المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الفصل الرابع: معارك النقد - المعارك الأدبية

[أنور الجندي]

فهرس الكتاب

- ‌مدخل

- ‌أولا: معركة مفاهيم الثقافة

- ‌ثانيا: معركة مفاهيم الأدب

- ‌ثالثا: معركة مفاهيم الأدب

- ‌الباب الأول: معارك الوحدة والتجزئة

- ‌معركة الوحدة العربية

- ‌مصر بين العربية والفرعونية:

- ‌معركة العروبة والمصرية:

- ‌الباب الثاني: معارك اللغة العربية

- ‌مدخل

- ‌تمصير اللغة العربية:

- ‌مجمع اللغة، ما هي مهمته

- ‌معركة الكتابة بالحروف اللاتينية:

- ‌الباب الثالث: معارك مفاهيم الثقافة

- ‌مدخل

- ‌ثقافة الشرق ثقافة الغرب:

- ‌معركة بين فيلكس فارس وإسماعيل أدهم:

- ‌لا يتنيون وسكسونيون: بين العقاد وطه حسين

- ‌النزعة اليونانية بين زكي مبارك وطه حسين:

- ‌كتابة السيرة" بين التاريخ والأسطورة:

- ‌كتابة التاريخ: بين رفيق العظم وطه حسين

- ‌معركة الترجمة: بين منصور فهمي وطه حسين

- ‌آداب الساندويتش: بين الزيات والمازني والعقاد

- ‌أدبنا: هل يمثلها؟ بين أحمد أمين وأمين الخولي

- ‌غاية الأدب: ما هي؟ بين زكي مبارك وسلامة موسى

- ‌متى يزدهر الأدب؟ معركة بين لطفي جمعة وزكي مبارك:

- ‌الأدب المكشوف: بين توفيق دياب وسلامة موسى

- ‌التراث الشرقي؛ يكفي أو لا يكفي؟: بين عبد الرحمن الرافعي وعباس محمود العقاد

- ‌ثقافة دار العلوم: بين أحمد أمين ومهدي علام

- ‌الباب الرابع: معارك الأسلوب والمضمون

- ‌الأسلوب والمضمون: بين الرافعي وسلامة موسى وطه حسين

- ‌أسلوب الكتابة: معركبة بين شكيب أرسلان وخليل سكاكيني

- ‌أساليب الكتابة؛ بين شكيب أرسلان ومحمد كرد علي:

- ‌الباب الخامس: معارك النقد

- ‌الفصل الأول: أسلوب طه حسين

- ‌الفصل الثاني: مقومات الأدب العربي

- ‌الفصل الثالث: مذهبان في الأدب:

- ‌الفصل الرابع: بين النقد الذاتي والموضوعي

- ‌الفصل الخامس: الأدب بين التجديد والانحراف

- ‌الفصل السادس: هل نقتبس أم نقلد

- ‌الفصل السابع: معركة فقدان الثقة

- ‌الفصل الثامن: الفن للفن والفن المجتمع

- ‌الباب السادس: معارك النقد حول الكتب

- ‌الفصل الأول: رسالة منصور فهيم الدكتوراه

- ‌الفصل الثاني: الخلافة وأصول الحكم

- ‌الفصل الثالث: معركة الشعر الجاهلي

- ‌مدخل

- ‌نماذج من حملات المعركة:

- ‌تجدد معركة الشعر الجاهلي:

- ‌الفصل الرابع: كتاب "النثر الفني

- ‌الفصل الخامس: كتاب "أوراق الورد

- ‌الفصل السادس: كتاب ثورة الأدب

- ‌الفصل السابع: "كتاب" مع المتنبي

- ‌الفصل الثامن: معركة مستقبل الثقافة

- ‌الباب السابع: المعارك بين المجددين والمحافظين

- ‌الفصل الأول: معارك الرافعي

- ‌الفصل الثاني: معركة فضل العرب على الحضارة

- ‌الفصل الثالث: الدين والمدينة

- ‌الفصل الرابع: التغريب

- ‌الفصل الخامس: حقوق المرأة

- ‌الفصل السادس: معركة حول التراث القديم

- ‌الفصل السابع: معركة الخلاف بين الدين والعلم

- ‌الفصل الثامن: جمال الدين الأفغاني ورينان

- ‌الفصل التاسع: خم النوم

- ‌الفصل العاشر: بين النقد والتقريط

- ‌الباب الثامن: معارك بين المحافظين حول اللغة

- ‌المعركة الأولى:

- ‌المعركة الثانية:

- ‌المعركة الثالثة:

- ‌الباب التاسع: معارك نقد الشعر

- ‌الفصل الأول: بين شوقي ونقاده

- ‌الفصل الثاني: بين عبد الرحمن شكري والمازني

- ‌الفصل الثالث: إمارة الشعر

- ‌الفصل الرابع: ديوان وحي الأربعين

- ‌الباب العاشر: معارك النقد بين المجددين

- ‌الفصل الأول: بين التغريب والتجديد

- ‌الفصل الثاني: معركة الكرامة

- ‌الفصل الثالث: معركة الصفاء بين الأدباء

- ‌الفصل الرابع: معارك النقد

- ‌الفصل الخامس: بين زكي مبارك وخصومه

- ‌الفصل السادس: مبارك ينقد كتابه

- ‌الفصل السابع: بين العقاد وخصومه

- ‌الفصل الثامن: بين سلامة موسى وخصومه

- ‌الفصل التاسع: بين المازني وخصومه

- ‌الفصل العاشر: معارك أدبية؛ بين الدكتورين هيكل وطه حسين

- ‌الفصل الحادي عشر: معركة لقمة العيش

- ‌الفصل الثاني عشر: بين شباب الأدب وشيوخه

- ‌محتويات الكتاب:

الفصل: ‌الفصل الرابع: معارك النقد

‌الفصل الرابع: معارك النقد

بين العقاد وطه حسين:

اتصل حبل المساجلة والنقد والعراك الأدبي بين العقاد وطه حسين أمدًا طويلا، ولكنه كان في كل الأحوال هينا لينا لم يصل إلى ما عرف من عنف طه حسين أو عنف العقاد في خصومته مع من ساجلا من أدباء، ولعل ظروف السياسة هي التي حالت دون ذلك فقد دافع العقاد عن طه حسين إبان محنته بكتاب الشعر الجاهلي وخالف رأي حزبه. ولما تحول طه حسين إلى الوفد وكان العقاد كاتبه الأول أعلن في أول مناسبة العقاد أميرا للشعر، وجرت بينهما مجاملات كثيرة أهدى فيها طه كتاب "دعاء الكروان" إلى العقاد صاحب ديوان "هدية الكروان" ولم تحتدم المعارك بينهما إلا مرة واحدة حول النقد اللاتيني والنقد السكسوني وقد ذكر طه حسين خصوماته مع العقاد1.

فقال: لقد هاجمت العقاد في غير موطن من مواطن الخصومة، خاصمته في السياسة وخاصمته في الأدب وخاصمته في السياسة والأدب أيضا، ولكن هذه الخصومة لم تغض من مقدار العقاد في نفسي.

وما أظن أن بين لدات العقاد وأترابه ومعاصريه من يقدره مثل ما أقدره أنا وأكبره وليس يعنيني أن يكون رأي العقاد فيّ كرأيي فيه، وإنما الذي يعنيني أن أقول الحق وإن كرهه الكارهون، وإن كرهه العقاد نفسه، والذين عاصروا خصومات العقاد يذكرون من غير شك أني أثنيت على أدبه في جريدة السياسة حيث كانت الخصومة بين الوفد والدستوريين كأعنف ما تكون الخصومات، وقد كانت الحرب سجالا بيني وبينه حربا ولم يمنعه ذلك من أن يقوم قيام الرجل الكريم في مجلس النواب يدافع عني حين كان الوفديون جميعا علي حربًا، ولا أعرف أن الخصومة بين العقاد وبيني قد

1 اقرأ المساجلة في موضعها في هذا الكتاب.

ص: 624

انقطعت، فما دام كلانا يكتب فالخصومة بيننا ممكنة ولكننا قوم نعرف كيف نختصم دون أن نفسد الخصومة رأي واحد منا في صاحبه.

ومن المقطوع به أن لهذا الكلام معنى عميق وطه حسين لا يقوله مجردًا ولعله أن يدفع به حملة من حملات العقاد ضد شيء ما، وقت كتابة هذه الكلمات. "وهذه ملامح من هذه المعارك".

رأي طه حسين في "مطالعات" العقاد:

إن الأستاذ عباس1 العقاد من أصحاب الألوان السياسية الظاهرة وأي لون سياسي! وأي ظهور وهو سعدي مغرق في السعدية وهو كاتب من كتاب البلاغ.

لقد أخذت نفسي بأن أكون حرًا في النقد، وأعطيت على نفسي موثقا من الله لأكونن حرًا مطلق الحرية ولا يستثن في هذا النقد صلات المودة والقربى وعواطف الرضا والسخط، وإذا كنت قد أخذت على نفسي بتلك الخصلة وأعطيت على نفسي هذا الموثق وتناولت الأصدقاء والزملاء والأساتذة بالنقد والتقريظ، لم أصطنع في هذا كله إلا الإنصاف والحق. فقد يكون لي أن أتجاوز الخصومات السياسية، وأن أجعل خلاف الأحزاب دبر أذني وتحت قدمي، لأقول كلمة الحق في الأدب ليس بينها وبين السياسة والأحزاب صلة. فليطمئن خصومنا السياسيون وليطمئن أنصارنا السياسيون أيضًا، وليعترف أولئك وهؤلاء أن للعلم والأدب حقهما في الوجود إلى جانب السياسة والأحزاب، وإذا كان من الحق أن ليس للعلم والأدب وطن، فمن الحق أيضا أن ليس للعلم والأدب حزب سياسي وإذا كنت قد أخذت نفسي

1 السياسة مجلة 26/ 1.

ص: 625

بأن أكون حرا في النقد فلأكن حرا حقا، ولأنسى في سبيل الأدب والعلم مذهبي السياسي كما نسيت عواطف المودة والقربى ومكانة الزميل والأستاذ.

وليطمئن هؤلاء وأولئك مرة أخرة. فأنا أمقت المذهب السياسي للأستاذ عباس العقاد مقتا شديدًا وأزدريه ازدراء لا حد له1.

سأنقده وسأقول فيه كلمة الحق والإنصاف هذه، وسيكون هذا النقد وهذا الإنصاف في جريدة السياسة التي تخاصم السعديين، وتزدري سياستهم لأن السياسة إلى جانب مذهبها السياسي والحزبي مذهبًا آخر تقدسه وتجد في تقديسه ولا يفهمه غيرها من الصحف وهو حرية الرأي مهما يكن صاحبه ومهما يكن رأيه السياسي.

واعترف بأن الأدب ثقيل أحيانا، لأنه ينسيك الخصومة السياسية، ويجيب إليك خصمك السياسي كما حبب إلى أدب العقاد، وبأن السياسة ثقيلة أحيانا لأنها تنسيك القرابة الأدبية وتبغض إليك الأدب كما بغضت سياسة العقاد أحيانا أدب العقاد.

ولست أخدع نفسي، فمن الأدباء الذين يخاصمون في السياسة ويرون فيها رأيا غير رأيي من يقول في ما أقوله في العقاد، ولقد سمعت شبانا من السعديين يقولون في محكمة الجنايات، وقد خلبتهم بلاغة المحامين الذين كانوا يدافعون عن السياسة، ما أكفأهم أولاد الكلب لو لم يكونوا عدليين.

2-

معركة حول المعري:

كان "المعري" مصدر حركة أدبية بين طه حسين والعقاد عندما أصدر الأخير كتابه عن أبي العلاء.

1 تحول طه حسين إلى هذا المذهب السياسي بعد ذلك بسنوات قليلة.

ص: 626

طه حسين:

إن الأستاذ العقاد أراد أن يرتحل بأبي العلاء بعد أن بعثه بعثًا جديدًا وأن يطوف به في أقطار الأرض فلم يصنع شيئا وإنما ارتحل به في طائفة من الكتب التي قرأها وفي ألوان العلم الذي أحاط به وفي فنون من الآراء التي أتقنها واستقصاها، ذلك لأن الأستاذ العقاد نفسه لم يرتحل ولم يطوف في أقطار الأرض، وإنما ارتحل وهو مقيم وطاف وهو مستقر، وعرف الدنيا وهو لم يتجاوز حدود مصر، وعند الأستاذ العقاد أدب وعلم وفلسفة، فقد ملأ يديك أدبا وعلما وفلسفة، ولكنه لم يرتحل إلى أوربا ولا أمريكا، فلا يستطيع أن يرحل بك ولا بأبي العلاء في ألمانيا وفي روسيا وفي السويد والنرويج والدانمارك وفي بلاد الإنجليز وإسبانيا وفي أمريكا ولكنه لا يريك سيرهم وينتهي بك إلى مصر فيظهرك منها على طبيعتها الرائعة ونهرها الجميل، ذلك لأنه يعرف مصر وقد رآها رأي العين فهو قادر على أن يعطيك منها شيئا، وهو أمين كل الأمانة لا يستطيع أن يعطيك من أوربا ولا من أمريكا لأنه لا يعرفهما، أستغفر الله وأستغفر الأستاذ العقاد، بل لأنه لم يرهما رأي العين ولم يلم بها إلا من طريق الكتب.

"رد العقاد":

من المتفق عليه أن أبا العلاء المعري لو كان حيا وساح في الأرض لما كان غرضه من السياحة أن يكتب لنا دليلا من كتب السياحة، وإنما تعنيه مشكلات العقائد والأخلاق التي كان يعنى بمثلها في الحياة، وليست هذه المشكلات والعقائد مقصورة على المسافرين دون المقيمين.

على أننا نعود فنسأل: أين هي المشاهد التي لا يراها الإنسان إلا بالانتقال

ص: 627

إليها في هذا الزمان! الصور المتحركة التي ترينا وتسمعنا كل يوم ما يراه ويسمعه الباريسيون واللندينون وسائر الغربيين والشرقيين، والمطابع تنقل إلينا ما يقولون وما يعتقدون، والأصوات الحالية تحكي لنا ما ينشدون ويعرفون والعالم كله معروض لنا عرضا ينقله إلينا وإن كنا لا ننتقل إليه.

3-

حول كتاب: "أبو نواس" للعقاد:

عندما أصدر العقاد كتاب: "أبو نواس"، تناول الدكتور طه حسين بالنقد فكان مما قاله أن علماء التحليل النفسي لهم مذاهبهم في البحث يخطئون فيها ويصيبون وهم يعتمدون في بحثهم على التجارب فتستقيم لهم حينا وتخطئهم أحيانا.

أما الأدباء فيذهبون في ذلك مذهب التقليد والمحاكاة لا مذهب الاستكشاف والاجتهاد، والعلم لا يجوز فيه التقليد.

إنه من العسير على الأدباء أن يجروا آراءهم هذه الاتباعية على الأحياء الذين يرون ويستطيعون أن يقولوا لهم ويسمعوا منهم ويراقبونهم عن قرب أو بعد. من العسير عليهم ذلك لأنهم لا يملكون أداة هذا البحث ولا يحسنون التصرف بها إن أتيحت لهم، فكيف بهم حين يجرون هذه الآراء على الموتى الذين بعد بهم العهد ولم يبق لنا من آرائهم إلا الأحاديث.

وقال العقاد:

إن دراسة الأدب لعلم النفس ودراسته للأدباء والشعراء على ضوء هذا العلم أمر ضروري، لأنه عندئذ سيتمكن من فهم ما يصدرون عنه، مثال ذلك أن أبا نواس وحكيم المعرة والمتنبي وبشار لا يخلو أحدهم من الاعتداد بالنفس، ولكن علم النفس يمكنك من التمييز بينهم لأنه يذكر لك أن

ص: 628

هناك اعتدادا بالنفس يدخل في جنون العظمة واعتدادا بالنفس يدخل في جنون الأثر واعتدادا يدخل في الانحسار الذاتي، واعتدادا يدخل في جنون النقص والتحدي واعتدادا مبعثه العناد ثم اعتدادا بالنفس يدخل في جنون الاشتهاء الذاتي وهو النرجسية التي وصفنا بها أبا نواس.

4-

طه في رأي العقاد:

طلبت مجلة الهلال في يوليه 1935 إلى طه حسين والعقاد أن يكتب كل منهما عن الآخر فكتب العقاد وتخلف طه.

قال العقاد: أنا ضامن أن الدكتور طه حسين سيقول أنني شاعر، فليضمن الدكتور طه إذًا أن أقول فيه إنه كاتب ناتج في الأدب، وخير ما أنتجه كتاب "الأيام" وكتاب في الصيف، وهما الكتابان اللذان سرد فيهما بعض ما جرى له في حياته فكان فيهما مثلا في البساطة والثقة التي تعزف بصاحبها عن التماس التأثير المصطنع بالتعمل والتمحل والطلاء والتزويق، فالموصوف في هذين الكتابين صادق بسيط الوصف كذلك. أنا ضامن أن الصديق الأديب سيجد عيبا أو عيوبا في شعري يقيسها بمقياسه ويقدرها بمعياره فإذا ضمنت هذا فليضمن الصديق الأديب أن أعلل قلة الوصف في كتاباته القصصية بعيب فيه وهو قلة الخيال، فهو يصف ما يعالجه من المحسوسات ولا يتخيل ما عداه من نقائضه أو مشابهاته.

أما طه حسين الناقد فما أقول فيه؟ أقول: إن اطلع على الأدب العربي القديم اطلاعه الواسع الذي لا جدال فيه واطلع على نفائس من أدب الإغريق واللاتين والأقدمين، واطلع على آثار رهط من كبار الأدباء الأوروبيين ولا سيما الفرنسيين، كل أولئك خليق أن يحبب إليه الصحة والمتانة والقوة، ويبغض إليه الزيف والسخف والركاكة، فهو يختار ما يعلو على مقاييس المقلدين

ص: 629

المصطنعين، وينبذ ما يستطيعه المجددون من أصحاب الاطلاع القليل أو أصحاب الذوق السليم.

ومن حساب الدكتور طه حسين أنه رجل جريء العقل وقويه، مفطور على المناجزة والتحرش، يستفيد مما يقنع بصحته ومما يعينه على التحدي والتفرد فلا يحجم عن اتخاذه، ولهذا تغير أسلوبه الكتابي بعد دراسته للأساليب الأوروبية، فاتخذ له نمطا يوافق علمه بالعربية الفصيحة وعلمه بتقسيم المقاطع والفواصل في الكلام الأوروبي، كما يتكلم من يجمع بين الحديث والكتابة، في وقت واحد فهو يتحدث ولا ينسى أنه يكتب، ويكتب ولا ينسى أنه يتحدث، وأسلوبه الذي اختاره هو أوفق الأساليب لذلك جميعًا، وأولها من نوعه في اللغة العربية، وليس فيه محاكاة لأسلوب آخر في اللغات الأوروبية.

ولو كانت كنايته حديثًا محضا لاسترسلت بلا توكيد ولا تكرير، ولو كان تقريرًا محضا أو درسا محضا لما انحرفت عن أسلوب الكتابة الذي لا يتحدث به القائل، ولو كانت تقريرًا أو درسًا على الطريقة الشرقية لما ظهرت فيها المقاطع والفواصل الأوروبية ولجرت على سياق الدروس الأزهرية. ولكن كتابته حديث فيه محاضرة ومراجعة وتنظيم فلا يوافقها إلا ذلك الأسلوب الذي استقل بابتداعه طه حسين ولو غضب المنكرون.

والدكتور صحيح الأصول في النقد ولكنه لا يوفق بين أصوله وطبيعته في كثير من الموضوعات، وهو حين يقرر المبدأ على الصواب غالب ولكنه حين يطبق المبدأ ينحرف أحيانا عن الصواب.

التباين بين القاعدة والطبع هو الذي جعل الدكتور ينكر الجديد إذا جاء في زي القديم.

ص: 630

5-

رأي العقاد في هامش السيرة:

عندما كتب طه حسين "هامش السيرة" كان يبدأ لونا جديدًا من الفن في الأدب العربي فكيف رأى العقاد هذا اللون؟

"ما أحسب إلا أن الدكتور طه حسين قد شبع من إغضاب الجامدين فهو يتصدى هنا لإغضاب المحدثين، وما أحسب إلا أنه يكتب ليثير ويستثير. فمرة تقع النوبة مع أهل الجمود ومرة أخرى تقع النوبة مع أهل التجديد.

قلت: بل أنا أحسب أن الدكتور طه قد ملئ إعجابا بالنسق الهومري في تمثيل وقائع الأبطال وأنباء العصور فأراد أن يخرج لنا إلياذة نثرية عربية، يشترك فيها عالم الشعر البليغ، وعالم التاريخ الصادق وتجري حوادثها في آفاق الزمن الغابر الذي لا حدود فيه بين الغيب والشهادة وأسرار الخيال والحقيقة. فنحن نفهم الإلياذة ولا نجهلها إذ ننرها؛ لأنها قد أفرغت في ذلك القالب وانتظمت على ذلك الأسلوب ثم نحن نفهم هامش السيرة ولا نجهله أو ننكره لأنه نقل إلينا الجاهليين كما كانوا في حياتهم وعقائدهم وأفكارهم، ولم ينقلهم إلينا كما نكون نحن لو أننا انتقالنا بزماننا إلى زمانهم، فهل أصاب الدكتور أم أخطأ؟ وهل أحسن للقصص أو لم يحسن؟ أما أنا فأرى أن أسلوب التعليل والتحليل لا يزاد شيئا كثيرًا لو أننا جعلنا الجاهليين عصريين يعيشون في القرن العشرين ولكن أسلوب القصص يخسر كثيرًا من البساطة والتخيل لو أننا سردنا القصة معللين محللين.

6-

رأي العقاد في كتاب طه "مع أبي العلاء في سجنه" 1:

كتابه حديث المرء عمن يحب لمن يحب، وأراه مذكري أحاديث الأدباء عن أبنائهم الأعزاء.

1 الرسالة 4 ديسمبر 1939.

ص: 631

وأنا ممن يحبون أبا العلاء، وممن أطالوا قراءته في أول عهد الشباب، والدكتور طه لفرط حبه لأبي العلاء يتهم نفسه بمحاباته فيقول:"قل إني أوثر أبا العلاء وأحابيه وأرضى منه أشياء لا أرضاها من غيره فقد لا تخطئ ولا تبعد".

ومن المصادفات العجيبة أنني حابيت أبا العلاء على نحو قريب من هذا النحو، ولكن لم أسمها محاباه، بل إنها هي الإنصاف المعقول في قياس الأقوال بالقائلين.

فكلانا إذن يسمع القول من شيخ المعرة فيجعبه ويسمع القول نفسه من غير الشيخ فلا يحظى عنده بذلك الإعجاب، ولكن صديقنا الدكتور يسميها محاباة ومجاملة لصديق، وأنا أجري فيها عن سنتي الغالبة في كل شيء من التوفيق بين الحجة والعاطفة، فلا أبرح بالعاطفة حتى أقنع بها عقلي، وأثبت له أنها جديرة بإقراره، وترخيصه، فيعيش العقل والعاطفة معا في وئام، وأخلص بهذا عما يقع من ملام وصدام.

ويعرض العقاد لرأي طه حسين في أبي الطيب المتنبي أستاذ المعري وصاحبه الذي يقول فيه "أنا أقدر فن المتنبي وأعجب ببعض آثاره إعجابا لا حد له وأعجب ببعضها الآخر إعجابا متواضعا إن صح أن يتواضع الإعجاب وأمقت سائرها مقتا شديدًا ثم يقول:

الحق أنني أعجب لهذا النفور بين الدكتور وشاعرنا المعري الكبير وما أنا ممن يستحسنون كل شعره ولا كل عمله ولكني أزن ما زاده في ثروة الآداب العربية، وما زاده في شرور الحياة بسوء عمله وسوء خلقه، فاعلم أن الحياة لم تفسد بفساد المتنبي وأن الأدب قد صلح بصلاح شعره.

هنا أيضا أعود إلى العاطفة والحجة وأحسبني أقرب من الدكتور إلى وفاق الصداقة بيني وبين شيخ المعرة وأقرب إلى الإنصاف.

ص: 632

ويعرض العقاد لرأي طه حسين في موقف المعري من باريس لو رآها وإن ذلك لم يغير من تشاؤمه ويقول:

فما باله -أي الدكتور- لا يرضى أن أجعل أبا العلاء يرى في باريس ما يراه السائحون، ويقول فيها ما يقوله أولئك السائحون، أنا ذهبت إلى باريس بالخيال فأخذت إليها صاحبي بالخيال، والدكتور طه ذهب إلى باريس حسا وخيالا فأبى على صاحبه المزاملة وهتف به: إلى اللقاء.

ودافع العقاد عن المتنبي قال عندما أصدر طه كتابه "مع المتنبي":

إنني أقرب إلى جانب العذر وطه أقرب إلى جانب الملام، فهو لم يتهم الرجل بخلق ليس فيه، ولكنه لم يطلب له العذر حيث تتضح معاذيره، ولم يتهم الرجل بخلق ليس فيه، ولكنه لم يطلب له العذر حيث تتضح معاذيره، ولم يزل يشتد في تفنيده ويمهد في اتهامه حيث يكون الاضطرار أغلب على الرجل من الاختيار.

ص: 633