الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وقال عنه الموفق عبد اللطيف: كان ابن الجوزي لطيف الصوت، حلو الشمائل، رخيم النغمة، موزون الحركات، لذيذ المفاكهة ومن أبرز أخلاقه التقوى، ووعظ الناس إلى التحليّ بها فقد قال في آخر كتاب:«القصاص والمذكرين» له:
مازلت أعظ الناس، وأحرّضهم على التوبة والتقوى، فقد تاب على يدي أكثر من مائة ألف رجل، وقد قطعت من شعور الصبيان والّلاهين أكثر من عشرة ألاف طائلة، وأسلم على يدي أكثر من مائة ألف» (1)
وفاته:
توفى ليلة الجمعة بين العشاءين من شهور رمضان، وكان في تموز، فأفطر بعض من حضر جنازته لشدّة الزحام والحرّ» (2)
ثانيا: نزهة الأعين النواظر في علم الوجوه والنظائر:
من أهم مؤلفات ابن الجوزي المتعلقة بالدراسات القرآنية كتابه:
«نزهة الأعين» ، وقد حققه: محمد عبد الكريم كاظم الراضى طبع ونشر مؤسسة الرسالة ببيروت 1985. طبعة ثانية.
3 - منهج ابن الجوزي في كتابه:
ابن الجوزي كان مجدّدا في منهجه، مخالفا مناهج مؤلفى الوجوه والنظائر قبله، ويقوم منهجه على ما يلي:
1 -
اعتماد الحروف الأبجدية في ترتيب الكلمات المشتركة، ولا يهتم بالجذور أو الحروف الأصلية للكلمة كما تصنع ذلك المعاجم وإنما يهتم بالحرف الأول من الكلمة بإسقاط «أل» التعريفية سواء كان هذا
(1) شذرات الذهب: 3/ 330.
(2)
السابق: 331.
الحرف أصليا أو زائدا، ولا أدلّ على ذلك من وضعه باب التفصيل في باب التاء، وحقه أن يوضع في باب الفاء. (1)
وكذلك وضع باب التأويل وحقه أن يوضع في باب الألف «(2)، وباب» التولى «وضعه في باب التّاء وحقه أن يوضع في باب «ولى» . (3)
2 -
في ترتيبه للكلمات يبدأ بالأقل فالأكثر من كل باب عقده في كتابه ففي باب الألف يبدأ بما له وجهان، ثم بما له ثلاثة أوجه، وهكذا.
3 -
في غالب الأحيان يتناول المعاني المتعددة للكلمة المشتركة ويختم هذه المعاني بالمعنى الوضعيّ أو الحقيقي للكلمة، ففي باب «الإتيان مثلا» يتحدّث عن الإتيان في القرآن بأنه أتى على اثنى عشر وجها، ويعدّد هذه الوجوه، ثم يختمها بقوله: والثاني عشر:
المجىء بعينه، ومنه قوله تعالى في مريم: فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ (4) وفي باب «الأمر» بعرض المعاني المتعددة لهذه الكلمة والتي بلغت ثمانية عشر معنى، ثم يختم هذه المعاني بالمعنى الحقيقي للأمر فيقول «والثامن عشر: الأمر الذي هو استدعاء الفعل، ومنه قوله تعالى في سورة النحل: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ (5).
4 -
والجديد في منهجه بالإضافة إلى ما سبق أنه يمّهد للكلمة المشتركة بالشرح اللغوي كما هي في المعاجم.
وهو بهذا التمهيد مفسّر منطقيّ، إنه يريد أن يقدّم لمن يقرأ كتابه المعاني اللغوية التي تحتملها هذه الكلمة للمقارنة بين هذه المعاني والمعاني التي تحتملها في القرآن الكريم ليتضح في ذهن القارىء
(1) انظر: 212.
(2)
انظر: 216.
(3)
214.
(4)
مريم: 27، وانظر:167.
(5)
النحل: 90.
المعاني الجديدة، والتي تعتبر من الغرائب تلك المعاني التي حملتها الكلمة القرآنية، ومن الأمثلة على ذلك قوله في باب «الإنسان» ما يأتي:
«الإنسان واحد الناس، والجمع ناس، وأناس ولا يصرف.
وقيل سمّى إنسان: لأنه يأنس بجنسه.
وقال ابن قتيبة: سمّى الإنس إنسا لظهورهم وإدراك البصر إياهم، وهو من قولك: آنست كذا، أي أبصرته، قال الله عز وجل: إِنِّي آنَسْتُ ناراً (1) أي أبصرت.
وقد روى عن ابن عبّاس أنه قال: إنما سمّى الإنسان إنسانا، عهد إليه فنسى.
وذهب إلى هذا قوم من المفسّرين من أهل اللغة واحتجّوا في ذلك بتصغير «إنسان» ، وذلك أن العرب تصغّره على:«أنيسيان» بزيادة ياء، كأنّ مكبره:«إنسيان» : إفعلان، من النسيان، ثم تحذف الياء من مكبره استخفافا لكثرة ما يجري على اللسان، فإذا صغّر رجعت الياء، وردّ ذلك إلى أصله، لأنه لا يكثّر مصغرا كما يكثّر مكبّرا.
والبصريون يجعلونه: «فعلان» على التفسير الأول.
وقالوا: زيدت الياء في تصغيره كما زيدت في تصغير ليلة فقالوا:
لييلة، كذا لفظ العرب به بزيادة» وبعد هذا البحث اللغويّ النحوي يبدأ في تفسير معنى الإنسان على هدى القرآن، فيقول:
(1) طه: 10.
ذكر بعض المفسّرين أن «الإنسان» في القرآن على خمسة وعشرين وجها» (1) وبدأ يسرد هذه الوجوه.
ومنهجه هذا المتمثل في التّقديم اللغويّ للكلمة القرآنية المشتركة لم يتخلف في معظم كتابه.
4 -
من منهجه الاستشهاد بالشعر، ولكنه لا يكثر منه، فالأبيات المستشهد بها في كتابه تعتبر قليلة ونادرة، وتعدّ على الأصابع، وهي أبيات متنوعة منها رجز، ومنها ما هو جاهلي، ومنها ما هو إسلامي:
فمن الرجز الذي استشهد به قول الراجز في باب: «التلاوة» قد جعلت دلوى تستتليني* ولا أحبّ تبع القرين (2) قال الزّجاج: التلاوة في اللغة: إتباع بعض الشىء بعضا وقد استتلاك الشىء: إذا جعلك تتبعه، قال الراجز، ثم ذكر البيتين (3).
واستدل من الشعر الجاهليّ بشعر الأعشى في قوله:
ومنكوحة غير ممهورة* وأخرى يقال لها: فادها (4) وذلك في باب النّكاح، قال المفضل: أصل النكاح: الجماع ثم كثر ذلك حتى قيل للعقد: النّكاح
…
وقد سمّوا «الوطء» نفسه نكاحا من غير عقد قال الأعشى، واستدل بالبيت السابق (5) واستدل من الشعر الإسلاميّ بشعر جرير في قوله:
أبنى حنيفة أحكموا سفهاءكم* إني أخاف عليكم أن أغضبا (6) وذلك في باب «الحكمة» حيث استدل بقول ابن فارس:
أصل الحكم: المنع، وأحكمت السفيه وحكمته: أخذت على يده ثم ذكر قول جرير السابق. (7)
(1) انظر: 176، وما بعدها.
(2)
مجهول القائل: انظر اللسان: تلا.
(3)
انظر ص: 222.
(4)
انظر ديوان الأعشى: 63.
(5)
انظر: 590.
(6)
من بيتين في ديوان جرير: 47.
(7)
انظر: 261.
5 -
ومن منهجه أنه في معظم كتابه يعزو الأقوال إلى أصحابها ففي باب «الحكمة» مثلا: (1) يقول: «وقال ابن قتيبة: الحكمة: العلم والعمل، لا يكون الرجل حكيما حتى يجمعهما.
وقال ابن فارس: أصل الحكم المنع الخ «وقد سبق ذكره في باب «الخزي» (2) بنقل عن ابن عباس: أن الخزي: الإهانة وينقل عن ابن السّكيت: أن الخزي: الوقوع في بليّة،
وينقل عن ابن فارس: الخزي: الإبعاد والمقت.
6 -
وابن الجوزي لم يصنع كما صنع أسلافه الذين ألفوا في الكلمات المشتركة في القرآن الكريم من غير أن يرسموا منهجا يوضح اتجاهم التأليفي في هذه الظاهرة، إنه يختلف عنهم تماما في رسم المنهج، وفي الطريقة التي اتبعها لتحقيقه، ففي مقدّمته بيّن أصحاب التأليف في هذا الموضوع، فقال: «وقد نسب كتاب في: الوجوه والنظائر إلى عكرمة عن ابن عباس رضى الله عنهما، وكتاب آخر إلى عليّ بن طلحة عن ابن عباس.
وممّن ألف كتب:؛ الوجوه والنظائر «الكلبيّ، وروى مطروح بن محمد بن شاكر عن عبد الله بن هارون الحجازي عن أبيه كتابا في:
«الوجوه والنظائر» ، وأبو بكر محمد بن الحسن النقاش، وأبو عبد الله الحسين بن محمد الدامغاني، وأبو علي البناء من أصحابنا، وشيخنا أبو الحسن علي بن عبد الله الزاغوني، ولا أعلم أحدا جمع الوجوه والنظائر سوى هؤلاء.
(1) انظر: 260، وما بعدها.
(2)
انظر: 74، وما بعدها.
7 -
دقته في منهجه حيث أزال الغموض عن عنوان مؤلفه بشرح معنى «الوجوه والنظائر» الذي سجلناه فيما سبق.
8 -
وقد وضع ابن الجوزي النقاط على الحروف في منهجه حيث ذكر أنه لم يبالغ في كثرة الوجوه والأبواب، وإنما التزم القصد بدون إفراط أو تفريط، يقول في مقدمته:«ولقد قصد أكثرهم الوجوه والأبواب فأتوا بالتّهافت العجاب مثل أن ترجم بعضهم فقال: باب الذريّة وذكر فيه: «ذرني» ، وتذروة الرياح»، «ومثقال ذرة» ، وترجم بعضهم باب الربا. وذكر فيه:«أخذة رابية» و «ريّيّون» و «ربائبكم» و «جنّة بربوة» .
ثم بيّن أنهم أغرقوا في مثل هذا الإطناب بدون سبب من الأسباب اللهم إلا التكثر والزيادة، فقال:«وتهافتهم إلى مثل هذا كثير يعجب منه ذو اللّب، إذا رآه» ولا ينسى بعد هذا النقد أن يبيّن أنه سلك مسلكا أخر، ونهج نهجا علميا حيث جمع في كتابه السّمين، وترك الغث، والجوهر وترك العرض، واللّب وترك القشر. يقول:«وجمعت في كتابي هذا أجود ما جمعوه ووضعت عنه كل وهم ثبّتوه في كتبهم ووضعوه» وفي نهاية مقدمته: ذكر أنه رتّبه، وهذبه حيث قال:«وقد رتبته على الحروف ترتيبا، وقرّبته إلى الاختصار المألوف تقريبا» (1)
(1) انظر مقدمة ابن الجوزي: 81 - 84.
9 -
ويبدو أن ابن الجوزي كان يشعر في داخل نفسه أن المعاني المتعددة للكلمة القرآنية المشتركة ليست هذه المعاني منفصلة بعضها عن بعض، فهناك خيط دقيق يربط بينها، وكأنه بهذا يرى رأى ابن درستويه في إنكار المشترك اللفظي، والذي جاراه في هذا الإنكار بعض العلماء المحدثين أمثال الدكتور إبراهيم أنيس الذي ناقشنا رأيه فيما سبق.
ومع ذلك فإن ابن الجوزي لم يرد أن يخرج عن الخط الذي سار عليه أسلافه فحذا حذوهم، وسار في دربهم حتى لا تتعطل وجوه المعاني القرآنية للكلمة القرآنية، يقول في آخر كتابه ما نصّه:
«فهذا آخر ما انتخبت من كتب الوجوه والنظائر التي رتبها المتقدّمون، ورفضت منها ما لا يصلح ذكره، وزدت فيها من التفاسير المنقولة ما لا بأس به.
وقد تساهلت في ذكر كلمات نقلتها عن المفسّرين، لو ناقش قائلها محقق لجمع بين كثير من الوجوه في وجه واحد.
ولو فعلنا ذلك لتعطّل أكثر الوجوه، ولكنا تساهلنا في ذكر ما لا بأس بذكره من أقوال المتقدمين، فليعذرنا المدقّق في البحث» (1) وقبل أن ننهي الحديث عن هذا المؤلف، نقدّم نماذج منه كما فعلنا ذلك من قبل، لتتضح خطوط منهجه، كما اتضحت خطوط المناهج السابقة.
(1) انظر خاتمة الكتاب: 643.