الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
10 - كِتَابُ المَنَاسِكِ
[10]
كِتابُ المَنَاسِكِ
(كتاب المناسك)
"المناسك": جمع مَنْسك بفتح السين وكسرها، وهو مصدر ميميٌّ، أو مكان، من نسَكَ يَنْسُكُ: إذا فعلَ عبادةً، والمرادُ ها هنا بالمناسك: الإتيانُ بأفعالِ الحَجَّ.
مِنَ الصِّحَاحِ:
1801 -
عن أبي هُريرةَ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أيُّها النَّاسُ: قَدْ فَرَضَ الله عليكُمْ الحجَّ فَحُجُّوا"، فقالَ رَجلٌ: أَكُلَّ عامٍ يا رسولَ الله؟ فسكَتَ حتَّى قالَها ثلاثًا، فقال:"لو قلتُ: نَعَمْ لَوَجَبَتْ، ولَمَا اَسْتَطَعْتُمْ".
قوله: "قد فرضَ الله عليكم الحَجَّ".
(الحَجُّ) في اللغة: القَصدُ، والمراد به ها هنا: قَصْدُ الكَعْبة، وقَصدُ أفعالٍ مخصوصةٍ معلومةٍ، كما يأتي كلُّ واحدٍ منها في موضعه.
قوله: "لو قلت: نَعَم، لوجبت"، ضميرُ المؤنَّث في (لوجَبتْ) مقدَّرٌ؛ أي: لوجَبَت الحُجَّةُ، أو لوجَبَت هذه العبادةُ، وفي بعض الروايات:(لوجبَ)
بغير تاء؛ أي: لوجبَ الحَجُّ.
* * *
1802 -
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سُئِلَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: أيُّ العَمَلِ أفضلُ؟ قال: "إيمانٌ بالله ورسولِهِ"، قيلَ: ثُمَّ ماذا؟ قال: "الجهادُ في سَبيلِ الله"، قيلَ ثُمَّ ماذا؟ قال:"حَجٌّ مَبْرُورٌ".
قوله: "وحجٌّ مبرورٌ"، (المبرورُ): مفعولٌ مِن (بَرَّ) إذا أحسنَ، وقيل: الطاعة.
و (حجٌّ مبرورٌ): أي: مقبول، وعلامة كونِه مقبولًا إتيانُ الرجلِ بجميع أركانِه وواجباتِه معَ إخلاصِ النية، واجتنابُ ما نُهِيَ عنه في الحَجِّ.
* * *
1803 -
وقال: "مَنْ حَجَّ لله فَلَمْ يَرْفُثْ ولم يَفْسُقَ رَجَعَ كيَوْمِ وَلَدتْهُ أُمُّهُ".
قوله: "مَنْ حَجَّ لله فلم يَرفُثْ ولم يَفْسُقْ"، قال ابن عباس: الرَّفَثُ: التكلُّمُ بذكر الجِماع، وقال ابن مسعود: الرَّفَثُ: الجِمَاع.
وأما (الفسوقُ) فهو المعاصي، وقيل: اللَّغْوُ، مثل الشَّتم وكلِّ كلامٍ مُحَرَّم، يعني من حَجَّ بحيث يجتنبُ جميعَ ما فيه إثمٌ من القول والفِعل غُفِرَتْ ذُنوبه، وقد ذكرنا بحثَ ما غُفِرَ في الحجِّ في (كتاب الإيمان) في حديث عمرو بن العاص.
روى هذا الحديثَ أبو هريرة.
* * *
1804 -
وقال: "العُمْرَةُ إلى العُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِما بَيْنَهُما، والحَجُّ المَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزاءٌ إلَّا الجَنَّةَ".
قولُه: "العُمْرة إلى العُمْرة كَفَّارةٌ لما بينَهما"، هذا مِثلُ قولِه:"الجمعةُ إلى الجمعةِ ورمضانُ إلى رمضانَ مكفِّراتٌ"، وقد ذُكِر في (كتاب الجمعة)، وفي أول (كتاب الصلاة). روى هذا الحديث أبو هريرة.
* * *
1805 -
وقال: "إنَّ عُمْرَةً في رَمَضانَ تَعْدِلُ حَجَّةً".
قوله: "عُمْرة في رمضانَ تعدِلُ حَجَّةً"؛ أي: تقابلُ وتماثِلُ في الثواب، وإنما عَظُمَ ثوابُ العمرةِ في رمضانَ؛ لأن رمضانَ شهرٌّ شريفٌ، والزمانُ إذا كان شريفًا يكون ثوابُ الطاعةِ فيه أكثرَ من ثوابِ الطاعةِ في زمان غيرِ شريفٍ.
روى هذا الحديثَ ابن عباس وجابر.
* * *
1806 -
وقال ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما: إنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم لَقِيَ رَكْبًا بِالرَّوْحاءِ، فَرَفَعَتْ إليه امرأةٌ صَبيَّاً، فقالَتْ: ألِهَذا حَجٌّ؟ قال: "نعم، ولكِ أَجْرٌ".
قوله: "لقيَ رَكْبًا بالرَّوْحَاء"، (الرَّكْبُ): جمعُ راكب، (الرَّوْحَاءُ): اسمُ مَوْضع.
"فرفعتْ إليه امرأةٌ صَبيًّا"؛ أي: أخرجَتْه من مِحَفَّتِها وقالت: ألهذا حَجٌّ؟ فقال: نَعَم، ولك أجر.
هذا صريحٌ بصحَّةِ حَجِّ الصبيِّ، وحصولِ الثوابِ له ولأبيه وأمِّه وغيرِهما ممن حَجَّ به، وهذا الصبيُّ إذا بلغَ ووجدَ الاستطاعةَ يجبُ عليه الحَجُّ؛ لأنَّ الحجَّ الواقعَ في الصبي يكونُ نافلةً.
وقال بعضُ أهل العراق: حجُّ الصبيَّ لا يكون محسوبًا بل هو لَغْوٌ،
وهذا خلافُ الحديث.
* * *
1807 -
عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما: أنَّ اَمْرَأَةً مِن خَثْعَمَ قالَتْ: يا رسولَ الله! إن فَريضةَ الله على عبادِهِ في الحَجِّ أَدْرَكَتْ أبي شَيْخًا كبيرًا لا يَثْبُتُ على الرَّاحِلَةِ، أَفَأَحُجُّ عنه؟ قال:"نعم"، وذلكَ في حَجَّةِ الوداع.
قوله: "أنَّ امرأةً مِن خَثْعَمَ"، (خَثْعَمَ): اسمُ قبيلة.
"إنَّ فريضةَ الله على عبادِه في الحَجِّ أدركتْ أبي شيخًا"(شيخًا): منصوب على الحال، يعني وجبَ الحجُّ على أبي لحصولِ المالِ له.
"لا يَثْبُتُ على الرَّاحلة"، أي: لا يقدِرُ على ركوب الدَّابَّةِ لضَعْفِه، أفأحُجُّ عنه؟ قال: نَعَمْ.
هذا دليلٌ على وجوبِ الحَجَّ على الزَّمِنِ والشَّيْخِ العاجِز عن الحَجِّ بنفسه، وهذا قولُ الشافعي.
وقال أبو حنيفة: إنْ وجدَ المالَ وأسبابَ الحَجَّ ثمَّ صارَ زَمِنًا أو شيخًا عاجزًا لا يَسْقُطُ عنه الحَجُّ بل يَستنيب من يَحُجُّ عنه، وإذا زَمِنَ أو صار شيخًا عاجزًا ثم وجدَ المالَ لا يجبُ عليه الحَجُّ، هذا كلُّه عند أبي حنيفة.
وقال مالك وأحمد: لا يجوزُ الحَجُّ عن الحيَّ سواءٌ وجدَ المالَ قبل العَجْز أو بعدَه، وأمَّا عن الميتِ يجوزُ سواءٌ أوصى به أو لم يوصِ.
وعند الشافعي وأبي حنيفةَ ومالك: إن أوصى به الميت يجوز الحجُّ عنه وإلا فلا، هذا الخلافُ في النافلة أو في الحج الواجب عليه.
1808 -
قال: وقال رجلٌ: إنَّ أُختي نَذَرَتْ أنْ تَحُجَّ وإنَّها ماتَتْ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم:"لَوْ كانَ عليها دَيْنٌ، أَكُنْتَ قاضيَهُ؟ " قال: نعم، قال:"فاَقْضِ دَيْنَ الله، فهو أَحَقُّ بالقَضاءِ".
قوله: "قال: وقال رجل"؛ أي: قال ابن عباس، "وقال رجلٌ: إن أختي نَذَرتْ أن تحجَّ، وإنها ماتت، فقال النبي عليه السلام:"لو كان عليها دينٌ أكنت قاضيَه؟ قال: نعم، قال: فاقضِ الله، فهو أحقُّ بالقضاء".
قوله: "فاقض الله"؛ أي: فاقض دَيْنَ الله، وإنما يجبُ عليه أن يحجَّ عنها بنفسِه أو بنائبٍ إذا تركتْ مالًا، أما إذا لم تتركْ مالًا لا يلزمه أن يحجَّ عنها، وكذلك قضاءُ دَينها، إنما يجبُ إذا تركتْ مالًا، فإن الميتَ إذا تركَ مالًا يقدَّمُ تجهيزُ دفنِه، ثم تقضى ديونُه، ثمَّ تؤدَّى زكاتُه الواجبةُ عليه، ثم يُحَجُّ عنه ما يجبُ عليه من حَجَّة الإسلام أو النَّذْر أو القضاء، ثمَّ يُعطَى الموصَى له إذا كانت ثلثَ ماله أو أقلَّ، ثمَّ يُقسم ما بقيَ من مالِه بين وَرَثته، يجبُ مراعاة هذا الترتيبِ، وهذا الحديثُ يدلُّ على جواز حَجِّ الرجل عن المرأة، والحديث الذي قبلَه يدلُّ على جواز حجَّ المرأةِ عن الرجل.
وقال بعضُ أهل العلم: لا يجوزُ أن تحجَّ المرأةُ عن الرجل؛ لأنها تَلْبَسُ من الثياب في الحجِّ ما لا يجوزُ للرجل، فلا يكونُ حَجُّها مثلَ حَجَّه.
* * *
1809 -
وقال: "لا يَخلُوَنَّ رجُلٌ بامرأَةٍ، ولا تُسافِرَنَّ امرأةٌ إلَّا ومعها مَحْرَمٌ"، فقالَ رجلٌ: يا رسولَ الله! اكْتُتِبْتُ في غَزْوَة كذا وكذا، وخَرَجَتْ اَمْرَأَتي حاجَّةً، قال:"اذهَبْ فاَحْجُجْ مع اَمرأَتِكَ".
قوله: "اكتُتِبْتُ في غَزْوةِ كذا"، وكذا يعني: كَتَبني أمراؤُك ونوَّابك في
الديوان أن أخرجَ مع الجيش إلى الناحية الفلانية للغَزْو، وامرأتي خرجتْ إلى الحجَّ، وليس معها أحدٌ من المحارم، فقال له رسول الله عليه السلام:"لا تخرجْ إلى الغزو، واخرجْ مع امرأتِكَ إلى الحَجِّ".
روى هذا الحديث ابن عباس.
* * *
1810 -
وقالت عائشةُ رضي الله عنها: اسْتَأْذَنْتُ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم في الجِهَادِ، فقال:"جِهادُكُنَّ الحَجُّ".
قوله: "جِهادُكُنَّ الحَجُّ"؛ يعني لا جهادَ عليكن إلا الحجَّ إذا وجدتنَّ الاستطاعةَ.
* * *
1811 -
وعن أبي هُريرةَ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تُسافرُ امرأةٌ مَسِيْرةَ يومٍ وليلةٍ إلَّا ومعها ذُو رَحمٍ مَحْرَمٍ".
قوله: "لا تسافرُ امرأةٌ مسيرةَ يومٍ وليلةٍ إلا ومعها ذو رَحِمٍ مَحْرَم"، هذا الحديث يدلُّ على عَدمِ لزومِ الحَجِّ على المرأة إذا لم يكن معها ذو مَحْرَمٍ لها، وبهذا قال أبو حنيفة وأحمد.
وقال مالك: يلزمُها إذا كانت معها جماعةٌ من النساء، وقال الشافعي: يلزمُها إذا كانت معها امرأةٌ ثقةٌ تأمَنُ معها على نفسها، وفي الجملة: لا يجوزُ للمرأة الخروجُ من بيتها إلى موضعٍ لا تأمنُ على نفسها، قَلَّتِ المسافةُ أم كَثُرَت.
* * *
1812 -
وقال ابن عبَّاس رضي الله عنهما: وَقَّتَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لأهلِ المدينةِ ذا
الحُلَيْفَةِ، ولأهلِ الشَّامِ الجُحْفَةَ، ولأِهْلِ نَجْدٍ قَرنَ المَنازِلِ، ولأهلِ اليَمَنِ يَلَمْلَمَ، فَهُنَّ لَهُنَّ ولِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غيرِ أَهْلِهِنَّ لمَنْ كانَ يُريدُ الْحَجَّ والعُمْرَةَ، فَمَنْ كانَ دُونَهُنَّ فَمُهَلُّهُ مِنْ أهْلِهِ، وكذاكَ حتَّى أهْلُ مَكَّةَ يُهِلُّونَ مِنْها.
قوله: "وَقَّتَ"؛ أي: بيَّنَ هذا الموضعَ للإحرام.
قوله: "فهنَّ لهن"؛ أي: هذه المواضعُ ميقاتٌ من مرَّ بهنّ، سواءٌ كان من أهل ذلك البلد أو من غير أهلِه.
قوله: "لمن كان يريدُ الحَجَّ والعُمْرة"، في هذا دليلٌ على أنَّ مَنْ مرَّ بميقات ولم يقصِدِ الحجَّ والعمرة، فإذا مرَّ على الميقاتِ عَزَمَ حجًّا أو عمرةً جازَ له أن يُحْرِم من حيث عَزمَ، ولا يَلْزَمُه دَمٌ.
وقال أحمد: يلزمُه دمٌ إن لم يَعُدْ إلى الميقات، ويدلُّ على هذا أيضًا على أن ميقاتَ الحجَّ والعمرة واحدٌ.
قوله: "فمن كان دونهن"؛ أي: فمن كان بيتُه أقربَ إلى مكة.
"فمُهَلُّه" بضم الميم؛ أي: موضعُ إهلاله؛ أي: إحرامِه "من أهله"؛ أي: من بيتِه لا يَلْزَمُ عليه أن يَمْشِيَ إلى الميقات.
"وكذاك"، (وكذاك)؛ أي: وكذلك يُحْرِمُ كلُّ شخصٍ من بابِ دارهِ إذا كانت دارُه بين الميقات وبين مكَّةَ.
"حتى أَهْلُ مكةَ يُهِلُّون"؛ أي: يُحْرِمون.
"منها"؛ أي: من بطن مكة، فإن خرجَ المكِّيُّ من مكةَ وأحرمَ قبل أن يخرجَ من أرضِ الحرم لزِمَه دمٌ في أحد القولين، وفي القول الثاني لا يَلْزَمُه الدَّمُ إلا إذا أُخْرِجَ من أرض الحَرَم ثمَّ أَحْرمَ هذا في إحرام الحجِّ.
أما في إحرام العمرة لزمَ للمكيِّ أن يخرجَ من أرض الحرَمِ إلى أرض
الحِلَّ، ثم يُحْرِم بالعمرة.
* * *
1814 -
وقال أنس: اعْتَمَرَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أربعَ عُمَرَ، كُلَّهُنَّ في ذي القَعْدَةِ إلَّا التي كانَتْ مع حجَّته: عُمرةً من الحُدَيْبيَّة في ذي القَعْدَة، وعُمْرةً من العام المُقبل في ذي القَعْدَةِ، وعمرةً مِنْ الجِعْرانَةِ حيثُ قَسمَ غَنائِمَ حُنَيْنٍ في ذي القَعْدَةِ وقبلَ أنْ يحُجَّ، وعُمْرَةً مع حَجَّتِهِ".
قوله: "أَربَعَ عُمَرٍ"، العُمَرُ: جمعُ عُمْرة.
قوله: "عمرةٌ من الحُدَيْبيَة"؛ يعني: أحرمَ بعمرةٍ من الحُدَيْبيَة، والأفضلُ أن يخرجَ المكَّيُّ لإحرامِ العمرة إلى الجِعْرَانة، فإن لم يخرجْ إليها فإلى التنعيم، فإن لم يخرجِ المَكِّيُّ إليها فإلى الحُدَيْبيَة، فإن خرجَ إلى أولِ أرضِ الحِلِّ وأحرمَ وعاد جاز.
* * *
1817 -
وعن عليًّ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ مَلَكَ زادًا وراحِلَةً تُبلِّغُهُ إلى بَيْتِ الله ولم يَحُجَّ فلا عليهِ أن يموتَ يَهُودِيًّا أوْ نَصْرانِيًّا، وذلكَ أنَّ الله تبارك وتعالى يقول: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} ".
قوله: "من مَلَكَ زادًا وراحلةَ تُبَلِّغُه إلى بيت الله ولم يَحُجَّ فلا عليه أن يموتَ يهوديًا أو نصرانيًا".
(فلا عليه)؛ أي؛ فلا مبالاة؛ أي: فلا تفاوتَ عليه، شبَّهَ من لم يحجَ مع الاستطاعة باليهود والنصارى؛ لأن الحجَّ في دِين اليهود والنصارى غيرُ واجب، فإن تركَ مسلمٌ الحجَّ منكِرًا لوجوبه فهو كافرٌ كاليهود والنصارى، وإن تركَ مع الاعتراف بوجوبه فليس بكافرٍ ولكنه عاصٍ مشابهٌ لليهود والنصارى في ترك
الحَجِّ لا في الكفر، وإنما قال عليه السلام هذا التشبيهَ للتهديدِ وتقبيحِ شأنِه.
* * *
1818 -
وقال: "لا صَرُورَةَ في الإِسلامِ".
قوله: "لا صَرُورَةَ في الإِسلام"، وفسَّرَ الصَّرُورَة على وجهين:
أحدهما: أن الصَّرُورَةَ هو الرجلُ الذي تركَ النكاح ومجالسةَ الناسِ وسكنَ الجِبالَ كما هو عادة الرهبان، فقال عليه السلام:"لا صَرُورةَ في الإسلام"؛ يعني: لا يجوزُ أن يعملَ مسلمٌ عملَ الرهبانِ.
والتفسير الثاني: أن الصَّرُورَةَ هو الرجلُ الذي لم يحجَّ قطُّ، فقال عليه السلام:"لا صَرُورَةَ في الإِسلام"؛ يعني: لا يجوزُ لأحدٍ أن يتركَ الحجَّ مع الاستطاعة، ومن لم يَحُجَّ عن نفسه لا يجوزُ أن يحجَّ عن غيره عند الشافعيِّ وأحمدَ، ويجوز عند أبي حنيفة ومالك، ومَنْ عليه حَجَّةُ الإِسلامِ لا يجوزُ أن يُحْرِم بغير حَجَّةِ الإِسلام، فإنْ أَحْرَمَ بغير حَجَّةِ الإِسلامِ وقعَ حَجُّه عن حَجَّةِ الإِسلام عند الشافعيَّ.
وقال أبو حنيفة ومالك: يقعُ حَجُّه عما نوى نَذْرًا كان أو نافلةً أو حَجَّةَ الإسلام.
روى هذا الحديث: "لا صَرُورَةَ في الإِسلام" ابن عباس.
* * *
1819 -
وقال: "مَنْ أَرادَ الحَجَّ فّلْيُعَجِّلْ".
قوله: "من أراد الحجَّ فليُعَجِّلْ"، معناه: منْ وجبَ عليه الحَجُّ فليعجِّلْ، وهذا أمرُ استحبابِ لأنَّ تأخيرَ الحَجِّ جائزٌ مِن وَقْتِ وجوبه إلى آخرِ العمر.
روى هذا الحديثَ عليٌّ رضي الله عنه.
* * *
1820 -
وقال: "تابعُوا بَيْنَ الحَجِّ والعُمْرَةِ، فإنَّهُمَا يَنْفِيانِ الفَقْرَ والذُّنُوبَ كما يَنْفي الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ والذَّهَبِ والفِضَّةِ، وليسَ للحَجَّةِ المبرُورَةِ ثَوابٌ إلا الجَنَّةُ".
قوله: "تابعوا بين الحجِّ والعُمْرة"؛ يعني: إذا حَجَجْتُم فاعتمروا عَقِيبَه.
"فإنهما يَنْفِيان الفَقْرَ والذنوبَ"؛ أي: يُزِيلان.
"كما يَنْفي الكِيْرُ خَبَث الحديد"، (الكِيْرُ): ما يَنفُخُ فيه الحدَّادُ لاشتعال النار لتصفية الحديدِ من الخَبَث، وهو غِشُّ الحديدِ وغيرِه.
اعلم أن الحجَّ واجبٌ على مَن وجدَ الزادَ والراحلةَ وأَمِنَ الطريقَ، وفي العمرة خلافٌ، فعند الشافعيِّ وأحمدَ واجبةٌ، وعند أبي حنيفةَ ومالكٍ سُنَّةٌ.
روى هذا الحديثَ ابن مسعود.
* * *
1822 -
وعنه قال: سألَ رَجُلٌ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم: ما الحَاجُّ؟ قال: "الشَّعِثُ التَّفِلُ"، وقال آخَر: أيُّ الحَجِّ أفْضَلُ؟ قال: "العَجُّ والثَّجُّ"، فقال آخَر: ما السَّبيلُ؟ قال: "زادٌ وراحِلَةٌ".
قوله: "ما الحاجُّ"، (ما) للاستفهام؛ يعني: ما صفةُ الذي يَحُجُّ؟ فقال:
"الشَّعِثُ"؛ أي: المُتَفرِّقُ شعرُه مِن عَدَمِ غَسْلِ الرأس.
و"التَّفِلُ"؛ وهو الذي رائحتُه كريهةٌ من عدمِ استعمالِ الطَّيبِ؛ يعني: إذا أحرمَ الرجلُ لا يمتشِطُ رأسَه ولحيتَه كي لا ينتِفَ الشَّعْرَ، فإن امتشَطَ ولم ينتِفِ
الشعرَ فلا بأسَ، وإن نتفَ لَزِمَه دمٌ بثلاث شعرات أو أكثر، وفي شعرةٍ مُدٌّ في قول، ودرهمٌ في قول، وثلثُ درهم في قول، ويجب في شعرتين مثلُ ما يجبُ في شعرة، وأما استعمال الطَّيْبِ فحرامٌ، ويجبُ فيه دمُ شاةٍ.
قوله: "العَجُّ والثَّجُّ".
(العَجُّ): رفعُ الصوتِ بالتلبية، والتلبيةُ واجبةٌ عند الإحرام في قول أبي حنيفة وأحدِ قولَي الشافعيَّ، فمن تركَها لزمَه دمُ شاةٍ، وعند الآخرين سنة، ويُستحَبُّ رفعُ الصوت بالتلبية في سائر الأحوال وفي المساجد.
وقال مالك: لا يُرفَعُ الصوتُ في المساجد إلا في المسجد الحرام ومسجدِ منًى.
وأما الثَّجُّ فمعناه: إراقةُ دمِ القُرْبَانِ والهَدْيِ.
قوله: "ما السَّبيل"؛ يعني: أيُّ شيءٍ يوجبُ المشيَ إلى مكةَ، فقال عليه السلام:"الزادُ والراحلةُ"؛ أي وجودُ الزادِ والمركوبِ.
* * *
1823 -
عن أبي رَزِين العُقَيْلي: أنَّهُ أَتَى النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسولَ الله!، إنَّ أبي شَيْخٌ كَبيرٌ لا يستطِيعُ الحَجَّ والعُمْرَةَ ولا الظَّعْنَ، قال:"حُجَّ عَنْ أَبيكَ، واعْتَمِرْ"، صحيح.
قولُه: "لا يستطيعُ الحَجَّ والعمرة ولا الظَّعْنَ".
(الظَّعْنُ): الذهابُ؛ يعني: لا يستطيعُ أن يفعلَ أفعالَ الحَجِّ والعمرة، ولا يستطيع الذهابَ، ويحتملُ أن يريدَ بقوله:(ولا الظَّعْنَ) ركوبَ الدابَّةَ؛ لأنه قد جاء الظَّعْنُ والاضطعان بمعنى ركوبِ الدَّابَّة.
* * *
1825 -
عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما: أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم وَقَّتَ لأهلِ المَشْرِقَ العَقِيقَ.
قوله: "وَقَّتَ لأهل المشرقِ والعَقِيق"، أراد بـ (أهل المشرقِ) كلَّ مَنْ جاءَ إلى مكةَ من طريقِ بغدادَ والكوفة.
و (العَقِيق): اسمُ موضعٍ في هذا الطريق قبلَ الوصولِ إلى ذات عِرْقٍ.
* * *
1826 -
وعن عائشة رضي الله عنها: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وَقَّتَ لأهْلِ العِراقِ ذاتَ عِرْقٍ.
قولُها: "وَقَّتَ لأهلِ العِراق"، أراد بأهلِ العراق أهلَ المَشْرِقِ، وقد ذكرناهم؛ يعني: بيَّنَ لأهل المَشْرِقِ ميقاتين: العقيقَ وذاتَ عِرقٍ، فمن أحرمَ من العَقِيقِ جازَ، ومن لم يُحْرِمْ من العَقِيقِ وجاوزَها حتى وصلَ إلى ذاتِ عِرْقٍ فأحرمَ مِن ذاتِ عِرقٍ جاز ولا شيءَ عليه.
* * *
1827 -
عن أُمِّ سلَمَةَ: أَنَّها سَمِعَتْ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: "مَنْ أَهَلَّ بحَجَّةِ أو عُمْرَةٍ مِنَ المَسْجدِ الأَقْصَى إلى المَسجِدِ الحرامِ غُفِرَ له ما تقدَّمَ مِنْ ذَنْبهِ وما تأَخَّرَ، أو وجَبَتْ له الجَنَّةُ".
قوله: "مَنْ أَهَلَّ بحَجَّةٍ أو عُمْرَةٍ من المسجد الأقصى إلى المسجدِ الحرامِ غُفِرَ له ما تقدَّمَ مِن ذنبه وما تأَخَّرَ أو وَجَبَتْ له الجَنَّةُ"، هذا الإحرام إنْ كان بالحَجِّ يجب أن يكونَ في أشهرِ الحَجِّ وهو شوال وذو القَعْدة وذو الحجَّة إلى فَجْرِ يومِ العيد، وإن كان بالعمرة يجوزُ في جميع السَّنَةِ، وفي هذا الحديث إشارةٌ إلى أن مسافة ما بينَ أولِ موضعِ الإحرامِ وبين مكة إذا كانَ أبعدَ يكون الثوابُ