المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌معركة الكتابة بالحروف اللاتينية: - المعارك الأدبية

[أنور الجندي]

فهرس الكتاب

- ‌مدخل

- ‌أولا: معركة مفاهيم الثقافة

- ‌ثانيا: معركة مفاهيم الأدب

- ‌ثالثا: معركة مفاهيم الأدب

- ‌الباب الأول: معارك الوحدة والتجزئة

- ‌معركة الوحدة العربية

- ‌مصر بين العربية والفرعونية:

- ‌معركة العروبة والمصرية:

- ‌الباب الثاني: معارك اللغة العربية

- ‌مدخل

- ‌تمصير اللغة العربية:

- ‌مجمع اللغة، ما هي مهمته

- ‌معركة الكتابة بالحروف اللاتينية:

- ‌الباب الثالث: معارك مفاهيم الثقافة

- ‌مدخل

- ‌ثقافة الشرق ثقافة الغرب:

- ‌معركة بين فيلكس فارس وإسماعيل أدهم:

- ‌لا يتنيون وسكسونيون: بين العقاد وطه حسين

- ‌النزعة اليونانية بين زكي مبارك وطه حسين:

- ‌كتابة السيرة" بين التاريخ والأسطورة:

- ‌كتابة التاريخ: بين رفيق العظم وطه حسين

- ‌معركة الترجمة: بين منصور فهمي وطه حسين

- ‌آداب الساندويتش: بين الزيات والمازني والعقاد

- ‌أدبنا: هل يمثلها؟ بين أحمد أمين وأمين الخولي

- ‌غاية الأدب: ما هي؟ بين زكي مبارك وسلامة موسى

- ‌متى يزدهر الأدب؟ معركة بين لطفي جمعة وزكي مبارك:

- ‌الأدب المكشوف: بين توفيق دياب وسلامة موسى

- ‌التراث الشرقي؛ يكفي أو لا يكفي؟: بين عبد الرحمن الرافعي وعباس محمود العقاد

- ‌ثقافة دار العلوم: بين أحمد أمين ومهدي علام

- ‌الباب الرابع: معارك الأسلوب والمضمون

- ‌الأسلوب والمضمون: بين الرافعي وسلامة موسى وطه حسين

- ‌أسلوب الكتابة: معركبة بين شكيب أرسلان وخليل سكاكيني

- ‌أساليب الكتابة؛ بين شكيب أرسلان ومحمد كرد علي:

- ‌الباب الخامس: معارك النقد

- ‌الفصل الأول: أسلوب طه حسين

- ‌الفصل الثاني: مقومات الأدب العربي

- ‌الفصل الثالث: مذهبان في الأدب:

- ‌الفصل الرابع: بين النقد الذاتي والموضوعي

- ‌الفصل الخامس: الأدب بين التجديد والانحراف

- ‌الفصل السادس: هل نقتبس أم نقلد

- ‌الفصل السابع: معركة فقدان الثقة

- ‌الفصل الثامن: الفن للفن والفن المجتمع

- ‌الباب السادس: معارك النقد حول الكتب

- ‌الفصل الأول: رسالة منصور فهيم الدكتوراه

- ‌الفصل الثاني: الخلافة وأصول الحكم

- ‌الفصل الثالث: معركة الشعر الجاهلي

- ‌مدخل

- ‌نماذج من حملات المعركة:

- ‌تجدد معركة الشعر الجاهلي:

- ‌الفصل الرابع: كتاب "النثر الفني

- ‌الفصل الخامس: كتاب "أوراق الورد

- ‌الفصل السادس: كتاب ثورة الأدب

- ‌الفصل السابع: "كتاب" مع المتنبي

- ‌الفصل الثامن: معركة مستقبل الثقافة

- ‌الباب السابع: المعارك بين المجددين والمحافظين

- ‌الفصل الأول: معارك الرافعي

- ‌الفصل الثاني: معركة فضل العرب على الحضارة

- ‌الفصل الثالث: الدين والمدينة

- ‌الفصل الرابع: التغريب

- ‌الفصل الخامس: حقوق المرأة

- ‌الفصل السادس: معركة حول التراث القديم

- ‌الفصل السابع: معركة الخلاف بين الدين والعلم

- ‌الفصل الثامن: جمال الدين الأفغاني ورينان

- ‌الفصل التاسع: خم النوم

- ‌الفصل العاشر: بين النقد والتقريط

- ‌الباب الثامن: معارك بين المحافظين حول اللغة

- ‌المعركة الأولى:

- ‌المعركة الثانية:

- ‌المعركة الثالثة:

- ‌الباب التاسع: معارك نقد الشعر

- ‌الفصل الأول: بين شوقي ونقاده

- ‌الفصل الثاني: بين عبد الرحمن شكري والمازني

- ‌الفصل الثالث: إمارة الشعر

- ‌الفصل الرابع: ديوان وحي الأربعين

- ‌الباب العاشر: معارك النقد بين المجددين

- ‌الفصل الأول: بين التغريب والتجديد

- ‌الفصل الثاني: معركة الكرامة

- ‌الفصل الثالث: معركة الصفاء بين الأدباء

- ‌الفصل الرابع: معارك النقد

- ‌الفصل الخامس: بين زكي مبارك وخصومه

- ‌الفصل السادس: مبارك ينقد كتابه

- ‌الفصل السابع: بين العقاد وخصومه

- ‌الفصل الثامن: بين سلامة موسى وخصومه

- ‌الفصل التاسع: بين المازني وخصومه

- ‌الفصل العاشر: معارك أدبية؛ بين الدكتورين هيكل وطه حسين

- ‌الفصل الحادي عشر: معركة لقمة العيش

- ‌الفصل الثاني عشر: بين شباب الأدب وشيوخه

- ‌محتويات الكتاب:

الفصل: ‌معركة الكتابة بالحروف اللاتينية:

‌معركة الكتابة بالحروف اللاتينية:

بين: عبد العزيز فهمي ومحمد كرد علي

هذه معركة من معارك التغريب، المتصلة بمحاولة القضاء على اللغة العربية بدأها وقدمها عبد العزيز فهمي عضو مجمع اللغة العربية في "يناير 1944" ولقيت معارضة ضخمة من المفكرين والكتاب. وقد حاول عبد العزيز فهمي في أكثر من مرة أن يواجه العاصفة ولكنه عجز عن أن يقاومها واشترك في معارضته فيها عبد الوهاب عزام وإسعاف النشاشيبي وعباس العقاد ومحمد كرد علي ومحمود محمد شاكر وغيرهم. وقد تبين لي في السنوات الأخيرة بعد مراجعات واسعة أن عديدا من الصحف والباحثين شارك في هذه المعركة وأهمها مجلتي المنار والفتح.

اقتراح اتخاذ الحروف اللاتينية لرسم الكتابة العربية. قدمه إلى المؤتمر في 24 يناير 1944 عبد العزيز فهمي:

إن اللغة كائن كالكائنات الحية ينمو ويهرم ويموت مخلفا من بعده ذرية لغوية متشعبة الأفراد هي أيضا في تطور مستمر، ولن يستطيع قوم للآن أن يغالبوا هذه الظاهرة الطبيعية فإن التطور يكبح شراسة من غالبه.

كانت اليونانية القديمة لغة شعر وحكمة فلما اشتد التبلبل في ألسنة أهلها اضطروا على الرغم منهم أن يتخذوا من عاميتهم لهجة جعلوا لها قواعد نحو وصرف وهي التي يتكلمونها ويكتبون بها اليوم. وكانت اللاتينية لغة الإمبراطورية الرومانية فأتى عليها التطور فاشتقت منها الإيطالية والفرنسية والإسبانية وغيرها.

وكل لغة من تلك اللغات الذراري هي كل يوم في تطور.

ولكن حال اللغة العربية حال غريبة، بل أغرب من الغريبة لأنها مع سريان التطور في مفاصلها وتحولها في عدة بلاد من آسية وأفريقية إلى لهجات لا يعلم عددها إلا الله لم يدر بخلد أي سلطة في أي بلد من تلك البلاد المنفصلة سياسيا أن تجعل من لهجة أهله لغة قائمة بذاتها، لها نحوها وصرفها وتكون

ص: 90

هي المستعملة في الكلام الملفوظ، وفي الكتابة معًا تيسيرًا على الناس كما فعل الفرنسيون والإيطاليون والإسبان وبقي أهل اللغة العربية من أتعس خلق الله في الحياة.

إن أهل اللغة العربية مستكرهون على أن تكون العربية الفصحى هي لغة الكتابة عند الجميع وأن يجعلوا على قلوبهم أكنة وفي آذانهم وقرا وأن يردعوا عقولهم عن التأثر بقانون التطور الحتمي الآخذ مجراه بالضرورة رغم أنوفهم في لهجات الجماهير.

هذا الاستكراه الذي يوجب على الناس تعلم العربية الفصحى كيما تصح قراءتهم وكتابتهم هو في ذاته محنة حائقة بأهل العربية، إنه طغيان وبغي، لأنه تكليف للناس بما فوق طاقتهم. ولقد كنا نصبر على هذه المحنة لو أن اللغة العربية الفصحى كانت سهلة المنال كبعض اللغات الأجنبية الحية لكن تناولها من أشق ما يكون وكلنا يؤمن بهذا.

وبعد أن أورد بعض صعوبات العربية: الأفعال مجرد ومزيد، الفعل الثلاثي وأوزانه، الأسماء المصروفة والممنوعة قال:

تلك الأشواك والعقبات وهذا التعدد يريك الواقع من أن هذه اللغة العربية ليست لغة أمة واحدة لقوم بعينهم بل إنها جموع كل لهجات الأعراب البادين في جزيرة العرب من أكثر من ألف وأربعمائة سنة جمعها علماء اللغة وأودعوها المعاجم وجعلوها حجة على كل من يرد الانتساب للغة العربية ولا يعلم إلا الله كم لهجة كانت.

أفليس من الظلم المبين إلزام المصريين وغير المصريين من متكلمي

ص: 91

اللهجات العربية الحديثة بمعالجة التعرف بتلك اللهجات القديمة التي ماج بعضها في بعض فانعجنت.

لئن كان قانون التطور وصعوبة الأوضاع والقواعد هما اللذان رانا على جمال العربية فباعد بينها وبين أهلها وطلابها، وإنهما وحدهما اللذان يعملان في هدم كيانها، فإنها مع الأسف الشديد تكون آيلة للزوال لا محالة على الرغم ما فيها من قوة الحيوية الذاتية، إذ إن هذه الحيوية لن تستطيع مغالبة قانون التطور وصعوبة الأوضاع والقواعد.

لكن الواقع لحسن الحظ أن السبب الحقيقي في فرض هذه اللغة الجميلة وانزوائها في عقر بيتها إنما هو استبداد أهلها وإكراههم إياها على الظهور في ثوب غير مقيس عليها وصورة مبهجة مشكلة لا تجلي من جمالها شيئًا، أريد رسم كتابتها.

إن رسم الكتابة العربية هو الكارثة الحائقة بنا في لغتنا، إنه أكبر عون لقانون التطور والإحساس لما فيها من الصعوبات وللالتفات عما يزينها من جمال.

إذن أول واجب على أهل اللغة العربية هو أن يبحثوا عن الطريقة التي تيسر لهم كتابة هذه اللغة على وجه لا يحتمل فيه الكلمة إلا صورة واحدة من صور الأداء.

ولقد فكرت في هذا الموضوع من زمن طويل. فلم يهدني التفكير إلا في طريقة واحدة هي اتخاذ الحروف اللاتينية وما فيها من حروف الحركات بدل حروفنا العربية كما فعلت تركيا؛ أخطر هذا في بالي أني عقب أن أمر المرحوم مصطفى كمال باستبدال الحروف اللاتينية العربية التي كانت مستعملة في كتابة

ص: 92

اللغة التركية لاقيت أحد نظار المدارس بالأناضول فسألته عما يكون أحدثه هذا الانقلاب في التعليم عندهم فأخبرني أن اتخاذ الحروف اللاتينية وما فيها من حروف الحركات قد امتعض منه الأهالي في بادئ الأمر، ثم تدخلت الحكومة وابتدأ تعليم الأطفال اللغة مرسومة كلماتها بتلك الحروف فكانت دهشة الأساتذة ودهشة الأهالي كبيرة إذ وصل الطفل في شهرين أو ثلاثة إلى قراءة أي متن مكتوب بها قراءة صحيحة وذلك بعد أن كان الطفل يستغرق سنين في قراءة التركية مكتوبة بالحروف العربية ويصحفها بكل ضروب التصحيف على مثال ما هو حاصل عند أهل العربية.

إن لكل تجديد غصة وفي كل خارج عن المألوف غضاضة، وإنما تنجع المقالة في المرء إذا ما صادفت هوى في الفؤاد.

ثم بين الطريقة التي يرى استعمالها: وتحويل الكسرة إلى "i" والضمة إلى "u" والفتحة إلى "a" إلخ.

ثم صور مزايا استعمال الحروف اللاتينية فقال: إن الحروف الهجائية بحسب ما وضعناها لا تخل بشيء من نغمات الحروف العربية بل هي تبرزها جميعًا بلا استثناء. وكل نغمة منها بشخصها كما هو الحال الآن حرف واحد لا يشرك غيره معه في أدائها.

ثم قال: طريقة الحروف اللاتينية التي أقرها هي الوسيلة الوحيدة المتعينة لتخلية لغتنا الفصحى في جلالها وجمالها على الوجه الواحد المتعين من أوجه النطق بكلماتها.

2-

محمد كرد علي 1:

سمعت زميلي عبد العزيز فهمي يتلو علينا موضوعه في الدعوة إلى

1 مذكرات محمد كرد علي جـ2 ص449.

ص: 93

الاعتماد على الحروف اللاتينية في كتابه اللغة العربية، ثم قرأت مقترحه مطبوعا فرأيته مفتنا في إيراد البراهين عارفا بالاستطراد والاستنباط، يريد أن يؤثر في عقل السامع والقارئ، وقد وقعت له مقاطع من الكلام خانه فيها اللفظ منها قوله: إننا نحن الضعاف أي العرب نطأطئ كواهلنا أمام تمثال اللغة نحمل أوزار ألف وخمسمائة سنة مضت وأننا من أتعس خلق الله في الحياة لأننا لم نعالج التيسير الذي فعله أهل اللغات العربية إلى غير ذلك مما لم يكن غير أسلوب خطابي يحاول أن يخرج منه ليفرض على الناس اختراعه الجديد.

وبلغ بالأستاذ فرط الغيرة على تبسيط اللغة أن رثى لها بما فيها من صعوبات ومنها تبرمه بما في الأفعال من مجرد ومزيد، ونعى على العربية تعدد جموعها وتشكل الواحد من الأسماء الجامدة جملة أشكال.

يقول زميلي: إنه يوشك أن تغزونا اللغات الأجنبية فتترك لغتنا ونستعيض عنها بلغة من لغاتهم وهذا خوف لا محل له لأن العربية تزداد كل يوم رسوخا في نفوس أهلها بفضل النهضة التي نهضناها وبفضل توفر أسباب التعليم والنشر ومما قال إن لغتنا كانت سبب تخلفنا في مضمار الحياة، وما أظن شيخ القضاة إلا ويعرف أن لانحطاط الشعوب الإسلامية في بعض مظاهرها عوامل أخرى لا علاقة لها بحروف الكتابة وقواعد الرسم وأن برهانه هذا ضعيف لا يصح الاستدلال به على من هو بصدده. إنه يعرف كما نعرف جميعًا أننا أنشأنا مدنية شهد لعظمتها كل من قاموا بعدنا وما حال هذا الخط ومن قبله الخط الكوفي دون الانتفاع بما آل إلينا من علوم القدماء وما وضعناه نحن بصنعنا وقرائحنا من علوم وآداب1.

1 مذكرات كرد علي جـ2 ص449.

ص: 94

وتبرم حضرته من تعدد اللهجات العربية وأنا أبشره بأن هذه اللهجات يقل عددها ولا يزيد كما ادعى، إننا نقترب كل يوم من الفصحى بفضل المدرسة والجريدة والكتاب والخطبة والمذياع، أي أن اللهجة الدارجة تتضاءل أمام اللغة الأدبية، والفصحى تتغلب على العامية اليوم بعد اليوم.

ومن الحجج التي أدلي بها لإثبات قضيته التمثيل لنا بالأتراك وهي في الواقع حجة عليه لا له. فالأتراك لما أخذوا بالحروف اللاتينية وقضوا على الأمية فيما زعموا بهذه البدعة الجديدة التي ابتدعوها قطعوا كل صلة بينهم وبين ماضيهم وعمر هذا الماضي لا يقل عن ستمائة سنة. وشأن العربية غير شأن التركية لأن العربية تمثل تراث العالم الإسلامي كله وإذا عملنا عمل الأتراك نقضي على تراث علمي وأدبي وديني دام مطردًا خمسة عشر قرنا مما لم يعهد لأمة مثله ومعنى ذلك الزهد فيما خلفه العرب من آثار، والقضاء على مشخصاتنا وهو ما لا يرضى بذلك عربي مسلم.

خسر الأتراك أي خسارة بما أتوا من العبث بلغتهم فلا نريد أن نتقبل مثالهم ولا يجوز لأنفسنا الاقتداء بأهل لغة من اللغات فمنحانا غير منحاهم ولغتنا تتسامى عن جميع لغات الشرق.

إن الصعوبة الموهومة في لغتنا ما وقفت في سورية دون تعليم الرجل البالغ من ابن العشرين إلى الخمسين في المدارس الليلية التي أنشأناها بما أخرجناه به في أربعة أشهر من الأمية.

إذن؛ فالعربية ليست من الصعوبة بخطها على ما يزعم رصيفي والعرب إذا قصروا في التصوير فقد عوضوا عنه هذا الخط الجميل والنقوش، واللبس

ص: 95

إلى حروف الكتابة اللاتينية أقرب أن يحل حروف الكتابة بإحدى اللغات اللاتينية.

نحن هنا لإحياء العربية ونخشى أن تدعو هذه الصيحة إلى زعزعة السمعة الأدبية التي أحرزتها مصر فإن في اعتماد الحروف اللاتينية بدل هذه الحروف العربية الجميلة يحدث تناقضا مع الغاية السامية التي أنشئ المجمع لأجلها نحن لا نملك بوجه من الوجوه إدخال جديد مضر يكون فيه القضاء على قديم مقدس.

3-

أستاذ جليل "إسعاف النشاشيبي":

ذكر1 برناردشو في مقدمة كتاب "هجرة نشأة اللغة" للأستاذ ويلسون؛ إذ يرى أن حروف الهجاء الإنجليزية لا تناسب اللغة الإنجليزية نظرا لأنها وضعت في الأصل من أجل اللغة اللاتينية التي تختلف في مخارج ألفاظها عن لغة أبناء التاميز. وعلى ذلك فهجاؤها يبعد كل البعد عن وقعها على السمع.

ولا شك أن الذين يرغبون في حذق الهجاء الإنجليزي يقرون نقده هذا وهو نقد لا شك سيهم القارئ العربي لاتصاله بالتغيير الذي يقترحه بعضهم بشأن كتابة اللغة العربية بالحروف اللاتينية، إذ يحق لنا أن نتساءل بعد ذلك إذا كان من الحكمة الاستغناء عن حروف الهجاء العربية التي تمتاز على الأقل بأنها وضعت خصوصًا للغة العربية واستبدال حروف بها وإن كانت شائعة الاستعمال إلا أنها لا تناسب حتى هذه اللغات التي دأبت على استعمالها منذ أول عهدها بالكتابة والحروف اللاتينية التي نقدها كاتب القوم

1 مجلة الرسالة 10 أبريل 1944.

ص: 96

العبقري: برناردشو وأبدت هذه المجلة نقده إياها، إنما هي الحروف العربية غير المهذبة التي كتبها كاتبوها من الشمال مكثرين من حروف المد فيها، والبركات في تلك الحركات قد خفت وسهل النطق بأحرفها، مطيلين الكلمة بتسطير حروفها جميعها، والعربية قد أبدعت حين أخذلت، متعبين عيون القارئين بما صوروا وطولوا؛ وشتان ما بين حرفان أحدهما يريح البصر والآخر يرهقه. فسم الحرف اللاتيني بالحرف المتعب تنصفه. ولقد بالغ إخواننا الترك في الإساءة إلى أنفسهم باستبدالهم الذي هو أدنى بالذي هو خير وتفضيل الشمال على اليمين.

أما مقترح تصوير العربية بالحروف اللاتينية الذي أشارت إليه مجلة المستمع العربي فهو كمقترح استعمال تلك العامية ولكل إقليم عربي عامية بل بلية، والأمم العربية قد أجمعت على أن تكون في هذه الدنيا في الكائنين لا أن تبيد في البائدين، وأن دعوة الباطل متلاشية ودعوة الحق هي الباقية.

4-

محمود محمد شاكر 1:

عبد العزيز فهمي رجل كنا نعرفه بالجد والحرص والفقه وطول الباع في القانون وكنا نظنه رجلا محكم العقل في جميع نواحيه لا يتدهور إلى ما ليس به عهد ولا يرمي بنفسه في غمرات الرأي إلا على بصيرة وهدى. فلما قال ما قال عن الحروف العربية في المجمع. ونشرت الصحف قوله ورأيه قلنا: عسى أن يستفيق الرجل ويعود إلى سالف ما عهد فيه من الحكمة والمنطق، وأن يكون ما قال خالصًا لخدمة العربية.

نحن نسلم للأستاذ الجليل بما يقول عن صعوبة الحرف العربي المكتوب وبأنه يعوق القراءة وأنه يجعل العربية أبعد متناولا عن عامة الناس، نسلم له

1 الرسالة 10 أبريل 1944.

ص: 97

بهذا ثم ننظر كيف يكون الرأي الذي اعتسفه فظنه للتسهيل ومدعاة لنشر العربية، وكيف يكون الذي يخرج الحرف العربي الغامض إلى البيان والوضوح فلا يكون مضللا ولا معوقا، فإنه يزعم أن "ليس لدى المسلمين وغيرهم من أهل البلاد العربية وقت فائض يصرفونه في حل الطلاسم" هذا هو محصول رأيه.

إن أول التضليل في رسم العربية باللاتينية أن يضيع على القارئ تبين اشتقاق اللفظ الذي يقرؤه. فإذا عسر عليه ذلك صار اللفظ عنده بمنزلة المجهول الذي لا نسب له. وصار فرضًا عليه أن يعمد إلى رسم المادة الواحدة من اللغة في جميع صورها التي تكون في السياق العربي ثم عليه أن يحاول تقريب الشبه بالذاكرة الواعية ثم عليه أن يحفظ معاني ذلك كله. فإذا كان هذا شأنه في المادة الواحدة فما ظنك باللغة كلها. يومئذ تصبح العربية أجهد لطالبها من اللغة الصينية، نعم، وإذا ضل عن تبين الاشتقاق والتصريف، فقد ضل عن العربية كلها لأنها لم تبن إلا عليهما، وهي في هذه الوجهة مخالفة لجميع اللغات التي تكتب بالحرف اللاتيني، لأن الاشتقاق والتصريف يعرضان لها من قبل بناء الكلمة كلها حتى تختلف الحركات على كل حرف في كل بناء مشتق أو مصرف ثم يزيد على ذلك ما يدخل الكلمة من جميع ظروف الحروف العاملة وغير العاملة، ثم علل الإعراب والبناء والحذف، إلى آخر كل ما يعرفه مبتدئ في العربية1.

وقوله: حل الطلاسم فأي الطلاسم؟ أهي الطلاسم التي تدخل على كل حرف من الحروف في المادة الواحدة، ألوانا من الحركات تكتب بين

1 الرسالة 10 أبريل 1944.

ص: 98

كل حرف وحرف وفي أواخر كل كلمة وتقف فواصل متباينات بين حروف مادة واحدة من لغة بقيت على الاشتقاق وعلى الاختصار وجاء فيها الجموع المختلفة والصفات والأبنية ذوات المعاني.

أهذه هي الطلاسم أم تلك؟ وأيهما أفسد لوقت المسلمين وغيرهم من أهل البلاد العربية! بل أيهما أخزى وأشنع فتكا وشراسة، بل أيهما يغول العقل لا الوقت وحده.

ولكنها فتنة، فتنة اغتر بها شيخ صالح فاستغلها من لا يرى للعربية حقًا ولا حرمة.

5-

إسماعيل مظهر 1:

ما أشبه لغتنا العربية المجيدة بكرة الأرض وحادثتها مع الشيطان! فإن هذه اللغة ما فازت بالبقاء دون أخواتها الساميات إلا لأسرار فيها يعجز عن إدراكها الفكر ويضل في بحثها التاريخ، وكل تعليل لهذه الظاهرة إنما هو تعليل ناقص فإن ذلك التيه الواسع الذي نسميه اللغة العربية إنما هو على اتساعه وحدة كاملة الأطراف متماسكة الجوانب إذا اقتلعت منه حجرًا واحدًا انهارت منه أركان. وإذا زعزعت منه أساسا تداعت من حوله كثير من الأسس، فلقد تطورت هذه اللغة على مر السنين. وتكاملت على كر الأعوام حتى أصبحت كالبناء المصبوب من الفولاذ، ناحية النقص الواحدة فيه أنك لا تجد فيه منفذًا واحدًا يمكنك أن تضيف إليه جديدًا منه غير أنه يظهر كالرقعة المهلهلة في الثوب الجديد الكامل النسق.

1 الرسالة 13 مارس 1944.

ص: 99

وما الذي يحملنا على أن نفكر في الحروف اللاتينية لنكتب بها العربية، ما الذي يحملنا على أن نحمل ذلك الحجر الثقيل على أكتافنا من بلاد اللاتين إلى صميم بلاد العرب لنقذف به لغة العرب فيلوب في بحرها الخضم ثم يلوب ومن بعد تبتلعه، ولا نكسب من ذلك إلى تعب الحمل ووزر ذلك الشيطان الذي قذف كرة الأرض بحجره الثقيل، فلم ينتقصها وإنما ابتلعه جمالها فزادت به جمالا ولا يغير من طبيعتها وإنما زاد إلى تاريخها فضلا محجوبا مكروها. إنما يكون مثلنا في هذه الحال كالشمطاء التي أبت إلا أن تنتقص جمال حسناء، حقدًا وكيدًا فاجترت خصلة من لمتها فبدت غرتها أجمل وأفتن.

6-

عباس محمود العقاد 1:

خالفت رأي معاليه لأن اقتراحه يترك الصعوبة الأصلية قائمة ويعنى بالصعوبة المتفرعة عنها وهي تابعة لها باقية ببقائها فلا صعوبة عندنا في كتابة حرف من الحروف مضموما كان أو مفتوحا أو مكسورًا إذا عرفنا أنه مضموم أو مفتوح أو مكسور ولا صعوبة كذلك في قراءته مع هذه المعرفة سواء أكان مشكولا أم غير مشكول.

إنما الصعوبة الأصلية أن نعرف ما يضم وما يكسر ثم نكتبه ونقرأه على صواب. وترجع هذه الصعوبة إلى خواص في بنية اللغة العربية لا وجود لها في اللغات التي تكتب بالحروف اللاتينية غربية كانت أو شرقية.

أما الكتابة بالحروف اللاتينية فإن صح أنها تضمن للقارئ أن يقرأ ما أمامه على صورة واحدة. فهي لا تمنع الكتاب المختلفين أن يكتبوا

1 الرسالة 17 مارس 1944.

ص: 100

الكلمة على صور مختلفة كلها خطأ وخروج على القواعد اللغوية ومن هنا يشيع التبلبل على الألسنة ويقرر الخطأ تسجيله في الكتابة والطباعة بدلا من تركه متحملا للقراءة على الوجه الصحيح.

فقصارى ما نعنيه بهذا التبديل، أننا ننقل التبعة من القارئ إلى الكاتب ولا نمنع الخطأ ولا نضمن الصحة، وهي فائدة لا يبلغ من شأنها أن تبدل معالم اللغة وتفصل ما بين قديمها وحديثها.

وكان من أسباب مخالفتي لاقتراح الأستاذ العلامة -وهي كثيرة- أن طريقته ليست بأيسر من طريقتنا التي نجري عليها الآن في كتابة الكلمات العربية مضبوطة بعلامات الشكل المصطلح عليها في موضع الحاجة إليها1.

إن الطريقة اللاتينية المضاف إليها بعض الحروف العربية تعفينا من علامات الشكل ولكنها تضطرنا إلى زيادة الحروف حتى تبلغ ضعفها أو أكثر من ضعفها من كلمات كثيرة وتوجب هذه الكلفة على العارفين وهم غنيون عنها.

ثم هي لا تغنينا بتة عن النقط والشكل لأنها تعود بنا إلى النقط في حروف وإلى ما يشبه الشكل في بعض الحروف لتمييز الألف والتاء والذال والشين.

حاول الأستاذ عبد العزيز فهمي باشا أن يصلح من اللغة العربية بمشروعه ذلك بأن يجد طريقا يسهل على الناس قراءة العربية صحيحة كما تلقينا من الفصحاء. وأشار من طرف خفي إلى حروف الحركة، كأن اللغة العربية

1 الرسالة 18 سبتمبر 1944.

ص: 101

ليس بها حروف حركة. ولكنه نسي أن العربية تمتاز على جميع لغات العالم من هذه الناحية، نسي أن بها حروف مد وحروف حركة.

ما أريد أن أتكلم عن تراث العرب والعربية وما أريد أن أتكلم في أن هذه اللغة لغة دين ولغة أدب وعلم وفن انحدرت إلينا من خمسة عشر قرنا إلا قليلا تحمل إلينا في تضاعيفها مشعل الماضي مضيئا، إن هذه النزعات نزعات يبعثها ضعف في القومية واستهتار بتراث العرب الموروث ونبذ لكل تقليد قديم تلقيناه عن أصولنا.

ص: 102