الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الكليات
من دراستنا لمؤلفات المشترك اللفظيّ في الحقل القرآني عرفنا أن بعض الكلمات القرآنية احتملت معنيين أو أكثر، وبعض الكلمات زادت معانيها وكثرت حتى وصل بعضها إلى سبعة عشر معنى مثل كلمة:
«الهدى» ومقياس المشترك اللفظي ينطبق عليها تمام الانطباق، وقد بين السيوطي أن هذه الظاهرة القرآنية من أعظم إعجاز القرآن الكريم حيث كانت الكلمة الواحدة تنصرف إلى عشرين وجها، وأكثر وأقل، ولا يوجد ذلك في كلام البشر (1) ولا شك أن هذه الكلمة الواحدة تحمل معناها اللغويّ أولا، ثم تخرج عنه إلي معاني أخرى حسب ما يقتضيه السياق أو تمليه المواقف ثانيا.
بيد أن هناك لونا آخر من ألوان المشترك اللفظيّ لم تتناوله مؤلفات المشترك اللفظي القرآني، لأنها اقتصرت فقط على الكلمات التي تحتمل معنيين أو أكثر زيادة على المعنى الأصليّ لها.
هذا اللون الآخر هو ما نسمّيه بالكليات، وهو أن الكلمة تحمل معناها، ولا تفارقه في كل المواضع إلّا في موضع واحد، ولهذا فإنني اعتبرت هذه الكليات من قبيل المشترك اللفظيّ، لأن الكلمة تحمل معنيين: معنى أصليا، ومعنى فرعيا فهي إذا لم تخرج عن دائرة المشترك اللفظيّ، غير أنها تختلف عن الألفاظ الأخرى للمشترك اللفظيّ الذي ضمته المؤلفات السابقة، إذ أنّها اهتمت فقط بالكلمة التي تحمل معنيين فأكثر غير المعنى الأصليّ.
(1) معترك الأقران: 1/ 514.
وفي ضوء هذا نستطيع أن نقول:
إن الكليات هي: كلمات قرآنية مهما تكرّرت فإنها تحمل معانيها اللغوية التي تدلّ عليها إلا معنى واحدا فإنها تخرج فيه عن معناها الأصليّ إلى معنى خاص.
وقد أسهم ابن فارس في تأليف مصنّف جمع فيه هذه الألفاظ ولم ينسبها إلى أصحابها، وأغلب الظن أنها للتابعين لاعتنائهم بمثل هذه الكلمات، وسمّاه: كتاب «الإفراد» ومعنى هذه التسمية في رأيي:
أن هذه الكلمات أفردت بمعاني خاصة في مواضع خاصة خرجت فيها عن معناها الأصلي إلى معنى فرديّ.
ومن هذه الألفاظ التي وردت في الكتاب ما يلي:
- كل ما فيه من ذكر البروج فهي الكواكب إلا: وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ (1) فهي القصور الطوال الحصينة.
- كل ما في القرآن من ذكر الأسف فمعناه: الحزن إلّا: فَلَمَّا آسَفُونا (2) فمعناه: أغضبونا.
- كل ما في القرآن من ذكر البرّ والبحر فالمراد بالبحر: الماء، والبر:
التراب اليابس إلّا قوله: ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ (3) فالمراد به: البريّة والعمران.
(1) النساء: 78.
(2)
الزخرف: 55.
(3)
الروم: 41.
- وكل ما فيه من «بخس» ، فهو النّقص إلّا: بِثَمَنٍ بَخْسٍ (1) أي حرام.
- وكل ما فيه من البعل فهو الزّوج إلّا: أَتَدْعُونَ بَعْلًا (2) فهو الصنم.
- كل ما فيه من حسبان «فمن العدد إلّا: حُسْباناً مِنَ السَّماءِ (3) في الكهف فهو العذاب.
- كل ما فيه من «حسرة» فالندامة إلّا: لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ (4) فمعناه الحزن.
- كل ما فيه من «الدّحض» فالباطل إلّا: فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (5) فمعناه من المغلوبين.
- كل ما فيه من رجز فالعذاب إلّا: وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (6)، فالمراد به الصّنم.
- كل ما فيه من ريب فالشك إلّا: رَيْبَ الْمَنُونِ (7) يعني حوادث الدهر.
- كل ما فيه من «الرّجم» فالقتل إلّا لَرَجَمْناكَ: (8) لشتمناك، ورَجْماً بِالْغَيْبِ (9) أي ظنّا.
(1) يوسف: 20.
(2)
الصافات: 125.
(3)
الكهف: 40.
(4)
آل عمران: 156.
(5)
الصافات: 141.
(6)
المدثر: 5.
(7)
الطور: 30.
(8)
هود: 91.
(9)
الكهف: 22.
- كل ما فيه من الزور فالكذب مع الشرك إلّا: مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً (1) فإنه كذب غير شرك.
- كل ما فيه من «الزيغ» فالميل إلّا وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ (2) أي شخصت.
- كل ما فيه من «زكاة» فالمال إلّا: وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا وَزَكاةً (3) أي طهرة.
- كل ما فيه من سخر فالاستهزاء إلّا: سُخْرِيًّا (4) في الزخرف فهو من التسخير والاستخدام.
- كل سعير فيه فهو النّار والوقود إلّا: فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ (5) فهو العناء- كل «سكينة» فيه طمأنينة إلّا في قصة لوط فهو شىء كرأس الهرة (6) له جناحان.
- كل ما فيه من «أصحاب النار» فأهلها إلّا: وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً (7) فالمراد خزنتها.
- كل صلاة فيه عبادة ورحمة إلّا: وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ، (8) فهي الأماكن.
- كل قنوت فيه طاعة إلّا: كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ (9) فمعناه مقرّون.
(1) المجادلة: 2.
(2)
الأحزاب: 10.
(3)
مريم: 13.
(4)
الزخرف: 32.
(5)
القمر: 47.
(6)
وهي المذكورة في قوله تعالى: أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ: 248
(7)
المدثر: 31.
(8)
الحج: 40
(9)
البقرة: 116، الرّوم:26.
- كل «كنز» فيه مال إلّا الّذي في سورة الكهف (1) فهو صحيفة علم.
- كل نكاح فيه تزوّج إلّا: حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ (2) فهو الحلم.
- كل نبأ فيه خبر إلّا: فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ (3) فهي الحجج.
- كل ما فيه من: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً (4) فالمراد منه العمل إلّا التي في الطلاق فالمراد منها: النفقة.
- كل «إياس» فيه قنوط إلّا الذي في الرّعد (5) فمن العلم. (6)
هذه النماذج المتعدّدة التي سقناها في ضوء دراستنا للمشترك اللفظيّ في القرآن الكريم نلمس فيها أنّ هذه التفسيرات مقيّدة بالرواية والأثر، والقليل من التفسيرات اجتهد فيه التّابعون وفق ما تقتضيه اللّغة، وما تشير إليه روح النّصوص التي لا تبتعد عن دائرة العقيدة والشرع.
ولم يلجأ من التابعين أحد إلى التأويل إلا مجاهد الذي نسبت إليه آراء خاصة.
ولما انقضى عصر التابعين كثرت المذاهب، وتعدّدت النّحل، وقل العلم بالقرآن، وحمّل من جاء بعدهم ألفاظ القرآن الكريم ما لا تحتمل، واستبدت الآراء بفكر أصحابها ممّا أدّى إلى الانحراف عن نهج السلف، واتباع الخلف، وجهل الناس ما يجب عليهم اتباعه واتبعوا ما تمليه عليهم أهواؤهم.
ولولا عصبة من أولى العلم بالقرآن والمعرفة بالإسلام قاموا
(1) وهي في قوله تعالى: وَيَسْتَخْرِجا كَنزَهُما الكهف: 82.
(2)
النساء: 6.
(3)
القصص: 66.
(4)
وهي قوله تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها آية: 7.
(5)
وهي: أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا آية 31.
(6)
انظر في هذه الأقوال: معترك الأقران: 3/ 562 - 566.
ليكافحوا عن لغة القرآن، ويدافعوا عن نصوصه ضد الآراء الفاسدة، والأفكار المنحرفة لعم الجهل بكتاب الله وكثر الفساد في مجال تفسيره وتأويله.
ونترك ابن الأثير ليعطينا رأيه حول هذه الفرق التي تسبح في بحار القرآن من دون أن تعد للأمر عدّته، فأوشكت على الغرق، وأشرقت على الهلاك يقول رحمة الله: بعد أن تحدّث عن عصر الصحابة:
«جاء التابعون لهم بإحسان فسلكوا سبيلهم، لكنهم قلوا في الإتقان عددا، واقتفوا هديهم، وإن كانوا مدّوا في البيان يدا، فما انقضى زمانهم على إحسانهم إلّا واللسان العربيّ قد استحال أعجميا أو كاد، فلا ترى المستقل به، والمحافظ عليه إلا الآحاد.
هذا، والعصر ذلك العصر القديم، والعهد ذلك العهد الكريم، فجهل الناس من هذا المهمّ ما كان يلزمهم معرفته، وأخروا منه ما كان يجب عليهم تقدمته، واتخذوه وراءهم ظهريا، فصار نسيا منسيا، والمشتغل به عندهم بعيدا قصيا.
[فلما أعضل الداء، وعز الدواء ألهم الله عز وجل جماعة من أولى المعارف والنّهى، وذوي البصائر والحجى أن صرفوا إلى هذا الشأن طرفا من عنايتهم، وجانبا من رعايتهم فشرعوا فيه للناس مواردا، ومهّدوا فيه لهم معاهدا، حراسة لهذا العلم الشريف من الضياع، وحفاظا لهذا المهم العزيز من الاختلال.](1)
******* انتهي والله الموفق
(1) مقدمة النهاية: 5.
تم بحمد الله في مساء يوم الجمعة: 8 من ذي القعدة سنة 1910 هـ الموافق أول يونيو 1990 م بمدينة الكويت