الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
معركة العروبة والمصرية:
بين ساطع الحصري وطه حسين:
عاد الدكتور طه حسين عام 1938 مرة أخرى إلى معارضة القومية العربية والسخرية بالوحدة العربية عندما أدلى بتصريحات إلى مجلة المكشوف اللبنانية في حديث جرى بينه وبين بعض الشباب العرب ويحمل هذا الحديث:
- إن الفرعونية متأصلة في نفوس المصريين وأنها ستبقى كذلك بل يجب أن تبقى وتقوى.
- إن المصري مصري قبل كل شيء فهو لن يتنازل عن مصريته مهما تقلبت الظروف. ولا تصدقوا ما يقوله بعض المصريين من أنهم يعملون للعروبة فالفرعونية متأصلة في نفوسهم، وستبقى كذلك.
- إن الأكثرية الساحقة من المصريين لا تمت بصلة إلى الدم العربي بل تتصل مباشرة بالمصريين القدماء.
- إن تاريخ مصر مستقل عن تاريخ أي بلد آخر.
- لو كان للغة وزن في تقرير مصير الأمم لما كانت بلجيكا ولا سويسرا ولا البرازيل ولا البرتغال.
وقد رد عليه ساطع الحصري ردًا علميا مقنعا عجز أمامه طه حسين أن يرد واكتفى بأن نشر فصلا من كتابه "مستقبل الثقافة"
…
وكتب الدكتور طه مرة أخرى آراءه بصورة وبأخرى وبثالثة وفي كل مرة كان يجد الرد من كتاب العالم العربي الذين كالوا للدكتور طه بالباع باعين وفندوا آراءه ومزقوها شر ممزق، وهذه ملامح المعركة:
مصر والعروبة، من ساطع الحصري إلى طه حسين 1:
أيها الأستاذ:
نشرت مجلة المكشوف البيروتية حديثا جرى بينكم وبين جماعة من شباب العرب على ظهر باخرة تمخر عباب البحر الأبيض المتوسط، قلتم في خلال هذا الحديث: إنكم تنادون بتوحيد برامج التعليم في جميع الأقطار العربية وتسهيل
1 19 ديسمبر 1938، مجلة الرسالة.
التبادل الثقافي بينهما وترون "من المفيد أن يكون تعاونا اقتصاديا وحتى تحالفا عسكريا" بين تلك الأقطار. غير أنكم لا ترضون وحدة سياسية، سواء أكانت "بشكل إمبراطورية جامعة" أم على طراز "اتحاد مشابه للاتحاد الأمريكي أو السويسري" وعللتم آراءكم هذه بقولكم:"إن الفرعونية متأصلة في نفوس المصريين وأنها ستبقى كذلك. بل يجب أن تبقى وتقوى".
قرأت هذه الآراء بدهشة غريبة لأنني استبعدت صدورها منكم كل الاستبعاد. وقلت في نفسي "لعل الكاتب نقلها على غير حقيقتها"
…
أو لعل الدكتور أراد أن يمتحن هؤلاء الشبان. ويتأكد من مبلغ إيمانهم بالقضية، فالآراء التي أدلى بها ربما كانت من نوع الآراء الجدلية التي ترمي إلى حمل المخاطب على التعمق في التفكير، فوجدت نفسي تجاه هذه الملاحظات بين عاملين مختلفين: عامل يدفعني إلى الإسراع في مناقشة هذه الآراء لكي لا أترك مجالا لزعزعة إيمان بعض الشبان، وعامل يدفعني إلى التريث في الأمر لكي أتأكد من صحة الحديث المعزو إليكم.
قلتم: إن المصري مصري قبل كل شيء فهو لن يتنازل عن مصريته مهما تقلبت الظروف فاسمحوا لي أن أسألكم: هل الوحدة العربية تتطلب من المصريين التنازل عن المصرية؟
أنا لا أتردد في الإجابة عن هذا السؤال بالنفي؛ لأني أعتقد بأن دعوة المصريين إلى الاتحاد مع سائر الأقطار العربية لا تتضمن بوجه من الوجوه حثهم على التنازل عن المصرية، إن دعاة الوحدة العربية لم يطلبوا ولن يطلبوا من المصريين -لا ضمنا ولا صراحة- أن يتنازلوا عن مصريتهم، بل إنهم يطلبون إليهم أن يضيفوا إلى شعورهم المصري الخاص شعورًا عربيًا عامًا. وأن يعملوا للعروبة بجانب ما يعملونه للمصرية.
قلتم: ولا تصدق ما يقوله بعض المصريين من أنهم يعملون للعروبة، فالفرعونية متأصلة في نفوسهم، ثم أضفتم إلى ذلك حكما قاطعا فقلتم:"وستبقى كذلك".
فهل تسمحون لي أن أستوضحكم ما تقصدونه من كلمة "الفرعونية" هل تقصدون منها الأخذ بحضارة الفراعنة؟ أم الاعتزاز بثقافة الفراعنة؟ أم تقصدون بث اللغة الفرعونية أو الآداب الفرعونية أو الديانة الفرعونية أو السياسة الفرعونية؟
أنا لا أستطيع أن أشك في أنكم لم تقصدوا منها الحضارة أبدًا؛ لأنكم لستم -بدون ريب- ممن يقبلون لمصر ولغير مصر حضارة في هذا العصر غير الحضارة العلمية الحالية، كما لا أستطيع أن أشك في أنكم لم تقصدوا من هذه الكلمة "الديانة الفرعونية".
إنكم أشرتم في حديثكم إلى الآثار الباقية من عهد الفراعنة بشكل يستوقف الأنظار وأردتم أن تدعموا آراءكم. بجلال تلك الآثار إذ قلتم: "لا تطلبوا من مصر أن تتخلى عن مصريتها"، وإلا كان معنى طلبكم: اهدمي يا مصر أبا الهول والأهرام، وتغاضي عن جميع الآثار التي تزين متاحفك ومتاحف العالم، وانسي نفسك واتبعينا".
يظهر من هذه التأويلات أنكم تودون أن تخلقوا للفكرة العربية خصوما من الآثار القديمة وأن تضعوا في سبيل تيار هذه الفكرة سدودًا من الرموس والأطلال، فهل فاتكم أن التعارض والتصادم لا يحدثان إلا بين الأشياء التي تسير على مستوى واحد. في عالم واحد؟
وإن الفكرة العربية التي تعمل في القرن العشرين -للأجيال القادمة-
لا يمكن أن تتعارض مع آثار بقيت ميراثا من ماض سحيق، يرجع إلى أكثر من خمسة آلاف من السنين؟
إن مصر قد تباعدت عن ديانة الفراعنة دون أن تهدم أبا الهول، وتخلت عن لغتها القديمة دون أن تقوض الأهرام. وجميع آثار الفراعنة التي زينت بها متاحف مصر ومتاحف العالم لم تولد نزوعا للعودة إلى الديانة التي أوجدت تلك الآثار الخالدة، ولا حركة ترمي إلى بعث اللغة التي رافقتها خلال قرون طويلة فهل من موجب لطلب هدم الأهرام وتناسي الآثار لأجل الوحدة العربية.
إن الأهرام -مع جميع الآثار الفرعونية- لم تمنع مصر من الاتحاد مع سائر الأقطار العربية اتحادًا تامًّا في ميدان اللغة، فهل يمكن أن تحول دون اتحادها مع تلك الأقطار في ميدان السياسة أيضًا!
كلا أيها الأستاذ: إن التيارات القوية العميقة التي جرفت حياة مصر إلى اتجاهات جديدة منذ عشرات القرون، والتي أخرجتها من ديانتها القديمة وأنستها لغتها الأصلية بالرغم من وجود الأهرام وقيام أبي الهول سوف لا تحتاج إلى هدم شيء من آثارها القديمة؛ لتجرفها نحو السياسة التي يؤمن بها دعاة الوحدة العربية. ولا سيما أن هذه السياسة ليست إلا نتيجة طبيعية للغة مصر الحالية ووضعها العام.
قلتم: أتريدون أن تتحقق الوحدة العربية؟ فعلى أي أساس علمي تنادون بها؟ تعالوا معي نستعرض الروابط التي تصل مصر بالأقطار العربية الأخرى.
لقد وقفتم أولا أمام قصة "الأصل والدم" وقلتم: إن الأكثرية الساحقة من المصريين لا تمت بصلة إلى الدم العربي، بل تتصل مباشرة بالمصريين القدماء.
وأسألكم بدوري: هل علمتم بوجود أمة على الأرض انحدرت من
أصل واحد تمامًا؟ هل تستطيعون أن تذكروا أن أمة واحدة ترتبط بروابط الدم فعلا وحقيقة؟
إن جميع الأبحاث العلمية تدل على عكس ذلك تمامًا، إنها تدل على أنه لا توجد على وجه البسيطة أمة خالصة الدم، حتى الأمة الفرنسية التي سبقت جميع الأمم الأوروبية في طريق الوحدة والاستقرار، لا تدعي وحدة الأصل والدم، وعلماؤها يعترفون بأن الأجناس التي دخلت في تركيبها تعد بالعشرات.
ثم وقفتم أمام مسألة التاريخ وادعيتم أن "تاريخ مصر مستقل تمام الاستقلال عن تاريخ أي بلد آخر" فاسمحوا لي أن أقول بأن هذا الادعاء افتئات صارخ على الحقائق الواقعة؛ فإن تاريخ مصر اختلط اختلاطًا عميقًا بتاريخ سائر البلاد العربية وتشابكت أوشاجه معها خلال القرون الثلاث عشرة الآخيرة على الأقل، فكيف يحق لكم أن تحذفوا هذه الورقة من تاريخ مصر؟
أنا لا أنكر أن تاريخ مصر لم يبق متصلا بتاريخ سائر الأقطار العربية على الدوام غير أنني أدعي أن ذلك شأن تواريخ الأمم الأخرى بدون استثناء.
فإن تواريخ الأمم تشبه الأنهر الكبيرة التي تتكون من روافد عديدة بوجه عام.
إن من يلقي نظرة عامة على تواريخ الأمم المعاصرة لنا يضطر إلى التسليم بأن العلاقات التاريخية التي تربط مصر بسائر الأقطار العربية أقوى وأعمق وأطول من العلاقات التاريخية التي تربط الأقاليم الفرنسية بعضها ببعض.
أنكرتم "تأثير اللغة" في تكوين الوحدة العربية وقلتم: لا تنخدعوا. لو كان للغة وزن في تقرير مصير الأمم لما كانت بلجيكا وسويسرا ولا أمريكا
ولا البرازيل ولا البرتغال فاسمحوا لي أن أناقشكم:
إن تقلبات الزمان، أزالت من الوجود جميع تلك الأمثلة الشواهد. وحرمت النظرية التي تقولون بها إمكان الاستناد إليها.
"إن قضية هذه البلاد لا تشبه قضية البلاد العربية بوجه من الوجوه فإن الأقطار العربية تتصل بعضها ببعض اتصالا جغرافيا تمامًا
…
والقطر المصري يشغل بين هذه الأقطار مركزًا هاما. أما الحدود التي تفصلها عن سائر الأقطار العربية فتنحصر -في بعض الجهات- بخطوط وهمية ممتدة فوق رمال الصحراء. فهل تعتقدون أن هذه الخطوط الوهمية التي تفصل مصر عن سائر الأقطار العربية بصورة اعتبارية واصطناعية تستطيع أن تعمل عملا مماثلا لعمل المحيط الذي يفصل أمريكا عن أوربا؟
قلتم: إن كان لي نصيحة أسديها إليكم فهي أن تتمسكوا بالواقع العملي وتهملوا ما سواه مهما كانت قوته العاطفية والخيالية، افهموا أن المنفعة تسير الشعوب فإن لم تفهموا هذا فسترغمون على فهمه غدا.
تقولون: إن المنفعة تسير الشعوب. فهل تعتقدون أن اتحاد الأقطار العربية مخالف لمنافعها أو خال منها؟ وهل تدعون أن منافع كل واحد من الأقطار العربية ستحول دون اتحادها؟
أما أنا فأعتقد عكس ذلك تمامًا. أعتقد أن فكرة الوحدة العربية لا تستند إلى العاطفة وحدها بل تستند إلى المنفعة أيضًا، أعتقد أن منفعة مصر نفسها تتطلب منها الاتحاد مع سائر البلاد العربية، بل هي من المنافع الهامة الحيوية، وإذا كان الذين يقدرون أهمية هذه المنافع لا يزالون قليلين اليوم فلا شك أنهم سيكثرون يوما بعد يوم.
-2-
ورد طه حسين، مجلة الرسالة، 26 ديسمبر 1938:
كان رد طه حسين هو نشر فصل من كتابه "مستقبل الثقافة" الذي وصفه بأنه "كتب وطبع قبل مقال الأستاذ الحصري" وهو يتناول دور مصر في الثقافة بالنسبة للأمم العربية وقد رد عليه ساطع الحصري ردًّا أوردناه في معركة كتاب مستقبل الثقافة في هذا السفر.
وفي هذه الفترة طلب فؤاد مغبغب، رئيس تحرير مجلة "زهرة المشرق" من الدكتور طه حديثا عن الوحدة العربية وذلك صدى لتصريحاته لمجلة المكشوف لنشره في العدد الأول من مجلته الذي صدر في أول يناير 1939 وقدمه بهذه المقدمة:
كانت المشاكل الشرقية التي نشأت من أثر الحرب العظمى واحتكاك الشرقيين بالغربيين من جرائها والعوامل التي أوحت إلى فريق من شباب العرب بفكرة الوحدة العربية. ولم يستطع القائلون بها أن يوضحوها الإيضاح الكافي.
وقد غلا بعض أنصار هذه الفكرة في تصويرها حتى لقد جعلوا منها عقيدة يدينون بها ويتهمون كل من يعارضها بنقص في وطنيته وقوميته، وأعلن طه حسين "أنه من أنصار الوحدة العربية في الثقافة، ولكنه يعارض الوحدة العربية السياسية". ولما كان الرأي الذي أبداه مجملا وكان القراء يهمهم الإيضاح في هذا الموضوع فقد طلبنا منه أن يتحدث في هذا الأمر بتوسع.
قال الدكتور طه:
لست أفهم كيف يختصم الناس في هذه المسألة؟ أو كيف يجعلونها موضوعا للحوار؟ فهي في نفسي أوضح وأجلى:
"الأمم والشعوب التي تتكلم هذه اللغة مضطرة سواء أرادت أم لم ترد وحدة الثقافة، ومعنى وحدة الثقافة وحدة العقل فيما أظن، فإذا أضفت إلى ذلك أن هذه الشعوب لا تشترك في اللغة وحدها وإنما تشترك معها في الدين أيضا فكثرتها مسلمة وقلتها مؤمنة بالديانتين السماويتين الأخريين كان ذلك داعيا إلى اشتداد ما يجب أن يكون بينها من التقارب.
إذن ففيم يمكن أن يكون الخلاف؟ وفيم يمكن أن يكون الجدل؟ في أمر
واحد أراه بديهيا بالقياس إلى المصريين وما أعرف أن مصريا واحدا يستطيع أن يخالفني فيه مهما تكن ميوله ومذاهبه وهو أمر "الوحدة السياسية".
فالمصريون لا يتصورون اشتراكهم في إمبراطورية عربية مهما يكن مستقرها ومهما يكن شكلها ومهما تكن نظم الحكم فيها، لا يتصورون إلا أن يكونوا دولة مستقلة معاونة لغيرها من دول الشرق العربي بأسباب المعاونة السياسية المعقولة التي تلائم المنفعة والحق والعدل، وما أرى أن عليهم في ذلك بأسًا. وما أرى أن أحدًا يستطيع أن يطالبهم بأكثر من ذلك. وما أرى أن مطالبتهم بأكثر من ذلك نفعا لأحد وإنما الكلام في ذلك لغو وإطالة لا غناء فيهما.
ومن الناس من ينكر على مصر حرصها على تراثها الفرعوني القديم ويشوهون هذا الحرص ألوانا من التشويه، فليكن رأيي في ذلك واضحا جليا وهو فيما أعتقد رأي المصريين جميعا لا يختلفون فيه، فمصر حريصة على تاريخها كله لا تنزل عنه عن قليل أو كثير وهي إذا حرصت على تاريخها الفرعوني لا تريد أن تعود إلى دين الفراعنة. فهذا سخف، ولا تريد أن تتكلم اللغة المصرية القديمة مكان اللغة العربية فهذا سخف أيضًا ولا تريد أن تصطنع نظم الحكم الفرعوني مكان نظمها الديموقراطية الحديثة.
وإنما تريد أن تنظر إلى هذا التاريخ بما كان فيه من خير وشر على أنه جزء من حياتها ومقوم لوحدتها ومكون لوطنيتها، تفخر بما يدعو منه إلى الفخر، وتألم بما يدعو منه إلى الألم وتعتبر بما يثير منه العبرة وتنتفع بما يمكن أن يكون مصدرًا للنفع، وكل مصري يزعم غير هذا فهو إما خادع أو مخدوع أو ضعيف الوطنية وما أعرف أن من المصريين من تضعف وطنيته فيفرط في تاريخه أو تضعف أخلاقه فيؤثر الخداع أو تضعف شخصيته فينخدع بتمويه الموهمين.
الرد على الدكتور طه 1؛ بقلم عربي "مجلة زهرة الشرق":
الدكتور طه حسين بالرغم من كتابه في الرد على الصحفي علي العراقي على دفعتين وفي كل دفعة يتراجع قليلا في العرض دون الجوهر، لم يصارح الرأي العام العربي في هذا الأمر بل جعل المغالطة أساسًا لرديه حتى جاء الردان كالصفر على الشمال.
يؤمن الدكتور طه بوحدة الثقافة بين العرب ويضع اللغة أساسًا لهذه الوحدة وهو قول لم يناقضه فيه أحد من العالمين، ولكن الدكتور لا يؤمن بالوحدة السياسية وهذا بيت القصيد وموضع المغالطة؛ إن الدكتور يعلم أن أوربا قسمت ممالكها بعد الحرب العظمى تقسيمًا سياسيًا بمقتضى اللغة وحدها، لأنها جعلت أساسًا للعنصرية وهو يعلم أيضا بأن الدنيا كادت تتحول إلى براكين في الخريف الماضي من أجل إلحاق بقية الألمان والذين يتكلمون الألمانية بأمهم. وقد فازت نظرية العنصرية على أساس اللغة.
والعرب لا يتطلبون إلغاء استقلال مصر وضمها إلى العراق أو ضم سورية إليها برئاسة الحجاز وإنما يدعون إلى وحدة تشبه الوحدة الألمانية السابقة أو الولايات المتحدة. وأمر الوحدة هو المثل الأعلى لكل أمة خصوصًا إذا كانت في رد الدكتور أنه لا يستطيع الإشارة إلى هذه البديهيات ولكنه يحاول أن يوهم أن الوحدة العربية تقضي على تاريخ مصر القديم وهذا النوع من المغالطة لم نسمع به من قبل، فلماذا لا يقول السوري: إن وحدة العروبة تحاول إلغاء تاريخي القديم وأمجادي التاريخية؟
1 مجلة زهرة الشرق 13 فبراير 1939.
ولكل شعب أمجاده والتاريخ لا ينفصل بل يستمد حديثه من قديمه ولكن هذا القديم لا يضيره أن يسير مع الحديث في وحدة من شأنها أن تخلق للحاضر قوة من الوحدة لا بد منها لحفظ كيانه الحديث والقديم.
لقد جرب العرب بعد بزوغ فجر الإسلام هذه الوحدة فكانوا سادة الدنيا فما الذي يضير الدكتور من هذا وهو يعلم أن مصر سيكون لها فخر الرئاسة لهذا الاتحاد العربي.
كان الناس يأملون أن يكون عميد كلية الآداب في مصر أول دعاة هذه الوحدة ولكن خاب ظنهم وخابوا في معرفة السر الذي يجعل الرجل الذي ينشر آداب العرب في العالم العربي كله لا يريد وحدة تصون هذا العالم من عبث العابثين.
بين الحصري بك وطه حسين 1، عز الدين التنوخي:
لا نكتم الدكتور طه أننا كنا قد اعتبرنا الإحالة إلى الفصل الذي نشره من كتاب مستقبل الثقافة يومئذ ضربا من الفرار من معركة المناظرة.
أجمل بالدكتور طه حسين أن يكون أديب الأقطار العربية كلها من أن يكون في قطر واحد أديبًا. وليته -أصلحه الله- جامل في المكشوف أدباء العرب الذين يتنافسون في اقتناء آثاره، أو ليته وهو مسلم مصري خاطب العرب بما خاطبهم به الأستاذ مكرم عبيد وهو النصراني المصري وهو لذلك أشد اتصالا منه بالفراعنة ذوي الأوتاد.
1 يقول طه عبد الباقي سرور، مجلة زهرة الشرق 13 فبراير 1939:
والدكتور طه يؤمن في الناحية الاجتماعية بالحضارة الأوروبية وجلالها وصلاحيتها للحياة ولا يعترف أبدا بمدينة الشرق الروحية لأنها مدينة ضعف جمود ولا حياة للشرق عنده إلا أن يتعلق بأذيال الغرب لنلحق به في مضمار الحياة العامة.
قال مكرم عبيد: المصريون عرب. فنحن معشر المصريين جئنا من آسيا. ونحن أدنى إلى العرب منذ القدم من حيث اللون والخصائص السامية والقومية، نحن عرب ويجب أن نذكر في هذا العصر دائما أننا عرب قد وحدت بيننا الآلام والآمال ووثقت بيننا الكوارث والأشجان، وصهرتنا المظالم وخطوب الزمان، فالوحدة العربية حقيقة قائمة. وهي موجودة ولكنها في حاجة إلى تنظيم. والغرض من التنظيم إيجاد جبهة تناهض الاستعمار وتحفظ القوميات وتوفر الرخاء وتنمي الموارد الاقتصادية وتشجع الإنتاج المحلى وتزيد في تبادل المنافع وتنسق المعاملات فكما أن أوربا خلقت شيئا معنويا ترتبط به وتلتف حوله أغراض سكانها على اختلاف أممهم فكذلك نحن سيئول مصيرنا إلى الالتفاف حول مثل أعلى يوفق بيننا فنصير كتلة واحدة وتصير أوطاننا جامعة وطنية واحدة أو وطنًا كبيرًا يتفرع منه عدة أوطان لكل منها شخصيته لكنها في خصائصها القومية العامة متحدة متصلة اتصالا قويا بالوطن الأكبر".
وقد قال لي: نحن عرب في مصر ولا نمجد الفراعنة إلا لأنهم عرب.
الأستاذ مكرم عبيد فرعوني صميم ومن نوابغ مصر في ثقافته وأخلاقه ووطنيته والأستاذ طه حسين المسلم المصري يحكم والناس معه بالظن على فرعونيته فلن يكون ذلك أصدق تفرعنا من مكرم عبيد وإذا ما ادعى ذلك كان أشد فرعونية من فرعون نفسه، أو أشد كما قيل: ملكية من الملك، والأستاذ طه حسين ينكر الوحدة العربية بأنواعها وشرائطها، ويعد من يقول بهذه الوحدة من أصحاب العقل القديم.
رأي طه حسين في الوحدة العربية، الهلال 1939:
ربما كان من الأمثلة الطريفة التي تبين الفرق بين العقل العربي القديم،
والعقل العربي الحديث في هذا العصر الذي نعيش فيه مسألة الوحدة العربية أو الوحدة الإسلامية التي يكثر فيها الكلام وتشتد فيها الخصومة فما أظن الناس يختلفون في أن هذه الوحدة نافعة للشعوب العربية والشعوب الإسلامية أشد النفع، وفي أن مصالحهم تدعوهم إليها وتدفعهم إليها دفعا ولكنهم مع ذلك يختلفون ويختصمون لا لشيء إلا لأنهم يختلفون في تصورهم هذه الوحدة حسب ما يتاح لهم من العقل القديم أو العقل الحديث.
أما أصحاب العقل الحديث -أي الدكتور طه حسين وأنصار التغريب- فيفهون هذه الوحدة على نحو ما تفهم عليه في البلاد المتحضرة بالحضارات الحديثة الأوروبية، يفهمونها على أنها لا تنفع ولا تضر إلا إذا احتفظت بالقوميات والشخصيات الوطنية والحريات الكاملة لأعضائها والسيادة العامة لهم في حياتهم الداخلية والخارجية وقامت على الحلف الذي لا يفني أمة في أمة ولا يخضع شعبا لشعب1.
1 تعليق: تحول الدكتور طه حسين عن هذه الأراء بعد ثورة يوليو 1952 حينما رأى تيار الوحدة العربية يمضي إلى طريقه، ولكنه انحرف مرة أخرى وناقض نفسه حين تكلم عن القومية العربية في مؤتمر الأدباء العرب الذي عقد في القاهرة في ديسمبر 1957 وتصدى له بالرد عدد من كتاب العرب. "اقرأ محاضر جلسات مؤتمر الأدباء العرب طبع المجلس الأعلى للآداب، والفنون".