاً إلى جمع طرق هذا الحديث وإحصاء الأمور المذكورة فيه، والأخذ بالزّائد فالزائد، ثم إن عارض الوجوب أو عدمه، دليل أقوى منه عمل به، وإن جاءت صيغة الأمر في حديث آخر بشيء لم يذكر في هذا الحديث قُدّمت)) وقال قبل ذلك: ((فكل موضع اختلف الفقهاء في وجوبه وكان مذكوراً في هذا الحديث فلنا أن نتمسك به في وجوبه)) .
وقد امتثل الحافظ ابن حجر لما أشار إليه ابن دقيق العيد. فجمع طرق حديث المسيء صلاته من رواية أبي هريرة ورفاعة، وتعقّب النووي في بعض كلامه. انظر:((فتح الباري)) : (2/279 -280) وقارن بـ ((الصلاة وحكم تاركها)) : (ص 139) .
حكاه النووي
في ((المجموع)) (1) عنه، واحتجّ له بالعموم السابق، وخفي عليه حديث المسيء، فإنه قال محتجّاً عليه لمذهبه:((ودليلنا على أحمد: حديث المسيء صلاته، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمره بتكبيرات الانتقال، وأمره بتكبيرة الإحرام)) !! فلم يتنبه لرواية أبي داود وغيره (2) .
وقد جاءت هذه التكبيرات في أحاديث كثيرة، منها:
عن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصّلاة يكبّر حين يقوم، ثم يكبر حين يركع، ثم يقول: سمع الله لمن حمده، حين يرفع صُلبَه من الرّكعة، ثم يقول وهو قائم: ربَّنا لك الحمد – وقال بعض الرواة: ولك الحمد – ثم يكبّر حين يهوي، ثم يكبّر حين يرفع رأسه، ثم يكبر حين يسجد، ثم يكبّر حين يرفع رأسه، ثم يفعل ذلك في الصّلاة كلّها حتى يقضِيَها، ويكبّر حين يقوم من الثِّنتَين بعد الجلوس (3) .
والحكمة في شرعية تكرار التكبير: تنبيه المصلّي على أن الله سبحانه أكبر من كل كبير، وأعظم من كل عظيم، فلا ينبغي التشاغل عن طاعته بشيء من الأشياء، بل ينبغي الإقبال عليها بالقلب والقالب، والخشوع فيها تعظيماً له سبحانه، وطلباً لرضاه (4) .
[2/20] ومن أخطاء المصلّين في تركهم تعمير الأركان، ما قاله النووي بعد ذكره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قال سمع الله لمن حمده، قال: اللهم ربنا ولك الحمد، وحديث ((صلّوا كما رأيتموني أُصلي)) قال: ((فيقتضي هذا مع ما قبله: أن كلّ مصلّ يجمع بينهما، ولأنه ذكر يستحب للإمام فيستحب لغيره، كالتسبيح في الرّكوع وغيره، ولأن الصّلاة مبنيّةٌ على أن لا
(1) انظر: (3/ 397) وحكاه عنه ابن حجر في ((الفتح)) : (2/ 270) .
(2)
تمام المنة (ص186- 187) .
(3)
أخرجه البخاري في ((الصحيح)) : (2/272) رقم (789) .
(4)
من تعليق الشيخ ابن باز على ((فتح الباري)) : (2/ 270) .
يفتر عن الذّكر في شيء منها، فإن لم يَقُلْ بالذّكرَيْن في الرفع والاعتدال، بقي أحد الحالين خالياً عن الذّكر.
وأما الجواب عن قوله صلى الله عليه وسلم: ((وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا ربنا لك الحمد)) فقال أصحابنا: فمعناه: قولوا ربنا لك الحمد مع ما قد علمتموه من قول: ((سمع الله لمن حمده)) وإنما خصّ هذا بالذّكر، لأنهم كانوا يسمعون جهر النبي صلى الله عليه وسلم بسمع الله لمن حمده، فإن السنة فيه الجهر، ولا يسمعون قوله:((ربنا لك الحمد)) ، لأنه يأتي به سراً، وكانوا يعلمون قوله صلى الله عليه وسلم:((صلوا كما رأيتموني أصلي)) مع قاعدة التأسي به صلى الله عليه وسلم مطلقاً، وكانوا
يوافقون في ((سمع الله لمن حمده)) فلم يحتج إلى الأمر به، ولا يعرفون ((ربنا لك الحمد)) فأمروا به، والله أعلم)) (1) انتهى.
قلت: من الواضح أن في حديث أبي هريرة السابق ((
…
ثم يقول: سمع الله لمن حمده، حين يرفع صلبه من الركعة، ثم يقول وهو قائم: ربنا ولك الحمد)) ذكرين اثنين:
أحدهما: قوله: ((سمع الله لمن حمده)) في اعتداله من الركوع.
والآخر: قوله: ((ربنا ولك الحمد)) إذا استوى قائماً.
فإذا لم يقل المقتدي ذكر الاعتدال، فسيقول مكانه ذكر الاستواء، وهذا أمر مشاهد من جماهير المصلّين، فإنهم ما يكادون يسمعون منه ((سمع الله لمن حمده)) إلا سبقوه بقولهم:((ربنا ولك الحمد)) وفي هذا مخالفة صريحة للحديث، فإن حاول أحدهم تجنّبها وقع في مخالفة أخرى، وهي إخلاء الاعتدال من الذّكر المشروع فته بغير حجّة (2) .
(1) المجموع: (3/420) .
(2)
تمام المنّة: (ص 190-191) .
[3/20] (عدم الطمأنينة في الركوع والاعتدال منه.
عن زيد بن وهب قال: رأى حذيفةُ رجلاً لا يُتِمُّ الرّكوع والسجود، قال: ما صلَّيت، ولو مُتَّ مُتَّ على غير الفطرة التي فطر الله محمداً صلى الله عليه وسلم (1) .
ففي هذا الأثر: وجوب الطمأنينة في الركوع والسجود، وأن الإخلال بها مبطل، لأنه قال له:((ما صليت)) وهو نظير قوله صلى الله عليه وسلم للمسيء صلاته، كما في الحديث الآتي:
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم دخل المسجد، فدخل رجل، فصلّى، ثم جاء فسلّم على النبي صلى الله عليه وسلم، فردّ عليه السلام، فقال: ارْجِعْ، فَصَلِّ، فإنّك لم تُصَلّ، ثلاثاً.
فقال: والذي بعثك بالحقّ، ما أحسن غيره، فعلّمني. قال: إذا قُمتَ إلى الصَّلاة، فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة فَكبِّر، ثم اقرأ ما تيسَّر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعاً، ثم ارفع حتى تعتدل قائماً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم ارفع حتى تطمئن جالساً، ثم اسجد حتى
(1) أخرجه البخاري في ((الصحيح)) : (2/274 - 275) رقم (791) .. وفي رواية لأحمد فيها زيادة: ((منذ كم صلَّيت؟ فقال: منذ أربعين سنة)) وفي حملها على ظاهرها نظر، وأظن ذلك هو السبب في كون البخاري لم يذكر ذلك، وذلك لأن حذيفة مات سنة ست وثلاثين فعلى هذا يكون ابتداء صلاة المذكور قبل الهجرة بأربع سنين أو أكثر، ولعل الصلاة لم تكن فرضت بعد، فلعله أطلق وأراد المبالغة، قاله الحافظ في ((الفتح)) :(2/275) .
قلت: قد سمعتُ كثيراً من الخطباء والوعاظ يرددون هذا الأثر، ويقولون:((منذ كم صليت؟ قال: منذ ستين سنة، فقال حذيفة له: منذ ستين سنة لم تُصلِّ)) !! وهذا التحديد بهذه المدة الزمنية باطل، إذ لازمه أن الرجل كان يصلي قبل البعثة النبوية، فعليك أخي - بارك الله فيك - الانتباه إلى هذا الخطأ، وراجع ((التعالم)) للشيخ بكر أبو زيد (70 - 71) .
تطمئن ساجداً، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها (1) .
فيه: دليل على وجوب الطمأنينة، وأن مَنْ تركها، لم يفعل ما أُمر به، فيبقى مطالباً بالأمر.
وتأمل أمره بالطمأنينة في الركوع والاعتدال في الرفع منه، فإنه لا يكفي مجرد الطمأنينة في ركن الرفع حتى تعتدل قائماً. فلم يكتف من شرع الصلاة بمجرد الرفع حتى يأتي به كاملاً، بحيث يكون معتدلاً فيه (2) .
وهذا الخطأ - أعني: عدم الطمأنينة في الاعتدال من الركوع - يقع فيه من يشار إليه، أو يظن به العلم!! لا سيما في صلاة النافلة.
قال القرطبي: ((ينبغي للإنسان أن يحسن فرضه ونفله، حتى يكون له نفل يجده زائداً على فرضه يقرّبه من ربه، كما قال سبحانه وتعالى: ((وما يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنّوافل حتى أحبه. . . .)) . فأما إذا كان نفل يكمل به الفرص، فحكمه في المعنى حكم الفرض.
ومن لا يحسن أن يصلّي الفرض، فأحرى وأولى ألا يحسن التّنفّل، لا جرم تنفل الناس في أشدّ ما يكون من النقصان والخلل، لخفته عندهم، وتهاونهم به، حتى كأنّه غير معتدٍ به!! ولعمر الله، قد يشاهد في الوجود، مَنْ يشار إليه، ويظن به العلم، تنفّله كذلك، بل فرضه، إذ ينقره نقر الدّيك، لعدم معرفته بالحديث، فكيف بالجهّال الذين لا يعلمون؟!
وقد قال العلماء: ولا يجزئ ركوع ولا سجود، ولا وقوف بعد الركوع، ولا جلوس بين
(1) أخرجه البخاري في ((الصحيح)) : (2/237 و 276) رقم (757) و (793) ومسلم في ((الصحيح)) : رقم (397) وأبو داود في ((السنن)) رقم (856) والترمذي في ((الجامع)) : رقم (303) والنسائي في ((المجتبى)) : (2/124) وابن ماجه في ((السنن)) : رقم (1060) .
(2)
الصلاة وحكم تاركها: (ص 138 - 139) .
السجدتين، حتى يعتدل راكعاً وواقفاً وساجداً وجالساً. وهذا هو الصحيح في الأثر، وعليه جمهور العلماء، وأهل النّظر)) (1) .
وقد جاءت أحاديث صحيحة في وجوب الاعتدال عند القيام من الركوع.
عن أبي مسعود البدري رضي الله عنه قال: قال رسول لله صلى الله عليه وسلم: لا تُجزئ صلاةُ الرجّل، حتى يقيم ظهره في الركوع والسجود (2) .
وهذا نص صريح في أن الرفع من الركوع والسجود، والاعتدال فيه، والطمأنينة فيه ركن، لا تصح الصّلاة إلا به (3) .
وقد جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم لص الصّلاة وسارقها شراً من لص الأموال وسارقها.
عن أبي قتادة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أسوأ الناس سرقة الذي يسرق من صلاته، لا يتم ركوعها ولا سجودها، ولا خشوعها، أو قال: لا يقيم صلبه في الركوع والسجود (4) .
فصرح بأنه أسوأ حالاً من سارق الأموال، ولا ريب أن لص الدين شر من
(1) تفسير القرطبي: (11/124- 125) ونحوه في ((التذكرة)) : (ص 338 - ط السقا) .
(2)
أخرجه أحمد في ((المسند)) : (4/122) وأبو داود في ((السنن)) رقم (855) والترمذي في ((الجامع)) : رقم (265) وابن ماجه في ((السنن)) : رقم (870) وابن حبان في ((الصحيح)) : رقم (501- موارد) وإسناده صحيح. انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) رقم (7224) و (7225) و ((مشكاة المصابيح)) : رقم (878) .
(3)
الصلاة وحكم تاركها: (ص 142) .
(4)
أخرجه أحمد في ((المسند)) : (5/310) وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وهو كما قالا. وانظر:((صحيح الجامع الصغير)) : رقم (966) و (986) و ((مشكاة المصابيح)) : رقم (885) و ((صحيح الترغيب والترهيب)) : رقم (525) .
لص الدنيا (1) .
وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن نقر المصلّي صلاته، وأخبر أنه صلاة المنافقين.
عن عبد الرحمن بن شبل قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نقرة الغراب، وافتراش السبع. وأن يوطن الرجل المكان في المسجد كما يوطن البعير (2) .
وعن علاء بن عبد الرحمن أنه دخل على أنس بن مالك في داره بالبصرة حين انصرف من الظهر، وداره بجنب المسجد، فلما دخلنا عليه قال: أصليتم العصر؟ فقلنا له: إنما انصرفنا الساعة من الظهر. قال: فَصَلُّوا العصر، فقمنا فصلّينا، فلما انصرفنا، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: تلك صلاة المنافق، يجلس يَرْقُبُ الشّمس، حتى إذا كانت بين قَرْني الشيطان، قام فنقرها أربعاً، لا يذكر الله فيها إلا قليلاً (3) .
وحالة من ينقر صلاته، كما هو مشاهد عند بعض المصلّين، أن يمر بالأركان مرّ السهم، لا يزيد على ((الله أكبر)) في الركوع والسجود بسرعة، ويكاد سجوده يسبق ركوعه، وركوعه يكاد يسبق قراءته، وربما ظن الاقتصار على تسبيحة واحدة أفضل من ثلاث!!
وأني ـ والله ـ سمعت مراراً وتكراراً وممن يقتدى به!! في بعض الأحايين ـ التلفظ بالتحميد، عندما تكاد تصل الجبهة إلى الأرض، والتأمين على الفاتحة، عند النزول للركوع، وكأن رجلاً يلاحقه بعصا، وما علم أنه بفعله هذا كالمستهزئ اللاعب!!
(1) الصلاة وحكم تاركها: (ص 145) .
(2)
مضى تخريجه.
(3)
أخرجه مسلم في ((الصحيح)) رقم (622) والترمذي في ((الجامع)) رقم (160) والنسائي في ((المجتبى)) : (1/ 254) .
وحكي قديماً عن بعضهم!!. أنه رأى غلاماً يطمئن في صلاته، فضربه، وقال: لو بعثك السلطان في شغل، أكنت تبطئ في شغله مثل هذا الإبطاء؟
وهذا كله تلاعب بالصّلاة، وتعطيل لها، وخداع من الشيطان، وخلاف لأمر الله ورسوله، حيث قال الله تعالى {وَأَقِيمُواْ الصَّلَاة} (1)
فأمرنا بإقامتها، وهو الإتيان بها قائمة تامة القيام والركوع والسجود والأذكار، وقد علّق الله - سبحانه - الفلاح بخشوع المصلي في صلاته، فمن فاته خشوع الصلاة، لم يكن من أهل الفلاح، ويستحيل الخشوع مع العجلة والنّفر قطعاً، بل لا يحصل الخشوع قطّ إلا مع الطمأنينة، وكلما زاد طمأنينة، ازداد خشوعاً، وكلما قلّ خشوعه، اشتدّت عجلته، حتى تصير حركة يديه بمنزلة العبث الذي لا يصحبه خشوع ولا إقبال على العبودية (2) 2) .
وأكثر ما يقع فيه الناس ترك القومة بعد الركوع، وترك الجلسة بين السجدتين، أو عدم الطمأنينة فيهما، قال الإمام علي القاري رحمه الله:((ثم اعلم أنّ أكثر الناس تركوا القومة والجلسة فضلاً عن الطمأنينة، فإنها صارت كالشريعة المنسوخة، حتى يسمي العامة فاعلها من أرباب الرياء والسمعة!!)) (3) .
أما الركوع، فقد وردت في كيفيته أحاديث، منها:
عن ابن عباس قال: سأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء من أمر الصلاة؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:
إذا ركعت فضع كفّيك على ركبتيك حتى تطمئن، وإذا سجدت فأمكن
(1) سورة البقرة: آية رقم (43) ..
(2)
الصلاة وحكم تاركها: (ص 170) .
(3)
فصول مهمة: (لوحة 76 / ب) ضمن مجموع له، موجود في الأحمدية، بحلب، تحت رقم (2668 – عام) .
جبهتك من الأرض، حتى تجد حجم الأرض (1) .
وورد في صفة ركوعه صلى الله عليه وسلم: أنه كان إذا ركع سوّى ظهره، حتى لو صُبَّ عليه الماءُ لاستقرَّ (2) .
ومنه تعلم خطأ بعض المصلين عندما يعملون على تدلية رؤوسهم، وأن الصّواب تسوية الظهر، مع عدم رفع الرأس ولا خفضه، لأنه ورد أنه ((كان لا يصب رأسه ولا يقنع)) (3) ولا بد من الطمأنينة في الركوع حتى تسترخي المفاصل.
فقد قال صلى الله عليه وسلم للمسىء صلاته: ((إنها لا تتم صلاةُ أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله.. ثم يكبّر.. ويركع حتى تطمئن مفاصله وتسترخي، ثم يقول: سمع الله لمن حمده، ثم يستوي قائماً حتى يقيم صلبه
…
)) (4) .
وأخيراً.. ((يجب أن يعلم أن الاطمئنان الواجب لا يحصل إلا بتحقيق ما يأتي:
1-
وضع اليدين على الركبتين.
2-
تفريج أصابع الكفّين.
3-
مدّ الظّهر.
4-
التمكين والمكث فيه حتى يأخذ كلُّ عضوٍ مأخذه.
(1) أخرجه أحمد في ((المسند)) : (1/ 287) ورجاله موثوقون إلا أن صالحاً مولى التّوأمة كان قد اختلط، لكنهم قد ذكروا أن ابن أبي ذئب وغيره من القدماء قد روى عنه قبل الاختلاط، فالحديث صحيح، لا سيما لوجود شواهد له. أنظر:((سلسلة الأحاديث الصحيحة)) رقم (1349) .
(2)
انظر: ((صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم)) : (ص 134) و ((صحيح الجامع الصغير)) : رقم (4732) .
(3)
ومعنى ((لا يقنع)) أي: لا يرفع رأسه حتى يكون أعلى من ظهره. وانظر: ((صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم)) : (ص 134) .
(4)
رواه أبو داود والنسائي وغيرهما بسند صحيح. انظر: ((تمام المنة)) : (ص 191) .
وهذا كله ثابت في روايات عديدة)) (1) .
واعلم أن في ترك الطمأنينة آفات كثيرة في الدنيا والعقبى (2) ؛
منها: إيراث الفقير، فإن تعديل أركان الصلاة وتعظيمها من أقوى الأسباب الجالبة للرزق الحلال، وتركه من الأمور السّالبة له على وجه الكمال.
ومنها: إيراث البغض لمن يرى من العلماء والفضلاء، لا سيما من المشايخ، ومن يدّعي أنّّه من الصّلحاء، وسقوط حرمته عندهم، حيث لا يبقى له اعتماد على أقوالهم وأفعالهم.
ومنها: إهانة نفسه وإضاعة حق غيره بسقوط شهادته، فإن من اعتاد ترك القومة أو الجلسة أو الطمأنينة في أحدهما صار مصرّاً على المعصية، فلا تقبل له الشهادة.
ومنها: إيقاع الناس في المعصية، فإنه يجب الإنكار على كل قادر يرى منكراً، فإذا لم ينكر صار سبب لمعصية الغير.
ومنها: إظهار المعصية للناس في كل يوم وليلة مرات كثيرة، وهو أبعد من المغفرة، لأنها معصية، وإظهارها معصية أخري، بخلاف المعصية المخْفِيّة، فإنها للمغفرة أحرى.
ومنها: وجوب الإعادة أو فرضيتها، فإذا لم يعدها تعددت المعصية وكثرت المصيبة.
ومنها: ضرر اقتداء العالم به، على ظن أنه العالم بحكمه، فلولا أنه
(1) تمام المنة: (ص 189) . وانظر: ((باب الاعتدال والطمأنينة في الركوع والسجود)) : من ((إبكار المنن)) (ص224 وما بعدها) ورسالة ((معدّل الصّلاة)) للشيخ محمد الأفندي الرومي البركلي ((ت 981 هـ)) .
(2)
ذكرها مفصّلة الشيخ علي القاري في رسالته ((فصول مهمة)) : (64 - 69) بتحقيقي.
جاز تركه لما أصرّ عليه مثله، فيكون ضالاً مضلاً.
ومنها: أن العجلة من الشيطان، والتؤدة من الرحمن.
ومنها: أنه سبب لإتيان الأذكار المشروعة في الانتقالات، بعد تمام الانتقال، وهو مكروه، كما صرح به في ((التاتارخانية)) ، بل قال في ((المنية)) : فيه كراهتان: تركها عن موضعها، وإتيانها في غير محلّها. وتوضيحة: أنه ـ مثلاً ـ إذا ترك القومة أو الطمأنينة فيها، يقع التسميع والتحميد ـ أو هما معاً ـ حين الانخفاض، بل قد يقع التكبير بعد السجود، والسنة أن يقع التسميع حين رفع الرأس، والتحميد حين الطمأنينة.
ومنها: أنه باعث لِلَحْن في الأذكار، وهو حرام بلا خلاف. وبيانه: أن الإسراع يوجب ترك الحركة، أو تحريك السكون بلا مهلة، بل قد يقتضي ترك الحرف، من غاية السرعة، وهو إنْ كان مغيّراً للمعنى فمبطل، وإلا فمكروه وفعل مضلّ.
إذا عرفت هذا، فاعلم مجملاً وقِسْ عليه مفصّلاً: أنك إذا اقتصرت في يوم وليلة على الفرائض المكتوبة والسنن المؤكدة يكون عدد ركعاتك اثنتين وثلاثين ركعة، وفي كل ركعة قومة وجلسة، فلو تركت طمأنينة كل منهما تكون قد ارتكبت أربعة وستين معصية، فكيف إذا انضم إلى ذلك عدم الطمأنينة في الركوع والسجود؟!
[4/20](ومن أخطاء المصلّين عند الاعتدال من الركوع: زيادة لفظه ((والشكر)) عند قولهم: ((ربنا ولك الحمد)) وهذه الزّيادة لم تثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
[5/20] (القنوات الرّاتب وتركه عند النّوازل.
اعتمد القائلون بمشروعية القنوات الراتب على حديث أنس رضي الله عنه قال: ما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقنت في الصبح حتى فارق الدّنيا (1) .
(1) أخرجه عبد الرزاق في ((المصنف)) : (3/110) وابن أبي شيبة في ((المصنف)) : (2/312) وأحمد في ((المسند)) : =
= (3/162) . والدارقطني في ((السنن)) : (2/39) والبيهقي في ((السنن الكبرى)) : (2/201) والطحاوي في ((شرح معاني الأثار)) : (1/248) .
وهذا لم يصح، لأن مدارة على أبي جعفر الرازي: قال ابن المديني: كان يخلط. وقال أبو زرعة: كان يهم كثيراً. وقال ابن حبان: كان ينفرد بالمناكير عن المشاهير (1) .
ولا يحتج بما تفرد به أحدّ من أهل الحديث البتة، ولو صح، لم يكن فيه دليل على هذا القنوت المعين البتة، فإنه ليس فيه أن القنوت هذا الدعاء، فإن القنوت يطلق على القيام والسكوت ودوام العبادة والدعاء والتسبيح والخشوع،
كما قال تعالى: {وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ} (2) .
وقال تعالى: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ} (3) .
وقال تعالى: {وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ} (4) .
وقال زيد بن أرقم: لما نزل قوله تعالى: {وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ} (5) أُمرنا بالسّكوت، ونُهينا عن الكلام (6) .
وأنس رضي الله عنه لم يقل: لم يزل يقنت بعد الركوع رافعاً صوته:
(1) انظر: ((ميزان الإعتدال)) : (3/320) و ((تاريخ بغداد)) : (11/146) و ((تهذيب التهذيب)) : (12/57) و ((سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة)) : رقم (1238) .
(2)
سورة الروم: آية رقم (26) .
(3)
سورة الزّمر: آية رقم (9) .
(4)
سورة التحريم: آية رقم (12) .
(5)
سورة البقرة: آية رقم (238) .
(6)
أخرجه البخاري في ((الصحيح)) (3/59) ومسلم في ((الصحيح)) رقم (539) والنسائي في ((المجتبى)) : (3/18) وأبو داود في ((السنن)) : رقم (949) والترمذي في ((الجامع)) رقم (405) و (2989) .
((اللهم اهدني فيمن هديت. . .)) إلى آخره، ويؤمّن مَنْ خلفه، ولا ريب أن قوله:((ربنا ولك الحمد، ملء السماوات، وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثّناء والمجد، أحقّ ما قال العبد،. . .)) إلى آخر الدّعاء والثناء الذي كان يقوله، قنوتٌ، وتطويلُ هذا الرّكن قنوت، وتطويل القراءة قنوت، وهذا الدّعاء المعيّن قنوت، فمن أين لكم أن أنساً إنما أراد هذا الدّعاء المعيّن دون
سائر أقسام القنوت؟!
ولا يُقال: تخصيصُه القنوت بالفجر دون غيرها من الصلوات دليل على إرادة الدعاء المعين، إذ سائر ما ذكرتم من أقسام القنوت مشترك بين الفجر وغيرها، وانس خصَّ الفجر دون سائر الصلوات بالقنوت، ولا يمكن أن يقال: إنه الدّعاء على الكفار، ولا الدعاء للمستضعفين من المؤمنين، لأن أنساً قد أخبر أنه كان قنت شهراً ثم تركه، فتعيَّن أن يكون هذا الدعاء الذي داوم عليه هو القنوت المعروف.
الجواب من وجوه:
أحدها: أن أنسا قد أخبر أنه صلى الله عليه وسلم كان يقنت في الفجر والمغرب، كما ذكره البخْاري، فلم يخصص القنوت بالفجر، وكذلك ذكر البراء بن عازب سواء (1)
فما بال القنوت اختص بالفجر؟!
فإن قلتم: قنوت المغرب كان قنوتاً للنوازل لا قنوتاً راتباً. قال منازعوكم من أهل الحديث: نعم، كذلك هو، وقنوتُ الفجر سواء، وما الفرق؟
قالوا: ويدل على أن قنوت الفجر كان قنوت نازلة، لا قنوتاً راتباً: أن أنساً نفسه أخبر بذلك، وعمْدَتُكم في القنوت الراتب إنما هو أنس، وأنس أخبر أنه كان قنوت نازلة ثم تركه.
(1) كما عند: الطيالسي في ((المسند)) : رقم (737) وأحمد في ((المسند)) : (4/285) ومسلم في ((الصحيح)) : (1/ 470) رقم (305) والنسائي في ((المجتبى)) : (2/ 202) وأبي داود في ((السنن)) : رقم (1441) والترمذي في ((الجامع)) رقم (401) والدارقطني في ((السنن)) : (2/37) والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) : (2/ 242) والبيهقي في ((السنن الكبرى) : (2/ 198) .
ففي ((الصحيح)) عن أنس قال: قنت رسولُ الله صلى الله عليه وسلم شهراً يدعو على حيّ من أحياء العرب، ثم تركه (1) .
الثاني: أن أنساً أخبر أنهم لم يكونوا يقنتون، وأن بدء القنوت هو قنوتُ النبي صلى الله عليه وسلم يدعو على رِعل وذَكوان.
ففي ((الصحيحين)) من حديث عبد العزيز بن صهيب عن أنس قال:
بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعين رجلاً لحاجة، يقال لهم القُرَّاء، فعرض لهم حيَّانِ من بني سليم ورِعل وذَكوان عند بئر يقال له: بئر معونة، فقال القوم: والله ما إيّاكم أردنا، وإنما نحن مجتازون في حاجة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقتلوهم، فدعا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم شهراً في صلاة الغداة، فذلك بدءُ القنوت، وما كنا نقنتُ (2) .
فهذا يدلّ على أنه لم يكن من هديه صلى الله عليه وسلم القنوت دائماً، وقول أنس: فذلك بدء القنوت، مع قوله: قنت شهراً ثم تركه، دليل على أنه أراد بما أثبته من القنوت قنوتَ النوازل، وهو الذي وقّته بشهر، وهذا كما قنت في صلاة العتمة شهراً، كما في حديث أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قنت في صلاة العتمة شهراً يقول في قنوته: اللهم أَنْجِ الوليد بن الوليد، اللهم أَنْجِ سلمة بن هشام، اللهم أَنْجِ عيّاش بن أبي ربيعة، اللهم أَنْجِ المستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطْأَتَكَ
على مُضَرَ، اللهم اجعلها عليهم سنين كَسِني يوسف.
قال أبو هريرة: وأصبح ذات يوم فلم يدعُ لهم، فذكرتُ ذلك له، فقال:
(1) أخرجه مسلم في ((الصحيح)) : (1/ 469) رقم (304) وأحمد في ((المسند)) : (3/ 191) والطيالسي في ((المسند)) رقم (1989) وأبو داود في ((السنن)) رقم (1445) والنسائي في ((المجتبى)) : (2/ 203) والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) : (1/245) .
(2)
أخرجه البخاري في ((الصحيح)) : (2/ 489) رقم (1002) ومسلم في ((الصحيح)) : (1/ 468) رقم (297) .
أو ما تراهم قد قَدِموا (1) .
فقنوته في الفجر كان هكذا، لأجل أمر عارض ونازلة، ولذلك وقتّه أنس بشهر.
وقد ثبت عن أبي هريرة أنه قنت لهم أيضاً في الفجر شهراً (2) .
والحاصل في المسألة: أنه لما صار القنوتُ في لسان الفقهاء، وأكثر الناس، هو هذا الدّعاء المعروف:: اللهم اهدني فيمن هديت
…
إلى آخره، وسمعوا أنه لم يزل يقنُت في الفجر حتى فارق الدنيا، وكذلك الخلفاء الراشدون وغيرهم من الصّحابة، حملوا القنوت في لفظ الصحابة على القنوت في اصطلاحهم، ونشأ مَنْ لا يعرف غير ذلك، فلم يشك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، كانوا مداومين عليه كلّ غداة، وهذا هو الذي نازعهم فيه جمهورُ العلماء، وقالوا: لم يكن هذا من فعله الراتب، بل ولا يثبت عنه أنه فعله (3) .
والعجب ترك الأحاديث الصحيحةِ الصريحة بقنوت النّوازل، والعمل بالحديث الذي لم يثبت في القنوت الراتب (4)
(1) أخرجه البخاري في ((الصحيح)) : (2/ 390) رقم (804) ومسلم في ((الصحيح)) : (1/ 467) رقم (294) .
(2)
أخرجه أحمد في ((المسند)) : (2/255) والنسائي في ((المجتبى)) : (2/ 201) وابن ماجه في ((السنن)) : (1/394) رقم (1244) والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) : (1/241) والبيهقي في ((السنن الكبرى)) : (2/ 197) .
(3)
ما مضى من ((زاد المعاد)) : (1/ 275، 276، 277، 278، 279، 280، 282، 283) بتصرّف.
(4)
جاء في ترجمة ((أبي الحسن الكرجي الشافعي)) المتوفى سنة (532 هـ) أنه كان لا يقنت في الفجر، ويقول:((لم يصح في ذلك حديث)) وهذا مما يدل على علمه وإنصافه رحمه الله، وأنه مما عافاهم الله عز وجل من آفة التعصّب المذهبي. =
= وجاء في ترجمة ((عبد الله محمد بن الفضل بن نظيف الفرّاء)) في ((السير)) : (17/ 477) أنه كان يصلّي بالناس في مسجد عبد الله سبعين سنة، وكان شافعياً يقنُتُ، فأمّ بعده رجلٌ مالكي، وجاء الناس على عادتهم، فلم يقنُت، فتركوه وانصرفوا، وقالوا لا يُحسنُ يصلّي!!
!!
[6/20] (( (وقد ترك الناس القنوت في النوازل التي تنزل بالمسلمين، وما أكثرها في هذه العصور، في شؤون دينهم ودنياهم، حتى صاروا من تفرّقهم، وإعراضهم عن التعاون، حتى بالدّعاء في الصّلوات، صاروا كالغرباء في بلادهم، وصارت الكلمة فيها لغيرهم.
والقنوت في النوازل بالدعاء للمسلمين، والدعاء على أعدائهم ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصلوات كلها، بعد قوله:((سمع الله لمن حمده)) في الركعة الآخرة)) (1) كما قدمنا في حديث أنس وأبي هريرة رضي الله عنهما.
قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يقول لما سئل عن القنوت في الفجر، فقال: إذا نزل بالمسلمين أمر، قنت الإِمام وأمَّن مَنْ خلفه، ثم قال: مثل ما نزل بالناس من هذا الكافر، يعني بابك (2) .
وقال إسحاق الحربي: سمعتُ أبا ثور يقول لأبي عبد الله أحمد بن حنبل: ما تقول في القنوت في الفجر؟ فقال أبو عبد الله: إنما يكون القنوت في النّوازل. فقال له أبو ثور: وأي نوازل أكثر من هذه النّوازل التي نحن فيها؟ قال: فإذا كان كذلك، فالقنوت (3) .
وقال عبد الله ابن الإِمام أحمد: قلت لأبي: يقنت في الغداة على ما قنت النبيّ صلى الله عليه وسلم: دعا على المشركين، واستنصر للمسلمين؟
(1) ما بين الهلالين من تعليق الشيخ أحمد شاكر على ((جامع الترمذي)) : (2/ 252) .
(2)
الصلاة وحكم تاركها: (ص 216) وبابك هو بابك الخرمي، وإليه تنسب البابكية، إحدى الفرق المرتدة عن الإسلام.
(3)
الصلاة وحكم تاركها: (ص 216) .
فقال: لا بأس إذا قنت الإِمام قنتوا (1) .
قال ابن الهمام: يجب أن يكون بقاء القنوت في النّوازل مجتهداً فيه، لأنه لم ينقل عنه من قوله صلى الله عليه وسلم إلا قنوت في نازلة بعد هذه، بل مجرد العدم بعدها، فيتجه الاجتهاد أن ذلك إنما هو لعدم وقوع نازلة بعده يستدعي القنوت، فتكون شرعيته مستمرة، وهو محمل قنوت مَنْ قنت بعد وفاته صلى الله عليه وسلم (2) .
فقد ثبت أن أبا بكر قنت عند محاربة مسيلمة. وكذلك قنت عمر وعليّ ومعاوية للنوازل.
وقال النووي: ((واعلم أن المنقول عن عمر – رضي الله عنه: ((عذّب كفرة أهل الكتاب)) ، لأن قتالهم ذلك الزمان مع كفرة أهل الكتاب، وأما اليوم فالاختيار أن يقول:((عذّب الكفرة)) فإنه أعمّ)) (3) .
[7/20](ولم يرد عن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم حال القنوت في الصلاة إلا التأمين، ومن أخطاء المأمومين زيادة عبارات لم يرد بها الأثر، وإنما هي مجرد نظر، من مثل قولهم: ((حق)) و ((أشهد)) !! وكذلك قلب أيديهم (4) عند الدعاء على الكفرة، أو عند الدعاء برفع الشر أو البلاء.
[8/20](ومن أخطاء المصلّين في القنوت فتح عين ((ولا يَعِزّ)) في دعاء القنوت.
(1) مسائل الإمام أحمد: رقم (345) الصلاة وحكم تاركها: (ص 216) .
(2)
فتح القدير: (1/ 310) انظر ((غنية المتملي شرح منية المصلي)) : (ص 420) و ((المغني)) : (1/ 792) .
(3)
الأذكار: (ص 58) .
(4)
وهذه الصورة من الرفع ثابتة في صلاة الإستسقاء خاصة، راجع:((فتح الباري)) : (2/ 517 - 518) و (11/ 142) .
سئل السيوطي في الدعاء القنوت ((ولا يعز من عاديت)) هل هو بكسر العين أو فتحها؟
فقال: ((الجواب: هو بكسر العين مع فتح الياء، بلا خلاف بين العلماء، من أهل الحديث واللغة والتّصريف، وألَّفتُ في ذلك مؤلَّفاً سمّيتُه أولاً: ((الإعراض والتولّي عمن لا يحسن يصلّي)) ثم عدلت عن هذا الاسم. وسميته: ((الثبوت في ضبط القنوتُ)) (1) .
ومن الخطأ أيضاً: ضم عينها، كقول بعضهم ((يَعُزّ)) فتنبه.
ومن الجدير بالذكر هنا أن هذه اللفظة ثابتة عند البيهقي وغيره، وهذا مما فات النووي في ((روضة الطالبين)) :(1/253) فذكر أنها زيادة من العلماء!!
[9/20] ومن الخطأ أيضاً: مسح الوجه بعد الدّعاء، حتى قال العز بن عبد السلام:((ولا يمسح وجهه بيديه عقيب الدّعاء إلا جاهل)) (2) .
[10/20](ومن الخطأ أيضاً: تخصيص القنوت في النصف الثاني من رمضان في الوتر. وهذا مشهور عند الشافعية، وبه قال الزهري، وهو رواية عن مالك وأحمد، ولكنهما رجعا عنه، والدليل الوارد في ذلك ضعيف، رواه أبو داود في ((سننه)) : (2/65) ، وفيه انقطاع، إذ رواه الحسن عن عمر، والحسن لم يدركه.
وكذا ورد فيه حديث عن أنس قال: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقنت في النصف الآخر من رمضان
…
.)) .
وراويه عن أنس أبو العاتكة، وهو ضعيف، ولذا قال صاحب ((عون المعبود)) :((وأبو عاتكة ضعيف، قال البيهقي: لا يصح إسناده)) (3) . نعم، لقنوت الوتر في النصف الثاني من رمضان حالة خاصة، دل عليه أثر في ((صحيح ابن خزيمة)) (2/155 ـ 156) رقم (1100) بسند صحيح، ولكن
(1) انظر تفصيل ذلك في ((الحاوي للفتاوى)) : (1/35) .
(2)
الفتاوى: (ص 47) .
(3)
وانظر في رجوع الإمام مالك ((شرح الزرقاني على الموطأ)) : (1/ 216) وفي رجوع إحمد: ((مسائل ابن هانىْ)) : (1/ 100) رقم (500) .