الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
1498 -
عن عبد الله بن أُنَيْس رضي الله عنه قال: قلتُ: يا رسُولَ الله!، إنَّ لي بادِيَةً أكُونُ فيها، وأنا أُصلِّي فيها بِحَمْدِ الله، فمُرْني بلَيْلَةٍ مِنْ هذا الشَّهْرِ أنْزِلُها إلى هذا المسْجِدِ، قال:"انْزِلْ لَيْلَةَ ثَلاثٍ وعِشْرِين"، قال: فكانَ إذا صلَّى العَصْرَ دخلَ المسجِدَ فلَمْ يَخْرُجْ إلَّا في حاجَةٍ حتَّى يُصَلِّيَ الصُّبْحَ.
قوله: "إن لي بادية"؛ يعني: أنا ساكنٌ لبادية، وأصلِّي فيها، ولكن أريدُ أن أعتكفَ في مسجدٍ في ليلةٍ من ليالي رمضان.
قوله: "انزلْ ليلةَ ثلاث وعشرين"، هذا إشارةٌ إلى أن هذه الليلةَ ليلةُ القدر.
* * *
8 - باب الاعتِكاف
(باب الاعتكاف)
مِنَ الصِّحَاحِ:
1501 -
عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال: كانَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أجْوَدَ النَّاسِ بالخَيْرِ، وكانَ أَجْوَدُ ما يَكُونُ في رَمَضانَ، وكانَ جِبْرِيلُ يَلْقاهُ كُلَّ لَيْلَةٍ في رَمَضانَ، يَعْرِضُ عَلَيْهِ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم القُرْآنَ، فإذا لَقِيَهُ جِبْرِيلُ كانَ أَجْوَدَ بالخَيْرِ مَنَ الرِّيحِ المُرْسَلَة.
قوله: "أجود الناس"؛ أي: أكثرهم جُودًا وسَخاوة.
قوله: "فكان أجود ما يكون في رمضان": (ما) في (ما يكون) مصدرية، وهو جمع؛ لأن أفعل التفضيل إنما يُضافُ إلى جمع، والتقدير: فكان أجودَ أكوانِهِ في رمضان؛ يعني كان رسولُ الله عليه السلام في رمضان أكثرَ جودًا منه
في سائر الشهور؛ لأن الوقتَ إذا كان أشرفَ يكون الجودُ فيه أفضلَ.
قوله: "كان جبريلُ يلقاه كلَّ ليلة في رمضان"؛ يعني: ينزل جبريلُ عليه السلام في رمضان كلَّ ليلة يقرأ عليه رسول الله عليه السلام القرآن، وهذا تشريفٌ من الله الكريم إليه عليه السلام؛ لأن الله تعالى يكثرُ تشريفَ عباده المقربين في الأوقات الشريفة، ونزول جبريل عليه السلام كل ليلة من رمضان لا شكَّ أنَّه مزيدُ تشريفٍ له.
"من الريح المرسلة"؛ أي: الشديدة؛ يعني: كان كثير التصدق.
* * *
1502 -
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كانَ يُعْرَضُ عَلَى النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم القُرْآنُ كُلَّ عامٍ مَرَّةٍ، فَعُرِضَ عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ في العامِ الَّذي قُبضَ فيهِ، وكانَ يَعْتَكِفُ كُلَّ عامٍ عَشْرًا، فاعْتكَفَ عِشْرِينَ في العامِ الَّذي قُبضَ.
قوله: "يُعرَض عليه القرآنُ كلَّ عام مرة"؛ يعني: يأتيه جبريلُ، ويقرأ رسولُ الله عليه السلام القرآنَ عليه من أوله إلى أن يختم؛ لتجويدِ اللفظ، وتصحيحِ إخراج الحروف من مخارجها، وليكونَ سنةً في حق الأمة؛ ليجدد التلامذة على الأستاذين قراءتهم.
* * *
1503 -
عن عائشة رضي الله عنها قالت: كانَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم إذا اعْتَكَفَ أَدْنَى إليَّ رَأْسَهُ وهو في المسْجِدِ فأُرَجِّلُهُ، وكانَ لا يَدْخُلُ البَيْتَ إلَّا لِحاجَةِ الإِنْسانِ.
قولها: "أدنى إليَّ رأسَه وهو في المسجد، فأرجِّله"، (الترجيل): تسريح الشعر، وهو استعمالُ المشطِ على الرأس؛ يعني: يخرج رأسه من المسجد إلى
حجرتي، فأسرِّحُ شعرَ رأسه، وهذا دليلٌ على أن الاعتكافَ في المسجد، وعلى أن المعتكف لو أخرجَ بعضَ أعضائه من المسجد لا يبطلُ اعتكافُهُ.
قولها: "وكان لا يدخلُ البيتَ إلا لحاجة الإنسان"، هذا دليلٌ على أن المعتكفَ إذا خرج من المسجد لِمَا لا بدَّ له منه، كالأكل والشرب ودخول المستراح، لا يبطلُ اعتكافه، وإن خرج لِمَا له منه بدٌّ بطلَ اعتكافُهُ إن نوى أيامًا متتابعة، ويلزمه الاستئنافُ، وإن لم يذكر أيامًا، بل اعتكفَ من غير تعيين المدة، فإذا خرج حصلَ له ثوابُ الوقت الذي اعتكف، ثم إذا دخل المسجدَ بعد الخروج، يستأنفُ النية.
* * *
1504 -
ورُوي عن عمر رضي الله عنه: أنَّه سَأَلَ رسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: كُنْتُ نَذَرْتُ في الجاهِلِيَّةِ أنْ أعْتكِفَ لَيَلْةً في المسْجِدِ الحَرامِ، قال:"فأوْفِ بنذْرِك".
قوله: "فأوفِ بنذرِكَ"، هذا دليلٌ على أنَّ الكافرَ لو نذر في حال الكفر بما يجوزُ نذرُهُ في الإسلام صحَّ نذرُهُ، ويلزمه الوفاءُ به إذا أسلمَ، وكذلك لو حلفَ أو ظاهرَ في حال الكفر، وحنث في حال الكفر أو بعد الإسلام، لزمته الكفارةُ عند الشافعي.
وقال أبو حنيفة: لا يصحُّ نذرُ الكافر ولا يمينه ولا ظهاره.
* * *
مِنَ الحِسَان:
1505 -
عن أنس رضي الله عنه: أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كانَ يَعْتكِفُ في العَشْرِ الأَواخِرِ مِنْ رَمَضانَ، فَلَمْ يَعْتَكِفْ عامًا، فَلَمَّا كانَ العامُ المُقْبلُ اعْتكَفَ عِشْرِينَ.
قوله: "فلم يعتكفْ عامًا، فلمَّا كان العامُ المقبل اعتكفَ عشرين"، هذا دليلٌ على استحبابِ قضاءِ ما فاتَ من السُّنن.
* * *
1507 -
وعن عائشة رضي الله عنها أنَّها قالت: كانَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم إذا أَرادَ أنْ يَعْتَكِفَ صَلَّى الفِجْرَ، ثُمَّ دَخَلَ في مُعْتَكَفِهِ.
قولها: "كان رسولُ الله عليه السلام إذا أرادَ أن يعتكفَ صَلَّى الفجرَ، ثم دخلَ في مُعْتَكَفِهِ".
(المُعتكَف) بفتح الكاف: موضع الاعتكاف.
فمن أراد أن يعتكف يومًا أو أكثر يدخل المسجدَ في أول صبح ذلك اليوم عند أحمد بدليل هذا الحديث، وقال الشافعي وأبو حنيفة ومالك: يدخل المسجد قبل غروب الشمس من الليلة التي يريد أن يعتكفَ في اليوم الذي بعدها.
فمن أرادَ أن يعتكفَ العشرَ الأواخرَ من رمضان، يدخلُ المسجد في قول هؤلاء الثلاثة قبل غروب الشمس من يوم العشرين، وفي قول أحمد: يدخلُ بعد الصبح في يوم الحادي والعشرين.
* * *
1506 -
وعن عائشة رضي الله عنها قالتْ: كانَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يعُودُ المَرِيضَ وهو مُعْتَكِفٌ، فيَمُرُّ كما هُو ولا يُعَرِّجُ يَسْأَلُ عَنْهُ.
قولها: "كان رسولُ الله عليه السلام يعودُ المريضَ وهو معتكف، فيمرُّ كما هو، فلا يعرِّجُ يسألُ عنه".
(التعريج): الإقامة والميل عن الطريق إلى جانب؛ يعني: إذا خرجَ لقضاء
حاجةٍ، ورأى مريضًا في طريقه يسألُهُ، ولا ينحرفُ عن الطريق إلى جانب لعيادة المريض، فمن عادَ مريضًا أو صلَّى على جنازة وهو معتكف، فإن خرج لقضاء حاجة، واتفقَ له هذا الشغلُ في طريقه، ولم ينحرفْ عن الطريق، ولم يقفْ في الطريق وقوفًا أكثرَ من قدر الصلاة على الميت، لم يبطل اعتكافه، وإن انحرفَ عن الطريقِ، أو وقفَ في الطريق أكثر من قدر صلاة جنازة، بطلَ اعتكافُهُ عند الأئمة الأربعة، وقال الحسن البصري والنخعي: يجوز للمعتكف الخروج لصلاة الجمعة، وعيادة المريض، وصلاة الجنازة.
* * *
1508 -
وقالت عائشةُ رضي الله عنها: السُّنَّةُ عَلَى المُعْتكِفِ أنْ لا يَعُودَ مَرِيضًا، ولا يَشْهَدَ جنازَةً، ولا يَمَسَّ المَرْأَةَ، ولا يُباشِرَها، ولا يَخْرُجَ لَحاجَةٍ إلَّا لِمَا لا بُدَّ منه، ولا اعْتِكافَ إلَّا بصَوْمٍ، ولا اعْتِكافَ إلَّا في مَسْجِدٍ جامِعٍ.
قولها: "السنةُ على المعتكفِ أن لا يعودَ مريضًا"؛ يعني: الدين والشرع أوجبَ على المعتكف أن لا يخرجَ من المسجد لعيادة المريض أو صلاة جنازة.
"ولا يشهد"؛ أي: ولا يحضر.
"ولا يمسَّ المرأة"؛ يعني: ولا يمسها بشهوةٍ.
"ولا يباشرها"؛ أي: ولا يجامعها، فإن جامعَ المعتكفُ بطلَ اعتكافه، وإن مسها بشهوة؛ ففي قول: بطل اعتكافه، وفي قول: لا يبطل اعتكافه، وفي قول: إن أنزل بطل، وإن لم ينزل لم يبطل، هذه الأقوال للشافعي، وأما عند أبي حنيفة: إن أنزل بطل، وإن لم ينزل لم يبطل.
° ° °