الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
"فكشفتُ لها عنهنَّ"؛ أي: فأذهبتُ الكِساء عن وجه الفِراخ حتى رأتْهُنَّ أمُّهنَّ.
"وأبَتْ أمُّهنَّ إلا لزومَهنَّ"؛ يعني: فلما وضعها عند رسول الله عليه السلام فكشف الكِساء عن الطائر وفِراخِها، فما طارت أمُّها، بل ثبتت معهن من غاية رحمتِها بهنَّ، والله أعلم.
* * *
6 - باب ما يقُول عند الصَّباح والمَسَاء والمَنام
(باب ما يقول عند الصباح والمساء والمنام)
1705 -
عن عبد الله رضي الله عنه قال: كانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إذا أَمسَى قال: "أَمسَيْنا، وأَمسَى المُلكُ للهِ، والحمدُ للهِ، ولا إله إلَّا الله وحدَه لا شَريكَ لهُ، لهُ المُلكُ، ولهُ الحَمدُ، وهوَ على كلِّ شيءٍ قديرٌ، اللهمَّ إنَّي أسألُكَ مِن خَيْرِ هذهِ الليلةِ وخَيْرِ ما فيها، وأَعُوذُ بكَ مِن شَرِّها وشَرِّ ما فيها، اللهمَّ إنَّي أعوذُ بكَ مِن الكَسَلِ، والهرَمِ، وسُوءِ الكِبْرِ، وفِتنْةِ الدُّنيا، وعَذابِ القَبْرِ"، وإذا أَصبَحَ قالَ ذلكَ أيضًا:"أصبحنا، وأصبَحَ الملكُ للهِ"، وفي روايةٍ:"ربِّ أعوذُ بكَ مِن عَذابٍ في النَّارِ، وعَذابٍ في القَبْرِ".
"أمسينا وأمسى المُلك لله، والحمد لله"، و (الحمد لله) عطف على (أمسينا وأمسى الملك): إذا دخل في المساء وهو أول الليل، وأمسى: إذا صار؛ يعني: دخلنا في المساء، وصِرْنا نحن وجميع المُلك وجميع الحمد لله.
قوله: "اللهم إني أعوذ بك من الكَسَل والهرَم وسوء الكِبَر"، (الكسل): عدم نهوض النفس إلى الخير، وقلة الرغبة فيه مع وجود الاستطاعة، فالعاجز
معذور؛ لأنه لا استطاعة له، والكسلان غير معذور لوجود الاستطاعة له.
و (الهرم) و (الكبر) - بفتح الباء -: طول العمر، وأعاذ النبيُّ صلى الله عليه وسلم من الهرم وسُوءِ الكِبَر، والمراد بهما: طول العمر بحيث يصير الرجل خَرِفًا، وإن صار خرفًا يصير حقيرًا ذليلًا عند الناس، ويصير عاجزًا عن الحركة ويحتاج إلى معاونة الناس، وهو مَرَضٌ، بل أشدُّ الأمراض.
قال الخطَّابي رحمة الله عليه: وروي "سوء الكِبْر" بسكون الباب، والأول أصح. هذه عبارته؛ يعني: الرواية الصحيحة "وسوء الكِبر" بفتح الباء لا بسكونها، ومن روى بسكون الباء: معناه التكبر، وهو مذموم أيضًا.
قوله: "وإذا أصبح قال ذلك أيضًا"؛ يعني قال: (أصبحنا وأصبح الملك لله والحمد لله
…
إلى قوله: من الهرم والكبر) إلا أنه أبدل الليلةَ باليوم فقال: (اللهم إني أسألك من خير هذا اليوم وخير ما فيه).
قوله: "وفي رواية: رب أعوذ بك من عذاب في النار وعذاب في القبر"؛ يعني: قرأ بعد قوله: (من الهرم والكبر): (رب أعوذ بك من عذاب في النار وعذاب في القبر).
* * *
1706 -
عن حُذيفةَ رضي الله عنه قال: كانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إذا أَخَذَ مَضْجَعَهُ مِن اللَّيلِ وضَعَ يدَه تحتَ خدِّه، ثم يقول:"اللهمَّ باسمِكَ أَموتُ وأَحيا"، فإذا استَيْقَظَ قالَ:"الحمدُ للهِ الذي أَحيانا بعدَ ما أَماتَنا، وإليهِ النُّشورُ".
قوله: "الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا"، قال الخَطَّابي: هذا مجاز؛ لأن الحياة غيرُ زائلة عند النوم، لكن جعل السكون عن الحركات وزوال القوة عند النوم بمنزلة الموت فقال:(بعدما أماتنا)؛ أي: رَدَّ علينا القوة والحركة بعد أن أزالهما مِنَّا بالنوم.
"وإليه النشور"؛ أي: وإليه المآب والرجوع بعد الموت للحساب والجزاء يومَ القيامة.
* * *
1707 -
وقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إذا أَوَى أحدُكم إلى فِراشِهِ، فليَنْفُضْ فِراشَه بداخِلةِ إزارِه، فإنَّه لا يَدري ما خلَفَهُ عليهِ، ثم يقول: بِاسْمِكَ ربي وضَعتُ جَنْبي، وبكَ أرفعُهُ، إنْ أَمسكتَ نفْسي فارحَمْها، وإنْ أَرسلْتَها فَاحْفَظْها بما تَحفَظُ بهِ عِبَادَك الصَّالحين".
وفي روايةٍ: "ثم لْيَضْطَجِعْ على شِقِّهِ الأَيمَنِ، ثم ليقل: باسمِكَ".
وفي روايةٍ: "فليَنفُضْهُ بصَنِفَةِ ثَوبه ثلاثَ مرَّاتٍ، وليَقُلْ: إنْ أَمسكْتَ نفْسي فاغْفِر لَها".
قوله: "إذا أوى"؛ أي: إذا دخل.
"فلينفُضْ فراشه"؛ أي: فليحرِّكه ليسقُطَ ما فيه من ترابٍ وغيرِه، وإنما قال هذا لأنَّ رسم العرب تركُ الفراش في موضعه ليلًا ونهارًا.
"بداخلة إزارِه"؛ أي: بالوجه الذي يلي الباطنَ من إزاره المشدودِ في وسطه وبذيل قميصه، وإنما قيَّد نفضَ الفراش بداخلة إزاره؛ لأنَّ الغالبَ في العرب إن لم يكن لهم إزارٌ أو ثوبٌ غيرُ ما عليهم، وإنما قيد نفض الفراش بداخلةِ الإزار؛ لأن هذا أيسر، ولكشف العورة أستر.
قوله: "فإنه لا يدري ما خلفه عليه"، (خلفه): إذا قام مقامه بعده.
"عليه"؛ أي: على الفراش؛ يعني: لا يدري ما وقع وحصل في فراشه بعدما خرج هو منه إلى أن يعودَ إليه؛ يعني: يمكن أن يكون في الفراش تراب أو قَذَاة أو شيء من الهَوامَّ المُؤْذِية.
"فإن أمسكت نفسي"؛ أي: فإن قبضتَ روحي في النوم.
"وإن أرسلتها"؛ أي: وإن رُددتُ إلى الحياة وأيقظتَني من النوم.
"فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين" من أهل الطاعة.
قوله: "باسمك"؛ أي: يقول: "باسمك ربِّ وضعتُ جنبي .... " إلى آخر الدعاء.
قوله: "بصَنِفة ثوبه"؛ أي: بطرف ثوبه.
(الصَّنِفة): طرف الإزار الذي هَدَبٌ.
قوله: "وإن أمسكت نفسي فاغفر لها"؛ يعني: إذا اضطجع يقول: "باسمك
…
" إلى آخر الدعاء، إلا أنه يقول: "فإن أمسكتَ نفسي فأغفر لها" بدل قوله: "فارحمها".
روى هذا الحديثَ أبو هريرة.
* * *
1708 -
عن البَرَاء بن عازِبٍ رضي الله عنه قال: كانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إذا أَوَى إلى فِراشِه نامَ على شقَّه الأَيمنِ، ثم قال:"اللهم أَسلَمْتُ نفْسي إليكَ، ووَجَّهتُ وَجْهي إليكَ، وفَوَّضْتُ أَمْرِي إليكَ، وألجأْتُ ظَهْري إليكَ، رَغْبةً ورَهْبةً إلَيكَ، لا مَلْجَأَ، ولا مَنْجَا منكَ إلَّا إليكَ، آمنْتُ بكِتابكَ الذي أَنْزَلْتَ، وبنبيكَ الذي أَرسلتَ"، وقالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم:"مَن قالَهنَّ، ثم ماتَ تحتَ ليلَتِهِ ماتَ على الفِطْرةِ".
وفي روايةٍ: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لرجُلٍ: "إذا أويتَ إلى فِرَاشِكَ فَتوَضَّأ وُضُوءَك للصَّلاةِ، ثم اضْطَجِعْ على شقَّكَ الأَيمَنِ، ثم قلْ: اللهمَّ أسلَمْتُ نفْسي إليكَ - بهذا - وقال: "فإنْ مِتَّ مِنْ لَيلتِكَ مِتَّ على الفِطْرةِ، وإنْ أَصبْحَتَ أَصبْتَ خيرًا".
قوله: "ثم قل: اللهم أسلمتُ نفسي إليك بهذا"؛ أي: ثم ادعُ بهذا الدعاء إلى أن تختم الدعاء.
"الفطرة": الإسلام.
* * *
1709 -
عن أنس رضي الله عنه: أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كانَ إذا أَوَى إلى فِراشِه قالَ: "الحَمْدُ للهِ أَطْعَمنا، وسَقانا، وكَفانا، وآوَانا، فكَمْ مِمَّن لا كافِيَ لهُ، ولا مُؤوِيَ له".
قوله: "وكفانا"؛ أي: دفع عنَّا شرَّ المؤذيات، وحفظنا وهيَّأ أسبابنا.
قوله: "وآوانا" بمد الهمزة؛ أي: جعل لنا مساكن، ورزقنا المساكن.
قوله: "فكم ممن لا كافي له ولا مؤوي"، (الكافي) و (المؤوي) هو الله؛ يعني: يكفي شر بعض الخلق عن بعض، ويهيئ لهم المأوى والمسكن؛ يعني: الحمد لله الذي كفانا وآوانا، فكم مِنْ خَلق الله لا يكفيهم الله شرَّ الأشرار، بل تَركَهم حتى غَلَبَ عليهم أعداؤهم، وكم مِنْ خلق لم يجعلِ الله لهم مأوى ومسكنًا، بل تركهم يتأذَّون في الصحارى في البرد والحر.
* * *
1710 -
وعن عليٍّ رضي الله عنه: أنَّ فاطِمَةَ أتَتِ النبيَّ صلى الله عليه وسلم تَشْكُو إليهِ ما تَلْقَى في يَدِها مِن الرَّحا، وبَلَغها أنه جاءَهُ رَقيقٌ، فلم تُصادِفْه، فذكرَتْ ذلكَ لعائشةَ رضي الله عنها، فلمَّا جاءَ أخبرَتْه عائشةُ، قال: فجاءَنا وقد أَخَذْنا مَضاجِعَنا، فذهبنا نقُومُ، فقالَ:"على مَكانِكُما"، فجاءَ فقَعدَ بَيْني وبينَها، حتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ قَدَمِه على بَطْني، فقال:"ألا أدُلُّكُما على خَيرٍ مما سأَلتُما؟ إذا أخذْتُما مَضْجَعَكُما فسَبحا ثلاثًا وثلاثينَ، واحمَدا ثلاثًا وثلاثينَ، وكَبرا أربعًا وثلاثينَ، فهو خيرٌ لكُما مِن خادِمٍ".
قوله: "ما تلقى في يدها من الرَّحى"؛ يعني: ما ترى وتجد من مشقة إدارة الرَّحى بيدها.
قوله: "وبلغها"؛ أي: وبلغ فاطمةَ خبرُ حصول عَبيد من السَّبي عند رسول الله عليه السلام، فأتته لتسأله رقيقًا ليعينَها بالخدمة، فإنها تتأذى بتفرُّدها في خدمة أهل بيتها.
"فلم تصادفه"؛ أي: فلم تجد فاطمةُ رسولَ الله عليه السلام.
"فذكرت ذلك لعائشة"؛ يعني: فقالت فاطمة لعائشةَ: أخبري رسولَ الله عليه السلام أني جئته لأسألَه رقيقًا.
"فذهبنا نقوم"؛ أي: طَفِقْنا لنقوم من مضاجِعنا إلى خدمته.
"فقال على مكانكما"؛ أي: فقال لهما رسول الله عليه السلام: كونا واثْبُتا على مكانكما ولا تقوما.
"حتى وجدت برد قدمه على بطني"، هذا يدل على شيئين: أحدهما: أنهما كانا تحت لِحَاف واحد، والثاني: أن عليًا كان عُرْيانًا.
"ألا أدلُّكما على خير مما سألتما"؛ أي: ممَّا طلبتما من رقيق، وهذا تحريض على الصبر على مشقة الدنيا ومكارِهها من الفقر والمرض وغير ذلك.
* * *
1713 -
عن أبي هُريرةَ رضي الله عنه قال: قالَ أبو بكرٍ: يا رسولَ الله!، مُرْني بشيءٍ أَقولُه إذا أصبحتُ وإذا أَمْسيتُ، قالَ:"قلْ: اللهمَّ عالِمَ الغَيبِ والشَّهادةِ، فاطِرَ السَّماواتِ والأَرضِ، رَبَّ كلِّ شيءٍ ومَلِيكَه، أَشهدُ أنْ لا إلهَ إلا أَنْتَ، أَعُوذُ بكَ مِن شرِّ نَفْسِي، ومِن شَرِّ الشَّيطانِ وشِرْكه، قُلْهُ إذا أصبحتَ، وإذا أمسَيْتَ، وإذا أَخَذْتَ مَضْجَعَك".
قوله: "مليكه"، (المليك): القادر.
* * *
1714 -
وقال: "ما مِن عَبْدٍ يقولُ في صباحِ كلِّ يومٍ ومساءِ كلِّ ليلةٍ: باسم الله الذي لا يَضُرُّ مع اسمِهِ شيءٌ في الأرضِ، ولا في السَّماءِ، وهو السميعُ العَليمُ، ثلاثَ مراتٍ، فيضرَّهُ شيءٌ".
وفي روايةٍ: "لم تُصِبْه فَجْأةُ بلاءٍ حتى يُصْبحَ، ومَن قالَها حينَ يُصْبحُ لم تُصِبْه فَجأةُ بلاءٍ حتى يُمسِيَ".
قوله: "لا يضرُّ مع اسمه شيءٌ في الأرض ولا في السماء"؛ يعني: إذا ذكر الرجلُ اسمَه على طعام عن اعتقاد حَسَن ونية خالصة لا يضرُّه ذلك الطعامُ، ولو ذَكَر اسمَه على وجهِ عدُوٍّ لا يظفر عليه عَدُوُّه، وكذلك جميعُ الأشياء.
روى هذا الحديثَ عثمان رضي الله عنه.
* * *
1715 -
وعن ابن عُمر رضي الله عنه قال: لم يكُنْ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يدَع هؤلاء الكلِمات حين يُمسي وحين يُصبحُ: "اللهمَّ إنَّي أسأَلُك العافيةَ في الدُّنيا والآخرة، اللهمَّ إنَّي أسألك العَفْوَ والعافيةَ في ديني ودُنيايَ وأهلي ومالي، اللهمَّ احفظْني من بين يديَّ ومِنْ خَلْفي، وعن يميني وعن شِمالي، ومنْ فوقي، اللهمَّ استُرْ عوراتي، وآمِنْ رَوعاتي، اللهم احفظْني مِن بين يديَّ ومِنْ خلْفي، وعن يميني وعن شمالي، ومِن فَوْقي، وأعوذُ بعظمتِكَ أنْ أُغتالَ مِنْ تحتي" يعني: الخَسْفَ.
قوله: "ومن سوء الكفر"؛ أي: ومن شر الكفر، وذنب الكفر، وإثمه وشُؤمه.
* * *
1717 -
وعن بعضِ بناتِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم كانَ يُعَلِّمُها فيقولُ: "قُولي حينَ تُصبحينَ: سبُحانَ الله وبحمدِه، لا قوةَ إلا بالله، ما شاءَ الله كانَ، وما لَمْ يَشَأْ لم يَكُنْ، أَعلَمُ أنَّ الله على كلَّ شيءٍ قديرٌ، وأنَّ الله قد أَحاطَ بكلِّ شيءٍ عِلْمًا، فإنَّه مَن قالَها حينَ يُصبحُ حُفِظَ حتى يُمْسِيَ، ومَن قالَها حينَ يُمسِي حُفِظَ حتى يُصبحَ".
قوله: " {فَسُبْحَانَ اللَّهِ} "؛ أي: نزِّهوه عما لا يليق بعظمته وكبريائه، وقولوا ما به تعظيمٌ له، وقيل: صلوات الله " {حِينَ تُمْسُونَ} "؛ أي: صلاة المغرب والعشاء، " {وَحِينَ تُصْبِحُونَ} ": أي: صلاة الصبح.
" {وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} ": أي: هو محمود عند أهل السماوات والأرض، وقيل: معناه: أنه يحمَدُه أهلُ السماوات وأهلُ الأرض.
" {وَعَشِيًّا} "؛ أي: صلاة العصر.
" {وَحِينَ تُظْهِرُونَ} "؛ أي: حين تدخلون في وقت الظهر؛ يعني: صلاة الظهر.
" {يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ} "؛ أي: الإنسان من النطفة، والدجاجَ من البيضة، والنخل من النَّواة، والمؤمن من الكافر.
" {وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ} "؛ أي: النطفة من الإنسان، والبيضة من الدجاج، والنواة من النخل، والكافر من المؤمن.
" {وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} "؛ أي: يُخرج النبات منها بالمطر بعد يَبَسِها.
" {وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ} "؛ أي: كإخراج الحي من الميت، وكإحياء الأرض بعد موتها، تُخرجون من قبوركم يومَ القيامة.
قوله: "أدرك ما فاته في يومه ذلك"؛ يعني: يحصل ثواب ما فات
منه من وِرْد وخير.
* * *
1719 -
عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما: أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "مَن قالَ إذا أَصبحَ: لا إلهَ إلا الله وحدَه لا شريكَ لهُ، لهُ المُلْكُ، ولهُ الحمدُ، وهوَ على كلَّ شيءٍ قديرٌ؛ كانَ لهُ عِدْلُ رقَبةٍ مِن ولدِ إِسْماعيلَ، وكُتِبَ لهُ عَشْرُ حسَنات، وحُطَّ عنه عشرُ سَيئاتٍ، ورُفِعَ له عَشْرُ درَجاتٍ، وكانَ في حِرْزٍ مِن الشَّيطانِ حتى يُمسِيَ، وإنْ قالَها إذا أَمسَى كانَ لهُ مِثْلُ ذلك حتى يُصْبحَ".
قوله: "أسر إليه"، الإسرار والإعلان والإخفاء، وهو من الأضداد، وكلا المعنيين مُحتمل ها هنا.
قوله: "اللهمَّ أجِرْني"، هذا أمر مخاطب مِنْ: أجار يُجير إِجارةً: إذا خَلَّصَ أحدًا مما يخاف.
قوله: "كتب له جوار منها"، (الجوار): البراءة التي تكون مع الرجل في الطريق، حتى لا يمنَعه أحدٌ المرور، والمراد به ها هنا: أنه خلَّصه الله منها.
* * *
1720 -
عن الحَارِث بن مُسلِم بن الحَارِث التَّميميِّ، عن أَبيه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه أَسَرَّ إليهِ فقالَ: "إذا انصَرفْتَ مِن صلاةِ المَغربِ فقُلْ قبلَ أنْ تُكَلِّمَ أَحَدًا: اللهمَّ أَجِرْني من النارِ سَبْعَ مرَّاتٍ، فإنَّكَ إذا قُلْتَ ذلكَ ثُم مِتَّ في ليلتِكَ كُتِبَ لكَ جِوَارٌ منها، وإذا صلَّيْتَ الصُّبحَ فَقُلْ كذلكَ، فإنك إذا مِتَّ في يَومِكَ كُتِبَ لكَ جِوَارٌ منها".
قوله: "يَدَع"؛ أي: يترك.
"استر عوراتي"؛ أي: ما فيَّ من العيوب والخَلَل والتقصير.
"وآمن رَوعاتي"؛ أي: مما أخافه.
(الروع): الخوف.
"اللهمَّ احفظني من بين يدي
…
" إلى آخر الكلمات؛ يعني: اللهم ادفعْ عنِّي المُؤْذيات والبلاء من الجوانب السِّتَّة.
"أُغتال"؛ أي: أَهْلَك.
* * *
1721 -
وقال: "مَنْ قالَ حينَ يُصبحُ: اللهمَّ أَصبَحْنا نُشهِدُكَ ونُشهِدُ حَمَلَةَ عَرْشِكَ وملائكَتَكَ وجَميعَ خَلْقِكَ: أنَكَ أنتَ الله، لا إلهَ إلا أنتَ، وَحْدَكَ لا شَريكَ لكَ، وأنَّ مُحمَّدًا عبدُكَ ورسولُك، إلا غفَرَ الله لهُ ما أصابَهُ في يومِه ذلكَ مِن ذَنْبٍ، وإنْ قالَها حينَ يُمسي غفَرَ الله لهُ ما أَصابَ في تلكَ اللَّيلةِ مِن ذَنْبٍ"، غريب.
قوله: "نشهدك"؛ أي: نجعلكَ شاهدًا على إقرارنا بوحدانيَّتك في الأُلوهية والرُّبوبية.
روى هذا الحديثَ أنسٌ.
* * *
1722 -
وقال: "ما مِن عَبْدٍ مُسلمٍ يقولُ إذا أَمسَى وإذا أَصبَحَ ثلاثًا: رَضيْتُ بالله ربًّا، وبالإسلامِ دِيْنًا، وبمُحمَّدٍ صلى الله عليه وسلم نبَيًّا إلا كانَ حقًا على الله أنْ يُرضيَهُ يومَ القيامةِ".
قوله: "كان على الله حقًا أن يُرضيه يومَ القيامة"، (حقًا) خبر (كان)، و (أن يُرضيه) اسم (كان)، والتقدير: كان إرضاؤه حقًا على الله يوم القيامة، وحقًا معناه: واجبًا، ولا يجب على الله تعالى شيءٌ إلا أنه إذا وَعَدَ بشيء، أو إذا
قال شيئًا لا يُخْلِفُ وعدَه، فيكون كالواجب عليه، وإذا عَمِلَ عبدٌ عملًا صالحًا يعطيه ثوابَ عملِه تفضُّلًا ورحمةً منه، كمن يؤدِّي واجبًا.
روى هذا الحديثَ ثَوبانُ مولى رسولِ الله عليه السلام.
* * *
1726 -
وقال: "مَن قالَ حينَ يَأْوي إلى فِرَاشِه: أَستغفِرُ الله الذي لا إله إلا هوَ الحيَّ القَيُّومَ، وأتوبُ إليه، ثلاثَ مرَّاتٍ؛ غَفَرَ الله له ذنُوبَه، وإنْ كانَتْ مِثْل زَبَدِ البحرِ، أو عَددَ رَمْلِ عالِجٍ، أو عددَ ورَقِ الشَّجَرِ، أو عددَ أيامِ الدُّنيا"، غريب.
قوله: "أو عددَ رملِ عَالِج": اسم وادٍ بعيدِ الطُّول والعَرْض، كثيرِ الرَّمْل من أرض العرب.
روى هذا الحديثَ أبو سعيد.
* * *
1727 -
وقال: "ما مِن مُسلِمٍ يأخذُ مَضْجَعَهُ بقِراءةِ سُورةٍ مِن كتابِ الله إلا وكَّلَ الله به مَلَكًا، فلا يَقْرَبُهُ شَيءٌ يُؤْذيهِ، حتى يَهُبَّ متى هَبَّ".
قوله: "حتى يهب"؛ أي: حتى يستيقظَ من النوم.
روى الحديثَ شَدَّادُ بن أَوس.
* * *
1728 -
عن عبد الله بن عَمْرٍو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خَلَّتانِ لا يُحصِيهما - وفي روايةٍ: لا يُحافِظُ عليهما - رجُلٌ مُسلِمٌ إلا دَخَلَ الجنَّةَ، أَلَا وَهُمَا يَسيرٌ، ومَنْ يَعملُ بهما قليلٌ: يُسَبحُ الله في دُبُرِ كلِّ صلاةٍ عَشْرًا، ويحمدُه
عَشْرًا، ويُكبرُه عَشْرًا"، قال: فأَنا رأَيتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يَعقِدُها بيدِهِ، قال: "فتلكَ خَمْسونَ ومائةٌ باللِّسانِ، وألفٌ وخَمْسمائةٍ في المِيزانِ، وإذا أَخَذ مَضْجَعَهُ يُسَبحُه ويحمدُه وبُكَبرُه مائةً".
وفي روايةٍ: "يكبرُ أَربعًا وثلاثينَ، ويحمدُه ثلاثًا وثلاثينَ، ويسبحُ ثلاثًا وثلاثينَ، فتلكَ مائةٌ باللَّسانِ، وألفٌ في المِيْزانِ، فأَيُّكم يَعمَلُ في اليومِ واللَّيلةِ ألفَينِ وخمسمائةِ سَيئةٍ؟ " قالوا: فكيفَ لا نُحصِيْها؟ قال: "يأْتي الشَّيطانُ أَحَدَكم وهو في صَلاتِهِ فيقولُ: اذكُرْ كذا، اذْكُرْ كذا، حتى يَنفَتِلَ، فلَعَلَّهُ أنْ لَا يفعَلَ، ويأتيهِ في مضجَعِهِ فلا يَزالُ يُنَوِّمُهُ حتى ينامَ".
قوله: "خُلَّتان"؛ أي: خصلتان.
"لا يحصيهما"؛ أي: لا يعمل بهما، أراد بالخُلَّتين الذِّكر بهؤلاء الكلمات الثلاثِ خلفَ الصلواتِ المكتوبة، وعند الاضطجاع، فتلك خمسون ومئة باللسان؛ يعني: التسبيح عشر خلف الصلوات الخمس يكون خمسين، والتحميد مثله، والتكبير مثله، يكون المجموع مئة وخمسين.
قوله: "وألف وخمس مئة في الميزان"؛ يعني: تكون الحسنة بعشر أمثالها، فالمئة تكون ألفًا، والخمسون تكون خمس مئة.
قوله: "فأيكم يعمل في اليوم والليلة ألفين وخمس مئة سيئة"؛ يعني: إذا أتى بهؤلاء الكلمات خلف الصلوات وعند الاضطجاع يحصل له ألفا حسنةٍ وخمس مئة حسنة، فيعفى عنه بعدد كل حسنة سيئة، فأيكم يكون ذنبه في كل يوم وليلة ألفين وخمس مئة؛ يعني: يصير مغفورًا.
قوله: "فيقول اذكر كذا"؛ يعني: يوقع الشيطان في قلبه الوساوس والنسيان والأشغال الدنيوية.
"حتى ينفتل"؛ أي: ينصرف ويفرُغ من صلاته، فينسى هذا الذكر فلا يأتي به.
قوله: "ينوَّمه"؛ أي: يلقي النوم عليه حتى ينام، فلا يأتي بهذا الذكر.
* * *
1729 -
عن عبد الله بن غَنَّام: أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "مَن قالَ حينَ يُصبحُ: اللهمَّ ما أَصْبَحَ بِي مِنْ نِعْمَةٍ أَوْ بِأحَدٍ مِنْ خَلْقِكَ فَمِنْكَ وحْدَكَ لَا شَريكَ لك، فَلَكَ الحَمْدُ، وَلَكَ الشُّكرُ، فقد أَدَّى شُكْرَ يَومِهِ، ومَن قالَ مثلَ ذلكَ حينَ يُمسي فقد أدَّى شُكْرَ لَيلَتِهِ".
قوله: "ما أصبح بي من نعمة"؛ أي: ما حصل لي من نعمة، أو حصلت لأحد من جميع المخلوقات، فهو منك وشاكرك عليه.
* * *
1730 -
عن أبي هُريرةَ رضي الله عنه عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم: أنه كانَ يقولُ إذا أَوَى إلى فِرَاشِهِ: "اللهمَّ ربَّ السَّماواتِ، وربَّ الأرضِ، وربَّ كلِّ شيءٍ، فالِقَ الحَبَّ والنَّوَى، مُنْزِلَ التَّوراةِ والإِنْجيلِ والقُرْآن، أَعُوذُ بكَ مِنْ شَرِّ كلِّ ذي شرًّ أنتَ آخِذٌ بناصيتها، أنتَ الأَوَّلُ فليسَ قَبْلَكَ شيءٌ، وأنتَ الآخِرُ فليسَ بعدَك شيءٌ، وأنت الظَّاهِرُ فليسَ فوقَكَ شيءٌ، وأنتَ الباطِنُ فليسَ دُونَكَ شيءٌ، اقْضِ عني الدَّيْنَ، وأَعِذْنِي مِنَ الفَقْرِ".
قوله: "فالق الحَبِّ والنَّوى"، (الفلق): الشق، و (النوى): جمع نواة، وهي عَظْم النخل؛ يعني: يا من شَقَّ الحَبَّ والنَّوى، فأخرجَ منها الزرع والنخيل.
قوله: "أنت آخذٌ بناصيته"، هذا عبارة عن القدرة والغَلَبة؛ يعني: أعوذ بك من شرِّ كلِّ شيء أنت قادر عليه؛ أي: من شر جميع الأشياء؛ لأن الله تعالى قادر على جميع الأشياء، وإنما كنَّى عن القدرة بقوله:(أنت آخذ بناصيته)؛ لأنَّ مَنْ أخذ بناصية أحد، فقد قَهَره وقَدَر عليه غايةَ القدرة.
* * *
1731 -
عن أبي الأَزْهَرِ الأَنْمَارِيِّ: أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كانَ إذا أخذَ مَضْجَعَهُ من اللَّيلِ قال: "بسمِ الله وضعتُ جَنْبي، اللهمَّ اغفرْ لى ذَنْبي، واخْسَأْ شَيْطاني، وفُكَّ رِهَاني، وثَقِّلْ مِيْزاني، واجعَلْني في النَّدِيِّ الأَعلَى".
قوله: "اخسأ شيطاني": أي: أبعد شيطاني.
"وفك رهاني": أمر مخاطب من الفك وهو تخليص الرهن عن يد المرتهن.
(الرهان): جمع رهن، والرهن: هو المال المحبوس عند المرتهن في حقه؛ يعني: خلص رقبتي عن حقوق الآدميين، وعن حقوقك يا ربَّ، وعن الذنوب.
"واجعلني في النَّدِيِّ الأعلى"، (النَّديَّ): المجلس، والمراد به: أهل الندي الأعلى، وهم الملائكة، والندي الأعلى: السماوات؛ يعني: واجعلني مع الملائكة، ويُروى لا من الطريق هذا الكتاب:"في النداء الأعلى"، والمراد به: نداء أهلِ الجنةِ أهلَ النار في قوله تعالى: {وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ} [الأعراف: 44].
والنداء الأسفل: نداء أهل النار أهلَ الجنة في قوله تعالى: {وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ} [الأعراف: 50].
وأراد به في هذه الرواية: أن يجعله الله من أهل الجنة مع الأنبياء.
روى هذا الحديثَ أبو الأزهر الأَنْماري.
* * *
1733 -
عن بُرَيْدَة رضي الله عنه قال: شَكَا خالدُ بن الوليدِ إلى النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقالَ: يا رسولَ الله!، ما أَنامُ اللَّيلَ مِن الأَرَقِ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: إذا أَوَيتَ إلى فِراشِكَ فقلْ: "اللهمَّ ربَّ السَّماوَاتِ السَّبْع وما أَظَلَّتْ، وربَّ الأرضَيْنَ وما أَقَلَّتْ، وربَّ الشَّياطينِ وما أَضَلَّتْ، كُنْ لي جارًا مِنْ شرِّ خَلْقِكَ كُلَّهم جميعًا، أنْ يَفْرُطَ عليَّ أحدٌ منهم، أو أنْ يَبغِيَ، عزَّ جارُك، وجلَّ ثَنَاؤُكَ، ولا إلَهَ غَيْرُكَ، لا إله إلَّا أنتَ"، ضعيف.
قوله: "ما أنام الليل من الأَرَق"، و (الأرق): مفارقة النوم الرجل من وسوسة أو حزن أو غير ذلك.
قوله: "وما أظلت"؛ أي: ما أوقعت السماوات ظلَّهن عليه.
قوله: "وما أقلت"؛ أي: وما رفعته الأرضون؛ أي: ما خلق على الأرضين.
قوله: "وما أضلت"؛ أي: وما أضلهم الشياطين من الإنس والجن، ومن وسوسة الشياطين في صدورهم.
"كن لي جارًا"؛ أي: حافظًا.
"أن يفرط عليَّ أحدٌ منهم، أو أن يبغي"، (الفَرَط): الإسراع، ويعدى بـ (على)، يقال: فَرَط عليه: إذا قصده مسرعًا.
وبغى يبغي: إذا ظلم؛ يعني: احفظني أن يسرع عليَّ أحدٌ من خلقك