المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الفصل السادس: معركة حول التراث القديم - المعارك الأدبية

[أنور الجندي]

فهرس الكتاب

- ‌مدخل

- ‌أولا: معركة مفاهيم الثقافة

- ‌ثانيا: معركة مفاهيم الأدب

- ‌ثالثا: معركة مفاهيم الأدب

- ‌الباب الأول: معارك الوحدة والتجزئة

- ‌معركة الوحدة العربية

- ‌مصر بين العربية والفرعونية:

- ‌معركة العروبة والمصرية:

- ‌الباب الثاني: معارك اللغة العربية

- ‌مدخل

- ‌تمصير اللغة العربية:

- ‌مجمع اللغة، ما هي مهمته

- ‌معركة الكتابة بالحروف اللاتينية:

- ‌الباب الثالث: معارك مفاهيم الثقافة

- ‌مدخل

- ‌ثقافة الشرق ثقافة الغرب:

- ‌معركة بين فيلكس فارس وإسماعيل أدهم:

- ‌لا يتنيون وسكسونيون: بين العقاد وطه حسين

- ‌النزعة اليونانية بين زكي مبارك وطه حسين:

- ‌كتابة السيرة" بين التاريخ والأسطورة:

- ‌كتابة التاريخ: بين رفيق العظم وطه حسين

- ‌معركة الترجمة: بين منصور فهمي وطه حسين

- ‌آداب الساندويتش: بين الزيات والمازني والعقاد

- ‌أدبنا: هل يمثلها؟ بين أحمد أمين وأمين الخولي

- ‌غاية الأدب: ما هي؟ بين زكي مبارك وسلامة موسى

- ‌متى يزدهر الأدب؟ معركة بين لطفي جمعة وزكي مبارك:

- ‌الأدب المكشوف: بين توفيق دياب وسلامة موسى

- ‌التراث الشرقي؛ يكفي أو لا يكفي؟: بين عبد الرحمن الرافعي وعباس محمود العقاد

- ‌ثقافة دار العلوم: بين أحمد أمين ومهدي علام

- ‌الباب الرابع: معارك الأسلوب والمضمون

- ‌الأسلوب والمضمون: بين الرافعي وسلامة موسى وطه حسين

- ‌أسلوب الكتابة: معركبة بين شكيب أرسلان وخليل سكاكيني

- ‌أساليب الكتابة؛ بين شكيب أرسلان ومحمد كرد علي:

- ‌الباب الخامس: معارك النقد

- ‌الفصل الأول: أسلوب طه حسين

- ‌الفصل الثاني: مقومات الأدب العربي

- ‌الفصل الثالث: مذهبان في الأدب:

- ‌الفصل الرابع: بين النقد الذاتي والموضوعي

- ‌الفصل الخامس: الأدب بين التجديد والانحراف

- ‌الفصل السادس: هل نقتبس أم نقلد

- ‌الفصل السابع: معركة فقدان الثقة

- ‌الفصل الثامن: الفن للفن والفن المجتمع

- ‌الباب السادس: معارك النقد حول الكتب

- ‌الفصل الأول: رسالة منصور فهيم الدكتوراه

- ‌الفصل الثاني: الخلافة وأصول الحكم

- ‌الفصل الثالث: معركة الشعر الجاهلي

- ‌مدخل

- ‌نماذج من حملات المعركة:

- ‌تجدد معركة الشعر الجاهلي:

- ‌الفصل الرابع: كتاب "النثر الفني

- ‌الفصل الخامس: كتاب "أوراق الورد

- ‌الفصل السادس: كتاب ثورة الأدب

- ‌الفصل السابع: "كتاب" مع المتنبي

- ‌الفصل الثامن: معركة مستقبل الثقافة

- ‌الباب السابع: المعارك بين المجددين والمحافظين

- ‌الفصل الأول: معارك الرافعي

- ‌الفصل الثاني: معركة فضل العرب على الحضارة

- ‌الفصل الثالث: الدين والمدينة

- ‌الفصل الرابع: التغريب

- ‌الفصل الخامس: حقوق المرأة

- ‌الفصل السادس: معركة حول التراث القديم

- ‌الفصل السابع: معركة الخلاف بين الدين والعلم

- ‌الفصل الثامن: جمال الدين الأفغاني ورينان

- ‌الفصل التاسع: خم النوم

- ‌الفصل العاشر: بين النقد والتقريط

- ‌الباب الثامن: معارك بين المحافظين حول اللغة

- ‌المعركة الأولى:

- ‌المعركة الثانية:

- ‌المعركة الثالثة:

- ‌الباب التاسع: معارك نقد الشعر

- ‌الفصل الأول: بين شوقي ونقاده

- ‌الفصل الثاني: بين عبد الرحمن شكري والمازني

- ‌الفصل الثالث: إمارة الشعر

- ‌الفصل الرابع: ديوان وحي الأربعين

- ‌الباب العاشر: معارك النقد بين المجددين

- ‌الفصل الأول: بين التغريب والتجديد

- ‌الفصل الثاني: معركة الكرامة

- ‌الفصل الثالث: معركة الصفاء بين الأدباء

- ‌الفصل الرابع: معارك النقد

- ‌الفصل الخامس: بين زكي مبارك وخصومه

- ‌الفصل السادس: مبارك ينقد كتابه

- ‌الفصل السابع: بين العقاد وخصومه

- ‌الفصل الثامن: بين سلامة موسى وخصومه

- ‌الفصل التاسع: بين المازني وخصومه

- ‌الفصل العاشر: معارك أدبية؛ بين الدكتورين هيكل وطه حسين

- ‌الفصل الحادي عشر: معركة لقمة العيش

- ‌الفصل الثاني عشر: بين شباب الأدب وشيوخه

- ‌محتويات الكتاب:

الفصل: ‌الفصل السادس: معركة حول التراث القديم

‌الفصل السادس: معركة حول التراث القديم

بين زكي مبارك والسباعي بيومي:

هذه معركة من أقسى المعارك التي خاضها الدكتور زكي مبارك، ولأول مرة صادفته الهزيمة إذ واجه لأول مرة ألد وأقسى وعنفا أشد من مناظرة الأستاذ السباعي بيومي الذي كان قوي العارضة في مواجهة سجال زكي مبارك مما حمله على أن يفر سريعا من المعركة ويلجأ إلى الصلح.

زكي مبارك؛ الهجوم الآثم على المرصفي:

إلى 1 الأستاذ سباعي بيومي:

نشرت الرسالة كلمة بإمضاء "محمد فهيم عبيد" عن كلام وقع منك وأنت تحاضر عن "المبرد" بمدرسة دار العلوم فقد تحدثت عن أخلاق الشيخ سيد المرصفي بما لا يليق، فإن كان ذلك الكلام لم يقع منك فانفه في العدد المقبل، وإن كان وقع منك فسارع إلى الاعتذار، إبقاء على ما بيني وبينك من وداد، فما أستطيع السكوت عن رجل يتعرض لأخلاق الشيخ سيد المرصفي بسوء ولو كان من أعز الأصدقاء.

وإلى أن يثبت أن الراوي افترى عليك، أعلن غضبي على ما بدر منك، فقد كنت أظن أنك تعرف الشيخ سيد المرصفي له تلاميذ يحفظون عهد الوثيق وسنرى كيف تجيب، وإن كانت في العدوان على ذلك الرجل العظيم من الأبرياء.

وفي نفس العدد من الرسالة نشر كلام لطلاب من دار العلوم يقولون فيه: "أن الأستاذ السباعي لم يقل عن المرصفي إلا أنه كان يملكه الغرور، والمرصفي ذلك يسجل ذلك على نفسه في كل ما كتب.

1 الرسالة 6 يناير 1941.

ص: 463

ثم عاد زكي مبارك فكتب في الرسالة 3 فبراير 1941 تحت عنوان "الهجوم الآثم على الشيخ سيد المرصفي" يقول: كثرت الخطابات التي ترد إلى تحقيق ما ادعاه الأستاذ السباعي بيومي في حق الشيخ المرصفي، وكنت أغفلت الموضوع عن عمد لأن الأستاذ السباعي له حقوق، فقد كان دئمًا من أنصاري ولم آخذ عليه ما يريب. ولأن مقام الشيخ المرصفي أقوى من أن يهدم بكلمة جراحة تساق إليه في إحدى المحاضرات.

ولكن سكوت الأزهريين عن الانتصاف للشيخ المرصفي أزعجني وكنت أرجو أن يكونوا دروعا واقية لذلك الشيخ الجليل، وهو رجل لم ير مثله الأزهر منذ أجيال طوال.

فماذا أصنع؟ سأنقل القصة من وضع إلى وضع فأصيرها قضية أدبية لا قضية شخصية، وأبين أن السباعي بيومي يستر جنايته على "المبرد" بجنايته على "المرصفي".

ولكن كيف؟ سيرى صديقنا السباعي أن تهذيب الكامل لم يكن إلا جناية أدبية. وسيعرف أن التطاول على مقام الشيخ المرصفي لا يذهب بلا عقاب.

"السباعي 1 بيومي: خصومة أدبية":

استهل السباعي بيومي كلامه بقوله:

"ما أحبها إلى نفسي خصومة أدبية تقوم على صفحات الرسالة بيني وبين صديقي الدكتور زكي مبارك، فإن الخصومات الأدبية للمتخاصمين

1 الرسالة 10 يناير 1941، 17 فبراير 1941.

ص: 464

مجالا واسعًا للبحث والتدقيق، ولحضرات القارئين مجالا أوسع للموازنة والتحكيم.

ثم أشار الكاتب إلى أنه ألقى محاضرة في دار العلوم عن أسلوب المبرد في كامله ثم ذكر أن طالبا تحدث بعد المحاضرة فرمى المبرد بالغرور والادعاء ثم ذكر أنه دافع عن المبرد، وتطرق الكلام إلى المرصفي لأنه هو شارح كتاب "الكامل" للمبرد فأشار إلى أن مؤلفات المرصفي هي التي تنم عن خلق الغرور والادعاء فيه وأن ذلك يظهر في شرح الكامل وفي ديوان الحماسة، وقال السباعي: وإنه لتأصل هذا الخلق فيه كان شديد التحامل على المبرد والتشهير به فيما يظن أن المبرد أخطأ فيه.

ثم قال: وكم كنا نتمنى للشيخ المرصفي أن يجرد علمه من غروره ويسبل على تأليفه ثوبا ضافيا من التواضع والاعتدال حتى يكون ذلك أبين لفضله وأدل على نبله.

ثم أشار إلى أن هذا الكلام قد حرف بما وصف بأنه رمى المرصفي "بكثير من الأخلاق الذميمة

إلخ".

وقال: وما كان مني عن الشيخ المرصفي -علم الله- إلا أسفي على ما خالط مؤلفاته من غرور وادعاء وتطاول على المبرد في أسلوب غير حميد ومازلت معتقدًا هذا رضي الدكتور "مبارك" أم سخط.

ثم قال "هذا يا صديقي الدكتور هو الأمر الأصيل على جبلته وقد بسطه موضوعا في نصابه مقررًا على وجهه، لا كما تطايرت به الإشاعات.

وقديمًا قالوا: وما آفة الأخبار إلا رواتها.

أما قولك: "وإلى أن يثبت أن الراوي افترى عليك أعلن غضبي على

ص: 465

ما بدر منك "فسبحانك اللهم وتعاليت" فما كان لأحد أن يقول: {مَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى} إلا أنت.

زكي مبارك 1:

هذه طلائع لغزوة شريفة تنقل عقل الأستاذ السباعي من وضع إلى وضع، وذلك فضلي عليه، إني أصفح عنه أو يشتغل محررًا متطوعا بمجلة الرسالة ثلاث سنين كما قهرت أخا له من قبل على أن يشتغل محررًا متطوعا بجريدة البلاغ، هي محنة صبت من شاهق على الأستاذ السباعي فليتحملها صابرًا وليوطن نفسه على أن الخصومة بيني وبينه لن تنتهي قبل شهر مايو وهو الموعد الذي حدده الشيخ الأسيوطي لنهاية الحرب بين الإنجليز والألمان.

وكيف يخيفني تهديد الأستاذ السباعي وليس في ماضيه الأدبي غير نقل نصوص كتاب الكامل من مكان إلى مكان وتلك مهمة يقوم بها أحد النساخين بدراهم معدودات.

أمثلي يخاف من عواقب الجهر بكلمة الحق وقد قضيت دهري ممتحنا بعدوات الرجال.

لقد تلطفت معه أكثر مما يجب، ولم يحفظ عملي، فكيف يراني أعطف عليه وقد تردى بثوب العقوق.

السباعي بيومي 2:

جعلت كلمتك "الهجوم الآثم" على الشيخ سيد المرصفي وهذا أمر غبت عنه،

1 الرسالة 17 فبراير1941.

2 الرسالة 24 فبراير 1941.

ص: 466

ولم تشهده فكيف أقدمت عليه قبل أن يتجلى لك، وإذا سوغك تتطاولك أن تسميه هجوما فكيف وصفته متسرعا بالإثم فكنت الآثم بما وصفت.

وتزعم أن الخطابات قد كثرت عليك في تحقيق ما ادعيته علي من حق الشيخ المرصفي وأنا أجزم قاطعًا وأحلف غير حانث، أنه لا خطابات، وتقول: وكنت -أي لولا تلك الخطابات- قد أغفلت هذا الموضوع عن عمد، لأن الأستاذ السباعي له علي حقوق" وما كنت أفهم إلا أن تلك الحقوق هي حقوق الصداقة، فإني لا زلت بها حفيا وعليها حريصا، ولكنك جعلتها يا صديقي "إنني كنت دائما من أنصارك" وليس لمثلي أن ينخدع بخدعة الصبي هذه تسوقها إليه، فالحقيقة المرة التي أسمعك إياها الآن بعد أن طغيت زمنا ولم ترد، إنك ما كنت في يوم زعيما في الأدب حتى يصح أن يكون لك أنصار. وإنما زعامتك نسج عنكبوت حكته من حولك وتركك الناس تلهو به وتلعب، ثم زدت هذه العلة أخرى تقول فيها "ولأن مقام الشيخ المرصفي أقوى من أن يهدم بكلمة جارحة تساق إليه في إحدى المحاضرات وأني أحذرك جريئا على تحذيرك إن كنت تريدها خصومة أدبية بيني وبينك أن تترك الآن الشيخ المرصفي فإن التحكك به لن يغني عنك في الموضوع شيئا، وإذا ما صفي الحساب بيننا عدت أبين لك أن مكانة الشيخ المرصفي لا تعلو في النقد، وأن الذي يصفه ببعض ما وصف به المبرد لا يكون قد عدا الحقيقة ولا تعدى على السلف الصالح، فإن المبرد على أي حال أعلم من المرصفي علما وآدب منه أدبا، ثم هو أدخل في السلفية الصالحة دخولا.

"وأشار إلى ما ذكره زكي مبارك من سكوت الأزهريين على الانتصار للمرصفي" ثم قال: إن عبارتك هذه من باب الاستعداد الذليل والملق الرخيص الذي ينقص منك ولا يزيد فيك، وقد فاتك أن الأزهريين

ص: 467

يقدسون حرية البحث في دراساتهم أول ما يقدسون وأنهم يرثون المبرد قبل أن يرثوا المرصفي.

وإنني بهذه الخصومة لجد مسرور، أتدري لماذا؟ لأني سأعرضك فيها للجمهور على حقيقتك التي غشيتها ما غشيتها وتسامح الناس معك فيها ما تسامحوا وسيكون أول كشف لك فيما عملت واقعا على كتاب "زهر الآداب" لأنه دون سائر أعمالك أشبهَ بما عملت في تهذيب الكامل الذي عددته جناية أدبية.

أما قولك بأن "قول الحق لم يدع لي صديقًا" فإن الذي لم يدع لك صديقًا هو دأبك على الباطل في كثير مما تبحث وبغيك على حق الصديق في جل ما تنقد حتى لقد أقللت وأمللت.

زكي مبارك 1:

عرض زكي مبارك لأشياء كثيرة فقد اتهم السباعي بأنه سرق منه نظرية من كتابه "النثر الفني" عن نشأة المقامات وقال: إنه كتم سرقته أربع سنوات "لأني أشعر بالارتياح كلما تذكرت أن عندي ذخائر يتطلع إليها الناهبون من الفضلاء.

وأشار إلى أن الدكتور طه حسين هاجم دار العلوم وقال: إنها مدرسة عاقر ومن الموجب أن تغلق دون تسويف فلم يتحرك الأستاذ السباعي ولم يغضب "وكيف يغضب والدكتور طه رجل يضر وينفع، وهو يملك المحو

1 الرسالة 24 فبراير 1942.

ص: 468

والإثبات من أعضاء بعض اللجان بوزارة المعارف، وقال:"أما الشيخ سيد المرصفي فهو اليوم جسد هامد لا يملك دفع الضرر عن سمعته" مات المرصفي ولكن تلاميذه أحياء والويل كل الويل لمن يتعرض لشيخنا العظيم بكلمة سوء.

ثم أشار إلى أن السباعي أخرج كتابا سماه "تهذيب الكامل" في جزأين أولهما في المنشور والثاني في المنظوم، ومعنى ذلك أنه قدم وأخر في نصوص الكامل فهل يرى القراء أن هذا عمل مطلوب؟ وهل يرون أن المبرد كان يعز عليه أن يصنف كتابه على هذا الوضع لو أراد؟

المبرد راوح بين المنثور والمنظوم لحكمة تعليمية، هي نقل الذهن من فن إلى فن ليبعد عنه السآمة والملال وقد أضاع السباعي تلك الحكمة التعليمية بصنيعه "الجميل".

وقال: إن السباعي ارد المرصفي وكتابه "شرح الكامل" من دخول دار العلوم ليجهل طلبة تلك الدار أسرار كتاب الكامل وليجهلوا مبلغ أستاذهم السباعي من العلم بما وقع في الكامل من تحريف وتصحيف، ثم قال إنه سيصحح كتاب السباعي بيومي خدمة لأبناء دار العلوم وطلاب الأدب العربي.

"وعلى الأستاذ السباعي أن يناقشني إن استطاع وهو لن يستطيع ولو ظاهره ألوف من المعجبين بقدرته على الاستهانة بفضائل التدقيق والتحقيق. والأستاذ السباعي شتمني في مجلة الرسالة مرتين فليكف عن شتمي - غير مأمور- فإن الألسنة والأقلام لم تبق في شتمي مزيدا لمستزيد، ولو حاسب الله أعدائي وخصومي على ما اجترحوا آثمين في إيذائي لسلط عليهم شآبيب

ص: 469

البلاء لا تشتمني يا سيد سباعي فحسبي ما أعاني من البلوى بمحنة النقد الأدبي. ألا تراني أحاور أناسا لا أرتضيهم نساخًا لمقالاتي ومؤلفاتي.

لقد لامني الناصحون على ما اقترفت من التنازل إلى مساجلة بعض الناس. فهل تعرف كيف كان جوابي؟

لقد أجبت بأن الأدب كالعلم، والعالم يشرح جسد الضفدعة كما يشرح جسم الإنسان، فمن واجب الأديب أن يفهم أن لا عيب في أن يهتم بتشريح ما يضاف إلى الأدب لو صدر عن نكرات، لا تشتمني يا سيد سباعي فأنا رجل "شتيم" وذلك حرف لا يخفى عليك، لا تشتمني فما أملك محاسبتك ولو أردت الانتصاف لنفسي، وماذا أقول في تجريحك ولست بشاعر ولا كاتب ولا مؤلف ولا خطيب.

إن قلبي ليكتحل بالغبار الذي يثيره قلمي، فمن طاب له أن يلقاني في ميدان النقد الأدبي فليوطن نفسه على مكاره لا يصبر عليها لأواؤها غير الخناذيذ.

السباعي بيومي 1:

تدعي أن صديقا عزيزا قال لك: لم يرضني تحديك للأستاذ السباعي فقد كان يتفق أحيانا كثيرة أن يجعل مقالاتك من موضوعات الدرس في دار العلوم وذلك من شواهد الإعجاب، ويظهر يا دكتور أن هذا الصديق من الخبثاء الظرفاء الذين عرفوا فيك ما قرره ابن المقفع من أن عجب المرء بنفسه أرحب باب يدخل عليه منه الضاحك عليه والمضلل له، فهو قد أضلك

1 الرسالة 10 مارس 1941.

ص: 470

وضحك عليك بما تخيل فتحققت، وما كان لشيء من مقالاتك أن يكون موضع الدروس في دار العلوم، ولو حدث ما سميت دار العلوم.

ويقول: إنك لن تصفح عني أو أشتغل محررًا متطوعًا بالرسالة ثلاث سنين وما هذا لي بالتهديد فما أنا ممن يضيرهم التحرير ولا ممن تعودوا أخذ أجر ما يكتبون لأني أكتب للكتابة لا طمعا في مال.

ولذلك يصدر ما أكتب من غير كلفة ولا إكراه.

وسأعلمك بأن ماضيّ لم يكن قائما على خدمة الكامل وحده وأن تهذيبي له لم يكن عملا يقوم به أحد النساخين بدراهم معدودات وذلك إنما أقفك عليه من أنه كان خدمة يعرفها العارفون.

وتزعم أنك قضيت دهرك ممتحنا بعداوات الرجال، ورجائي أن يكون رجلا فيما أصبت به عدائي، وأن لا تغالي في عدم العطف على ذلك الذي أزمعت تركه لأني ترديت لك ثوب العقوق، والحقيقة يا دكتور أنه لا عطف منك ولا عقوق مني إليك، وإنما هو نقاش وحسب يتطلب منك أن تكون الجلد الصبور.

قلت: "فليواجهني إن استطاع وأنا ماض إليه بقلم أمضى من السيف وأعنف من القضاء" وستعرف أينا الذي سيكون قلمه أمضى من السيف. إما أن قلمك أعنف من القضاء فمعاذ الله أن أشاركك هذا الكفران.

وإذا بك تقحم الدكتور طه حسين في الموضوع بأنه أتعب نفسه في النيل من دار العلوم ولم أغضب مع أني أستاذ بها، وهذا غير ما كان يا دكتور، فقد كتبت في الصحف ولكنك لم تقرأ، كما لم تعرف ما ضحيته ومازلت مستعدا لتضحيته في سبيل الدفاع عن دار العلوم، ثم توغل في الإقحام فتدعى

ص: 471

أن علة سكوتي أن الدكتور طه يضر وينفع ويملك المحو والإثبات في أعضاء بعض اللجان، وردي على هذه الأكذوبة عني وعن الدكتور أني لم أسكت ومع هذا كنت عضوا في اللجان، وما ذنبي إذا كنت أدعى وتترك، وأعرف وتنكر.

وأخيرًا تكثر من الجملة "لا تشتمني يا سيد سباعي" معقبا إياها بتعاليل هي الأباطيل، فالشاتم أنت وأنا عن الشتم بعيد وإذا كنت تلحن لي في ذلك بأنك "شتيم" فأنا ألحن لك بأني "بشر بن عوانة".

وتقول: "ما أنت بشاعر ولا كاتب ولا مؤلف ولا خطيب" فأما الشعر فلو رضيت لنفسي ما قلته كما رضيت أنت ما قلت، لسويته ديوانا كما سويت، ولوقعت في الشرك كما وقعت، فقد اغتررت في طبع ديوانك بضحك من غرروا بك، وخالفت قول من نصحوا لك وما ديوانك بشعر شاعر ولكنه تجميع ناظم، أما الكتابة فها نحن في ميدانها وسيصدر الجمهور حكمه.

أما التأليف فقد عرفت من عملي فيه "تهذيب الكامل" وستعرف غيره من مؤلفاتي متى انتهيت منه ونقاشنا فيه الآن فاثبت ولا تفر من الميدان.

أما الخطابة فرأيي لك فيها يا دكتور أن نتلاقى في حلبتها أمام جمع من الأدباء وجمهرة من السامعين ويقترح على كلينا التكلم بداهة في موضوع عام من أدب أو اجتماع وهنالك فقط -لست مزكيا نفسي- تجد بحرا يغمرك وأمواجا تقطعك وتبهرك، فتندم طالبا النجاة ولات حين مناص.

زكي مبارك 1:

إني لم أكن أعرف أن اللغة العربية غنية بألفاظ الهجاء قبل أن أقرأ

1 الرسالة 10 مارس 1941.

ص: 472

كلمته الثانية، وأنا1 من الذين يدينون بوجوب طلب العلم من المهد إلى اللحد. فمن واجبي أن أرحب بمن يعلمني طرائق السباب ومن أجل هذا الرفض كل الرفض أن ينتهي ما بيني وبينه بالصلح. السباعي يهدد ويهدد بنقد مؤلفاتي وهو من فضلها يعيش فهل رأيتم أقبح وأشنع من هذا الكفران2.

1 الرسالة 10 مارس 1941.

2 انتهت هذه المساجلة بأن أعلن الدكتور زكي مبارك "أن بعض كبار المفتشين في وزارة المعارف رأوا وقف الجدال الذي أثرته في وجه الأستاذ السباعي بيومي وحجتهم أنه وصل إلى درجات من العنف تؤذي كرامة المشتغلين بخدمة العربية، وقال: أنني أجيب هذه الدعوة لأنها أول دعوة كريمة لكف الشر بيني وبين من أخاصمهم بقلمي لا بقلبي، فلم أسمع هذا الصوت يوم خاصمت رجالا أعزاء لم يكن يسرني أني فصم القلم ما بيني وبينهم من عهود إنصافا لنفسي أقول أنني كتبت ما كتبت وأنا أبتسم. فإني قد أخاصم ولكن لا أعادي فما استطاعت الدنيا بأحداثها الفواتك أن تضيفني إلى أرباب الضغائن والحقود، وأنا أتهم بالقسوة والعنف بغير حق فما كان همي في كل ما أثرت من مجادلات إلا إيقاظ الروح الأدبي واللغوي، أما إيذاء الأدباء فهو معنى لا يمر بخاطري. وعلق سيد قطب على ذلك فقال: إنه إذا كان لدى الدكتور ما يقوله بالأسلوب اللائق فليستمر فإن الوساطة كانت منصبة على أسلوب الجدال لا على موضوعه، وصمت زكي مبارك.

ص: 473