المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌14 - باب إحياء الموات والشرب - المفاتيح في شرح المصابيح - جـ ٣

[مظهر الدين الزيداني]

فهرس الكتاب

- ‌7 - كِتابُ الصَّومِ

- ‌1 - باب

- ‌2 - باب رؤية الهِلال

- ‌فصل

- ‌3 - باب تَنْزيه الصَّوم

- ‌4 - باب صَوْم المُسافِر

- ‌5 - باب القَضَاء

- ‌6 - باب صِيَام التَّطوُّع

- ‌فصل

- ‌7 - باب لَيْلَةِ القَدْر

- ‌8 - باب الاعتِكاف

- ‌8 - كِتَابُ فَضَائِلِ القُرْآنِ

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌9 - كِتابُ الدَّعَوَاتِ

- ‌2 - باب ذِكْرِ الله عز وجل والتَّقرُّبِ إليهِ

- ‌3 - باب أَسْماءِ الله تعالى

- ‌4 - باب ثواب التَسبيح والتَحميد والتَهليل

- ‌5 - باب الاستِغفار والتَّوبة

- ‌فصل

- ‌6 - باب ما يقُول عند الصَّباح والمَسَاء والمَنام

- ‌7 - باب الدَّعَوَاتِ في الأَوْقاتِ

- ‌8 - باب الاستِعاذَة

- ‌9 - باب جامع الدُّعاءِ

- ‌10 - كِتَابُ المَنَاسِكِ

- ‌2 - باب الإِحْرام والتَّلْبية

- ‌3 - قِصَّةُ حجة الوداع

- ‌4 - باب دُخُول مَكَّةَ والطَّواف

- ‌5 - باب الوُقُوفِ بِعَرَفةَ

- ‌6 - باب الدَّفْع من عَرَفَةَ والمُزْدَلِفَة

- ‌7 - باب رَمْيِ الجِمَار

- ‌8 - باب الهَدْي

- ‌9 - باب الحلق

- ‌فصل

- ‌10 - باب الخُطْبة يومَ النَّحر، ورَمْي أَيَّام التَّشريق والتَّوديع

- ‌11 - باب ما يجتنبه المحرم

- ‌12 - باب المُحرِم يَجتنِب الصَّيد

- ‌13 - باب الإِحْصَار وفَوْت الحَجِّ

- ‌14 - باب حرَم مكَّة حرَسَها الله

- ‌15 - باب حرَم المَدينة على ساكنها الصلاةُ والسلام

- ‌11 - كِتابُ البُيُوعِ

- ‌1 - باب الكَسْب وطلَب الحَلال

- ‌2 - باب المُساهلةِ في المُعاملةِ

- ‌3 - باب الخِيَارِ

- ‌4 - باب الرِّبا

- ‌5 - باب المنهيِّ عنها من البيوع

- ‌فصل

- ‌6 - باب السَّلَمِ والرَّهنِ

- ‌7 - باب الاحتِكارِ

- ‌8 - باب الإفلاسِ والإنظارِ

- ‌9 - باب الشَّركةِ والوَكالةِ

- ‌10 - باب الغَصْبِ والعاريَةِ

- ‌11 - باب الشُّفْعَةِ

- ‌12 - باب المُساقاةِ والمُزارعةِ

- ‌13 - باب الإجارة

- ‌14 - باب إحياء المَوَاتِ والشّرْبِ

- ‌15 - باب العطايا

- ‌فصل

- ‌16 - باب اللُّقَطَة

- ‌17 - باب الفرائضِ

- ‌18 - باب الوصايا

الفصل: ‌14 - باب إحياء الموات والشرب

اللام في (لَمَن) جوابُ القسم.

يعني: من الناس مَن يَرقي رقيةَ باطلٍ ويأخذ عليها عوضًا، أما أنت فقد رقيت رقية حق، وهي كلامُ الله تعالى، وأخذت عليه أجرة، وهذه الأجرة حلالٌ لأنها عوضُ شيءٍ هو حقٌّ.

و (رقية الباطل): أن يكون فيها باطلٌ، كذكر الجنِّ والكواكب، والاستعانة بالشمس والقمر والنجوم والجن.

* * *

2201 -

وقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "أعْطُوا الأجيرَ أجْرَهُ قبلَ أنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ".

2202 -

و"وأعْطُوا السَّائِلَ وانْ جاءَ على فَرَسٍ"، مرسل.

قوله: "أعطوا الأجير أجره، قبل أن يجف عرقه"؛ يعني: لا يجوز تأخير أجر الأجير ولا تأخيرُ حقِّ ذي حقًّ إذا بلغ وقت أخذ حقه، ولا يجوز أيضًا ردُّ السائل وإن كان فارسًا؛ لأن الصدقة يجوز دفعها إلى الأغنياء والفقراء، ولأن الفارس ربما انقطع زادُه، واحتاج إلى القوت، ولم يكن له طريقٌ إلا السؤال.

روى هذا الحديث ابن عمر.

* * *

‌14 - باب إحياء المَوَاتِ والشّرْبِ

(باب إحياء الموات)

مِنَ الصِّحَاحِ:

2204 -

وقال: "لا حِمَى إلَّا لله ورسُولِهِ".

ص: 502

قوله: "لا حمى إلا لله ولرسوله"، (الحِمى) بكسر الحاء: بمعنى المَحْمِي، وهو المحفوظ، ويجوز أن يكون مصدرًا ومعناه: الحفظ، والمراد من الحِمَى في الشرع: أن يحفظ موضعًا عن أن ترعاه ماشيةٌ ليكثر نباته، والحِمَى كان جائزًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه، ولصالح المسلمين.

ومع أنه يجوز له صلى الله عليه وسلم أن يحمي لنفسه لا يحمي، وإنما حمى البقيع -وهو موضعٌ بالمدينة - لترعاه إبل الزكاة والجزية، وخيلُ جيش الغزاة، ولم يجوِّز لمن بعده من الخلفاء وغيرهم من الملوك أن يحموا لأنفسهم، وهل يجوز لهم أن يحموا لمصالح المسلمين من رعي إبل الزكاة والجزية وخيل الجيوش أم لا؟.

فالأصح: أنه يجوز لهم.

روى هذا الحديث الصَّعْبُ بن جَثَّامة، والله أعلم.

* * *

2205 -

وعن عُرْوَةَ قال: خاصَم الزُّبيرُ رجُلاً مِنَ الأنصارِ في شَريجٍ مِنَ الحَرَّةِ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم:"اِسْقِ يا زُبيرُ ثمَّ أَرسِلِ الماءَ إلى جارِكَ". فقال الأنصاريُّ: أنْ كانَ ابن عمَّتِكَ؟ فتلوَّنَ وَجْهُهُ ثمَّ قال: "اِسْقِ يا زُبيرُ ثمَّ احْبسْ الماءَ حتَّى يَرجِعَ إلى الجَدْرِ، ثمَّ أرسِلْ الماءَ إلى جارِكَ". فاسْتَوْعَى النبيُّ صلى الله عليه وسلم للزُّبير حقَّهُ في صَريح الحُكْمِ حينَ أحفَظَهُ الأنصاريُّ، وكانَ أشارَ عليهِما بأمرٍ لهُما فيهِ سَعَةٌ.

قوله: "خاصم الزبير رجلًا من الأنصار في شراجٍ من الحرة"، (الشِّراج) بكسر الشين: جمع شرج، وهو مسيلُ الماء من الحَرَّة - أي: من بين الحجارة - إلى الموضع السهل.

يعني: كانت أرض الزبير أعلى من أرض الأنصاري، وكانت كلتا الأرضين

ص: 503

يُسقيان من ماءٍ جارٍ في وادٍ، فتنازع الزبير والأنصاري في تقديم السقي، فترافعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قوله صلى الله عليه وسلم: "اسق يا زبير، ثم أرسل الماء إلى جارك" هذا دليلٌ على أن مَن كانت أرضه أعلى فهو أحق بسقي أرضه أولًا، ثم يرسل الماء إلى الأسفل.

قوله: "فقال الأنصاري: إن كان ابن عمتك"؛ يعني: لأجل أن الزبير ابن عمتك حكمت له بأن يسقي أرضه قبلُ؟.

"فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغضب فقال: اسق يا زبير، ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجَدْر"، (الجَدْر) - بفتح الجيم وسكونِ الدال المهملة - والجدار بمعنًى واحد؛ يعني: إذا سقيتَ أرضك فاحبس الماء في أرضك حتى يصل الماء إلى أصل الجَدْر من كثرة امتلاء الأرض من الماء، ثم أرسل الماء ليجري إلى أرض جارك.

قوله: "فاستوعب"؛ أي: أتم، (الاستيعاب): التعميم؛ يعني: أعطى حقَّ الزبير تامًا بصريح الحكم بأن قال: (حتى يرجع الماء إلى الجدر).

قوله: "حين أَحْفَظَه"؛ أي: حين أغضبه.

قوله: "وكان أشار عليهما"؛ يعني: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشار عليهما؛ أي: قال للزبير قبل أن أَحْفَظَه الأنصاريُّ: أتم حق الزبير من السقي، وكان هذا القَدْرُ حقَّ الزبير قبل أن أغضب الأنصاريُّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم.

ولا يجوز أن يقال: لم يكن هذا القدر حق الزبير في أول الأمر، وأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم الزبير هذا القَدْرَ بعد ما أغضبه الأنصاري؛ لأن هذا الظن بالنبي كفرٌ.

* * *

ص: 504

2206 -

وقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لا تَمنعُوا فَضْلَ الماء لتَمنعُوا فَضْلَ الكَلأِ".

قوله: "لا تمنعوا فضل الماء لتمنعوا فضل الكلأ".

وصورة هذا: أن يحفر أحد بئرًا في مَوَات على قصدِ أن يشرب ويسقيَ مواشيه منها، فلا يجوز له أن يمنع أحدًا، أو ماشيةً، أن يشرب من ماء تلك البئر؛ لأنه إذا منع الناس من شرب ذلك الماء، فلا ينزل أحدٌ قرب تلك البئر؛ لأنه إذا منع الناس ولم ترع ماشيته قرب ذلك الموضع، فيحرموا من كلأ مباحٍ في ذلك الموضع، فكان سبب منعهم من تلك البئر مانعًا لرعي الكلأ المباح، ولا يجوز لأحد أن يمنع أحدًا من رعي الكلأ المباح.

روى هذا الحديث أبو هريرة.

* * *

2207 -

وعن جابرٍ رضي الله عنه قال: نَهَى رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عنْ بيعِ فضلِ الماءِ.

قوله: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع فضل الماء"؛ يعني: عن بيع فضل الماء ممن أراد أن يشرب أو يسقي دابة، فأما إن أراد أن يسقي الزرع جاز لصاحب الماء أن لا يعطيه إلا بعوضٍ.

* * *

2207/ م - وعنِ أبي هريرةَ رضي الله عنه، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال:"ثلاثة لا يُكَلِّمُهُمْ الله يومَ القيامةِ ولا ينظرُ إليهم: رجلٌ حَلفَ على سِلْعةٍ، لقد أَعْطَى بها أكثرَ مما أَعْطَى وهو كاذبٌ، ورجلٌ حلفَ على يمينٍ كاذبةٍ بعدَ العصرِ لِيَقْتَطِعَ بها مالَ رجلٍ مُسلمٍ، ورجلٌ مَنَعَ فضلَ ماءٍ، فيقولُ الله تعالى: اليومَ أمنعُكَ فضلي كما مَنَعْتَ فضلَ ماءٍ لم تعملْ يداك".

ص: 505

قوله: "لقد أعطى بها أكثر مما أعطى وهو كاذب"؛ يعني: جاء رجل ويشتري متاعه بمئة، فحلف أن رجلًا أعطاني قبل هذا بهذا المتاع مئة وعشرين، وهو كاذبٌ في هذا الكلام، وإنما يحلف ليغرَّ المشتري، وبظنَّ أن المتاع يساوي مئة وعشرين؛ ليشتريه بهذا القَدْر.

قوله: "لم تعمل يداك"؛ يعني: منعت الناس عن شرب مائك مع أن الماء خرج بقدرتي لا بسعيك، فإني لو لم أُخرج الماء لم يَخرج بسعيك وإن بالغت في الحفر.

* * *

2209 -

وعن الحسنِ، عن سَمُرةَ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال:"مَن أَحاطَ حائِطًا على الأرضِ فهو له".

قوله: "من أحاط حائطًا على الأرض فهو له"؛ يعني: من أدار حائطًا حول أرضٍ مواتٍ لحظيرةِ غنمٍ أو غيرِه صار ذلك الموضع ملكًا له.

* * *

2210 -

عن أسماءَ بنتِ أبي بكرٍ رضي الله عنهما: أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أقطعَ للزُّبيرِ نخيلًا.

قولها: "أقطع للزبير نخيلًا" يحتمل أن يكون معنى هذا: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقطعه مَواتًا ليغرس فيه النخل، ويحتمل أن يكون نخيلًا من أملاك الكفار، أو من مِلْكِ مسلمٍ مات ولم يخلَّف وارثًا، فوقع في بيت المال، فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعطيها الزبير؛ لأنه كان ممَّن يستحق مال بيت المال؛ لكونه مقاتلًا في سبيل الله.

* * *

ص: 506

2211 -

وعن ابن عمرَ رضي الله عنهما: أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم أَقطعَ للزُّبيرِ حُضْرَ فرسِه، فأجْرى فرسَه حتى قامَ، ثم رَمَى بسَوْطِه فقال:"أَعطُوه مِن حيثُ بلغَ السَّوْطُ".

قوله: "أقطع للزبير حضر فرسه"؛ أي: بقَدْرِ عَدْوِ فرسه؛ يعني قال: أعطوه من الأرض قَدْرَ ما جرى فرسه، حتى وقف ولم يَقْدِر أن يمشي بعد ذلك، فرمى الزبير سوطه، فوقع سوطه في موضع، وقال: أعطني يا رسول الله إلى حيث وقع فيه سوطي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أعطوه إلى حيث وقع فيه سوطه".

وهذا دليل على أنه يجوز للإمام أن يُقطع أحدًا مواتًا، فإذا أقطع أحدًا مواتًا، لا يملك ذلك الموات بمجرد الإقطاع، بل إنما يملكه بالإحياء.

* * *

2213 -

وعن أبيضَ بن حَمَّالٍ المَأرِبيِّ: أنَّه وفدَ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم فاستَقطَعَه المِلحَ الذي بمأرِبَ فأَقطعَه إيَّاهُ، فلمَّا ولَّى قال رَجُلٌ: يا رسولَ الله! إنما أَقطعْتَ له الماءَ العِدَّ، قال:"فرجَعَه منه"، قال: وسأله ماذا يُحمى من الأراكِ؟ قال: "ما لم تَنَلْه أخفاف الإبلِ".

قوله: "وفد"؛ أي: أتى.

"فاستقطعه"؛ أي: طلب منه إقطاع معدن الملح الذي بمأرب، وهو اسم ناحية.

قوله: "إنما أقطعتَ له الماء العِدَّ"، (العِد) بكسر العين: المُهَيَّأ، و (الماء العد): الماء الدائم الذي لا ينقطع، كعينٍ أو نهر؛ يعني: المعدن الذي أقطعْتَه له شيءٌ مهيَّأٌ لا يحتاج إلى عمل وتعب، بل شيءٌ كان الناس ينتفعون بملحه، فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه.

وفي هذا: بيان أن المعدن الظاهر الذي مقصوده ظاهرٌ يشترك فيه الناس

ص: 507

من غير عملٍ لا يجوز إقطاعه، بل يُترك بحاله حتى ينتفع الناس به، وذلك كالملح والقير والنفط وغيرها.

فأما المعدن الباطن الذي لا يظهر مقصوده إلا بالعمل، كمعدن الذهب والفضة والفيروزج وغيرها، يجوز إقطاعه أحدًا ليعمل فيه ويأخذ من فوائده.

وفي هذا الحديث: بيانُ أن الحاكم إذا حكم بشيء ثم تبين له أن الحق في غيره، فعليه أن يرجع عن ذلك الحكم، ويحكم بالثاني؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم رجع عن ذلك الإقطاع لمَّا أُخبر أن ذلك المعدن معدن ظاهر.

قوله: "وسأله ماذا يحمى من الأراك؟، قال: ما لم تنله أخفاف الإبل"، (نال ينال): إذا أصاب، أراد بالحِمَى هنا: الإحياءُ، لا الحِمَى؛ لأنَّا قد بينا في أول هذا الباب أن الحمى لا يجوز لأحد لأجل نفسه.

وفي هذا دليل: على أن الإحياء لا يجوز بقرب العمارة، وما يتعلق بعمارة البلد، وما يحتاج أهل البلد إليه من رعي مواشيهم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(ما لم تنله أخفاف الإبل)؛ أي: ليكن الإحياءُ في موضعٍ بعيدٍ لا تصلُ إليه مواشي أهل البلد للمرعى.

* * *

2214 -

وقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "المسلمونَ شركاءُ في ثلاثٍ: في الماءِ، والكَلأِ، والنَّارِ".

قوله: "المسلمون شركاء في ثلاث: في الماء والكلأ والنار"؛ يعني: الماء الذي يجري في نهرٍ ليس ملكًا لأحد، أو في عينٍ مباحة، فالناسُ كلُّهم شركاءُ في هذا الماء، يأخذ كلُّ واحد ما شاء منه، وليس لأحد أن يمنع أحدًا منه، وكذلك الكلأ الذي نبت في مواتٍ.

ص: 508

وأما النار فقيل: المراد منه: حجر النار الذي يكون في المَوات، لا يُمنع أحدٌ من أخذه لتُقدح منه النار.

وقيل: بل المراد منه النار؛ يعني: من أراد أن يستصبح مصباحًا من نار لا يمنعه صاحبُ النار؛ لأنه لا ينقص من عين النار شيء، فكذلك لو أراد أحد أن يجلس بنور تلك النار في موضعٍ هو ملكه، أو مواتٍ، وليس بملك صاحب النار، لا يجوز لصاحب النار أن يمنعه من الجلوس؛ لأنه لا ينقصه من عين تلك النار شيء، فأما له: أن يمنع مَن يأخذُ من خشبه أو جمره أو فحمه أو رماده شيئًا.

روى هذا الحديث أبو خداش، عن رجل، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

* * *

2215 -

وعن أسمرَ بن مُضَرَّسٍ أنه قال: أتيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم فبايعتُه فقال: "مَن سَبقَ إلى ماء لم يسبقْهُ إليه مُسلمٌ فهوَ لهُ".

قوله: "من سبق إلى ماء لم يسبقه إليه مسلم فهو له"؛ يعني: من وصل إلى ماء مباحٍ أو غيره من المباحات كالحشيش والحطب والحجر وغيرها "فهو له"؛ يعني: ما أخذه يصير ملكًا له، وأما ما بقي في ذلك الموضع لا يصير ملكًا له.

* * *

2216 -

ورُوِيَ عن طاوسٍ مُرسَلًا أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "مَن أَحيا مَواتًا مِنَ الأرضِ فهو له، وعادِيُّ الأرضِ للهِ ولرسولِهِ، ثم هي لكم مِنِّي".

قوله: "وعاديُّ الأرض لله ولرسوله، ثم هي لكم مني" أراد بـ (عادي الأرض): التي بقيت من قوم عاد بعد ما أهلكهم الله؛ يعني: جميعُ ملك

ص: 509

السماوات والأرض لله تعالى، وأعطاني الله كل الأرض ليس لها مالك، ثم أعطيتكم إياها؛ يعني: أذنت لكم، وجوَّزتُ لكم أن تُحْيوا وتَعْمُروا كلَّ أرضٍ ليس لها مالك، ولم يَجْرِ عليها مِلْكُ مسلمٍ.

* * *

2217 -

ورُوِيَ: أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم أقطعَ لعبدِ الله بن مسعودٍ الدُّورَ، وهي بينَ ظَهْرانيَ عِمارةِ الأنصارِ مِن المنازلِ والنخلِ، فقالَ بنو عبدِ بن زُهرَة: نَكَّبْ عنَّا ابن أُمِّ عبدٍ، فقالَ لهم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم:"فَلِمَ ابتَعَثَني الله إذًا؟ إنَّ الله لا يُقَدِّسُ أُمَّةً لا يُؤْخَذُ للضَّعيفِ فيهم حَقُّهُ".

قولهم: "نكِّبْ"؛ أي: اصرف وادفع عنَّا.

"ابن أم عبد"؛ يعني: عبد الله ابن مسعود؛ يعني: وصل إلينا ضررٌ بما أقطعت عبد الله بن مسعود؛ لأنه بين عماراتنا فاستردَّه عنه.

"فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: فلم ابتعثني الله"؛ يعني: فلمَ بعثني الله إلى الخلق بالرسالة إذا لم أنصر الضعيف؛ يعني: ابن مسعود ضعيفٌ فقير، وأنتم أقوياء، فلا أترك معاونته ولا أستردُّ ما أعطيتُه لأجل رضاكم.

قوله: "لا يقدِّس"؛ أي: لِمَا يظهر من الذنوب والآفات.

ويحتمل أن يريد بقوله: (لا يقدس)؛ أي: لا يطهِّر، ولا يَعذر، ولا يصطفي لمحبته قومًا لا ينصرون الضعيف الذي بينهم.

روى هذا الحديث [يحيى بن جعدة].

* * *

2218 -

عن أبي صِرْمَةَ رضي الله عنه صاحبِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: "مَن

ص: 510

ضارَّ أَضَرَّ الله بهِ، ومَن شاقَّ شَقَّ الله عليه".

قوله: "من ضار أضر الله به"؛ أي: من أوصل ضررًا إلى مسلم أوصل الله إليه ضررًا.

"ومن شاق شق الله عليه"، (الشق): تفريق الجماعة، وإيصالُ مشقةٍ إلى أحد؛ يعني: مَن فرق جماعة المسلمين فرق الله أمره، ومن أوصل مشقةً إلى أحد أوصل الله إليه مشقة.

* * *

2219 -

عن عمرِو بن شُعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه: أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قَضَى في سيلِ المهْزُور، أن يُمسَكَ حتى يبلغَ الكعبينِ، ثم يُرسلَ الأعلى على الأسفلِ.

قوله: "قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في سيل مهزور أن يمسك حتى يبلغ الكعبين، ثم يرسل الأعلى على الأسفل"، (سيل مهزور) بتقديم الزاي المعجمة على الراء المهملة: وادي بني قريظة، كان يجري فيه الماء، ويسقي منه جماعةٌ مزارعهم، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسقي مَن أرضه الأعلى أولًا، حتى يبلغ الماء في أرضه إلى الكعبين، ثم يرسل الماء إلى الأسفل، وكذلك على هذا الترتيب إلى حيث يبلغ.

* * *

2220 -

عن سَمُرةَ بن جُندُبٍ رضي الله عنه: أنه كانت لهُ عَضَدٌ مِن نخلٍ في حائطِ رَجُلٍ من الأنصارِ، ومعَ الرَّجلِ أهلُه، وكان سَمُرَةُ رضي الله عنه يدخلُ عليه فيتأذَّى به، فأتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم فذكرَ ذلك لهُ، فطلبَ إليهِ النبيُّ صلى الله عليه وسلم لِيَبيعَهُ فأبى، فطلبَ أنْ يُناقلَه فأَبى، قال:"فهَبْهُ لهُ ولك كذا"، أمرًا قَدْ رَغَّبهُ فيهِ فأبى، فقال: أنتَ مُضارٌّ، فقالَ للأنصاري:"اِذهبْ فاقطَعْ نخلَهُ".

ص: 511