الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ثالثا: معركة مفاهيم الأدب
…
ثالثا: طابع المعارك الأدبية
ومن أبرز هذه المعارك ما قام من جانب واحد؛ فمعركة كتاب الشعر الجاهلي ومستقبل الثقافة مع طه حسين قامت من جانب معارضيه وحدهم، وكذلك معركة "لقمة العيش" التي أثارها الدكتور زكي مبارك ومعركته مع أحمد أمين وقد برزت في هذه المعارك عبارات عجيبة مثيرة: منها قول زكي مبارك: لقد ظن طه حسين أنه انتزع اللقمة من فم أطفالي فليعلم حضرته أن أطفالي لو جاعوا لشويت طه حسين وأطعمتهم من لحمه ولكنهم لن يجوعوا ما دامت أرزاقهم بيد الله.
أو قوله لأحمد أمين: لعل أحمد أمين يريد امرأة فيلسوفة لها عرقوب كشهر الصوم في الطول. ولها عين كعين العميصاء تعينه على سهر الليالي إلى أن يبزغ "فجر الإسلام".
أو قوله لعبد الله عفيفي: إذا دخل الأزهر وقفت لقدومه قواعد النحو صفا صفا فكانت المنصوبات في جانب، والمرفوعات في جانب وقد تصدمه "المجرورات" من شماله إذا دخل من الباب الذي كان يسمى باب المزينيين.
ويقول عن كتابات لطفي السيد: هي لفظ مركب مفيد بالوضع العربي.
ويقول الرافعي في نقده لطه حسين: مهد طه لرأيه بأن أعلن لشيخ الأزهر ولعلماء الدين أنه مثلهم مسلم. ثم قال و"الفرق بيني وبين الشيوخ أني مسلم حقا أفهم الإسلام على وجهه" فيا أرض ابلعي فهذا مستنقع لا رجل.
ومن هذا ما يذكره توفيق الحكيم عن معركته مع طه حسين بعد انتهائها: إن الخصومة بيني وبين طه حسين كانت خصومة أدبية صرف ولكن الدكتور طه أراد أن يقحم فيها عنصر السياسة ليظهرني في صورة "يهوذا" ويظهر نفسه في صورة المسيح.
ولعل مما يذكر هنا أن آراء توفيق الحكيم التي عرضها في مساجلاته مع طه حسين "ص559" هي آراء "رينان" التي رددها من قبل إسماعيل أدهم أحمد في مساجلته مع فيلكس فارس "ص105" وقد عارضها الدكتور طه حسين حين عرضها توفيق الحكيم "عام 1934" ثم عاد فرددها في كتابه مستقبل الثقافة "ص388" وفي معركته ضد العرب والقومية "ص17 و58".
ولقد هاجم العقاد والمازني وطه حسين الشاعر شوقي هجوما عنيفا ثم غير كل من طه حسين والمازني رأيهما في الشاعر الكبير وظل العقاد على رأيه القديم.
ومما يلفت النظر هجوم أحمد زكي باشا شيخ العروبة على زكي مبارك مستهلا مقاله على هذا النحو "إلى الطفل الميمون نجل الدكتور زكي مبارك؛ ويقول له: إنك تكتب باسم أبيك فتارة تخطئ وتارة تصيب" ولعل من المعارك المثيرة ما ذكره مصطفى عبد الرازق في محاضرة عن ذكرى رينان الذي هاجم العرب ورماهم بأعنف التهم -واحتفلت به الجامعة المصرية- وفي هذه المحاضرة قرر المحاضر إن جمال الدين الأفغاني تطور فكره في أقل من ثلاث سنوات بعد مقابلته لرينان فغير رأيه في الدين وأعلن أن الإسلام كان عدوا للعلم والعقل والمدنية.
ومما يذكر هنا أيضا أن زكي مبارك الذي هاجم كثيرا من الأدباء وساقهم بقلم مرير الهجاء قد تراجع أمام السباعي بيومي الذي كال لبمارك الصاع صاعين "ص441" وهناك معركة أخرى لم تكتمل ضاع فيها زكي مبارك ضياعا مؤلما، تلك هي معركة وحدة الوجود وآرائه في القرآن التي شبب أوارها محمد أحمد الغمراوي ودريني خشبة في الرسالة وصمت إزاءها زكي مبارك صمتا محزنًا1.
ومن فنون المتناقضات في النقد الأدبي ما أحصاه الدكتور صلاح المنجد على الدكتور زكي مبارك "الرسالة 3 فبراير 1941" من أن مبارك نقد أحمد أمين في الرسالة "10 يوليه 1939" وقال عنه: "إن هذا الأستاذ لم يؤت أسلوبًا خاصًا وإنه ما كان في يوم من الأيام أديبًا وإن أحمد أمين ليس له أسلوب" ثم عاد بعد ذلك فكتب في الرسالة أيضا "11 نوفمبر 1940" فقال: "يجب الاعتراف بأن لأحمد أمين أسلوبًا وبأن لهذا الأسلوب شخصية تتميز بالسهولة والوضوح".
ومن مبالغات النقد ما ذكره زكي مبارك من أن الشيخ عبد العزيز البشري اتصل به تليفونيا وقال له إن إخوته مهتاجون لنقده والدهم "الشيخ سليم
1 أوردنا هذه المعركة في كتابنا "المساجلات".
البشري" وأنهم سيقتلونه على باب داره. وقال زكي مبارك: إنه يستطيع أن يسوق للمعركة ألف نبوت من سنتريس.
وقد جرى النقد الهادئ المنمق بين طه حسين وهيكل أمدًا طويلا ثم تحول إلى العنف من جانب طه حسين عندما كشف هيكل دسائس التغريب وعارض اتجاه طه حسين في استغلال الأساطير في كتابه السيرة.
أما المازني وطه حسين فقد كان بينهما سجال دائم وخصومة خفية، وظل طه حسين صامتا إزائها حتى هاجم المازني في معركة الديوان "أنات حائرة" لعزيز أباظة على نحو رمزي عنيف هنالك تدخل الدكتور زكي مبارك لكشف أسراره وتفسير مضامينه "ص122".
أما المعارك الأدبية بين طه حسين والعقاد فقد كانت يسيرة، كان طه حسين يخشى قلم العقاد فلم يعرض له إلا لماما وفي حذر شديد، وعندما انضم طه حسين إلى الوفد كان العقاد أكبر من يخشاه، لذلك أسرع مع مناسبة تكريم العقاد فأعلن أنه أمير للشعر وكان قد سبق فقال بعد وفاة شوقي إن إمارة الشعر انتقلت إلى العراق، وليس أعجب في جانب النقد ولا أروع من تعليق الرافعي على رأي طه حسين في نقل إمارة الشعر إلى العقاد حين وصفها "ص540" بقوله: إنما أراد طه في سخريته أن يقول: فإن لم تثبتوا أن فيكم من استطاع أن يخلف شوقي فاصغروا واصغروا حتى يكون العقاد أميركم.
وهكذا تمضي المساجلات الأدبية بين الهدوء والثورة، وبين العنف والعمق، وبين التجرد والهوى لتمثل صورة العصر نفسه بما فيه من اضطراب وقلق وتحول.
ولا نعتقد أننا قد ألممنا إلماما كاملا بالمعارك الأدبية في هذا العصر، وإنما نقلنا صورة موجزة أمينة لهذه المعارك في غير ميدان السياسة التي سيختص بها كتابنا "الصحافة والسياسة".
ولقد سبقت هذه المعارك معركتين كبيرتين: الأولى بين إبراهيم اليازجي
وفارس الشدياق وقد درات حول اللغة وبلغت فيها عبارات الهجاء حدا مريرًا. ومعركة تحرير المرأة التي استطارت بعد نشر قاسم أمين فصول كتابه في المؤيد ثم صدوره قبل نهاية القرن "1898" وقد امتدت طويلا، وأنشئت من أجلها الصحف وألفت الكتب فضلا عن المقالات المتعددة.
ولا شك أن هذه المعارك تعطي صورة صادقة لحيوية المفكرين والكتاب العرب في إيمانهم بالبعث والتجديد وحماية القيم وتطوير المفاهيم في الفكر العربي المعاصر بما تحقق على نحو لا بأس به "1959"1.
1 كان لنا -وقد أعدنا طبع هذه الرسالة- أن نذكر أننا أصدرنا حلقة أخرى تحت اسم "المساجلات الأدبية" تضم حوالي 50 معركة أدبية أخرى في نفس الفترة التي تبدأ من أوائل الحرب العالمية الثانية وقد احتفظنا في هذه الطبعة الثانية بنصوص الطبعة الأولى دون أي تعديل أو إضافة "1982".