الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ثانيا: تحصيل نظائر القرآن الكريم
يبدو أن الحكيم الترمذي اطلّع على المؤلفات التي سبقته في هذا الحقل مثل: الأشباه والنظائر «لمقاتل» والوجوه والنظائر لهارون، «والتصاريف» ل «يحيى بن سلام» وهذه المؤلفات سارت على نمط واحد، والتزمت منهجا معيّنا لم تحد عنه في معالجتها لظاهرة الكلمات المشتركة في القرآن الكريم، حيث إن بعض الكلمات القرآنية ذات دلالات مختلفة مع اتفاقها في الكلمة الواحدة.
وهذه المنهج فرض نفسه على كل المؤلفين في الوجوه والنظائر سواء سبقوا الحكيم الترمذي أم جاءوا من بعده.
ويبدو مرّة أخرى أن منهج الحكيم الترمذيّ منهج متميّز، لم يسبق إليه، ولم يحاول أن يقلد من سبقه في تناول الوجوه والنظائر في القرآن الكريم.
ومنهجه يدور حول محور واحد، وهو أنه لا اشتراك في الكلمة القرآنية، فالكلمة القرآنية لها معنى واحد في الوضع اللغوي، فمهما ابتعدت عنه، واتجهت إلى معاني أخرى متنوعة، ولها دلالات متباينة، فإنها دائما مشدودة إلى المعنى اللغوي الذي وضع لها، لأنها لا تستطيع الفكاك عنه، والتهرّب منه، فهي منبثقة منه، منجذبة إليه، يطل بوجهه في كل معنى يبدو من أول وهلة أن الصلة بينه وبين المعنى اللغوي الوضعي مفقودة، ولكنه عند التحليل والتعمق، نجد أن هذا المعنى موتبط ارتباطا وثيقا بوضعه اللغوي الثابت الذي تمثله الكلمة القرآنية.
ومن أجل هذا نستطيع أن نقول: إن الحكيم التّرمذي يذهب مذهب من يمنع المشترك اللفظي في القرآن الكريم.
وعند النّظرة الفاحصة إلى مذهب الحكيم الترمذي في منع المشترك اللفظي نجد أنّ الترمذي يذهب مذهب معاصره ابن درستويه المتوفي 347 هـ على حين توفي الحكيم الترمذي على القول الراجح 318 هـ.
فالرّجلان متعاصران، ولا ندري منّ الذي أثر في الآخر، كل الذي نعلمه أن ابن درستويه- كما سبق بيانه- كان يمنع وقوع المشترك اللفظي في اللغة لعدة أسباب منها:
1 -
أنه ليس من الحكمة والصواب أن يقع المشترك اللفظي في كلام العرب لأنه يلبس.
2 -
لو جاز وضع لفظ واحد للدلالة على المعنيين المختلفين كان ذلك تعمية وتغطية للغة التي يفترض فيها الإبانة والوضوح.
3 -
ويقدّم ابن درستويه مثالا لذلك مجىء: فعل وأفعل لمعنيين مختلفين، فمن لا يعرف العلل، ويتعمق في اللغة يحكم بأنهما مشتركان في اللفظ مختلفان في المعنى، مع أنهما في الحقيقة لمعنى واحد» (1) ومن الأدلة التي تشير في وضوح إلى إنكار الحكيم التّرمذي وقوع المشترك اللفظيّ في القرآن الكريم تناوله بعض الكلمات القرآنية التي تبدو في ظاهرها مشتركة، وعند التحليل والتدقيق يتبين أن بينها وبين الاشتراك بونا بعيدا.
وقد نصّ على ذلك صراحة، إذ ذكر في مقدمة كتابه ما نصّه:
(1) انظر ما سبق.
«وقد نظرنا في هذا الكتاب المؤلف في نظائر القرآن الكريم، (1) فوجدنا الكلمة الواحدة مفسّرة على وجوه، فتدبّرنا ذلك، فإذا التفسير الذي فسّره، إنما اختلفت الألفاظ في تفسيره، ومرجع ذلك إلى كلمة واحدة، وإنما انشعبت حتى اختلفت ألفاظها الظاهرة الأحوال، التي إنما نطق الكتاب بتلك الألفاظ من أجل الحادث في ذلك الوقت» (2) ويقدم الحكيم الترمذي أمثلة لذلك، من هذه الأمثلة:
1 -
كلمة الهدى:
فقد جاءت على ثمانية عشر وجها، فالحاصل من هذه الكلمة:
كلمة واحدة فقط، وذلك أن الهدى: هو الميل، ويقال في اللغة: رأيت فلانا يتهادى في مشيته، أي يتمايل، ومنه قوله تعالى: إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ (3) أي ملنا إليك، ومنه سميت الهديّة: هدية، لأنها تميل بالقلب إلى مهديها، وأن القلب أمير على الجوارح، فإذا هداه الله لنوره: أي أماله إليه لنوره: اهتدى أي: استمال، وقد قال في تنزيله يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ (4) فهذا أصل الكلمة، ثم وجدنا تفسير الهدى:
1 -
البيان: فإنما صار الهدى بيانا في ذلك المكان، لآن البيان إذا وضح على القلب بنور العلم: مدّ ذلك النّور القلب إلى ذلك الشىء وأماله إليه.
2 -
الإسلام: وإنما صار الهدى في المكان الآخر «الإسلام» ، لأنه إذا مال القلب بذلك النور إلى ذلك الشىء الذي تبين له: انقاد العبد وأسلم، ومدّ عنقا إلى قبوله.
(1) لعله يقصد بعض الكتب التي وضعها المؤلفون قبله أو في عصره.
(2)
انظر: تحصيل النّظائر: 19.
(3)
الأعراف: 156.
(4)
النور: 35.
3 -
التوحيد: وإنما صار الهدى التوحيد في المكان الآخر، لأنه إذا مال القلب إلى ذلك النور: سكن عن التردد، واطمأن إلى ربّه فوحّد. (1)
وأخذ الحكيم الترمذي يسرد أقوال أصحاب الوجوه والنظائر في هذه الوجوه التي بلغت ثمانية عشر وجها، مبيّنا أن هذه الوجوه جميعا لا تحمل معاني مستقلة عن معناها اللغويّ الوضعي، لأنها كلها تنبع من منبع واحد وهو الميل كالجداول التي تنبع من النهر ومصدرها جميعا النهر، لأنها بدونه لا تكون جداول.
2 -
الإسلام:
قال الحكيم الترمذي ما نصّه:
وأما قوله «الإسلام» ، على كذا وجه: فالإسلام مشتقّ من التّسليم، فالعبد إذا جاءه نور الهداية: عرف ربّه، واطمأن إليه، وسكنت نفسه واستقر قلبه بالمعرفة الواردة على قلبه، فانقاد له بأن يأتمر بكلّ ما يأمره به، فذاك من العبد تسليم النفس إلى ربه عبودة.
1 -
الإيمان: وإنما سمى «مؤمنا» لاستسلام قلبه، وطمأنينة نفسه فالإيمان والإسلام من العبد في عقد واحد، لما عرفه استقر قلبه، واطمأنت نفسه، فلزمه اسم الإيمان لطمأنينته، وسلم نفسه لله عبودة بكل ما يأمر فلزمه اسم الإسلام، فهذان اسمان لزماه بهذا العقد الواحد الذي اعتقده بقلبه، ثم اقتضى الوفاء بهذا الإيمان والإسلام إلى يوم يموت فإن وفىّ: دخل الجنة بغير حساب، وإن وفيّ ببعض وضيّع بعضا: بقي في الموقف للحساب، فإنما وقع الحساب على الموحدين لهذا،
(1) تحصيل نظائر القرآن الكريم: 31 - 33.
والعبد من ربه بين أمرين:
أ- بين أمر حكم الله عليه به مثل: العز والذل، والغنى والفقر، والحب والكره، فاقتضى له الوفاء بأن يطمئن إلى حكمه كما اطمأن إليه فيرضى بما حكم، فإن جزع: حوسب، وإن رضى: أكرم وأثيب على وفائه.
ب- وبين أمر أمره أن يفعله مثل الفرائض، واجتناب المحارم، فإذا وفى بهذا فهو مسلم، لأنه قد سلم نفسه إليه عند كل أمر ونهى، وما ضيع منه فالحساب لازم، وهو موقوف بين عفو أو عقوبة. (1)
وهذه الوجوه التي ذكرها أصحاب الوجوه والنظائر بالنسبة لمعاني الإسلام أرجعها الحكيم الترمذي إلى وجه واحد، وهو التسليم أي تسليم المؤمن نفسه إلى ربه عبودة.
والواقع أن الحكيم الترمذيّ في مذهبه الذي ذهب إليه ضيّق واسعا وحاول أن يحبس البحر المتلاطم من المعاني القرآنية في قمقم سليمان فالألفاظ محدودة، والمعاني غير متناهية، لأنها تتطّور باستمرار وتتلون بلون البيئة التي تعيش فيها.
وقد بينت فيما سبق أن هناك كلمات قرآنية خرجت عن وضعها اللغوي الذي وضع لها في العصر الجاهليّ، وحوّلها القرآن الكريم إلى معاني مستقلة عن معناها اللغوي الذي وضع لها.
وكما خالفه أصحاب الوجوه والنظائر قديما خالفه أصحاب اللغة المحدثون.
فمن البدهي أن اللفظ في أول وضعه كان يدل على معنى واحد ثم
(1) تحصيل النظائر: 122، 123.
تولّد من هذا المعنى الواحد عدّة معان، وهذا التوالد هو ما نسميه تطوّر المعنى:
وناحية أخرى تتضّح في مذهب الحكيم الترمذي وهي ظاهرة التكلف في كل الكلمات التي تناولها، فنحن لا نستطيع أن نعرف المعنى الأول الذي وضع للكلمة معرفة دقيقة، فقد يكون المعنى الأول هو المعنى المتطور عن المعنى الثاني، وهكذا، ثم إن الألفاظ يختلف بعضها من قبيلة إلى قبيلة ومن عصر إلى عصر.
وناحية ثالثة: لو سرنا على مذهبه لتوقفت اللغة من قديم، وتحجّرت وأصبحت أثرا بعد عين، وتتحول إلى كائن ميت، وليس بكائن حي وهذا يخالف الواقع، فاللّغة ظاهرة اجتماعية عاشت في كل عصورها مرفوعة الرأس مهيبة الجانب، لأنها حيّة في تطوّر ألفاظها ونموّ معانيها، وإشعاع دلالتها مما جعلها لغة الخلود.
على أية حال كانت، فنحن وإن كنا على خلاف مع الحكيم الترمذي في مذهبه أو رأيه إلّا أننا نرى أنها لفتة علميّة انفرد بها في ميدان الوجوه والنظائر، ولم يسبقه أحد إليها من قبل، ولم يحاول أن يقلده فيها أحد من بعد.
(1) انظر: علم اللغة للدكتور علي عبد الواحد وافي: 314.