الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أكثرَ، وفيه إشارةٌ إلى أن المسجدَ الأقصى ليس موضعًا لحجةِ الناسِ كما كان أهلُ الكتاب يفعلونَه؛ لأنه لو كان هو الموضعَ المحجوجَ لما أمر الشارعُ بالإحرام منه وقَصْدِ المسجدِ الحرام.
قوله: "أو وَجَبتْ له الجنةُ"، هذا شكٌّ من الراوي في أن النبي عليه السلام قال:"غُفِرَ له أو وَجَبت له الجنةُ".
* * *
2 - باب الإِحْرام والتَّلْبية
(باب الإحرام والتلبية)
1828 -
قالتْ عائشةُ رضي الله عنها: كنتُ أُطَيبُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم لإِحْرامِهِ قَبْل أنْ يُحرِمَ، ولِحِلِّهِ قَبْلَ أنْ يَطُوفَ بالبَيْتِ بطيبٍ فيه مِسْكٌ، كأنَّي أَنْظُرُ إلى وَبيْصِ الطَّيبِ في مَفْرِقِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وهو مُحْرِمٌ.
قول عائشةَ: "كنت أطيبُ رسولَ الله عليه السلام لإحرامه قبل أن يُحْرِمَ"؛ يعني: يجوزُ أن يطيبَ نفسَه قبل أن يُحرِمَ، فإذا أحرمَ حَرُمَ عليه استعمالُ الطَّيبِ في بدنه وثيابه، فإن استعملَ طِيبًا لَزِمَه شاةٌ.
قولها: "ولحِلِّه قبلَ أن يطوفَ بالبيت".
(الحِلُّ): الخروج من الإحرام؛ يعني: إذا رمى المُحْرِمُ يومَ العيد سبعَ حَصَياتٍ بجمرةِ العقبة جاز أن يُطَيَّبَ بما شاء من الطِّيب قبل أن يطوفَ طوافَ الفرض.
قولها: "كأني أنظرُ إلى وَبيصِ الطِّيبِ في مفارِقِ رسولِ الله عليه السلام".
(الوَبيصُ): اللَّمعانُ؛ يعني: يبقى أثر الطَّيْبِ الذي أجعلُه عليه قبلَ الإحرام إلى ما بعد الإحرام، وهذا دليلٌ على أن الطِّيْبَ الذي استعمله المُحْرِمُ قبل الإحرام لو بقيَ أثرُه من الجِرْمِ والرائحةِ واللونِ إلى ما بعد الإحرام جاز، وهذا قول الشافعي.
وفي قول مالك: كرهَ أن يبقى أثرُه بعدَ الإحرام، وفي قول أبي حنيفة: لو بقيَ جِرْمُ الطيب بعد الإحرام لزمَه شاةٌ.
* * *
1829 -
وقال ابن عمر: سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يُهِلُّ مُلَبدًا يقولُ: "لَبَّيْكَ اللهمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إنَّ الحَمْدَ والنِّعْمَةَ لكَ والمُلْكَ، لا شَرِيكَ لكَ"، لا يَزِيدُ على هؤلاءِ الكلِماتِ.
قوله: "يُهِلُّ مُلَبدًا"، (يُهِلُّ)؛ أي: يرفَعُ صوتَه بالتلبية، (ملبدًا): بكسر الباء اسم فاعل، وبفتحها اسم مفعول من التلبيد وكلاهما محتمَلٌ ها هنا.
و (التلبيدُ): هو إلصاقُ شعورِ الرأسِ بالصَّمْغ ونحوِه كي لا يتفرقَ شعرُ الرأس، وكي لا يدخلَ الغبارُ والهوامُّ بين الشعرِ، وهذا جائزٌ للمُحْرِم.
وقال أبو حنيفة: لزمَه دمٌ إن لَبَّدَ بما ليس فيه طِيبٌ؛ لأنه كتغطية الرأس، ولزمَه دَمَانِ إنْ لَبَّد بشيء فيه طِيب.
قوله: "لبَّيكَ اللهم لَبَّيك"، أصلُه: إلْبَابَيْنِ، فنُقلت فتحة الباء إلى اللام، وحُذِفت الهمزة، ثم حُذفت الألف لسكونها وسكونِ الباء الأولى، وأُدغمت الباء في الثانية، ثمَّ أضيفَ إلى كاف الخطاب، فحذفت النون للإضافة فصار: لَبَّيك، وتقديرُه: ألْبَيْتُ يا ربِّ بخدمتك إِلْبابًا بعد إلْبابٍ؛ أي: أقمتُ بخدمتك قيامًا بعد قيام.
قوله: "إنَّ الحمدَ والنعمَة لك"؛ يجوزُ بكسر الهمزة وفتحها، فمن كسرها جعلها ابتداءَ كلام، وجعل الحمدَ غير مختصًّ بالتلبية؛ أي: إن الحمدَ والنعمةَ لك في جميع الأحوال، وفي جميعِ الأزمان، وفي جميع أفعالي وأقوالي، ومن فتح الهمزة علَّقَ الحمدَ بالتلبية.
وتقديره: لبيك بأن الحمد والنعمة لك؛ أي: أقمتُ بخدمتك لأجل أنك المستحقُّ للحمد.
قوله: "والمُلْكَ، لا شريكَ لك"، (المُلْكَ): معطوفٌ على (الحمد)، وتقديرُه: إن الحمدَ والنعمةَ والمُلْكَ لك، وليس لك شريكٌ في المُلْكِ.
* * *
1830 -
وعن ابن عمر رضي الله عنهما: أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كانَ إذا أَدخَلَ رِجْلَهُ في الغَرْزِ واَسْتَوَتْ به ناقتُهُ قائمةً أهلَّ منْ عِنْدِ مَسْجِدِ ذِي الحُلَيْفَةِ.
قوله: "إذا أَدخلَ رِجْلَه في الغَرْزِ".
الغَرْزُ: الحَلْقةُ التي يُدخِلُ الفارسُ رجلَه فيها إذا ركبَ، ويُسمَّى رِكابًا.
والغَرْزُ: رِكاب من الخَشَب، ويُستَعملُ فيما كان من الحديد أيضًا.
قوله: "واستَوتْ به ناقتُه".
(استوى): إذا استقامَ، والباء للتعدية؛ أي: جَعَلَتْه ناقتُه مستقيمًا على ظهرِها؛ أي: فلمَّا ركبَها واستقرَّ على ظهرها أَهَلَّ؛ أي: أحرم؛ يعني: رفع صوتَه بالتلبية ونوى الإحرام، وهذا إشارةٌ إلى أن وقتَ نية الإحرام وأَوَّلِ التَّلْبية أولُ تحرُّكِ الرجلِ للذهابِ من الميقات للحج، والقولُ المختار أنه ينوي الإحرامَ بعد التسليم من رَكعتي الإحرام لحديث ابن عباس أن رسول الله عليه السلام كان يُحرم إذا فرغَ من صلاتِه بذي الحُلَيفة.
* * *
1831 -
وقال أبو سَعيد رضي الله عنه: خَرَجْنا مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم نَصْرُخُ بالحَجِّ صُراخًا.
قوله: "ونَصْرُخُ بالحَجِّ"؛ أي: نرفَعُ أصواتَنا بالتلبية.
* * *
1832 -
وقال أنَسٌ رضي الله عنه: كنتُ رَديفَ أبي طَلْحَةَ رضي الله عنه، وإنَّهُمْ لَيصرُخُونَ بِهِما جميعًا: الحَجِّ والعُمْرَةِ.
قول أنس: "كنتُ رَدِيفَ أبي طَلْحةَ، وإنَّهم لَيَصرُخُونَ بهما جميعًا: الحَجِّ والعمرةِ". يعني: سمعتُ من الصحابة أنهم يُلبُّون، ويقولُ كلُّ واحد: أحرمتُ بالحج والعمرة يعني القِران، والقرانُ أن ينويَ الحج والعمرة معًا، ويفعلَ أفعالَ الحج، ويُدخِلَ أفعالَ العمرة تحتَ أفعالِ الحج، ويحصُلَ له الحجُّ والعمرةُ جميعًا.
* * *
1833 -
وقالت عائشةُ رضي الله عنها: خَرَجْنَا مَعَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم عامَ حَجَّةِ الوَدَاعِ، فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، ومِنَّا مَنْ أَهَلَّ بحَجَّةٍ وعُمْرَةٍ، ومِنَّا مَنْ أَهَلَّ بالحجِّ، وأَهَلَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بالحجِّ، فأمَّا مَنْ أَهَلَّ بالعُمْرَةِ فَحَلَّ، وأَمَّا مَنْ أَهَلَّ بالحجَّ أو جَمَعَ الحَجَّ والعُمْرَةَ فلَمْ يَحِلُّوا حتَّى كانَ يَوْمُ النَّحْرِ.
قولها: "فأمَّا مَن أَهَلَّ بالعُمْرة فَحَلَّ"؛ يعني: من أَهَلَّ بالعمرة قبل الحج حَلَّ إن خرجَ من العمرة، فإذا طاف بالكعبة وسعى بين الصَّفا والمَرْوة وحلقَ حَلَّ له جميعُ المحظورات في الإحرام، ثمَّ إذا كان يومُ عرفةَ أحرم بالحج.
قولها: "حتى كان يومُ النَّحْر"؛ يعني من أَحرَمَ بالحجَّ مُفْرِدًا أو بالقِرَان لم يحلَّ له شيءٌ من محظورات الإحرام، حتى إذا رمى جمرة العقبة يومَ النحرِ سبعَ
حَصَيات فحينئذ يحلُّ له التطيُّبُ والقَلْمُ ولُبْسُ المَخِيطِ والحَلْقُ، وبقي تحريمُ مباشرةِ النساءِ وَقَتْلُ الصيد إلى أن يطوفَ طوافَ الفَرْض.
واعلم أن العلماء اختلفوا في أفضلِ أنواعِ الحَجِّ، فقال الشافعيُّ ومالك: الإفرادُ أفضلُ، وهو أن يُحْرِمَ بالحجِّ ويُتِمَّه، ثمَّ يحرمَ بالعمرة لحديث عائشةَ وحديث جابر.
وقال أحمد بن حنبل: التمتُّعُ أفضلُ لحديث ابن عمرَ أن رسول الله عليه السلام تمتَّعَ.
والتمتُّعُ: أن يُحرمَ بالعمرة ويفرغ، ثم يحرِمَ بالحج من جوف مكة.
وقال أبو حنيفة: إن القِرانَ أفضلُ لحديث أنس، وقد ذُكِرَ قُبيلَ حديثِ عائشة هذا.
واعلم أن رسول الله عليه السلام لم يَحُجَّ بعد وجوب الحجِّ إلا مرةً واحدةً، وهو حجُّه في السنة العاشرة، ويسمَّى حجَّةَ الوداع، واختلفَ الصحابةُ في أن حجَّه إفرادٌ أو تمتُّعٌ أو قِرَانٌ، فروى بعضُهم أن إحرامَه كان بالحج، فلما فرغَ منه أحرمَ بالعمرة.
وروى بعضهم أنه أحرم بالعمرة فلما فرغَ منها أحرمَ بالحج، وروى بعضهم أنه أحرم بهما جميعًا، ويسمَّى حجُّه على هذه الصفة قِرانًا.
قال الخَطَّابي: طعنَ جماعةٌ من الجُهَّالِ والملحِدين في أصحاب الحديث، وقالوا: إذا أثبتُّم أن رسول الله عليه السلام لم يحجَّ إلا حَجَّةَ الوداعِ فكيفَ كان في حَجَّةٍ واحدةٍ مفرِدًا ومتمتِّعًا وقارنًا؟.
فأجابهم الخَطَّابي: وقال الشافعي في تأويل هذا إنَّ رسولَ الله عليه السلام لم يَحُجَّ بنفسه إلا نوعًا واحدًا، وهو إما إفراد أو تمتُّعٌ أو قِران.
وما رُويَ عنه من الأنواع الثلاثةِ واحدٌ، منها فَعَلَه بنفسه، والباقي أَمَرَ به
الصحابة ليتبيَّنَ جوازُ الأنواع الثلاثة، وما أمرَ به أصحابَه أُضيفَ إليه، وإضافةُ ما أَمَر به الآمرُ إلى الآخر جائزٌ مُطَّرِدٌ، كما يقال: قتل الأمير فلانًا، وقد أمرَ بقتلِه، وضرب فلانًا، وقد أمر بضرْبه.
ورويَ أن رسول الله عليه السلام رجمَ ماعزَ بن مالك، وقد أمر برَجْمه ولم يكن هو حاضرًا، ثم رُوِيَ أنه عليه السلام قطعَ يدَ السارق، وقد أمر بقطعه، ولم يكن هو حاضرًا ثَمَّ، ونحوُ ذلك كثيرٌ، فإذا كان كذلك لم يكن في هذه الروايات تناقضٌ.
* * *
مِنَ الحِسَان:
1835 -
عن زيَد بن ثابت رضي الله عنه: أنَّهُ رَأَى النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم تَجَرَّدَ لإحرامِهِ واغْتَسَل.
قوله: "تَجَرَّدَ لإحرامه واغتسلَ"؛ يعني: تجرَّدَ عن الثياب المَخِيطةِ، ولبسَ إزارًا أو رداءً للإحرام، والغُسْلُ للإحرام سُنَّةٌ، وهو أن يغتسلَ أولًا ثمَّ يُحْرِمَ.
* * *
1836 -
وعن ابن عمر رضي الله عنهما: أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم لَبَّدَ رَأْسَهُ بالغِسْل.
قوله: "لَبَّدَ رأسَه بالغِسْل".
(لَبَّدَ): أي: أَلْزَقَ رأسَه بالغِسْل - بكسر الغين - وهو الخِطْمِيُّ.
* * *
1837 -
عن خَلَّاد بن السَّائبِ، عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أَتاني جِبْرِيلُ فأَمَرَني أن آمُرَ أَصْحَابي أَنْ يَرفَعُوا أصواتَهُمْ بالإحرام والتَّلْبيَةِ".
قوله: "أتاني جبريلُ فأمرني أن آمرَ أصحابي أن يرفَعُوا أصواتَهم بالإحرام
والتَّلْبية"، وقع في هذا الحديثِ سهوٌ من النَّسَّاخين في قوله: (بالإحرام والتلبية)؛ ولفظُ هذا الحديث في "معالم السنن": "بالإهلال، أو قال بالتلبية"؛ يعني: شكَّ الراوي أن رسول الله عليه السلام قال: "أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية أو بالإهلال". ومعناهما واحد.
ولفظ "شرح السنة": "أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية أو بالإهلال".
وقال محيي السنة بعد هذا: (يريد أحدَهما)، فإذا شرحَه محيي السنة بقوله:(يريد أحدَهما) علمنا أن لفظَ المصابيح سَهْوٌ من النَّسَّاخين.
* * *
1838 -
عن سَهْل بن سَعْدٍ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما مِنْ مُسْلِمٍ يُلَبي إلَّا لَبَّى ما عَنْ يَمِينِهِ وشِمالِهِ مِنْ حَجَرٍ أو شَجَرٍ أو مَدَرٍ حتَّى تَنْقَطِعَ الأرْضُ مِنْ ها هُنا وها هُنا".
قوله: "إلا لبَّى مَن عن يمينِه وشمالِه"، (مَنْ) ها هنا بمعنى (ما)؛ لأنه يفسِّره بقوله:"من حجرٍ أو شجرٍ أو مدَرٍ"، وكلُّ ذلك ليس بعقلاءَ، فإذا لم تكن هذه الأشياء للعقلاء تكون (مَن) بمعنى (ما)؛ لأن (مَنْ) للعقلاء، و (ما) للجمادات وللحيوانات غيرِ العقلاء.
قوله: "تنقطع الأرضُ مِن ها هنا وها هنا"؛ يعني: إلى منتهى الأرض من جانبِ الشرقِ، وإلى منتهى الأرض من جانب الغَرْب؛ يعني: يوافقُه في التلبية كلُّ رَطْبٍ ويابس في جميع الأرض.
* * *
1840 -
عن عُمارة بن خُزَيْمَة بن ثابتٍ، عن أَبيه، عن النبيَّ صلى الله عليه وسلم: أنَّهُ كانَ إذا فرَغَ من تَلْبيتةِ سألَ الله رِضْوانَهُ والجَنَّةَ، واَستَعْفاهُ برحمتِهِ مِنَ النَّارِ.