الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
1786 -
عن عَمْرو بن شُعَيب، عن أبيه، عن جَدِّه: أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كانَ يُعلِّمُهم مِن الفَزَعِ: "أعوذُ بكَلِماتِ الله التامةِ من غضَبهِ وعقابهِ، وشَرِّ عِبادِهِ، ومِن هَمَزاتِ الشَّياطينِ، وأنْ يَحْضُرونِ".
قوله: "من همزات الشياطين"؛ أي: من وساوس الشياطين وإلقائهم الفتنةَ والاعتقاداتِ الفاسدةَ في قلبي.
قوله: "وأن يحضرون"؛ يعني: أن يجنِّبني الشياطينَ في الصلاة وقراءة القرآن، وقيل: عند الموت.
* * *
9 - باب جامع الدُّعاءِ
(باب جامع الدُّعاء)
مِنَ الصِّحَاحِ:
1788 -
عن أبي مُوسَى الأَشْعَري رضي الله عنه، عن النبيَّ صلى الله عليه وسلم: أنه كان يَدعُو: "اللهمَّ اغْفِرْ لي خطيئَتِي، وجَهْلِي، وإسْرافي في أَمْري، وما أنتَ أعلَمُ بهِ مني، اللهمَّ اغْفِرْ لي جِدِّي وهَزْلي، وعَمْدِي، وكلُّ ذلك عِندي، اللهمَّ اغفرْ لي ما قدَّمتُ وما أَخَّرْتُ، وما أَسْرَرْتُ، وما أَعْلَنْتُ، وما أنتَ أَعلمُ بهِ مِنِّي، أنتَ المُقدِّمُ، وأنتَ المُؤخِّرُ، وأنتَ على كلِّ شيءٍ قديرٌ".
"اللهم اغفر لي جِدِّي وهَزْلي وخَطَئِي وعَمْدي".
(الجِدُّ): نَقِيضُ الهَزْل.
(الهَزْلُ): المُزاحُ والتكلُّمُ بالباطلِ؛ يعني: اغفر لي ما ليس لك فيه رضًا من أفعالي وأقوالي وضمائري مما كان جدًا أو هزلًا أو خطأً أو عمدًا.
"وكلُّ ذلك عندي"؛ أي: كلُّ هذه الأنواع تَصْدُرُ عني.
* * *
1789 -
وعن أبي هريرة قال رضي الله عنه قال: كانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: "اللهمَّ أَصلِحْ لي دِيْني الذي هو عِصْمَةُ أَمْري، وأَصْلِحْ لي دُنْيايَ التي فيها مَعاشِي، وأصْلِحْ لي آخرتي التي فيها مَعادِي، واجعلْ الحَياةَ زيادةً لي في كلِّ خيرٍ، واجعلْ الموتَ راحةً لي من كلَّ شَرًّ".
قوله: "اللهمَّ أصلِحْ لي ديني الذي هو عِصْمةُ أمري".
(العِصمَةُ): الحِفْظُ؛ يعني اللهم احفظْ ديني عن الخَطَأِ والزَّلَل والرِّياء، وعما لا يليقُ ولا تُحِبُّه، فإنه عِمادُ أمري، فإن فَسَدَ دينهُ فَسَدَ جميعُ أموره وخابَ وخَسِر.
"وأصلِحْ لي دنيايَ التي فيها مَعَاشي"؛ يعني: احفظْ من الفساد ما أحتاجُ إليه من الدنيا، وهذا سؤالُ إنباتِ الزَّرْع والأشجارِ والبركةِ فيها، ونماءِ المواشِي، ونبوعِ المياهِ من الأرض، ونزولِ المطر، واتِّباعِ الناسِ إياه، وإيقاعِ الأُلْفة والمَحَبَّةِ بينه وبين أزواجِه وأولادِه والمسلمين، ودَفْعِ أعدائِه، وغيرِ ذلك مما يَحتاجُ إليه في الدنيا.
"وأصلح لي آخرتي التي فيها معادي".
(المَعَادُ): مصدرٌ مِيميٌّ، أو مكانٌ مِن (عاد) إذا رَجعَ؛ يعني: ارزقني عملًا يقربني إليك حتى يكونَ عيشي طَيبًا، يعني في الآخرة.
"واجعل الحياةَ زيادةً لي في كلِّ خيرٍ"؛ يعني: اجعلْ حياتي سببَ زيادةِ طاعتي، يعني: اجعل عمري مصروفًا فيما تُحِبُّ، وَجنِّبني ممَّا تكرَهُ.
"واجعلِ الموتَ راحةً لي من كلِّ شَرًّ"؛ يعني: اجعلْ موتي بالشهادةِ والاعتقادِ الحسنِ والتَّوبةِ، وكلَّ نيةٍ وخصْلَةٍ تحبُّها، حتى يكونَ موتي سبب خلاصي من مشقَّةِ الدنيا وحصولي على راحةِ ما بعدَ الموت.
* * *
1791 -
وعن عليًّ رضي الله عنه قال: قَالَ لي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "قلْ: اللهمَّ اهدِني وسدِّدني، واذْكُرْ بالهُدَى: هدايتَكَ الطَّريقَ، وَبالسَّدادِ: سَدادَ السَّهْمِ".
قوله عليه السلام لعليًّ رضي الله عنه: "اللهمَّ اهدِني وَسَدِّدْني، واذْكُرْ بالهُدَى: هِدايتَك الطريقَ، وبالسَّداد: سَدادَ السهم".
والسَّدادُ الأول مجرورٌ بالعطف على (بالهدى)، والسَّدادُ الثاني منصوبٌ لأنه مفعولُ (اذكر) وتقديرُه: واذكرْ بالسَّدَاد سَداد السَّهْم.
(السَّدَاد): الاستقامةُ؛ يعني: أسألُ الله الاستقامةَ، وإذا سألتَ الهُدَى فيكونُ في خاطرك: هدايتُك الطريقَ؛ أي: مشيُك واستقامتُك إذا مشيتَ إلى مَوْضعٍ؛ يعني: فكما إذا مشيتَ إلى موضعٍ لا تَعْدِلُ يمينًا ويسارًا، بل يكونُ مستقيمًا على الطَّرِيقِ، فكذلك اسْأَلِ الله الهُدَى الذي لا تَعْدِلُ معه عن طريقِ الشَّرْع إلى الباطل، وإذا سألتَ السَّدَاد في القَوْلِ والفِعْل، فليكُنْ في خاطِرك سَدادُ السَّهْمِ؛ يعني: فكما أنَّ السَّهْمَ يَقْصِدُ الهدفَ مستقيمًا لا يَعْدِلُ يمينًا ويسارًا، فكذلك اسأَلِ الله تعالى سَدادًا لا تَعْدِلُ معه عن الحقِّ إلى الباطل البتَّةَ، ذكر الخَطَّابيُّ هذا المعنى في شَرْحِ هذا الحديثِ.
* * *
مِنَ الحِسَان:
1794 -
عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال: كانَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم يَدْعُو يقولُ: "ربِّ أعِنِّي، ولا تُعِنْ عليَّ، واَنْصُرْنِي، ولا تَنْصُرْ عليَّ، وامكُرْ لي، ولا تَمْكُرْ عليَّ، واَهدِنِي، ويَسِّرْ الهُدَى لي، واَنْصُرْنِي على مَنْ بَغَى عليَّ، ربِّ اَجعلني لكَ شاكرًا، لك ذاكِرًا، لك راهِبًا، لك مِطْواعًا، لك مُخْبتَاً، إليك أوَّاهًا مُنِيبًا، ربِّ تقبَّلْ توبَتي، واَغسل حَوْبَتِي، وأَجِبْ دعوَتي، وثَبتْ حُجَّتِي، وسَدِّدْ لِساني، واَهدِ قَلْبي، واَسْلُلْ سَخِيمَةَ صَدْري".
قوله: "ولا تُعِنْ عليَّ"؛ يعني: ولا تغلِبْ عَلَيَّ أعدائي، أعان زيدٌ عَمْرًا إذا نَصَرَه، وأعان زيدٌ على عمرٍو إذا نَصَرَ أعداءَ عمروٍ حتى حاربوا عَمْرًا، ومثلُه:"وانصُرني ولا تَنْصُرْ عَلَيَّ".
فإن قيل: فإذا كان معناهما واحدًا، فأيُّ فائدةٍ في التكرار؟.
قلنا: أكثرُ استعمالِ الإعانةِ في الدعاءِ في طلبِ إعانةِ الله على الذَّكرِ والطاعة، وأكثرُ استعمالِ النُّصرةِ في طلبِ النُّصْرَةِ على الأعداء.
فقوله: "أعنِّي ولا تُعِنْ عَلَيَّ"؛ معناه وفِّقْني لذكرِك وشُكرِك وعبادتِك، ولا تُغَلَّبْ عليَّ مَن يَمنعُني عن طاعتِك من شياطينِ الإنس والجِنَّ.
قوله: "وانصُرْني ولا تَنْصُرْ عليَّ"؛ معناه: اللهم غَلِّبني على الكفَّارِ ولا تُغَلَّبْهم عليَّ.
"وامكُرْ لي ولا تَمْكُرْ عليَّ".
(المَكْرُ): الحِيلةُ والتفكُّرُ في دَفْعِ العدوَّ على وجهٍ لا يَعرِفُ العدوُّ طريقَه.
ومعنى هذا الكلام: اللهم اهدني على طريقِ دفعِ العَدُوِّ، ولا تَهْدِ العدوَّ على طريقِ دَفْعٍ عن نَفْسِه.
"الراهبُ": الخائفُ، مِن رَهِبَ يَرْهَبُ: إذا خاف.
(المِطْوَاعُ): كثيرُ الطَّوْعِ، وهو الطَّاعة.
"المُخْبتُ": المتضرِّعُ والمتواضعُ.
"الأَوَّاه": الذي يُكْثِرُ قولَ (أَوَّهْ)، وهذا اللفظُ يقولُه النادِمُ على فعل الذنوبِ والمُقَصِّرُ على الطاعة.
(المُنِيب): الذي يَرْجِعُ إلى الله ويلتجِئُ إليه، (أواهًا منيبًا) منصوبان معطوفان على (شاكرًا مخبتًا) وما قبلَه، وتقديرُه: اجعلني أَوّاهًا مُنيبًا إليك.
(الحوبة): بفتح الحاء: الزَّلَّةُ والخطيئة، و (الحَوْبُ) بفتح الحاء وبضمِّها: الإثمُ، هكذا قال أهل اللغة.
(الحُجَّةُ) ما يَغْلِبُ به الرجلُ على خَصمِه من الدليل على قوله، يعني: اللهمَّ قَوِّ دليلي وبرهاني على إثبات الدِّين، وسَدِّد لساني؛ أي: سَدِّد وَقوِّمْ لساني على التكلُّم بالصدق والصَّواب.
"واسْلُلْ"؛ أي: أخرجْ وانزِعْ سخيمة صدري - أي: حِقْدَ صدري - والبغضَ الموجودَ في قلبي على المسلمين.
* * *
1795 -
عن أبي بكر رضي الله عنه قال: قامَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم على المِنْبر، ثمَّ بَكَى فقال:"سَلُوا الله العفوَ والعافيةَ، فإنَّ أحدًا لم يُعْطَ بعدَ اليقين خيرًا مِنَ العافية"، غريب.
قوله: "قامَ رسولُ الله عليه السلام على المِنْبرِ ثمَّ بَكَى فقال: سَلُوا الله العَفْوَ والعافيةَ"، ذُكِرَ بحثُ العافية في (كتاب الدَّعَوات)، وبكاؤُه كان لِما عَلِمَ بعِلْمِ الوَحْي من وقوعِ الأمةِ في الفتن وغَلَبةِ الشهوةِ عليهم، وحِرصِهم على جمعِ المالِ
والجاه، وسألهم أن يَلْتَجِئوا إلى الله بأن يسألوا العفوَ والعافيَة ليعصمَهم من الفتن.
قوله: "بعدَ اليقين"؛ أي: بعدَ الإيمان.
* * *
1798 -
عن عبد الله بن يَزِيْدٍ الخَطْميِّ، عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم: أنه كانَ يقولُ في دعائه: "اللهمَّ ارزقني حُبَّكَ، وحُبَّ مَن ينفعُني حُبَّهُ عندَكَ، اللهمَّ ما رزقتَني ممَّا أُحِبُّ فاجْعَلْهُ قوةً لي فيما تُحِبُّ، اللهم ما زَوَيْتَ عنِّي مما أُحِبُّ فاجْعَلْهُ فَراغًا لي فيما تُحِبُّ".
قوله: "ما زَوَيْتَ عنَّي مما أحبُّ فاجعلْه فراغًا لي فيما تُحِبُّ".
(زَوَيْتَ): أي صَرَفْتَ ومَنَعْتَ عني مما أُحِبُّ من المال والجاه والأولاد، فاجعلْه سببَ فراغي فيما تُحِبُّ من العبادة؛ يعني: اجعلْني مشتغِلاً في طاعتك، ولا تجعلْني مشتغِلاً في الدنيا.
روى هذا الحديثَ عبد الله بن يزيد الخَطْمِي.
* * *
1799 -
عن ابن عُمر رضي الله عنهما قال: قَلَّما كانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يقومُ مِنْ مَجْلِسٍ حتَّى يَدعُوَ بهؤلاءِ الدَّعَواتِ لأصحابهِ: "اللهمَّ اقْسِمْ لنا مِنْ خَشْيِتِكَ ما تَحُولُ بِهِ بَيْنَنا وبيْنَ مَعاصِيْكَ، ومِنْ طاعَتِكَ ما تُبَلِّغُنا بِهِ جَنَّتَكَ، ومِنْ اليَقينِ ما تُهَوِّنُ بِهِ عَلَيْنا مُصِيبَات الدُّنْيَا، وَمَتِّعْنا بأَسْماعِنَا وأَبْصارِنَا وقُوَّتِنَا ما أَحيَيْتَنا، واجْعَلْهُ الوارِثَ مِنَّا، واجْعَلْ ثأْرَنَا عَلَى مَنْ ظَلَمَنا، وانْصُرْنَا على مَنْ عادانَا، ولا تَجْعَلْ مُصِيبَتَنا في ديننا، ولا تَجْعَلِ الدُّنْيا أكْبَرَ هَمِّنا، ولا مَبْلَغَ عِلْمِنا، ولا تُسَلِّط علينا مَنْ لا يَرحَمُنا"، غريب.
قوله: "ما تَحُولُ"؛ أي: ما تفرِّقُ وتُبعِدُ به؛ أي: بذلك الخوفِ بيننا وبينَ
المعاصي؛ أي: غَلِّبْ علينا خوفَك حتى لا نَعصِيَك من شدَّةِ خوفِك.
"تُهَوِّن"؛ أي: تُسَهِّل "به"، بذلك اليقين.
"علينا"؛ ما يصيبنا من الغَمِّ والمرضِ والجِراحَةِ وتَلَفِ المالِ والأولادِ، يعني: مَن عَلِمَ يقينًا أنَّ ما يصيبُه من المُصِيبات في الدنيا يُعطِيه الله تعالى عِوَضَه في الآخرة الثوابَ، لا يغتَمُّ بما أصابه من المصيبات في الدنيا، بل يفرَحُ بذلك من غايةِ حِرصِه على تحصيلِ الثوابِ، نسألُكَ مثلَ هذا اليقين.
"ومتِّعْنا بأسماعِنا وأبصارِنا وقُوَّتِنا"؛ يعني: اصرِفْ أعضاءَنا عن المعاصي، واستعمِلْها في طاعتك حتى يكونَ لنا بها نَفْعٌ.
"ما أَحْييتَنا"؛ أي: مدةَ حياتِنا.
"واجعلْه الوارثَ مِنَّا"، الضميرُ في (واجعلْه) يعودُ إلى مصدر (مَتِّعْنا)، وهو التمتيع، (الوارِثُ): الباقي من الأولاد والأقاربِ بعد الموت (1)، أراد بـ (الوارث) هنا: السمعَ والبصرَ، وبـ (الميت) فتور الأيدي والأرجل وسائر القوى، يعني: أبْقِ علينا قوةَ أسماعِنا وأبصارِنا بعد ضَعْفِ أعضائنا الأخرى إلى وقتِ الموتِ حتى لا نُحرَمَ من سماعِ كلامِك والمواعظِ والأخبارِ، وما في سماعِه لنا نَفْعٌ، ولذلك حتى لا نُحرَمَ مِن أبصارِنا ما فيه لنا خيرٌ واعتبار، وهذان العضوان أنفعُ الأعضاءِ الظاهرةِ للرجلِ في آخرته، وتقديرُه: ومتِّعنا تمتيعًا باقيًا معنا إلى الموت، هكذا شرحَ هذا الحديثَ الخَطَّابيُّ.
قوله: "واجعلْ ثَأْرَنا على مَنْ ظَلَمَنا".
(الثَّأْرُ): أن يقتلَ الرجلُ قاتلَ أبيه أو غيرِه من الأقارب، والمرادُ به ها هنا: الحِقدُ والغضبُ والغَلَبة، أي: اجعلْ غضَبنا وحِقدَنا على الكُفَّار، أو مَن ظَلَمَنا
(1) في "ش": "الميت".
من المسلمين حتى نستوفِيَ حُقوقَنا.
"ولا تَجْعَلْ مُصِيبتَنا في دِيننا"؛ أي: ولا توصِلْ إلينا ما يَنْقُصُ به دينُنا وطاعتُنا من اعتقادِ سوءٍ، أو أَكْلِ حرامٍ، أو فترةٍ في العبادةِ وما أشبهَ ذلك.
"ولا تَجْعلِ الدُّنيا أكبرَ هَمَّنا".
(الهَمُّ): القَصدُ والحُزْنُ؛ يعني: ولا تجعلْ أكبرَ قَصْدِنا وحُزْننا لأجلِ الدنيا، بل اجعلْ أكبرَ قصدِنا وحُزْنِنا مصروفًا في عَمَلِ الآخرة.
"ولا مَبْلَغَ عِلْمِنا"، (المَبْلَغُ): الغايةُ التي يَبْلُغُها الماشي والمحاسب فيقفُ عندها، يعني: ولا تجعلِ الدنيا غايةَ عِلْمنا؛ يعني: لا تجعلْنا بحيثُ لا نعلَمُ ولا نفكِّرُ إلا في أحوالِ الدنيا، بل اجعلنا متفكِّرين في أحوال الآخرة، ومتفحِّصين عن العلوم التي تتعلَّقُ بأمور الآخرة.
"ولا غايةَ رَغْبتنا"؛ يعني ولا تجعلِ الدنيا غايةَ رغبتِنا بحيثُ لا نرغبُ إلا في الدنيا، بل اجعلنا راغبين في الآخرة مُعرِضين عن الدنيا.
"ولا تُسَلِّطْ علينا مَنْ لا يَرحَمُنا"؛ يعني: لا تجعلِ الكُفَّارَ علينا غَالبين، ويحتملُ أن يكونَ معناه: ولا تَجْعَلِ الظالمين علينا حاكِمين، فإنَّ الظالمَ لا يَرْحَمُ الرَّعِية.
* * *
1800 -
عن أبي هُريرةَ قال: كانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يقول: "اللهمَّ انْفَعْنِي بما عَلَّمْتَنِي، وعَلِّمْني ما يَنْفَعُني، وزِدْنِي عِلْمًا، الحَمْدُ لله على كُلِّ حالٍ، وأَعُوذُ بالله مِنْ حالِ أهْلِ النَّارِ"، غريب.
قوله: "من حال النار"؛ أي: مِن شِدَّةِ النارِ وغَلَبَتِها.
* * *
1797 -
عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنَّه قال: كانَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم إذا أُنْزِلَ عَلَيْهِ الوَحيُ سُمِعَ عِنْدَ وَجْهِهِ دَوِيٌ كَدَوِيِّ النَّحْلِ، فَأَنْزَلَ الله يومًا، فَمَكَثْنا سَاعةً، فَسُرِّيَ عَنْهُ، فاَسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ وقالَ:"اللهمَّ زِدْنَا ولا تَنْقُصْنا، وأكْرِمْنا ولا تُهِنَّا، وأعْطِنَا ولا تَحرِمْنا، وآثِرْنَا ولا تُؤْثِرْ عَلَيْنَا، وأَرضنَا وارْضَ عَنَّا"، ثُمَّ قال:"أُنْزِلَ عَلَيَّ عَشْرُ آياتٍ، مَنْ أَقَامَهُنَّ دَخَلَ الجَنَّةَ"، ثُمَّ قرأَ:{قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ} حَتَّى خَتَمَ عَشَرَ آياتٍ.
قوله: "سُمِعَ عند وَجْهِه" دَوِيٌّ "كَدَويِّ النَّحْل".
(الدَّويُّ): الصوتُ الذي لا يُفهَمُ منه شيءٌ، وهذا الصوتُ هو صوتُ جبريلَ عليه السلام يبلِّغُ إلى رسولِ الله عليه السلام الوحيَ، ولا يُفْهِمُ الحاضرين مِن صوتِه شيئًا.
"فسُرِّيَ"؛ أي: أُذْهِبَ عنه ذلك الاشتغالُ والاستغراقُ باستماعِ الوَحْيِ.
"ولا تُهِنَّا"؛ أي: ولا تُذِلَّنا، وأصلُه:"ولا تُهْوِنْنَا"، فنُقِلَتْ كسرةُ الواو إلى الهاء، وحُذفت الواوُ لسكونها وسكونِ النون الأولى، ثم أُدغمتِ النونُ الأُولى في الثانية.
"وآثِرْنا"؛ أي: اخترْنا، وهو أمر مخاطَب مِن (آَثَر): إذا اختارَ أحدٌ شيئًا.
"ولا تُؤْثِر"؛ أي: ولا تختَرْ علينا أحدًا، فتُعَزِّزَه وتُذِلَّنا؛ يعني: ولا يَغْلِبْ علينا أعداؤنا.
قوله: "مَنْ أَقامَهنَّ"؛ أي: من عَمِلَ بهنَّ.
هذا آخرُ (جامعِ الدعاء)، ويتلوه (كتاب المناسك)، وإلى ها هنا مجلَّدٌ تامٌّ، والحمد لله رب العالمين والصلاة على نبيه محمَّد وآله أجمعين.
° ° °