الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قوله: "واستعفاه"؛ أي: طلبَ العفو، وهو التجاوزُ؛ يعني: طلبَ أن يخلِّصَه برحمتِه من النار.
* * *
3 - قِصَّةُ حجة الوداع
(باب حجة الوداع)
1841 -
قال جابرُ بن عبد الله رضي الله عنه: إنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم مَكَثَ بالمدينةِ تِسْعَ سِنين لم يَحُجَّ، ثُمَّ أَذِّنَ في النَّاسِ بالحَجِّ في العَاشِرَةِ، فَقَدِمَ المدينةَ بَشَرٌ كَثيرٌ، فَخَرَجْنا مَعَهُ حَتَّى إذا أَتَيْنا ذا الحُلَيْفَةِ وَلَدَتْ أسماءُ بنتُ عُمَيْسٍ مُحَمَّدَ بن أبي بَكْرٍ، فأرْسَلَتْ إلى رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم: كَيْفَ أَصنَعُ؟ قال: "اَغْتَسِلِي، واَسْتَثْفِرِي بِثَوْبٍ وَأَحْرِمِي"، فَصَلَّى - يعني رسُولَ الله صلى الله عليه وسلم رَكْعَتَيْنِ في المسجِدِ، ثمَّ رَكِبَ القَصْوَاءَ حتَّى إذا اَسْتَوَتْ بِهِ ناقَتُهُ على البَيْدَاءِ، أَهَلَّ بالتَّوْحِيدِ:"لَبَّيْكَ اللهمَّ لَبَّيْكَ، لا شَرِيكَ لكَ، إنَّ الحَمْدَ والنِّعْمَةَ لكَ والمُلْكَ، لا شَرِيكَ لكَ"، وقال جابر: لَسْنَا نَنْوِي إلَّا الحَجَّ، لَسْنا نَعْرِفُ العُمْرَةَ، حتَّى إذا أتَيْنَا البَيْتَ مَعَهُ اَسْتَلَمَ الرُّكْنَ وطافَ سَبْعًا: رَمَلَ ثلاثًا، ومشى أرْبَعًا، ثُمَّ تَقَدَّمَ إلى مَقامِ إبراهيمَ فَقَرَأَ:{وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} ، فَصَلَّى ركعَتَيْنِ جَعَلَ المَقامَ بينَهُ وبَيْنَ البَيْتِ.
ويُروى: أنَّه قَرَأَ في الرَّكْعَتَيْنِ: {قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ} ، و {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} .
ثُمَّ رَجَعَ إلى الرُّكْنِ فاَسْتَلَمَهُ، ثُمَّ خَرَجَ مِنَ الباب إلى الصَّفا، فَلَمَّا دَنَا مِنَ الصَّفا قرَأَ:" {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ}، أَبْدَأُ بما بَدَأَ الله به"، فَبَدَأَ بالصَّفا، فَرَقِيَ عَلَيْهِ حتَّى رأَى البَيْتَ، فاَسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، فَوَحَّدَ الله وكَبَّرَهُ، وقال: "لا إله إلَّا الله وَحدَهُ لا شَريكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، ولَهُ الحَمْدُ، وهُوَ عَلَى كُلِّ شيءٍ قَدِيرٌ،
لا إله إلَاّ الله وَحْدَهُ، أَنْجَزَ وَعْدَهُ، ونَصَرَ عَبْدَهُ، وهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ"، ثُمَّ دَعَا بينَ ذلك، قالَ مِثْلَ هذا ثلاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ نزَلَ فمشَى إلى المَرْوَةِ، ففعل على المروة كما فعل على الصفا حتَّى اَنْصَبَّتْ قدماهُ في بَطْنِ الوادي سَعَى، حتَّى إذا أصْعَدتْ قدمَاهُ مَشَى، حتَّى أَتَى المَرْوَةَ، فَفَعَلَ عَلَى المَرْوَةِ والنَّاسُ تَحتَهُ فقال: "لَوْ أَنَّي اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمري ما اسْتَدْبَرْتُ لَمْ أَسُقِ الهَدْيَ، وجَعَلْتُها عُمْرَةً، فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ ليَسَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيَحِلَّ وَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً"، فقامَ سُراقَةُ بن جُعْشُمٍ فقال: يا رسولَ الله!، أَلِعَامِنا هذا أمْ للأبَدِ؟ فَشَبَّكَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أَصابعَهُ وقال: "دَخَلَتِ العُمْرَةُ في الحَجِّ"، مَرَّتَيْنِ، "لا بلْ لأَبَدِ الأَبَدِ"، وقَدِمَ عَلِيٌّ مِنَ اليَمَنِ ببُدْنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، فقال: "ماذا قُلْتَ حينَ فَرَضْتَ الحَجَّ؟ "، قالَ: قُلْتُ: اللهمَّ إنَّي أُهِلُّ بما أَهَلَّ بِهِ رَسُولُكَ صلى الله عليه وسلم، قال: "فإنَّ مَعِيَ الهَدْيَ"، قال: "فأَهْدِ، وامكُثْ حرامًا، فلا تَحِلُّ"، قال: فكانَ جماعَةُ الهَدْيِ الذي قَدِمَ بِهِ عَليٌّ مِنَ اليَمَنِ والذي أَتَى بِهِ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم مائَةً، قال: فَحَلَّ النَّاسُ كُلُّهُمْ وقَصَّرُوا، إلَاّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم ومَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ، فلمَّا كانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ تَوَجَّهُوا إلى مِنًى، فَأَهَلُّوا بالحَجِّ، ورَكِبَ النَّبيُّ، فَصَلَّى بها الظُّهْرَ والعَصْرَ والمَغْرِبَ والعِشَاءَ والفَجْرَ، ثُمَّ مَكَثَ قليلًا حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ، وأَمَرَ بِقُبَّةٍ مِنْ شَعَرٍ فَضُرِبَتْ لَهُ بنمِرَةَ، فَسَارَ، فَنَزَلَ بها، حتَّى إذا زَاغَتِ الشَّمْسُ أَمَرَ بالقَصْوَاءِ فَرُحِلَتْ لَهُ، فَأَتَى بَطْنَ الوادي، فخَطَبَ النَّاسَ، وقال: "إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُم هذا، في شَهْرِكُمْ هذا، في بَلَدِكُمْ هذا، أَلَا كُلُّ شَيءٍ مِنْ أَمْرِ الجاهِلِيَّةِ تَحتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، ودِمَاءُ الجاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وإنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ اَبن رَبيعَةَ بن الحارِث - كانَ مُسْتَرْضعًا في بني سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ - ورِبَا الجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعةٌ، وأَوَّلُ ربًا أَضَعُ مِنْ رِبَانا رِبَا عَبَّاسِ بن عَبْدِ المُطَّلِبِ، فإنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاَتَّقُوا الله في النِّسَاءِ، فإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ الله، واسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ الله، ولَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فإنْ فَعَلْنَ ذلكَ
فاَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غيرَ مُبَرِّحٍ، ولَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وكِسْوَتُهُنَّ بالمَعْرُوفِ، وقَدْ تَرَكْتُ فيكُمْ مَا لنْ تَضلُّوا بَعْدَهُ إِن اَعْتَصَمْتُمْ بِهِ: كِتَابَ الله، وأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟ "، قالوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وأَدَّيْتَ ونَصَحْتَ، فقال بإصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ يَرْفَعُها إلى السَّماءِ، ويَنْكُتُهَا إلى النَّاسِ: "اللهمَّ اَشْهَدْ، اللهمَّ اَشْهَدْ، اللهمَّ اَشْهَدْ" ثَلَاثَ مرَّات، ثُمَّ أَذَّنَ بِلالٌ، ثُمَّ أقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أقامَ فَصَلَّى العَصْرَ، ولَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شيئًا، ثُمَّ رَكِبَ حتَّى أَتَى المَوْقِفَ، فَجَعَلَ بَطْنَ ناقَتِهِ القَصْوَاءِ إلى الصَّخَرَاتِ، وجَعَلَ حَبْلَ المُشاةِ بَيْنَ يَدَيْهِ، واَسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، فَلَمْ يَزَلْ واقفًا حتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، وأَرْدَفَ أُسامَةَ خَلْفَهُ، ودَفَعَ حَتَّى أَتَى المُزْدَلِفَةَ، فَصَلَّى بها المَغْرِبَ والعِشاءَ بأَذَانٍ واحِدٍ وإقامَتَيْنِ، ولم يُسَبحْ بَيْنَهُمَا شَيْئًا، ثُمَّ اَضْطَجَعَ حتَّى طَلَعَ الفَجْرُ، فَصَلَّى الفَجْرَ حينَ تَبَيَّنَ لَهُ الصُّبْحُ بأَذَانٍ وإقامَةٍ، ثُمَّ رَكِبَ القَصْوَاءَ حَتَّى أَتَى المَشْعَرَ الحَرامَ، فاَسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، فَحَمِدَ الله وكَبَّرَهُ وهَلَّلَهُ ووَحَّدَهُ، فَلَمْ يَزَلْ واقِفًا حَتَّى أسْفَرَ جِدًّا، فَدَفَع قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وأَرْدَفَ الفَضْلَ بن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما حتَّى أَتَى بَطْنَ مُحَسِّرٍ، فَحَرَّكَ قليلًا، ثُمَّ سَلَكَ الطَّريقَ الوُسْطَى التي تَخْرُجُ على الجَمْرَةِ الكُبْرَى، حَتَّى أَتَى الجَمْرَةَ التي عِنْدَ الشَّجَرَةِ، فرماهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبرُ مَعَ كُلِّ حصَاةٍ منها مِثْلَ حَصَى الخَذْفِ، فَرَمَى مِنْ بَطْنِ الوادِي، ثُمَّ اَنْصَرَفَ إلى المَنْحَرِ، فَنَحَرَ ثلاثًا وسِتِّينَ إبلًا بيَدِهِ، ثُمَّ أَعْطَى عَلِيًّا فَنَحَر ما غَبَرَ، وأَشْرَكَهُ في هَدْيهِ، ثُمَّ أَمَرَ مِنْ كُلِّ بَدَنَةٍ ببَضْعَةٍ، فَجُعِلَتْ في قِدْرٍ فَطُبخَتْ، فَأَكَلا مِنْ لَحْمِهَا، وشَرِبَا مِنْ مَرَقِهَا، ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم، فَأَفَاضَ إلى البَيْتِ، فَصَلَّى بمَكَّةَ الظُّهْرَ، فَأَتَى بني عَبْدِ المُطَّلِبِ يَسْقُونَ على زَمْزَمَ، فقالَ: "انْزَعوا بني عَبْدِ المُطَّلِبِ، فَلَوْلَا أَنْ يَغْلِبَكُمُ النَّاسُ على سِقَايَتِكُمْ لَنَزَعْتُ مَعَكُمْ"، فَنَاوَلُوهُ دَلْوًا، فَشَرِبَ منهُ.
"ثم أَذَّنَ"؛ أي: ثمَّ نادَى وأَعْلَمَ، "في الناس"؛ أي: بينَ الناس بأني أريدُ
الحجَّ، "في العاشرة"؛ أي: في السنة العاشرة من الهجرة.
قولُه: "رَمَلَ ثلاثًا".
(الرَّمَلَان): مشيٌ بالسرعة بين العَدْوِ والمَشْيِ؛ يعني: أسرَع في ثلاثة أطواف، ومشى على السكون في الأربعة الباقية من السبعة.
قولُه: " {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} "؛ يعني: السُّنَّةُ لمن فرغَ من الطواف بالبيت أن يُصَلِّيَ في مقامِ إبراهيم رَكعتين، ثم خرجَ من الصَّفا؛ يعني: خرج من الباب المقابل للصفا إلى الصفا.
قوله: "ابدؤوا بما بدأ الله به"؛ يعني: ابدؤوا بالصفا؛ لأن الله بدأَ بذكرِ الصَّفَا في قوله: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} [البقرة: 158].
(الشعائرُ): جمع شعيرة، وهي العلامة التي جُعِلَتْ وأُظْهِرَتْ للطاعات المأمورةِ في الحجَّ، كالوقوف والرَّمْيِ والطَّوَاف والسَّعْي.
"رَقِيَ"؛ أي: صَعِدَ.
"وَحَّدَ"؛ أي: قال: لا إله إلا الله.
"أَنْجَزَ وَعْدَه"؛ أي: وفى بما وعَد من فتحٍ ونُصرةِ عبده محمد عليه السلام، ثم دعا بين ذلك، فلما فرغ من قوله:"وهزم الأحزاب وحده" دعا بما شاء، ثم قال مرة أخرى هذا الذكرَ، ثم دعا حتى فعل ثلاثَ مرات.
قوله: "ثم نزل": من الصفا "ومشى إلى المروةِ": في أرضٍ مستويةٍ، "حتى انصَبَّتْ قدماه"؛ أي: حتى وصلَ إلى موضعٍ منخفِضٍ منحدِرٍ "في بطن الوادي"، فإذا وصلَ إلى هذا الموضع سعى سعيًا شديدًا، "حتى إذا صَعدتْ قدماه"؛ يعني: حتى إذا انحدرتْ قدماه؛ أي: وصلَتْ إلى موضعٍ منخفضٍ.
"فمشى"؛ أي: سارَ على السكون، "ففعل على المروة كما فعل على
الصَّفَا"؛ يعني: رَقِيَ على المروة، وقرأ من الذكر والدعاء كما فعل على الصَّفا، "حتى إذا كان آخرُ طَوَافه على المَرْوة"؛ يعني: سعى بين الصَّفَا والمَرْوة سبعَ مَرَّات، وكان آخر السبعة بالمروة.
قوله: "لو أني استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ لم أَسُقِ الهدي وجعلتها عُمْرةً"؛ يعني: لو كان العزمُ الذي ظهرَ لي في هذه الساعة حصلَ لي عند خروجي من المدينة لما استصحبتُ الهَدْيَ معي، بل جئتُ بغير هَدْيٍ، وجعلتُ إحرامي مصروفًا إلى عُمْرةٍ وفرغتُ منها، ثم أحرمتُ إحرامًا آخَر للحَجِّ، ولكن لمَّا كان معي الهَدْيُ لم أقدِرْ أن أجعلَ ما أحرمتُ به عمرة، فمن لم يكن منكم معه هديٌ وأحرمَ بالعمرة فليخرُجْ من إحرامه بعد فراغِه من أفعالِ العمرة، وقد أبيحَ له ما حُرِّمَ عليه بسبب الإحرام حتى يستأنفَ إحرامًا للحَجِّ.
اعلم أن أبا حنيفةَ قال: مَنْ أحرمَ بالعمرة وكان معه الهديُ لا يجوز له أن يخرجَ من الإحرام بعد فراغه من أفعال العمرة، بل يَلزَمُه أن يُدخلَ الحج في العمرة ويتمَّ الحجَّ، وإن لم يكن معه هديٌ جاز له أن يخرجَ من إحرامه بعد فراغه من أفعال العمرة ثم يستأنفَ إحرامًا للحجِّ وذلك لقولِه عليه السلام: (لو أني استقبلت من أمري
…
) إلى آخره.
وقال الشافعي: يجوز لمن أحرمَ بالعمرة أن يخرجَ من إحرامه بعد فراغه من أفعال العمرة، سواءٌ كان معه هديٌ أو لم يكن، وتأويلُ هذا الحديث أنه استحبابٌ غيرُ لازم، وقد قلنا: إنَّ الصحابةَ اختلفوا في أن النبي عليه السلام كان مفرِدًا في حَجِّه، أو متمتِّعًا أو قارنًا، وأصحُّ الروايات عند الشافعي وأبي حنيفة، وكثيرٍ من أهل العلم أنه كان متمتِّعًا، هكذا أورده محيي السنة.
قوله: "لو استقبلتُ من أمري"؛ أي: لو علمتُ قبلَ هذا ما استدبرتُ؛ أي: ما علمتُ بعد وصولي إلى هذا المكان.
قوله: "دخلتِ العمرةُ في الحجِّ مرتين لا بل لأبدٍ"، يريد بدخولِ العمرة في الحج القِرانَ؛ يعني: يجوز أن يحجَّ بالعمرة ثم يدخلَ الحجَّ في إحرام العمرة حتى يكون قارنًا، فهذا يجوزُ إلى يوم القيامة، ويحتملُ أن يريدَ بدخول العمرة في الحجِّ دخولَ العمرة في أيام الحج، يعني: يجوز أن يحرمَ بالعمرة في أيام الحج ويفرُغَ منها، ثم يُحرِم بالحج، ولم يجوِّزْ هذا الفعلَ أهلُ الجاهلية، بل يحسَبون العمرةَ في أيام الحج من أعظم الكبائر، فقال رسول الله عليه السلام:"دخلت العمرة في الحج حتى يعلموا جَوازه".
قوله: "ببُدُنِ النبيِّ عليه السلام".
(البُدُن) بضم الباء والدال وبضم الباء وسكون الدال: جمعُ بَدَنة، وهو ما يُذبَح في الحجِّ، وما للقُرْبان من الإبل.
قوله: "اللهم إني أُهِلُّ بما أَهَلَّ به رسولُ الله صلى الله عليه وسلم"، هذا يدلُّ على جواز تعليقِ إحرامِ الرجل على إحرامِ غيرِه كما في هذا الحديث.
قوله: "فإنَّ معي الهَدْيَ، فلا تَحِلُّ"؛ يعني: إذا عَلَّقْتَ إحرامك بإحرامي، فإن أحرمتُ بالعمرة ومعي الهَدْيُ فلا يَحِلُّ أن تخرجَ من العمرة، بل أدخلت الحج في العمرة فلا تخرج من الإحرام كما لا أخرج حتى نفرُغَ من العمرة والحج.
قوله: "فحَلَّ الناس"؛ يعني: خرجَ من الإحرام مَنْ أحرمَ بالعمرة ولم يكن معه هَدْيٌ بعد الفراغ منها وقَصَّروا، فأما مَنْ أحرمَ بالحَجِّ وجمع بين الحَج والعمرة - أعني: كان قارنًا - لم يخرجْ من الإحرام.
"فلمَّا كان يومُ التروية"، وهو اليوم الثامن من ذي الحجة، خرجوا جميعًا من مكة إلى مِنًى، ويُسمَّى هذا اليوم يومَ التروية.
(الترويةُ): سقيُ الماءِ بَقدْرِ زوالِ العَطَش، والترويةُ: التفكُّر، قيل: يسمَّى
يومُ الثامن من ذي الحجة يومَ التروية؛ لأن إبلَ الحُجَّاج رُوِيَتْ في هذا اليومِ بعدَ عطشِها في الطريق.
وقيل: سُمِّيَ يومَ التروية؛ لأن إبراهيم عليه السلام رأى في المنام ليلةَ ثامن ذي الحجة ذَبْحَ إسماعيل، وجعلَ يومَ الثامن يروي؛ أي: يُفَكِّرُ في رُؤْياه أنه كيف يصنع؟ حتَّى جزَمَ عزمَه يوم العاشر بذبح إسماعيلَ عليه السلام.
قوله: "فأهلوا بالحج"؛ أي: أحرمَ بالحجِّ مَنْ خرجَ من الإحرام بعد الفراغ من العمرة، وركبَ النبيُّ عليه السلام؛ يعني: ركبَ النبيُّ عليه السلام وسار من مكة إلى منًى يومَ التروية، وصلَّى بمنًى في هذا اليوم الظهرَ، وكان هناك حتى صلَّى الفجرَ يومَ التاسع.
قوله: "بنمِرَة"، (نَمِرَة): اسمُ موضعٍ قريبٍ من عَرَفَة.
"زاغَتِ الشمسُ"؛ أي: مالت الشمس، فدخلَ وقتُ الظُّهر.
"فأمر بالقَصْوَاءِ"؛ أي: أمرَ بعضَ أصحابه بإحضارِ القَصْواءِ، وهي ناقةٌ له صلى الله عليه وسلم مقطوعةُ الأذن.
"فرُحِلَتْ"؛ أي: وُضعَ عليها الرَّحْلُ.
"بطن الوادي": موضعٌ بعَرَفَة.
قوله: "كحرمة يومِكم هذا، في شهرِكم هذا، في بلدِكم هذا"؛ أي: في ذي الحِجَّة.
(يومكم هذا)؛ أي: يوم عَرَفة، والمراد به أيام الحج كلُّها؛ يعني يُحرَّمُ في هذه الأيام على المُحْرِمين قتلُ الصَّيد، والطِّيبُ، ولُبْسُ المَخِيط، وغيرُها، ويُحَرَّمُ في يوم العيد وأيام التَّشرِيق الصَّوْمُ أيضًا.
(في شهركم هذا)؛ أي: في ذي الحجة.
(في بلدكم)، إشارة إلى مكة وحواليها من أرض الحَرَم؛ يعني: دماؤكم وأعراضكم وأموالكم حرامٌ عليكم، كالقتل المُحرَّم وغيرِه من الفواحش في هذا اليومِ والشهرِ والبلدِ، محرَّمٌ أشدَّ التحريم، فالمُحرَّم في الأشهرِ الحُرُم هو القتالُ، وقد نُسِخَ بقوله تعالى:{فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} [التوبة: 5].
وأما المحرَّمات في مكة فيأتي في حرمِ مكةَ بحثُه.
قوله: "ألا كلُّ شيء من أمر الجاهلية موضوعٌ تحتَ قَدَمَيَّ"؛ يعني: عفوتُ كلَّ شيءٍ فعلَه رجلٌ قبلَ الإسلام؛ يعني: لا يؤاخذُه بعد إسلامه بما فعلَه في الجاهلية، ودماءُ الجاهلية موضوعةٌ؛ يعني: لا قصاصَ ولا ديةَ ولا كفارةَ على مَنْ قتلَ أحدًا في الكفر بعد ما أسلم.
قوله: "وإنَّ أولَ دمٍ أضعُ من دمائنا"؛ يعني عفوت القصاص والدية والكفارة عمن قُتِلَ من أقاربنا حتى تعلموا أنه لا فرق في حكم الله بين من قتل قرشيًّا أو غيره في الكفر، فإذا أسلم فلا شيء عليه، كابن ربيعة بن الحارث.
قوله: "دم ابن ربيعة بن الحارث وكان مسترضعًا"؛ أي: وكان صغيرًا في قبيلة بني سعد له ظِئرٌ تُرْضعُه، فقتلته هُذَيل.
(الاسترضاعُ): استئجار أحدٍ للإرضاع.
قوله: "وربا الجاهلية موضوعةٌ"؛ يعني: كلُّ قرض أعطاه الرجلُ ليأخذَ أكثرَ مما أعطاه فقد سقطت الزيادة، ولا يجوزُ له أن يأخذَ إلا ما أعطاه وتحرمُ عليه الزيادةُ.
قوله: "فاتقوا الله في النساء"؛ يعني: اتقوا الله في أمر النساء فلا تؤذوهنَّ بالباطل، "فإنكم أخذتموهن بأمانةِ الله"؛ يعني: هنَّ إماءُ الله، فإذا تزوجتموهنَّ فكأنَّ الله أعطاكموهنَّ بالأمانة، فإذا آذيتموهنَّ بالباطل فكأنكم نقضتُم عهدَ الله، وخُنْتُم في أمانة الله، "واستحلَلْتُم فروجهنَّ بكلمة الله"؛ أي: تزوجْتموهنَّ بحكمِ
الله وأمرهِ، وإذا تزوجتموهنَّ بحكم الله وبأمر الله فكأنهنَّ بحكمه، فإذا تزوجتموهن بحكم الله فكأنهن مودَعاتٌ وأماناتٌ من الله عندكم.
قوله: "ولكم عليهنَّ أن لا يوطِئْنَ فرشَكُم أحدًا تكرهونه".
(وَطِئ): إذا ضربَ شيئًا بالرِّجْل، وأوطَأ يُوطِئ إذا حملَ وأمرَ أحدًا بوضْعِ الرِّجْلِ على شيءٍ؛ يعني: ولكم من الحقِّ والأمرِ عليهن ألَاّ يأذَنَّ ولا يتركْنَ أحدًا أن يدخلَ بيوتكم مِمَّن لا محرميةَ بينَه وبينهنَّ، ومنْ كان بينه وبينهن محرميةٌ أيضًا لا يجوزُ أن يتركْنَه ليدخلَ إلا بإذنكم.
"فإن فَعلنَ ذلك"؛ أي: فإن أَذِنَّ في دخولِ بيوتكم مَن لا ترضون بدخوله "فاضربوهنَّ ضربًا غيرَ مُبَرِّح"، (التبريحُ): الإيذاءُ؛ يعني: ضربًا لا يقتلُهنَّ، ولا يكسرُ أعضاءَهنَّ، ولا يَلْحَقُهُنَّ منه ضررٌ شديدٌ.
قوله: "وأنتم تُسْأَلون عني"؛ يعني: يسألكم ربُّكم يومَ القيامة أن محمدًا عليه السلام. هل بلَّغكم رسالتي؟ فما تقولون في ذلك اليوم؟
"يَنْكُتُها"؛ أي: يُشِيُر بها "إلى الناس"؛ يعني: اللهمَّ فاشهد على عبادك، فإنهم أقرُّوا بأني قد بلغتهم رسالتك.
قوله: "ثم أَذَّنَ بلالٌ فأقامَ فصلَّى الظهرَ، ثم أقامَ فصلَّى العصر"، اعلم أن الجمعَ بين الظهر والعصرِ يجوزُ بعَرفَةَ لمن كان بينَه وبين وطنه مسافةُ القَصْر، فأما مَن كان بينه وبين وطنه أقلُّ من مسافة القَصْر فلا يجوزُ عند الشافعي وأبي حنيفة وأحمد، ويجوز عند مالك، وكذلك البحثُ في الجَمْع بين المغرب والعشاء بمزدلفةَ، فإن صلَّى كلَّ صلاة في وقتها جاز.
وقال أبو حنيفة: إن صلَّى المغرب قبل أن يصلَ إلى المزدلفة عليه الإعادة.
قوله: "ولم يُصَلِّ بينهما شيئًا"؛ يعني: لم يُصَلِّ بين الظهر والعصر شيئًا من السُّنَن والنوافل كي لا يقطعَ الجمع؛ لأن الموالاةَ بين الصلاتين واجبٌ،
ولا يجوزُ التفريق بينهما إلا بقدْرِ الإقامة.
قوله: "وجعلَ حَبْلَ المُشَاةِ بين يديه"، و (حَبْلُ المُشَاةِ): اسمُ موضعٍ من الرَّمْلِ مرتفعةٍ كالكثبان، وإنما أضافها إلى الماشي لأنه لا يقدر أن يصعَدَ إليها إلا الماشي.
قوله: "وأَرْدَفَ"؛ أي: وأَرْكَبَ.
"ودَفَعَ"؛ أي: ذهبَ.
"ولم يُسَبح"؛ أي: ولم يصلِّ بين المغرب والعشاء، "شيئًا" من السنن والنوافل.
"حتَّى أَسْفَرَ"؛ أي: حتى أضاءَ، "جِدًّا"؛ أي: على الحقيقة؛ أي: حتى أضاء إضاءةً تامة.
قوله: "حتى أتى بطن الوادي مُحَسِّرٍ، فحرَّكَ قليلًا".
بطن مُحَسِّر ووادي مُحَسِّر كلاهما واحدٌ، وهو اسم موضعٍ من مزدلفةَ ويسمَّى مُحَسِّرًا بكَسْرِ السينِ؛ لأن التحسيرَ الإتعابُ، وهذا الموضعُ يحسِّرُ السالِكين ورواحلَهم لسرعتهم في هذا الموضع، وسبب تحريك لنبيِّ عليه السلام ناقتَه في هذا الموضعِ اشتياقُه إلى منًى، أو إسراعُه في أداء العبادات المأمورةِ بمنًى، وهذا كما جاء أنه عليه السلام إذا رجعَ من عرفةَ ورأى المدينة حَرَّكَ دابَّتَه مِن حبِّ المدينة.
قوله: "حَصَى الخَذْف"، (الحَصَى): جمعُ حصاةٍ، وهي الحَجرُ الصغير، (الخَذْفُ): الرميُ برؤوس الأصابع؛ يعني: رمى بالحِجارِ الصِّغَارِ بقدْرِ ما يَرميه الرجلُ برؤوسِ أصابعِه؛ يعني: بقدْرِ الباقِلَاّءِ ونواةِ التمر، والموضعُ الذي رمى فيه في هذا اليوم - أي: يوم النَّحْر - وهو جَمرةُ العَقَبة.
"ثم انصرف"؛ أي: رجع من جَمْرة العَقَبة "إلى المَنْحَر"، وهو الموضعُ الذي يُنْحَرُ؛ أي: يُذْبَحُ فيه الهديُ والأُضحيةُ، "فنحرَ ثلاثًا وستين بيده"؛ يعني: نحرَ رسولُ الله عليه السلام ثلاثًا وستين أُضْحِيةً بيده، وإنما نحرَ هذا القَدْرَ؛ لأن عمرَه في ذلك الوقت ثلاثٌ وستون سنةً، فنحرَ عن كلِّ سنةٍ أُضْحِيةً.
ثم "أعطى عليًا رضي الله عنه فنحرَ ما غَبَرَ"، (غبَر)؛ أي: بقيَ؛ يعني أعطى رسولُ الله عليه السلام عليَّ بن أبي طالب من إبلِ ضحاياه إلى تمامِ مئةٍ، وهو سبعةٌ وثلاثون.
"وأَشْرَكَه في هَدْيهِ"؛ أي: وأشركَ رسولُ الله عليه السلام عليًا في هَدْيهِ؛ أي: أعطاه بعضَ الهدايا لينحرَه عن نفسه؛ لأنه لم يكن له هَدْيٌ في تلك الحَجَّة.
"ببَضْعةٍ" بفتح الباء؛ أي: بقِطْعة.
قوله: "فأكلا من لَحْمِها وشَرِبَا من مَرَقِها"، الضميرُ المؤنَّثُ يعود إلى القِدْر؛ لأنها مؤنثٌ سماعي، وإنما أكلا لأن ما نحره عليه السلام كانَ تطوُّعًا، وكلُّ هَدْيٍ أو أُضْحِيةٍ يجوزُ أن يأكلَ صاحبُه منه إذا كان تطوُّعًا، وإن كان واجبًا لا يجوزُ عند الشافعيِّ سواءٌ وجبَ بالتمتُّع أو القِران أو جزاء الصيد أو النَّذْر وغيره.
وقال أبو حنيفة: إن وجبَ بالتمتع أو القِران يجوزُ أن يأكلَ منه، وإن وجب بسبب آخرَ فلا يجوز أن يأكل منه.
وقال مالك: إن وجب بقتل الصيد أو بالنَّذْر أو بالحَلْقِ لدفع القَمْلِ لا يجوز أن يأكل منه، وإن وجب بسببٍ آخرَ يجوزُ أن يأكلَ منه.
قوله: "فأفاضَ إلى البيت"؛ أي: مشى إلى الكعبة لطوافِ الفَرْضِ.
قوله: "فأتى بني عبدِ المطَّلِب"، يعني عباس بن عبد المطلب، ومتعلقيه
"يَسْقُون على زمزم"؛ يعني ينزعون الماءَ من بئر زمزم ويسقُون الناس.
"فلولا أن يغلبَكم الناسُ على سِقايتكم لنزعتُ معكم"؛ يعني: هذا عملٌ صالحٌ، وأرغبُ فيه من كثرة ثوابه إلا أن أخاف لو أنزع الماء بنفسي من هذا البئر لوافقني خلقٌ كثيرٌ ولرغب فيه خلق كثير وازدحموا عليه حتى يخرجوكم منه، فلأجل هذا السبب لا أنزع.
"فناولوه"؛ أي: أعطَوه دلوًا فشربَ منه، فصار الشرب من بئر زمزم سُنَّةً.
قصة حفر بئر زمزم:
قال عبد المطلب جدُّ النبي عليه السلام: بينما أنا بين النائم واليقظان إذ هتفَ بي هاتفٌ، وأمرني بحفر بئر زمزم، فقلت: وما زمزم؟ قال: بئرٌ لا يَنزِفُ ماؤها ولا ينقصُ فورانُها، يسقي الحجيجَ الأعظم مدى الدهر، ويتبرَّكُ به المُقيمُ والقادم، فخرجتُ مسرِعًا، وقد صحَبني ولدي الحارثُ، ولم يكن لي يومئذ ولدٌ غيرُه، وأتيتُ الحارثَ فوجدتُ غرابًا ينقُرُ بين إسافٍ ونائلةَ، فعمدتُ إلى ذلك الموضع وحفرتُه بأسهلِ ما يكون من غير لحوقِ مشقَّةٍ، فلمَّا بدا لي الماءُ كالعين الغزيرة الفَوَّارةِ كَبَّرْتُ، وحمدتُ الله على ما أنعمَ به عليَّ.
شرح مُشْكِلاتِ هذه القصة:
"هتفَ بي هاتفٌ"؛ أي: دعاني.
"لا ينزفُ"؛ أي: لا يفنى.
"فورانُها"؛ أي: غليانها وغلبتُها.
"يسقي الحجيجَ الأعظمَ"؛ يعني: تشربُ منه القافلةُ العظيمةُ التي تحجُّون بيت الله.
"يَنْقُرُ"؛ أي: يحفرُ في الأرض لأعلمَ أن ذلك الموضع موضع بئر زمزم.
"إسافٌ ونائلةُ": اسما صنمين كانا في ذلك الموضع.
"الغزيرة"؛ الكثيرةُ، (الفَوَّارة) مثل الفَوَران.
* * *
1842 -
وقالت عائشة رضي الله عنها: خَرَجْنَا مَعَ رسول الله صلى الله عليه وسلم في حَجَّةِ الوَدَاعِ، فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، ومِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ، فلمَّا قَدِمْنا مَكَّةَ فقالَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم:"مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ ولَمْ يُهْدِ فَلْيَحْلِلْ، ومَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وأَهْدَى فَلْيُهِلَّ بالحَجِّ مَعَ العُمْرَةِ، ثُمَّ لا يَحِلَّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُما".
وفي روايةٍ: "فلا يَحِلُّ حَتَّى يَحِلَّ بنحْرِ هَدْيهِ، ومَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ فَلْيُتِمَّ حَجَّهُ".
وقالَتْ: فَحِضْتُ، ولَمْ أَطُفْ بالبَيْتِ، ولا بَيْنَ الصَّفَا والمَرْوَةِ، فَلَمْ أَزَلْ حائِضًا حتَّى كانَ يَوْمُ عَرَفَةَ، ولَمْ أُهِلَّ إلَاّ بِعُمْرَةٍ، فَأَمَرَنِي النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم أَنْ أنْقُضَ رَأْسي وأَمْتَشِطَ، وأُهِلَّ بالحَجِّ، وأَتْرُكَ العُمْرَةَ، فَفَعَلْتُ حتَّى قَضَيتُ حَجَّتي، بَعَثَ مَعِي عَبْدَ الرَّحمنِ بن أَبِي بَكْرٍ، وأَمَرَنِي أَنْ أَعْتَمِرَ مَكانَ عُمْرَتِي مِنَ التَّنْعِيم، قالت: فَطَافَ الذينَ كانُوا أَهَلُّوا بالعُمْرَةِ بالبيتِ وبَيْنَ الصَّفَا والمَرْوَةِ، ثُمَّ حَلُّوا، ثُمَّ طَافُوا طَوَافًا بَعْدَ أن رَجَعُوا مِنْ مِنًى، وأَمَّا الذينَ جَمَعُوا الحَجَّ والعُمْرَةَ فإنَّما طافُوا طَوَافًا واحِدًا.
قوله: "ومن أهلَّ بعمرةٍ ولم يُهْدِ فليَحْلِلْ، ومَنْ أَحْرَمَ بعمرةٍ وأهدى فلْيُهِلَّ بالحجِّ مع العمرة"؛ يعني: من أحرم بالعمرة ومعه الهَدْيُ فليُدْخِلِ الحجَّ في العمرة ليكونَ قارنًا، وقد تقدَّم بحث هذا في الحديث المتقدِّم.
"ثمَّ لا يَحِلُّ حتى يحلَّ منهما"؛ يعني: لا يخرج من الإحرام، ولا يحلُّ له شيءٌ من محظورات الإحرام حتى يُتِمَّ أفعالَ العمرة والحجِّ جميعًا؛ أي: حتى
يفعلَ ما يفعلُه القارِنُ.
قوله: "حتى يَحِلَّ بنحر هَدْيه"؛ أي: حتى يأتيَ يومُ العيدِ، فإنه لا يجوزُ نَحْرُ الهَدْيِ قبل يوم العيد.
قولها: "فأمرني رسول الله عليه السلام أن أنقضَ من رأسي"؛ يعني: كنت أحرمتُ بالعمرة فحضتُ، فلم أقدرْ على الطواف والسعي للعمرة، فأمرني رسول الله عليه السلام أن أخرجَ من إحرام العمرة، وأتركَ العمرة، وأستبيحَ محظوراتِ الإحرامِ، وأُحْرِمَ بعد ذلك بالحجِّ، وأُتِمَّ الحجَّ، فإذا فرغَ من الحجِّ أحرم بالعمرة، وبهذا قال أبو حنيفة.
وقال الشافعي: ليس هذا الحديث أنه عليه السلام أمرَها بتركِ العمرة، بل معناه أنه أمرها بتركِ أعمالِ العمرة بين الطَّوَاف والسَّعْي، وأمرها أن تدخلَ الحجَّ في العمرة لتكون قارِنةً، وأما عمرتُها بعد الفراغ من الحجِّ كانت تطوُّعًا لتطيبَ نفسُها؛ كي لا تظنَّ لحوقَ نقصانٍ عليها بتركها أعمالَ عمرتِها الأولى.
ويجوزُ للقارنِ طوافٌ واحدٌ وسعيٌ واحدٌ للعمرة والحجِّ عند الشافعي.
وقال أبو حنيفة: لزمَه أن يطوفَ طوافين:
أحدُهما: قبل الوقوف بعرفة للعمرة، والثاني: بعد الوقوف للحج.
قولها: "ثم طافوا طوافًا بعد أن رجعوا مِن مِنًى"؛ يعني: طاف الذين أفردُوا العمرةَ عن الحجِّ طوافين: طوافًا للعمرة، وطوافًا بعد أن رجعوا للحجِّ في يوم النَّحْرِ بعد أن رجعوا من مِنًى إلى مكة.
"وأما الذين جمعوا بين الحج والعمرة طافوا طوافًا واحدًا" يومَ النَّحْرِ للحج والعمرةِ جميعًا.
* * *
1843 -
وقال عبد الله بن عُمر: تَمَتَّعَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في حَجَّةِ الوَدَاعِ بالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ، فساقَ مَعَهُ الهَدْيَ مِنْ ذِي الحُلَيْفَةِ، وبدأَ فَأَهَلَّ بالعُمْرَة، ثمَّ أَهَلَّ بالحَجِّ فتَمَتَّعَ النَّاسُ مَعَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ، فكانَ مِنْ النَّاسِ مَنْ أَهْدَى، ومِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُهْدِ، فَلَمَّا قَدِمَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم مَكَّةَ قالَ للنَّاسِ:"مَنْ كَانَ مِنْكُمْ أَهْدَى فإنَّهُ لَا يَحِلُّ من شيءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى يَقْضيَ حَجَّهُ، ومَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَهْدَى فَلْيَطُفْ بالبَيْتِ وبالصَّفَا والمَرْوَةِ وَلْيُقَصِّرْ ولْيَحْلِلْ، ثُمَّ لْيُهِلَّ بالحَجِّ، ولْيُهْدِ، فَمَنْ لَمْ يَجدْ هَدْيًا فَلْيَصُمْ ثلاثةَ أيَّامٍ في الحَجِّ وسَبْعَةً إذا رَجَعَ إلى أهْلِهِ"، فَطَافَ حينَ قَدِمَ مَكَّةَ، واَسْتَلَمَ الرُّكْنَ أوَّلَ شيءٍ، ثُمَّ خَبَّ ثلاثةَ أطْوافٍ، ومشَى أرْبعًا، فَرَكَعَ حينَ قَضَى طَوافُهُ بالبَيْتِ عِنْدَ المَقَامِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ فاَنْصَرَفَ، فَأَتى الصَّفَا، فطافَ بالصَّفَا والمَرْوَةِ سَبْعَةَ أَطْوَافٍ، ثُمَّ لَمْ يَحِلَّ مِنْ شيءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى قَضَى حَجَّهُ، وَنَحَرَ هَدْيَهُ يَوْمَ النَّحْرِ، وأَفاضَ فطافَ بالبَيْتِ، ثُمَّ حَلَّ مِنْ كُلِّ شيءٍ حَرُمَ مِنْهُ، وفعَلَ مِثْلَ ما فعلَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم مَنْ ساقَ الهَديَ مِنَ النَّاسِ.
قوله عليه السلام في حديث ابن عمر: "ثم ليُهِلَّ بالحج".
و (لِيُهِلَّ)؛ يعني: من قدمَ العمرةَ وأتمَّها وخرَج ثم أحرمَ بالحجِّ فهو متمتِّعٌ، ولزمه دمٌ لتقديمه العمرةَ على الحجِ في أشهر الحج، فمن لم يجد الهَدْيَ فليصُمْ ثلاثةَ أيام في الحج قبل يوم النَّحْرِ، وسبعةَ أيامٍ إذا رجع إلى وطنه، وكذلك يَلزمُ دمٌ على القارن، وإنما يلزمُ على المتمتِّع إذا كانت عمرتُه في أشهرِ الحج، وإذا حجَّ في تلك السنة، وإذا أحرم بالحج من جوف مكةَ، ولا يخرج لإحرام الحج إلى الميقات، وإذا كان من غيرِ حاضري المسجدِ الحرام، واختلفوا في حاضري المسجد الحرام، فقال مالك: هم أهل مكة.
وقال أبو حنيفة: من كان وطنُه في الميقات أو بينَ الميقات وبين مكة.
وقال الشافعي: مَنْ كان بين وطنِه وبين مكةَ أقلُّ من مسافةِ القَصْرِ فهو من حاضري المسجد الحرام.
قوله: "واستلم الرُّكْنَ"؛ أي: مسحَ الحجرَ الأسودَ بيده.
قوله: "ثم خبَّ ثلاثة أَطْوافٍ، ومشى أربعًا".
(خبَّ): أي: أسرعَ في ثلاثِ مرات ومشى على السكون في أربع مرات، وسبب إسراعِه في الثلاثةِ الأُوَل إظهارُ الجَلَادة والرُّجولية عن نفسه، وعمن معه من الصحابة كي لا يظنَّ الكفارُ أنهم عاجزون ضعفاءُ، ولهذا لم يُسَنَّ الرَّمَلُ إلَاّ أولَ ما تقدمُ مكةَ، فأما بعد ذلك فكلُّ طوافٍ يطوفُه فلا رَمَلَ فيه، بل يمشي في المرات السبع، ولو ترك الرَّمَلَ فلا شيءَ عليه إلا عند سفيانَ الثوري رحمه الله فإنَّه يوجبُ عليه دمًا.
* * *
1844 -
وعن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "هذِهِ عُمْرَةٌ اَسْتَمْتَعْنَا بِها، فَمَنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ الهَدْيُ فَلْيَحِلَّ الحِلَّ كُلَّهُ، فإن العُمْرَةَ قَدْ دَخَلَتْ في الحَجِّ إلى يَوْمِ القيامَةِ".
قوله: "هذه عُمرةٌ استَمْتَعْنا بها، فمن لم يكنْ عندَه الهَدْيُ فليَحِلَّ الحِلَّ كلَّه، فإن العمرةَ قد دخلت في الحجِّ إلى يوم القيامة".
ومعنى (الاستمتاع) هنا: تقديمُ العمرةِ والفراغُ منها، واستباحة محظوراتِ الإحرامِ بعد الفراغِ من العمرةِ حتى يُحْرِمَ بعد ذلك بالحج.
قد قلنا فيما تقدم أنه اختلفت الرواياتُ في أن رسولَ الله عليه السلام كان متمتِّعًا أو قارنًا أو مفرِدًا، فمن قال: كان متمتِّعًا هذا الحديث ظاهرٌ على قوله؛ لأنه يكون معناه: استمتعتُ بأن قدمتُ العمرةَ على الحج، ومن قال: كان قارنًا يحتاجُ إلى تأويل.