المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الفصل الثاني: معركة الكرامة - المعارك الأدبية

[أنور الجندي]

فهرس الكتاب

- ‌مدخل

- ‌أولا: معركة مفاهيم الثقافة

- ‌ثانيا: معركة مفاهيم الأدب

- ‌ثالثا: معركة مفاهيم الأدب

- ‌الباب الأول: معارك الوحدة والتجزئة

- ‌معركة الوحدة العربية

- ‌مصر بين العربية والفرعونية:

- ‌معركة العروبة والمصرية:

- ‌الباب الثاني: معارك اللغة العربية

- ‌مدخل

- ‌تمصير اللغة العربية:

- ‌مجمع اللغة، ما هي مهمته

- ‌معركة الكتابة بالحروف اللاتينية:

- ‌الباب الثالث: معارك مفاهيم الثقافة

- ‌مدخل

- ‌ثقافة الشرق ثقافة الغرب:

- ‌معركة بين فيلكس فارس وإسماعيل أدهم:

- ‌لا يتنيون وسكسونيون: بين العقاد وطه حسين

- ‌النزعة اليونانية بين زكي مبارك وطه حسين:

- ‌كتابة السيرة" بين التاريخ والأسطورة:

- ‌كتابة التاريخ: بين رفيق العظم وطه حسين

- ‌معركة الترجمة: بين منصور فهمي وطه حسين

- ‌آداب الساندويتش: بين الزيات والمازني والعقاد

- ‌أدبنا: هل يمثلها؟ بين أحمد أمين وأمين الخولي

- ‌غاية الأدب: ما هي؟ بين زكي مبارك وسلامة موسى

- ‌متى يزدهر الأدب؟ معركة بين لطفي جمعة وزكي مبارك:

- ‌الأدب المكشوف: بين توفيق دياب وسلامة موسى

- ‌التراث الشرقي؛ يكفي أو لا يكفي؟: بين عبد الرحمن الرافعي وعباس محمود العقاد

- ‌ثقافة دار العلوم: بين أحمد أمين ومهدي علام

- ‌الباب الرابع: معارك الأسلوب والمضمون

- ‌الأسلوب والمضمون: بين الرافعي وسلامة موسى وطه حسين

- ‌أسلوب الكتابة: معركبة بين شكيب أرسلان وخليل سكاكيني

- ‌أساليب الكتابة؛ بين شكيب أرسلان ومحمد كرد علي:

- ‌الباب الخامس: معارك النقد

- ‌الفصل الأول: أسلوب طه حسين

- ‌الفصل الثاني: مقومات الأدب العربي

- ‌الفصل الثالث: مذهبان في الأدب:

- ‌الفصل الرابع: بين النقد الذاتي والموضوعي

- ‌الفصل الخامس: الأدب بين التجديد والانحراف

- ‌الفصل السادس: هل نقتبس أم نقلد

- ‌الفصل السابع: معركة فقدان الثقة

- ‌الفصل الثامن: الفن للفن والفن المجتمع

- ‌الباب السادس: معارك النقد حول الكتب

- ‌الفصل الأول: رسالة منصور فهيم الدكتوراه

- ‌الفصل الثاني: الخلافة وأصول الحكم

- ‌الفصل الثالث: معركة الشعر الجاهلي

- ‌مدخل

- ‌نماذج من حملات المعركة:

- ‌تجدد معركة الشعر الجاهلي:

- ‌الفصل الرابع: كتاب "النثر الفني

- ‌الفصل الخامس: كتاب "أوراق الورد

- ‌الفصل السادس: كتاب ثورة الأدب

- ‌الفصل السابع: "كتاب" مع المتنبي

- ‌الفصل الثامن: معركة مستقبل الثقافة

- ‌الباب السابع: المعارك بين المجددين والمحافظين

- ‌الفصل الأول: معارك الرافعي

- ‌الفصل الثاني: معركة فضل العرب على الحضارة

- ‌الفصل الثالث: الدين والمدينة

- ‌الفصل الرابع: التغريب

- ‌الفصل الخامس: حقوق المرأة

- ‌الفصل السادس: معركة حول التراث القديم

- ‌الفصل السابع: معركة الخلاف بين الدين والعلم

- ‌الفصل الثامن: جمال الدين الأفغاني ورينان

- ‌الفصل التاسع: خم النوم

- ‌الفصل العاشر: بين النقد والتقريط

- ‌الباب الثامن: معارك بين المحافظين حول اللغة

- ‌المعركة الأولى:

- ‌المعركة الثانية:

- ‌المعركة الثالثة:

- ‌الباب التاسع: معارك نقد الشعر

- ‌الفصل الأول: بين شوقي ونقاده

- ‌الفصل الثاني: بين عبد الرحمن شكري والمازني

- ‌الفصل الثالث: إمارة الشعر

- ‌الفصل الرابع: ديوان وحي الأربعين

- ‌الباب العاشر: معارك النقد بين المجددين

- ‌الفصل الأول: بين التغريب والتجديد

- ‌الفصل الثاني: معركة الكرامة

- ‌الفصل الثالث: معركة الصفاء بين الأدباء

- ‌الفصل الرابع: معارك النقد

- ‌الفصل الخامس: بين زكي مبارك وخصومه

- ‌الفصل السادس: مبارك ينقد كتابه

- ‌الفصل السابع: بين العقاد وخصومه

- ‌الفصل الثامن: بين سلامة موسى وخصومه

- ‌الفصل التاسع: بين المازني وخصومه

- ‌الفصل العاشر: معارك أدبية؛ بين الدكتورين هيكل وطه حسين

- ‌الفصل الحادي عشر: معركة لقمة العيش

- ‌الفصل الثاني عشر: بين شباب الأدب وشيوخه

- ‌محتويات الكتاب:

الفصل: ‌الفصل الثاني: معركة الكرامة

‌الفصل الثاني: معركة الكرامة

بين توفيق الحكيم وطه حسين:

وقعت بين توفيق الحكيم وطه حسين معركة أدبية تحولت بها الصداقة إلى خصومة والمدح والثناء إلى خلاف وعراك، كان توفيق الحكيم نائبا في الريف قدمه صديقه الدكتور حسين فوزي إلى طه حسين وقد نشر قصة "أهل الكهف" فكتب عنها هيكل ومصطفى عبد الرازق وغيرهما ومجدوها، هناك أطلق رأيه في توفيق الحكيم وقال عنه أنه أنشأ في الآداب فنا جديدا ثم صدرت "شهر زاد" فنقدها طه حسين ولم يلبث الموقف أن تحول بين الكاتبين على الصورة التي سجلها طه في قصة الأديب الحائر وتعكر الصفاء. عاد مرة أخرى بين الأديبين. وقد صور توفيق الحكيم موقعة من بعد في معركة "الصفا بين الأدباء".

وقد صور سيد قطب في كتابه "شخصيات وكتب" أسرار الموقف بين الكاتبين فقال مجيبا على سؤال: لماذا نالت "أهل الكهف" إعجاب طه حسين ولماذا وقعت الجفوة بينهما حين صدور "شهر زاد" فقال:

هناك ملابسات شخصية أحاطت بالموضوع، ولكن بقي وراء هذه الملابسات شيء ثابت، هو طبيعة الدكتور طه وطبيعة توفيق الحكيم فالدكتور أوفر حظا من الحياة الواقعية وتوفيق أوفر حظا من التأمل والتجريد والدكتور معني بالنفوس البشرية كما هي، يتبع خطواتها ويقفو خطواتها ويتسمع همساتها، وتوفيق معني بالذهن الإنساني المجرد، يوغل في تأملاته ويسبح في فروضه.

ومن هنا أعجب الدكتور طه بأهل الكهف لأن مخلوقاتها من صنع

ص: 595

الطبيعة، وهنا وقعت الجفوة بين الدكتور وشهر زاد، فشهر زاد هي قصة توفيق الحكيم الكاملة -على طريقته- هي قصة الذهن الإنساني المجرد من أوشاج البشرية، هي قصة القلق الفكري والشك الذهني.

رأي طه حسين في أهل الكهف:

"أهل الكهف" حادث ذو خطر لا أقول في الأدب المصري وحده، بل أقول في الأدب العربي كله، وأقول هذا في غير تحفظ ولا احتياط وأقول هذا مغتبطا به مبتهجا له وأي محب للأدب لا يغتبط ولا يبتهج حين يستطيع أن يقول وهو واثق بما يقول أن فنا جديدًا قد نشأ فيه، وأضيف عليه، وأن بابا جديدًا قد فتج للكتاب وأصبحوا قادرين على أن يلجوه وينتهوا منه إلى آماد بعيدة رفيعة ما كنا نقدر أنهم يستطيعون أن يفكروا فيها الآن.

ولكن في القصة عيبان: أحدهما يسوءني حقا، ومهما ألوم فيه الكاتب فلن أؤدي إليه حقه من اللوم وهو هذا الخطأ المنكر في اللغة، وهذا الخطأ الذي لا ينبغي أن يتورط فيه كاتب فضلا عن كاتب كالأستاذ توفيق الحكيم ولا يراد في أن أكون قاسيا عنيفا، وفي أن أطلب إلى الأستاذ في شدة أن يلغي طبعة هذه الجملة وأن يعيد طبع القصة مرة أخرى بعد أن يصاح ما فيها من الأغلاط.

أما العيب الثاني فله خطره ولكنه مع ذلك يسير، هذا العيب يتصل بالتمثيل نفسه فقد غلبت الفلسفة وغلب الشعر على الكاتب حتى نسي أن للنظارة حقوقا يجب أن تراعى فأطال في بعض المواضع وكان يجب أن يؤخر، وفصل في بعض المواضع وكان يجب أن يجمل.

ص: 596

من توفيق الحكيم إلى طه حسين:

أستاذنا الكبير الدكتور طه:

إني أشكر أهل الكهف الذين قادوني إليك، وإن كان هذا هو الغرض من بعثهم في كتابي فقد حق البعث نجح، الحقيقة أن رعاية الدكتور طه هو أثمن من تمنحني القديسون الثلاثة من كنوز، وإن صداقته التي أطمح إليها يوم أكون خليقا بها هي مفتاح عملي الأدبي في المستقبل، إنه ليشق علي أن يمضي الأسبوع ولا ألقى الدكتور، فلقد وجدت في حديثه زادًا روحيا لا غنى لي عنه.

رأي طه حسين في قصة "شهر زاد":

شهد الله ما آثرت صاحب أهل الكهف ولا خصصته بثناء، ولا رأيته ولا تحدثت إليه ولا سمعت منه قبل أن أقدم قصة أهل الكهف إلى القراء، وإنما قرأته فأحببته وأعجبت به ورأيت أن الحق يجب أن يعلن، وأن الكتاب المجيدين يجب لهم حظهم من الإجادة ليزدادوا رغبة فيها.

ولأعود إلى هذه القصة، قصة شهر زاد فأعترف بأنهاكقصة أهل الكهف فن جديد من الإنتاج في أدبنا الحديث لم يسبق توفيق إلى مثله ولا إلى قريب منه، ولست أزعم أنها المثل الأعلى في القصص التمثيلية، بل لست أزعم أنها شيء يقرب من المثل الأعلى، ولكني أزعم أنها أثر فني متقن ممتع، دقيق الصنع، بارع الصورة، خليق بالبقاء والبقاء الطويل.

ليقل الغاضبون على توفيق والحاسدون له ما يقولون فالأدب العربي الحديث لم يعرف مثل هذا الفن من الإنشاء، بل ما لي أقتصد؟ فالأدب العربي

ص: 597

الحديث لم يعرف مثل هذا الفن، وأنا أرجو ألا يغتر توفيق بهذا الثناء الذي أهديه إليه صادقا مخلصا وأود لو دفعه هذا الثناء إلى العناية بفنه والتكميل لما ينقصه من الأدوات، فهو في حاجة إلى كثير من الجد والعناء، ومن الدرس والتحصيل، فهو في حاجة إلى أن يكثر من قراءة الفلسفة ليقول عن علم ويفكر على هدى وهو في حاجة إلى أن يعنى باللغة ويتقنها ليستقيم التعبير عما يعرض له من الخواطر والآراء.

طه حسين: الأدب الحائر

قصة تمثيلية للأستاذ توفيق الحكيم:

الناس جميعا يعلمون أني محب للأستاذ توفيق الحكيم معجب بقلمه وأقل ما يوجبه علي الحب والإعجاب أن أكون رفيقا شفيقا، حين يشتد القيظ ويخشى من شره على الرءوس والنفوس والأقلام، وهذا العنوان الذي وسمت به هذه القصة لا يعدو أن يكون اقتراحا قد يعدل عنه الأستاذ توفيق الحكيم إن خطر له أن يكتب قصة، فما ينبغي لمثلك ولا لمثلي، بل ما ينبغي لخير منك ولا خير مني، أن يقترح على الأستاذ أن ينصح له فالأستاذ أكبر من أن يقترح عليه مقترح أو ينصح "ناصح" مهما يكن مخلصا أمينا.

1-

أما الفصل الأول من هذه القصة كما كانت فتقع في العام الماضي في أوائل الربيع في حجرة من حجرات البيت الذي كنت أسكنه في هليوبوليس إذ يقبل علي صديقان يحبان الأدب لأنهما أديبان ويعجبان بالأستاذ توفيق الحكيم لأنه أديب، وهما يتحدثان إلي عن هذا الأستاذ الذي لم أعرفه ولا سمعت من حديثه شيئا، فيثنيان عليه بما هو أهله، أو بما هو أهل لأكثر منه، ثم يدفعان إلي كتابا وضعه الأستاذ توفيق الحكيم، وكان يود أن يهديه إليَّ

ص: 598

لولا أنه لا يعرفني ولا يريد أن يلقاني حتى أقرأ كتابه وأكون لنفسي رأيا فيه ثم يقصان علي الكثير من أطواره الغريبة حتى يثيرا في نفسي الشوق إلى لقائه وإلى النظر في كتابه، فإذا انصرفا أقبل صديق ثالث فلا أكاد أحدثه بما كان من أمر الصديقين حتى يثني على الكاتب ويثني على الكتاب ويزعم لي أنه قرأ الكتاب مخطوطا قبل أن ينشر.

2-

فإذا كان الفصل الثاني فقد أخذت أقرأ في الكتاب فأرضى عنه ثم أعجب به، ثم أكتب عنه فصلا في الرسالة أسجل فيه هذا الإعجاب وذلك الرضى، وملاحظات يسيرة لا بأس فيها على الكاتب ولا على الكتاب، وما يكاد يلقى الستار على هذا الفصل وتستريح النظارة في وقت الراحة بين الفصول حتى أتلقى رسالة برقية ملؤها الشكر وعرفان الجميل ومصدرها الأستاذ توفيق الحكيم.

3-

ثم يكون فصل ثالث، وإذ بالأستاذ توفيق الحكيم قد سعى إلي من إقليمه الذي كان يعمل فيه، وهو يشكر لي تشجيعي له ويغلو في هذا الشكر ثم يلقي أموره الأدبية كلها إلي، ويطلب مني أن أكون مرشدًا وحاميا فأقبل منه هذا كله سعيدا به مبتهجا له، وأتحدث إلى الإستاذ حديث الصديق المحب المعجب.

ويتكرر هذا المنظر مرات.

ثم يكون منظر آخر، مجتمع معه مع أصدقاء لنا يعرفهم الأستاذ، ونتشاور في أمره هو لا في أمرنا نحن، فهو يريد أن ينتقل من الأقاليم إلى القاهرة لأنه ضيق بحياة الريف، وفي وزارة المعارف عمل قد يلائمه وهو يميل إلى هذا العمل، ولكني أنا لا أميل إليه.

والأستاذ وأصدقاؤه يلحون في العرض وأنا ألح في الرفض.

ص: 599

ثم يلقى الستار ويتم انتقال الأستاذ من الريف إلى القاهرة في هذه الراحة التي تكون بين الفصول.

ثم يكون منظر آخر أو مناظر أخرى نجتمع فيها لنقرأ بعض الكتب التي يريد الأستاذ إخراجها للناس ومنها "شهر زاد" فالأستاذ شديد الشك في نفسه ضئيل الثقة بفنه، لا يظهر آثاره إلا إذا أقرها أصدقاؤه الأقربون وهو لا ينشر فصلا في الرسالة إلا إذا قرأته وأذنت بنشره، وهو لا يدري أنه قادر على أن يحتمل وحده تبعة الإذاعة والنشر، ثم نقر من هذه الكتب ما نقر، ونرجئ منها ما نرجئ، ونتحدث عن أهل الكهف وعن طبعة ثانية تذاع بين الناس فأقترح أنا أن أقدمها إلى الجمهور، ويظهر الأستاذ وأصدقاؤه الرضا بذلك والابتهاج له، ثم يلقى الستار ويرفع وقد تمت الطبعة الثانية من أهل الكهف وأبطأت أنا بالمقدمة أسبوعين أو نحو أسبوعين، فينشر الكتاب بغير مقدمة وبغير أن يتحدث إلى أحد في ذلك، فيسوءني ذلك بعض الشيء فيسعى إلي الأستاذ في منظر جديد ويعتذر إلي بمحضر من بعض الأصدقاء1، فأسمع منه وأبتسم وأتجاوز عن استعجاله وينصرف راضيا فإذا أصبحت تلقيت منه هذا الكتاب باللغة الفرنسية وأنا أترجمه فيما يأتي.

ثم يكون منظر آخر يراني الله فيه حزينا آسفا ومشفقا جزعا لأني صدقت هذا الكلام، وخفت أن يكون صاحبه جاد فيه، فأنكرت من نفسي ما أظهرت من غضب، وها أنا ذا أسرع إلى التليفون فألتمس صاحبي في مظانه

1 أنا محزون حقا فقد فكرت فإذا خطئي بديهة فقد كان يجب على الأقل أن أستشيرك قبل أن أخرج كتبي فماذا ترى في موقفي منك ويزيدني حرفا لطفك حين تجاوزت في سهولة وكرم عن كل هذا، إنما أنت حقا فنان كبير، فنان حقا وإني لأعترف بأني لم أمنح هذه النفس ولست أنا خليقا بالفن ولا بك وإليك الآن ما تمت عزيمتي عليه إذا احتفظت بغضبك علي، سأعرض عن كل حياة أدبية وتقبل. ت الحكيم.

ص: 600

كلها، حتى يصلني به التليفون فأداعبه وألاعبه وأترضاه وأتلطف له وأقبل منه وأهدي إليه حتى يرضى وتطمئن نفسه الثائرة أو التي كنت أحسبها ثائرة ويهدأ قلبه المضطرب أو الذي كنت أظنه مضطربا.

ثم تكون مناظر أخرى تجري الحياة فيها بيننا كما تجري بين الأصدقاء ثم تكون مناظر أخرى، أسمع في بعضها اللوم لأني أحب توفيق الحكيم وأقرأ في بعضها الشتم لأني أكبر توفيق الحكيم وأنا أبتسم للوم اللائمين وأضحك لشتم الشاتمين، لأني لم أحب هذا الكاتب إلا لأنه ألهمني الحب، ولم أعجب بهذا الكاتب إلا لأنه ألهمني الإعجاب.

ثم أكتب إلى المصور فصلا عن الأدب التمثيلي في مصر فلا يكاد ينشر حتى يتحدث إلي من يتحدث بأن الكاتب الأديب مغضب من هذا الفصل لأني لم أنصفه فيه، ولأني زعمت أن قصصه التمثيلية على حالها وروعتها قد لا تلائم الملعب المصري فلا أحفل بحديث المحدثين وأقرأ في المصور بعد ذلك ردًا من توفيق فيه عوج كثير فأقوم هذا العوج مداعبًا لصاحبه ملاطفا له. ثم يبلغني أنه قد سعى إلى بيتي مساء الاثنين الماضي فلم يجدني فيه وترك لي تحيته ومودته وانصرف ثم أكتب عن "شهر زاد" فلا يكاد يظهر حديثي عن "شهر زاد" حتى أتلقى من صديقي توفيق هذا الكتاب صباح الخميس، لا يحمله إلي البريد وإنما يحمله ساع خاص، ولا يكتبه توفيق بخطه وإنما يضربه على الآلة الكاتبة ضربا ويتفضل الصديق فيمضيه بخطه وأنا أنشر هذا الكتاب لأنه سيكون باقيا على الدهر ولأنه سيقع من الكتاب والناقدين في هذا العصر موقع الوصية التي زعموا أن عبد الحميد قد أذاعها في الكتاب القدماء آخر أيام بني أمية.

ص: 601

يظهر أني سيئ الحظ معك، وأنك سيئ الحظ معي هذا الأسبوع، فلقد قرأت مقالك عن شهر زاد وما أحسبنا تلاقينا فيه عند رأي، فأما قولك أني أدخلت في الأدب العربي فنا جديدًا وأتيت بحدث لم يسبقني إليه أحد، فهذا إسراف سبق لي أن أشرت إليه في خطاب مني إليك من أدب الجاحظ ذكرت فيه يومئذ أن للجاحظ ملكة في إنشاء الحوار تذكرنا ببعض كتاب المسرح من الغربيين، فما أنا إذا بمبتدع، وإنما أنا أحد السائرين في طريق شقه الشرق من قبلي.

وأما نصيب قصصي من البقاء فلست أعتقد أن لناقد معاصر حق الجزم به وما بلغت من البساطة حق تصديق ناقد يتكلم في هذا، فإن الزمن وحده هو الكفيل بالحكم على الأعمال بالبقاء فأنا كما ترى لا أسمح لنفسي بقبول مثل هذا الثناء، كذلك لست أسمح لأحد أن يخاطبني بلسان التشجيع فما أنا في حاجة إلى ذلك فإني منذ أمد بعيد أعرف ماذا أصنع ولقد أنفقت الأعوام أراجع ما أكتب قبل أن أنشر وأذيع، كما أني لست في حاجة إلى أن يملي علي ناقد قراءة بعينها فإني منذ زمن طويل أعرف ماذا أقرأ، وما أخالك تجهل أني قرأت في الفلسفة القديمة والحديثة وحدها ما لا يقل عما قرأت أنت، وما أحسبك كذلك تجهل أني أعرف الناس بما أحتاج إليه من أدوات، فأرجو منك أن تصحح موقفي أمام الناس وألا تضطرني إلى أن أتولى ذلك بنفسي.

وأؤكد لصديقي توفيق أني لم أنشر كتابه هذا إلا تصحيحا لموقفه أمام رؤسائه وأمام نفسه، فيعلم رؤساؤه منذ اليوم أنه قد أساء إلي عمدا وفي غير ما يبيح الإساءة، وأنه قد قطع ما بينه وبيني من صلة، وأنه قد سجل هذه القطيعة في كتب، وأني قد سجلت هذه القطيعة في صحيفة سيارة ليشيع أمرها بين الناس، وأظن أن رؤساءه منذ اليوم سيرفقون به، ويعطفون به ويحسنون الرأي فيه، وأظن أنه سيحس منهم ذلك فيطمئن على منصبه ويستريح إلى رضا رؤسائه عنه ويبتسم له الأمل في المستقبل القريب والبعيد.

فأما قول توفيق: إني قد أسرفت حين زعمت أنه أحدث في الأدب العربي

ص: 602

حدث لم يسبقه أحد فإني أحمده له وإن كنت أعرف أن هذا الكلام كان يرضيه وأنه كان يحب أن يسمعه وأن يقرأه.

وأما أن توفيقا ينكر علي أن أحكم على قصصه بالبقاء فهذا إسراف منه كثير، فنحن الناقدون أحرار فيما نعرف من ذلك وما ننكر، ما دام الزمن هو الحكم الأخير في هذا الموضوع.

وأغرب من هذا كله أن يرفض توفيق ما أهديت إليه من ثناء فليعلم أني لم أهد الثناء إلى شخصه ليرفضه أو يقبله وأن شخصه لا يعنيني إلا قليلا منذ الآن، وإنما أهديت الثناء إلى فنه وما زلت أهديه إليه ولن يستطيع هو أن يرده، وكنت أحب له أن يفرق بين شخصه الفاني وفنه الباقي.

أما أنه لا يسمح لأحد بأن يدله على ما يقرأ، وأنه قرأ في الفلسفة القديمة والحديثة مثل ما قرأت على الأقل، فإنني أحب أن يعلم أن ما قرأته لا يرضيني لنفسي ولا لغيري، وأسأل الله أن يقيني وإياه شر الغرور فهو مهلك للنفوس حقا، وأما أنه أعرف الناس بما ينقصه وأعلم الناس بما يحتاج إليه من أدوات وأنه لا يحتاج مع ذلك إلى نقد ناقد، فهذا رأيه في نفسه منذ الآن وهو لا يشرفه ولا يرفع منزلته عند أحد وأحب أن يعلم توفيق أني لن أرد عليه بعد الآن، ولن أحفل به إلا يوم يخرج لنا كتابا نقرؤه، ويومئذ سأعلن رأيا في الكتاب سواء رضي توفيق أم سخط.

من توفيق الحكيم "خصومة" إلى طه حسين:

بعثت إليه أول النهار بالرسالة التي سماها "باقية على الدهر" ثم أويت آخر النهار إلى بيتي فوجدت أسطوانات "بتهوفن" التي استعارها مني قد

1 الرسالة 2 يوليه 1934.

ص: 603

ردها إلي فعلمت أنها القطيعة، فوقفت واجما في مكاني وزالت آثار الغضب ولم يبق في نفسي إلا ألم عميق.

ولقد انتهى كل شيء بيني وبين الدكتور طه حسين، ولم أستطع أن أقرأ شيئا في ليلتي، وما أن أقبل الصباح حتى أوفدت إلى الدكتور طه صديقين كريمين يحادثانه في أمر الرسالة، فإذا قد دفعها إلى المطبعة وإذا به يأبى إلا أن يعلن الخصومة إلى الناس.

وحاول الصديقان عبثا أن يحولا بينه وبين هذا الإعلان، ولكن الدكتور طه أراد أن ينتقم فتناول القلم ووضع قصة روى فيها ما كان من أمري وأمره.

قرأت القصة فدهشت؛ أي روعة وأي إبداع! إنها في ذاتها أثر من آثار الفن الخالد، إني أشهد أنها عمل فني عظيم، فيها من سعة الخيال وروعة الأسلوب ما يضمن لها البقاء.

إنها هي التي ستبقى على الدهر، وقد أنساني إطارها الأدبي ما احتوته من اتهامات قاسية وماذا يهم، إن شخصي ليس يعنيني كثيرًا، كما أنه ليس يعني صديقي الدكتور منذ اليوم.

وأغلب ظني أن الدكتور قد أصر على نشرها لأنه يعلم أنه قد كتب شيئا جميلا، وإني الآن لأرضى أن يضحي شخصي الزائل في سبيل ظهور هذه القطعة الباقية.

على أن القارئ وقد فرغ من القصة لا بد يسأل نفسه: ما كل هذا الذي بين توفيق وبين الدكتور؟ وإني أمد القارئ بالجواب فأقول: لا شيء في رأيي غير صداقة لا يمكن أن تزول، ولئن قامت خصومة بيننا اليوم أو في الغد فهي خصومة من أجل الرأي والتفكير.

ص: 604

وإنه ليعلم أني أقدره أحسن تقدير وأضعه في نفسي في أسمى مكان وأحفظ له على الزمن ما أسدى إلي من جميل، ولا أنسى أنه هو الذي ألقى الضوء على وجودي، غير أنه يخطئ إذا فهم أن صداقتي له معناها التزام موافقته على كل رأي أدبي يبديه، والتسليم والتأمين على كل ما يخرج من قلمه أو من فيه، إن الحكم المطلق إذا صلح في دولة السياسة فهو لا يصلح في دولة الأدب، وإني لا أخال صديقي الدكتور نفسه، يرضى لي أو يرضى لفني وتفكيري في هذه الحرية المقيدة.

هذه هي الخصومة التي بينه وبيني.

فهو قد استاء مني إذا عارضته في بعض آرائه، ولقد استاء مني كذلك يوم أخرجت الطبعة الثانية من أهل الكهف بغير مقدمة، إن الحقيقة لا تعدو أني شخص بسيط لا أمقت شيئا في الأدب مثل المقدمات، وإني روح حر يأبى أن يقيد نصوصه بتفسيرات.

أعتقد أن خير هدية أهديها صديقي العزيز عليَّ، هي "الحرية" وقد بلغ من إخلاصي في صداقتي لطه حسين أن أعطيته "حريتي" فهو لن ينسى أني ما أتصرف في عمل أدبي بغير رأيه. على أني أحب من جهة أخرى أن أستعير بعض هذه الحرية أحيانا لأناقشه في فكرة من الفكر أو أحاوره في مسألة. فأنا كما يعلم الدكتور ذو طبيعة لا تسير على نظام.

إني أعطي كثيرًا ثم آخذ فجأة، ثم أعود فأرد ما أخذت، وعلى صديقي أن يكون رحب الصدر. غير أن الدكتور لم يعرفني حق المعرفة، وأراه يأخذ بعص تصرفاتي على سبيل الجد، حيث لا ينبغي أن تؤخذ في سبيل الجد.

وبعد فيا صديقي الدكتور أنا محزون حقا. فقد فكرت فإذا خطيئتي بديهية فقد كان يجب على الأقل أن أستشيرك قبل أن أبعث بتلك الرسالة.

ص: 605

فماذا ترى في موقفي منك؟

إليك الآن ما تمت عزيمتي عليه: "إذا احتفظت بغضبك علي فسأعرض عن كل حياة أدبية".

أحمد بهاء: لماذ يخاف توفيق الحكيم من طه حسين1؟

حضرت 1949 على ما أذكر محاضرة للدكتور طه حسين ألقاها في نادي الخرجين عن قصة أوديب في الآداب المختلفة، وكان توفيق الحكيم قد أخرج منذ قليل مسرحيته الملك أوديب وبعد أن تحدث طه عن مسرحيات أوديب التي كتبها سوفوكليس وأندريه جيد وجان كوكتو وغيرهم تحدث عن توفيق الحكيم فهاجمه هجوما قاسيا عنيفا وقال: إن توفيق الحكيم أفسد القصة إفسادًا شنيعًا كأشنع ما يكون الإفساد.

وقال: إن الذي ينقص توفيق الحكيم هو أن يقرأ وأن يقرأ كثيرا مع أنه يتباهى بدراسة الأدب اليوناني والتمثيلية اليونانية ويبدو أنه درسهما درسا متواضعا وفهمهما فهما أشد تواضعا، ولاحظ أن توفيق لم ينظر حتى إلى خريطة اليونان ليعرف أن مدينة طيبة -مسرح مأساة أوديب- بعيدة جدا عن البحر على عكس ما يفهم من تمثيلية توفيق الحكيم.

1 روز اليوسف العدد 355.

ص: 606