الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
*
ومنها أن نورهم يسعى بين أيديهم
«1» . أخرجه أحمد بإسناد صحيح.
*
ومنها: أن لهم ما سعوا، وما يسعى لهم
، وليس لمن قبلهم إلا ما سعى، قاله عكرمة. وأما قوله تعالى: وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى «2» .
ففيها أجوبة:
أحدها: أنها منسوخة، روى ذلك عن ابن عباس، نسخها قوله تعالى:
وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ «3» . فجعل الولد الطفل فى ميزان أبيه، ويشفع الله الآباء فى الأبناء، والأبناء فى الآباء، بدليل قوله تعالى:
آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً «4» .
الثانى: أنها مخصوصة بالكافر، وأما المؤمن فله ما سعى غيره. قال القرطبى: وكثير من الأحاديث يدل على هذا القول، وأن المؤمن يصل إليه ثواب العمل الصالح من غيره. وفى الصحيح عن النبى- صلى الله عليه وسلم «من مات وعليه صيام صام عنه وليه» «5» وقال- صلى الله عليه وسلم للذى حج عن غيره «حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة» «6» ، وعن عائشة أنها اعتكفت عن أخيها عبد الرحمن وأعتقت عنه.
(1) أخرجه أحمد فى «المسند» (5/ 199) ، والحاكم فى «المستدرك» (2/ 538) ، من حديث ابن عباس- رضى الله عنهما-.
(2)
سورة النجم: 39.
(3)
سورة الطور: 21.
(4)
سورة النساء: 11.
(5)
صحيح: أخرجه البخارى (1952) فى الصوم، باب: من مات وعليه صوم، ومسلم (1147) فى الصيام، باب: قضاء الصيام عن الميت، من حديث عائشة- رضى الله عنها-.
(6)
صحيح: أخرجه أبو داود (1811) فى المناسك، باب: الرجل يحج عن غيره، وابن ماجه (2903) فى المناسك، باب: الحج عن الميت، من حديث ابن عباس- رضى الله عنهما-، والحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح الجامع» (3128) .
وقال سعد للنبى- صلى الله عليه وسلم: إن أمى توفيت أفأتصدق عنها؟ قال:
«نعم» ، قال: فأى الصدقة أفضل؟ قال: «سقى الماء» «1» .
وفى الموطأ عن عبد الله بن أبى بكر عن عمته أنها حدثته عن جدته:
أنها جعلت على نفسها مشيا إلى مسجد قباء فماتت ولم تقضه، فأفتى عبد الله بن عباس: أنها تمشى عنها.
ومن المفسرين من قال: إن «الإنسان» فى الآية، أبو جهل، ومنهم من قال: عقبة بن أبى معيط، منهم من قال: الوليد بن المغيرة، ومنهم من قال:
إخبار عن شرع من قبلنا، وقد دل شرعنا أن الإنسان له سعيه، وما سعى له، ومنهم من قال: الإنسان بسعيه فى الخير وحسن صحبته وعشرته اكتسب الأصحاب، وأسدى لهم الخير وتودد إليهم فصار ثوابهم له بعد موته من سعيه.
ومنهم من قال «الإنسان» فى الآية للحى دون الميت. ومنهم من قال:
لم ينف فى الآية انتفاع الرجل بسعى غيره له، وإنما نفى ملكه لسعى غيره، وبين الأمرين فرق:
فقال الزمخشرى فى وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى «2» . فإن قلت:
أما صح فى الأخبار الصدقة عن الميت والحج عنه؟ قلت: فيه جوابان.
أحدهما: أن سعى غيره لما لم ينفعه إلا مبنيا على سعى نفسه، وهو أن يكون مؤمنا مصدقا، كان سعى غيره كأنه سعى نفسه لكونه تبعا له، وقائما مقامه.
والثانى: أن سعى غيره لا ينفعه إذا عمله لنفسه، ولكن إذا نواه له فهو فى حكم الشرع كالنائب عنه، والوكيل القائم مقامه.
(1) حسن: والحديث أخرجه أبو داود (1679) فى الزكاة، باب: فى فضل سقى الماء، والنسائى (6/ 254) فى الخيل، باب: الاختلاف على سفيان، وأحمد فى «المسند» (5/ 284) و (6/ 7) ، والحديث حسنه الشيخ الألبانى فى «صحيح الجامع» (1113) .
(2)
سورة النجم: 39.
والصحيح من الأجوبة: أن قوله: وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى «1» .
عام مخصوص بما تقدم من الأجوبة. وقد اختلف العلماء فى ثواب القراءة، وهل يصل للميت؟. فذهب الأكثرون إلى المنع، وهو المشهور من مذهب الشافعى ومالك، ونقل عن جماعة من الحنفية.
وقال كثير من الشافعية والحنفية: يصل، وبه قال أحمد بن حنبل- رحمه الله بعد أن قال: القراءة على القبر بدعة، بل نقل عن الإمام أحمد:
يصل إلى الميت كل شىء من صدقة وصلاة وحج واعتكاف وقراءة وذكر غير ذلك.
وذكر الشيخ شمس الدين القطان العسقلانى: أن وصول ثواب القراءة إلى الميت من قريب أو أجنبى هو الصحيح، كما تنفعه الصدقة والدعاء والاستغفار بالإجماع.
وقد أفتى القاضى حسين: بأن الاستئجار لقراءة القرآن على رأس القبر جائز، كالاستئجار للأذان وتعليما لقرآن.
لكن قال الرافعى وتبعه النووى: عود المنفعة إلى المستأجر شرط فى الإجارة، فيجب عود المنفعة فى هذه الإجارة إلى المستأجر أو لميته، لكن المستأجر لا ينتفع بأن يقرأ الغير له، ومشهور أن الميت لا يلحقه ثواب القراءة المجردة، فالوجه تنزيل الاستئجار على صورة انتفاع الميت بالقراءة. وذكروا له طريقين:
أحدهما: أن يعقب القراءة بالدعاء للميت، فإن الدعاء يلحقه، والدعاء بعد القراءة أقرب إلى الإجابة وأكثر بركة.
والثانى: ذكر الشيخ عبد الكريم الشالوسى: أنه إن نوى القارئ بقراءته أن يكون ثوابها للميت لم يلحقه، لكن لو قرأ ثم جعل ما حصل من الأجر له، فهذا دعاء بحصول ذلك الأجر للميت فينتفع الميت.
قال النووى فى زيادات الروضة: ظاهر كلام القاضى حسين صحة
(1) سورة النجم: 39.
الإجارة مطلقا وهو المختار، فإن موضع القراءة موضع بركة وتنزل الرحمة.
وهذا مقصود: ينتفع الميت.
وقال الرافعى وتبعه النووى فى الوصية: الذى يعتاد من قراءة القرآن على رأس القبر قد ذكرنا فى باب الإجارة طريقين فى عودة فائدتها إلى الميت. وعن القاضى أبى الطيب طريق ثالث: وهو أن الميت كالحى الحاضر، فترجى له الرحمة ووصول البركة إذ أهدى الثواب له القارئ.
وقال الشالوسى: إذا نوى بقراءته أن يكون ثوابها للميت لم يلحقه، إذ جعل ذلك قبل حصوله، وتلاوته عبادة البدن فلا تقع عن الغير، وإن قرأ ثم جعل ما حصل من الثواب للميت ينفعه، إذ قد جعل من الأجر لغيره، والميت يؤجر بدعاء الغير. لكن إطلاق أن الدعاء ينفع الميت، اعترض عليه بعضهم بأنه موقوف على الإجابة. ويمكن أن يقال: الدعاء للميت مستجاب- كما أطلقوا- اعتمادا على سعة فضل الله.
وقال الرافعى وتبعه النووى: يستوى فى الصدقة والدعاء، الوارث والأجنبى. قال الشافعى: وفى وسع الله أن يثب المتصدق أيضا. وقال الأصحاب: يستحب أن ينوى المتصدق الصدقة عن أبويه، فإن الله ينيلهما الثواب ولا ينقص من أجره شيئا.
وذكر صاحب العدة: أنه لو أنبط عينا أو حفر بئرا، أو غرس شجرا، أو وقف مصحفا فى حال حياته، أو فعل غيره بعد موته، يلحق الثواب بالميت.
وقال الرافعى والنووى: إن هذه الأمور إذا صدرت عن الحى فهى صدقات جارية يلحقه ثوابها بعد الموت، كما ورد فى الخبر، ولا يختص الحكم بوقف المصحف، بل يلحق به كل وقف، وهذا القياس يقتضى جواز التضحية عن الميت، فإنها ضرب من الصدقة، لكن فى التهذيب: أنه لا تجوز التضحية عن الغير بغير أمره، وكذا عن الميت إلا أن يكون أوصى به.
وقد روى عن على أو غيره من الصحابة أنه كان يضحى عن النبى- صلى الله عليه وسلم بعد موته، وعن أبى محمد بن إسحاق السراج قال: ضحيت عن النبى- صلى الله عليه وسلم سبعين أضحية.
وأما إهداء القراءة إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم فلا يعرف فيه خبر ولا أثر، وقد أنكره جماعة منهم الشيخ برهان الدين بن الفركاح لأن الصحابة لم يفعله أحد منهم.
وحكى صاحب «الروح» : أن من الفقهاء المتأخرين من استحبه، ومنهم من رآه بدعة، قالوا: والنبى- صلى الله عليه وسلم غنى عن ذلك، فإن له أجر كل من عمل خيرا من أمته من غير أن ينقص من أجر العامل شىء.
قال الشافعى: ما من خير يعمله أحد من أمة النبى- صلى الله عليه وسلم إلا والنبى- صلى الله عليه وسلم أصل فيه.
قال فى تحقيق النصرة «1» : فجميع حسنات المسلمين وأعمالهم الصالحة فى صحائف نبينا- صلى الله عليه وسلم زيادة على ما له من الأجر، مع مضاعفة لا يحصرها إلا الله تعالى، لأن كل مهتد وعامل إلى يوم القيامة يحصل له أجر، ويتجدد لشيخه مثل ذلك الأجر ولشيخ شيخه مثلاه، وللشيخ الثالث أربعة، وللرابع ثمانية وهكذا تضعيف كل مرتبة بعدد الأجور الحاصلة بعده إلى النبى- صلى الله عليه وسلم.
وبهذا يعلم تفضيل السلف على الخلف. فإذا فرضت المراتب عشرة بعد النبى- صلى الله عليه وسلم، كان للنبى- صلى الله عليه وسلم من الأجر ألف وأربعة وعشرون، فإن اهتدى بالعاشر حادى عشر صار أجر النبى- صلى الله عليه وسلم ألفين وثمانية وأربعون، وهكذا كلما ازداد واحد يضاعف ما كان قبله أبدا، كما قال بعض المحققين، انتهى. ولله در القائل، وهو سيدى محمد وفا:
فلا حسن إلا من محاسن حسنه
…
ولا محسن إلا له حسناته
وبهذا يجاب عن استشكال دعاء القارئ له- صلى الله عليه وسلم بزيادة التشريف مع العلم بكماله- عليه الصلاة والسلام فى سائر أنواع الشرف. فكأن الداعى
(1) هو كتاب «تحقيق النصرة بتلخيص معالم دار الهجرة» لقاضيها زين الدين أبى بكر بن الحسين بن عمر العثمانى المراغى نزيل طيبة المتوفى سنة (816 هـ) ، قاله صاحب «كشف الظنون» (1/ 378) .